من ٥٠ سنه. كان ساكن هنا ساحر. الساحر ده اتعرف واتشهر لدرجة ان الناس كانت بتجيله من كل مكان. نفوذه زاد واصبح جشع لدرجة انه كان عايز يمتلك الارض كلها. حاول يحارب الناس بسحره، لكن الناس حاربوه بدينهم، الناس اللي مش بتؤمن بيه او حتى بأعماله.
الناس اكتشفت ان فيه أطفال بتختفي من القرية. ولما بحثوا لقوا انه بيحضر الجن علشان يخلي القرية تحت سيطرته. وفي يوم ١٨ مارس من ٥٠ سنه هجموا على بيته وأنقذوا الطفل. وكانوا هيقتلوه علشان يخلصوا الناس من شره، لكن هو جرى منهم.
وفي محاولة منهم إنهم يمسكوه، نط في البير. وفي محاولة منهم علشان يطلعوا جثته من البير، كان أي حد بينزل مش بيطلع. وبدأت الناس تقول إن الجن بينتقم من أي حد بينزل. ولو حد شرب من الميه دي بيعيش جسد بلا روح.
قلب بينبض على السرير وأهله بيتمنوا إنه يرجع. لكن في اليوم اللي جه فيه هنا الساحر، الناس بتقول إنه كان يوم خير على القرية. ولما بيجي يوم ١٦ مايو، الناس بتكون محضرة عملة من حديد بيلفوا عليها ورقة مكتوب فيها أمنية من أمنياتهم وبيرموها في البير وسط احتفال من الكل. وبيقولوا إن الساحر بيحقق الأمنية. لكن مش كل الناس بتتحقق أمانيها يا بنتي. قمر: كل ده يا تيته علشان منلعبش عند البير؟
الجده: آه يا قمر، انتي ونجمة مينفعش تقربوا منه. متفضلوش كل شويه تروحوا هناك وتلعبوا. قمر: حاضر يا تيته. نجمة: ماشي يا تيته. الجده: اسمعوا الكلام ومحدش يلعب هناك. روحي شوفي أخوكي وناديه علشان ياكل. نجمة بفرح وهي بتجري: حاضر يا تيته. قمر: يعني يا تيته محدش رجع خالص؟ الجده هزت رأسها بنفي وهي بتقول بتأكيد: لا، محدش رجع ومحدش هيرجع. ده بير ملعون واللعنة بتصيب اللي بينزل يا قمر يا بنتي. سندت على
العصاية وهي بتقوم وبتنادي: يا رحاب خلصتي الغدا؟ زمان جوزك على وصول يا بنتي. *** بعد ٥ سنين. قمر بتفكير وهي قاعدة عند باب البيت: تيجى نلعب يا نجمة؟ نجمة وهي بترسم قلب بعصاية صغيرة على الأرض: نلعب إيه؟ تيته قالت منبعدش ومش عارفة ممكن نلعب فين. قمر قامت من مكانها: زي ما كنا بنلعب زمان عند البير، يلا. نجمة بقلق: لا تيته قالت بلاش. قمر: تعالي نحط طوب وننط عليه. نجمة: بلاش يا قمر، علشان تيته.
قمر: أنا عايزة ألعب يا نجمة، وهبدأ دلوقتي. ١، ٢، ٣. وبدأت تلعب ونجمة تلعب معاها بفرحة. قمر: دوري أنا يا نجمة. اللعبة كانت عبارة إنك بتنطي على طوب الأطفال حاطينه بطريقة معينة بحيث تكون النطة الأولى على صخرة والتانية على خشبة على البير. أهل القرية حاطينها كوسيلة للأمان. والتالتة الحافة التانية للبير. بدأ دور قمر للمرة التالتة وغمضت عينيها وهي بتلعب. وبدأت نجمة تعدلها: ١، ٢.
