ظلوا جالسين في المستشفى إلى أن خرجت الممرضة وتحمل بيدها مولود داخل لفه. اقتربت من منصور وهي سعيدة لتعطيه الطفل وتبارك له، ولكن منصور رفض أن يحمله، أيديه لابوه يشيله الأول ويسمى عليه. ذهبت الممرضة في اتجاه صقر وأعطته الولد وهي تبارك له. "ألف ألف مليون مبروك يا معلم، المدام جابت ولد زي القمر يتربى في عزك، ايدك بقى على الحلاوة." حمله صقر بيد مرتعشة وأذن له في أذنه، ثم أعطاه لزوجته. تحدث منصور مستفسراً عن اسمه.
"هتسميه إيه يا صقر؟ "أنا مش هقدر أسميه على اسمي، لكن أقدر أسميه زي اسمي." "فزورة دي، ما تقول هتسمي إيه." "شاهين، الصقر شاهين." ثم أعطاه إلى زوجته. "خدي يا أم شاهين، مبروك عليكي ابنك." أخذته رسمية بلهفة ونظرت إليه وظلت تسمي عليه، وضمته لصدرها بحنان وأصبحت تبكي من الفرحة أنها أخيراً ستصبح أماً. خرج صقر من جيبه رزمة من الأموال وأعطى الممرضة البشارة، وأصبح يعطي كل من يراه فلوس.
ثم ذهب بعد ذلك وتكفل بمصاريف المستشفى كاملة. ظلت رسمية جالسة وهي تحمل المولود وتكبر له وتسمي عليه. عندما رأى منصور ما فعله أخيه شعر بسعادة داخلية. فهو الآن وجد نقطة ضعف لأخيه، وكلما يكبر ابنه كلما تعلق به صقر وزوجته أكثر، وكلما سيطر منصور على أخيه أكثر. اقترب منصور من رسمية. "مبروك يا أم شاهين، اللي جابك يخلي لك." "الله يبارك فيك، أنا اللي المفروض أبارك، ده ابنك."
"لا، من يوم ما خرج من بطن أمه بقى ابنك خلاص، تقدري تاخديه وتمشي، ولما هادية تقوم هترجع بيتها." "طيب، مش نطمن عليها الأول." "هي أول مرة يا مرات أخويا تخلف، دي الخامسة." "ربنا يبارك." ثم ذهب بعد ذلك لأخيه وطبطب على كتفه. "وانت يا صقر، خديهم وروحهم، وبعد كده روح الأچانس بتاعك وخد بالك من شغلك." "وأنا كمان مجرد ما هادية تخرج هروحها وأجي وأروح أشوف حالي."
"طيب يا منصور، أنا هروح وأبعت لك حد من الصبيان بتوعي ومعاهم عربية يوصلوكوا البيت." وبالفعل ذهب صقر لمنزله برفقة زوجته رسمية. وذهب بعدها منصور لشراء كل ما يلزم صقر من الصيدلية، من ألبان من أغلى الأنواع وأعشاب. مرت الأيام وبدأ شاهين يكبر ببطء ويزداد تعلق صقر ورسمية به. كلما كبر كلما زادت ملاغاته لهم. كل يوم يمر كان صقر يشتري له شيئاً وهو قادم من عمله.
مرت سنة وعاد منصور للعمل في أچانس السيارات الخاص بصقر، وحاول صقر مراراً أن يعلمه أصول الشغلانة، لكن منصور لم يهتم أن يطور من نفسه، هو فقط يريد ذلك المرتب الكبير الذي يعطيه له أخيه. "أچانس يعني معرض سيارات." صقر يمتلك معرض سيارات مستعملة. كانت رسمية من وقت لآخر تأخذ شاهين ليزور أخوته ولكي تراه هادية، لكن هادية لم تكن تعطيه ذلك الاهتمام الذي كانت تعطيه لإخوته، فهي لم ترضعه ولم يكبر أمامها.
وأثناء جلوسها مع رسمية فاجأتها بخبر حملها مرة أخرى. "اسكتي يا رسمية، مش أنا حامل." "إيه ده بجد، ألف مليون مبروك." "والله يا أختي منصور لسه عامل معايا مشكلة، قال لي يا ولية إحنا يا دوب بنصرف على العيال وبدأنا نظبط أمورنا، راحة تحملي تاني." "ارضي يا هادية، انتي وجوزك دول عزوة، أنا مستنية شاهين يكبر ويشد حيله وهعرفه إنك امه وولادك دول اخواته." "انتي مش عايزاه ولا إيه يا رسمية؟
"أنا مقدرش أقعد من غيره ساعة واحدة، أزهق منه، لا طبعاً، بس صعبان عليه إنه وحيد، عشان كده بجيبه يقعد مع اخواته ويلعب معاهم." "صعبان عليكي، يا رسمية اللي يصعب عليكي اخواته دول، إنما هو عايش عيشة أحسن منهم كلهم." "بس هما في حضنك وطول الوقت مع بعض وعارفين إنهم اخوات، ولما يكبروا هيخافوا على بعض." "محدش عارف المستقبل فيه إيه، وانتي ماتستعجليش." صدمت رسمية من حديث هادية، فهي ظنت أنها ستكون سعيدة عندما تخبرها بما تفكر فيه.