فجأة الخشبة اللي كانت على البير اتكسرت ووقع منها قمر. بصت نجمة لشكل الثقب اللي اتكون من الكسر وهي بتنظر للبير وبتنادي على أختها والدموع نازلة من عيونها لما ملقتش رد. دخلت جوا وهي بتعيط. والدها ووالدتها بصوا عليها وسألوها: فين قمر يا نجمة؟ نجمة بعياط مستمر: وقعت في البير يا بابا. صرخت الأم والجده. والأب خرج.
اتجمع أهل القرية كلهم على صريخ الجده والأم. الأب فضل يبص على قمر بس مفيش صوت أو شكل ليه. مسك الخشبة ورماها على الأرض وهو بينادي بعلو صوته لكن مفيش رد. الأب: أنا هنزلها. الجده: لا يا ولدي، مش هتكون أنت والبنت. اللي بينزل هنا مش بيطلع تاني. الأم بقلة حيلة: علشان خاطري بلاش. إن شاء الله هنطلعها. يا قمر يا بنتي ردي عليا.
واحد من أهل القرية: خلاص إحنا نربطه بحبل ونفضل كلنا ماسكين الحبل ده ومحدش يسيبه. وإن شاء الله يلاقيها تحت قبل ما تغرق. الأب: مفيش غير الحل ده. أنا هنزل. جابوا أحبال كتير وربطوها عليه بحيث إنه مهما حصل ميتفكش. قبل ما ينزل جه طفل صغير وقاله: بابا. بصله وقاله: متخافش يا أسر. أنت راجل وأنا طالع. لا إله إلا الله. أسر: محمد رسول الله. فضل ينزل بالتدريج لحد ما اختفى عن العيون.
عدى دقيقة والكل بينادي عليه علشان لو عايش يشد الحبل، لكن مفيش رد وصلهم. أهل القرية كلهم قالوا إنه لازم يطلع، لكن المفاجأة إنهم لقوا الحبل مقطوع ومليش أي أثر ليه. الناس اتجننت. مش أول واحد في القرية يفقدوه، ومش آخر واحد. غير الناس اللي كانت بتفكر إن الكلام ده تخاريف لكن مطلعوش. واللي اعتقد إن اللي بينزل بيغرق والمية دي مفيهاش حاجة وشرب وأصبح جسد بلا روح.
قلب بينبض وأهل على أمل إنهم هيرجعوا للحياة. كل ده. أمي فضلت تعيط على جوزي وبنتي اللي راحوا في يوم واحد. وجددتي قعدت على الأرض في حالة صدمة وهي بتقول: نجيناك منه يا ولدي لما حاول يقتلك من ٣٠ سنة. ورحتله برجليك بعد ٣٠ سنة يا ولدي. أسر قرب من ماما اللي قاعدة بتعيط على الأرض وقالها: ماما، هو بابا هيرجع؟ فضلت ماما تبصله وخدته في حضنها ودموعها على خدها مش عارفة تقوله إيه. فاقت من شرودها
على صوت جدتها وهي بتقول: مش حذرتك يا نجمة يا بنتي من إنكم تروحوا عند البير. ليه ما سمعتوش الكلام يا بنتي؟ ليه؟ فضلت أبكي على أبويا وأختي اللي فقدتهم في يوم واحد. أمي أخدتني أنا وأخويا ودخلتنا البيت وفضلت هي وجدتي قاعدين عند البير على أمل إنهم يطلعوا. رغم إنهم عارفين إن الأمل كذاب وإنه استحالة يحصل. لكن فضلوا لحد الليل وبعد كدا دخلوا.
_وعدت السنين وبقيت عندي ٢٣ سنة واتخرجت واشتغلت. وأخويا بقى ظابط في القوات الخاصة زي ما بابا أتمنى زمان. وفضلت لوحدي قاعدة مع ماما في القرية. والامل اللي كان في الناس كلها بقى عندنا إن المفقود يرجع. تيته ماتت بعد الحادثة دي بسنتين. سنتين بتتحسر على ابنها وحفيدتها.