مرت الشهور والسنوات وأنجبت هادية بنت. بدأ شاهين يكبر وأصبح عمره عشر أعوام، وكان صقر يهتم به وبدراسته، وأدخله أفضل المدارس، وكان يأتي له بأفضل المعلمين حتى يجيد القراءة والكتابة ويعلمه لغات أخرى كي يساعده في عمله عندما يكبر. أصبحت علاقة شاهين بمن حوله علاقة طيبة، فالكل يحبه. حاول كثيراً صقر أن يخبره بصلة القرابة بينه وبين منصور وإخوته، لكن كان يخشى من ردة فعله أو أن يبتعد عنه.
وقام بتزوير شهادة ميلاد جعلت شاهين اسمه في الأوراق الرسمية شاهين صقر. وأصبح لشاهين ابنتين خالة، واحدة من جهة رسمية، ابنة أخت رسمية تدعى فضة، وأخرى من جهة هادية تدعى أسماء. ولكن شاهين كان قلبه يميل لفضة، فهي كثيراً ما كانت تأتي لتجلس مع خالتها، وكان شاهين يراها وأوقات أخرى يتحدث معها ولكن بحدود. ولكن هاتان الفتاتان بدأوا يحملون مشاعر تجاهه. ترى هل النصيب فين ولمين؟
بدأ شاهين يعمل في معرض أبيه، وكان يتعامل مع منصور بمثابة أن منصور عمه، وبدأ يقترب من ممدوح أخوه الأكبر منه مباشرة. فكان يرتاح كثيراً في الحديث معه، وكذلك ممدوح يحبه كثيراً. مرت السنين ودخل شاهين كلية هندسة، وأصبح في السنة النهائية، ومازالت علاقته بممدوح تزداد قوة. وأصبح هو من يمسك المعرض لوالده. "بقولك إيه يا ممدوح، الدراسة خلاص هتبدأ وأنا عايز أنزل أشتري طقمين جداد." "طقمين مرة واحدة؟
"يا عم النق ده، تعالى معايا وهجيب لك طقم هدية." "ماشي، بس بقولك إيه، القميص الرمادي اللي جبته السنة اللي فاتت بقالك فترة مابتلبسوش، أنا عايزه." "تعالى معايا خد اللي انت عايزه من الدولاب يا ممدوح، أنا بحسك أخويا مش ابن عمي." "والله الإحساس متبادل يا شاهين." خرج شاهين برفقة ممدوح كعادتهم، واشترى له ملابس واشترى لنفسه، وأيضاً اشترى لوالده، ولم ينسى أمه فقد اشترى لها هدية.
بعد أن انتهوا، قرر ممدوح أن يؤجل ذهابه لمنزل عمه ليوم آخر، فالوقت قد تأخر ويحتاج للنوم حتى يستطيع العمل براحة في اليوم الثاني. ذهب شاهين المنزل، وجد صقر وزوجته يشاهدون التلفاز. جلس برفقتهما وظل يناكفهما كعادته. "خد يا باشا، طقم جديد على ذوقي، إنما إيه حاجة الأجا زي ما بتقول." "أفضل انت اشتريله لبس يا شاهين كده لحد ما يعملها ويتجوز عليها، ووقتها هموتك انت واهو."
"وهو يقدر يا ست الكل، ده لو لف العالم ده مش هيلاقي ضفرك." "وعشان ماتزعليش، خدي طرحة وعباية جداد أهم." "ربنا يخليك لينا ومايحرمناش منك أبدا." "بابا، أنا عايز أقول لك حاجة بس خايف من رد فعلك." "خير." "أنا هنزل اشتغل في معرض تاني الأسبوع الجاي." وقف صقر بعصبية وغضب من قرار ابنه. فهو يعتمد عليه في كل شيء، لما يريد الآن أن يتخلى عنه؟ هل علم شيئاً من الماضي؟ "انت اتجننت؟ أنت بتقول إيه بقى؟ عايز تسبني يا شاهين؟
دي آخرة تربيتي وأنا اللي بقول إنك هتكبر المعرض." "أنا عشان عايز أكبر المعرض عملت كده." "بص يا بابا، أنا عايز أعمل فرع تاني للمعرض وتكون سيارات زيرو، مش هنفضل طول عمرنا في المستعمل." "إحنا معانا مبلغ حلو وممكن نعمل قرض ونبدأ بعمل فرع جديد لينا بعيد عن هنا، ونخلي المعرض ده يبقى فيه سيارات جديدة ومستعملة، والمعرض التاني يبقى سيارات جديدة بس، ونسمي المعرض الصقر شاهين." "طيب يا ابني، أنا قصرت معاك في حاجة؟
طالما انت شايف ده صح، اعمله." "المبلغ كبير، وقبل أي خطوة لازم أحسبها كويس وأعرف قرارها، عشان لو خسرنا وقتها هنخسر كل حاجة عملناها السنين اللي فاتت." جلس صقر مرة أخرى يفكر في حديث شاهين، وازداد إعجابه بطريقة تفكير ابنه، فهو يشبهه كثيراً عندما كان في سنه، بالرغم أن منصور والده الحقيقي، إلا أن شاهين يأخذ طباعه. لم ينسى موقف منصور عندما أخبره إنه لا يريد لشاهين أن يعرف إنه ابنه في الوقت الحالي، إلى أن يشاء الله.
فقط ظن أن منصور سيرفض، لكن تفاجأ عندما طلب منه مقابل وساومه على رفع أجره للضعف. وعندما كبر شاهين ظن أن والده يفعل ذلك لكي يساعد عمه بشكل غير مباشر. ترى شاهين هيكون مين نصيبه، فضة ولا أسماء؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!