أسر كان بيجيلنا كل شهر مرة لأن ظروف شغله مكنتش بتسمحله بالسفر كتير. وأنا اشتغلت في شركة كبيرة وحققت حلمي واتخرجت من كلية تجارة وبقيت معروفة في مجالي. بس لسه عايشة مع ماما. -لكن في يوم الساعة ١٠ الصبح صحينا على خبط باب البيت. ماما فتحت ولقيت واحد من البريد واقف وبيقولها: حضرتك والدة الأستاذ أسر عبد الرحمن. ماما بصتله وهي بتقول: أيوا يا بني بس هو مش موجود. الراجل نزل
راسه لتحت وهو بيقول بأسف: البقاء لله يا أمي. ولدك تعيشي انتي. أنا خرجت على صوت حاجة بتقع على الأرض وكانت أمي وقعت على الأرض من الصدمة. والراجل واقف زي ما هو مش عارف يتكلم أو يقول حاجة. حاولت أفوق في ماما وأنا بقوله: إنت قلتلها إيه؟ قلت إيه؟ لقيت الست رحاب داخلة عليا وهي بتحاول تفوق ماما وبتقولي: مالها أمك يا بنتي؟ جرالها إيه؟ نجمة: معرفش يا طنط. قالها حاجة خلاها وقعت على الأرض. هو اتكلم وهو
حاطط راسه في الأرض وبيقول: البقاء لله. الرائد أسر عبد الرحمن. قعدت جنب ماما ساكتة وملامح الصدمة كلها على وشي. أسر. بقيت زي الصنم مفيش حاجة بتحركنى أو تهزنى. الإسعاف جت وخدت ماما. وأنا رحت معاها وأنا لسه زي ما أنا على نفس الوضع. لكن الكارثة لما لقيت طنط رحاب خارجة بتحضني وبتقولي: تعالي معايا يا بنتي. ولاول مرة أنطق وأقولها: فين يا طنط؟ أنا عايزة أمي. عينها اتملت
بالدموع وهي بتقول بحزن: تعالي يا بنتي متقلبيش عليا المواجع. صرخت فيها وأنا بقول بكسرة: هو فيه أكتر من المواجع اللي أنا فيها؟ أمي فين؟ ردت وهي بتقولي بحزن بان في كلامها وعينها: أمك جالها سكته قلبية يا بنتي. أمك تعيشي انتي. غمضت عيني وأنا بحاول أتمالك نفسي. هي لقتني ساكتة أخدتني من إيدي وودتني لحد البيت. حاولت تكلمني في إجراءات الدفن لكن أنا كنت ساكتة وبشاور بإيدي بس.
في العزا لقيت ظباط كتير بيعزوني في ناس هما بالنسبالي لسه عايشين. أمي وأخويا. اللواء دخل عليا وقالي: البقاء لله يا بنتي. أخوكي كان من أكفأ الشباب اللي اشتغلوا معايا. زمايلي في الشغل ومديري جيه عزاني. شفت في عيونهم كلهم نظرات الشفقة اللي عمري ما كنت أتمنى أشوفها. لكن فوقت على الحقيقة المرة وأنا قاعدة لوحدي في البيت.
البيت اللي مبقاش فيه غير ريحة أمي وهدوم أخويا وصور أبويا واختي. البيت اللي اتربيت فيه دلوقتي كرهته من غيرهم. غمضت عيني بحاول أفتكر أي حاجة حلوة تخليني أكمل في الدنيا دي. لكن فوقت على خبط الباب. كانت طنط رحاب. من ساعة العزا وهي كل يوم تخبط وتسأل عليا وتحاول تأكلني. المرة دي قالتلي: تعالي اخرجي اتمشي شوية في القرية. إنتي بقالك ٥ أيام قافلة على نفسك.
فضلت بصالها والسكوت ملازمني كالعادة من ٥ أيام لحد ما أخدتني من إيدي وهي بتقفل الباب وبتتمشى معايا وهي بتتكلم وأنا في عالم تاني. لحد ما فوقت من تركيزي على البير. "بئر كندراش". البير ده على اسم الساحر كندراش. فضلت باصة عليه وهي أخدت بالها وقالتلي: متقفيش تفكري كتير يا بنتي. البير ده ملعون وكل من دخله مخرجش. عارفة إنتي بتفكري في إيه دلوقتي. لكن محدش يقدر يغير القدر.
هي فاكرة إن بفكر لو أبويا واختي موجودين معايا كانوا هونوا عليا. بس أنا تفكيري بعيد عن تفكيرها تماماً. وصلتني لحد البيت وباعتت بنتها بأكل ليا. وأنا تفكيري مش راضي يخلص. الفكرة في دماغي مش بتروح. -الباب خبط تاني. قمت فتحت الباب وأنا بجر في جسمي اللي هده الحزن والتعب. فتحت الباب ولقيت صحابي من الشغل كلهم واقفين قدامي. قدام جسم هذيل وضعيف. توقعوا إني لما أشوفهم هفرح. لكن تعابير وشي كانت زي ما هي. حزن + اكتئاب.
سبت الباب مفتوح ودخلت قعدت على الكنبة وأنا ضامة رجلي ودافة راسي جوا. كلهم دخلوا وقفلوا الباب. وواحدة صحبتي جت وهي بتقول: إحنا كلنا مقدرين اللي إنتي فيه. وأكيد مننا اللي خسر حد عزيز عليه. دي حكمة ربنا يا نجمة. منقدرش نعترض. رفعت راسي وأنا ببص في وشهم كلهم وعيونهم. ولتانى مرة أشوف نظرة الشفقة في عيونهم. عمري ما اتعودت إني أكون صعبة على حد. الشعور ده بيقتلني. رجعت راسي مكانها.
فزميل في الشغل قال: أستاذ ياسين كان عايز يجي بس والدته تعبت. قالنا نديكي الرسالة دي. مد إيده بالرسالة. وأنا فضلت دافة راسي بين رجلي. حطها على الترابيزة اللي جنبي وقالي اقرأيها في أي وقت. قعدوا معايا نص ساعة بيواسوا إنسان فقد معنى الحياة. إنسان ميت إكلينيكياً. مشيوا وأنا قمت مسكت ألبوم الصور وقعدت أتفرج على صورنا. قلبت في الصور وأنا بفتكر تفاصيل صغيرة محتاجاها دلوقتي.
الصورة دي كانت في أول مصيف. والصورة دي لما اتولدت أنا وقمر. ودي صورة بابا وهو ماسكنا احنا الاتنين. أنا وقمر. الصورة دي لينا كلنا. أنا وبابا وماما وأسر وقمر وجدتي. قلبت الألبوم وأنا بفتكر تفاصيل التفاصيل. لكن فوقت على إن البيت فضي مبقاش فيه غيري. الساعة كانت ٤ العصر. غمضت عيني وأنا بفتكر كل حاجة حصلت كأنها إمبارح. لحد ما روحت في النوم. وصحيت على صوت أذان الفجر الأول. الساعة كانت ٣ الفجر. ياااه. هو أنا نمت كتير كدا.
قمت وخرجت. الجو كان حلو قوي. غير إرادتي منى لقيتني بروح عنده. عند البير. بصيت عليه وعيني اتملت دموع. على أخويا وأبويا وأختي وأمي وستي. على الوحدة اللي عشت فيها من بعدهم.
لقيت نفسي بشيل الغطا اللي أهل القرية حطوه وواقفة عليه وأنا بفتكر ذكرياتي مع قمر. وقد إيه كنا أعز من الأخوات. بفتكر لعبي معاها. بفتكر آخر مرة شفتها فيها. صرختها وهي بتقع جوا من ١٥ سنة. بفتكر كل حاجة. وفي لحظة كنت مغمضة عيني على أمل إني أكون عندهم دلوقتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!