تحميل رواية «بيت البنات» PDF
بقلم امل صالح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"أنتِ بتأكليه في بُقه؟!!" نطقت بها "جنى" تلك الشابة في منتصف العشرينات بتعجب وعدم تصديق وهي تطالع تلك المتبجحة التي تجلس بجانب خطيبها تقوم بإطعامه داخل فمه أمام أعين الجميع وكأنه زوجها. أجابت تلك الفتاة وهي تنفض يدها بعدما وضعت المعلقة جانبًا تجيبها ببرود: "أيوة يا حبيبتي إحنا متعودين على كدا من زمان، بعدين أنا مش حد غريب دانا بنت خالته يعني!" ها هي تبرر فعلتها التي لا تمت للأدب بصلة بتلك القرابة اللعينة، نظرت "جنى" للطاولة من حولها حيث يجلس كلٌ من خطيبها "عصام" وعلى يسار تلك المتبجحة "روفيدة" ا...
رواية بيت البنات الفصل الأول 1 - بقلم امل صالح
"أنتِ بتأكليه في بُقه؟!!"
نطقت بها "جنى" تلك الشابة في منتصف العشرينات بتعجب وعدم تصديق وهي تطالع تلك المتبجحة التي تجلس بجانب خطيبها تقوم بإطعامه داخل فمه أمام أعين الجميع وكأنه زوجها.
أجابت تلك الفتاة وهي تنفض يدها بعدما وضعت المعلقة جانبًا تجيبها ببرود: "أيوة يا حبيبتي إحنا متعودين على كدا من زمان، بعدين أنا مش حد غريب دانا بنت خالته يعني!"
ها هي تبرر فعلتها التي لا تمت للأدب بصلة بتلك القرابة اللعينة، نظرت "جنى" للطاولة من حولها حيث يجلس كلٌ من خطيبها "عصام" وعلى يسار تلك المتبجحة "روفيدة" ابنة خالته بينما كانت تجلس هي على يمينه ولجانبها ذلك الشاب والذي يكون خطيب "روفيدة".
رفعت روفيدة حاجبها وهي تسألها بإبتسامة تتعمد استفزازها: "إيه أنتِ عندك مشكلة ولا إيه؟?"
ولكن هيهات هيهات ما تريد، إن ظنت أنها بتلك اللهجة ستثير أعصابها وتجعلها تقف مندفعة خارج المطعم بغضب فهي خاطئة.
ابتسمت "جنى" بهدوء ابتسامة أظهرت أسنانها وهي ترد عليها بينما تشير بيدها على الشاب خطيب "روفيدة": "لأ يا حبيبة قلبي عندي مشكلة ليه! إذا كان خطيبك قاعد أهو وشايف ومعندوش مشكلة هعترض أنا ليه؟?"
كان "أمير" خطيب "روفيدة" يحترق بالفعل لما تفعله أمامه وأمام العامة، كان على علمٍ سابق بأنها مقربة من "عصام" بهذا الشكل لأنها تعتبره أخًا لها ولكنها تمادت تلك المرة.
كما أن كلمات جنى الحارقة جعلته عاريًا أمام نفسه، وقف "أمير" من مكانه ليرمي روفيدة بنظرات مشتعلة قبل أن يلتقط هاتفه ويلتفت ليخرج من المكان.
نظرت جنى للكرسي الذي أسقطه أمير بإندفاعه للخارج ثم وقفت معتذرة لمن حولها وهي تقوم برفعه عن الأرض، وأثناء ذلك كانت روفيدة قد وقفت سريعًا لتلحق بأمير بعد صاحت بجنى غاضبة: "منك لله يا شيخة."
ابتسمت جنى بسخرية وهي تنظر لعصام الذي بقى بمفرده على الطاولة ثم قالت وهي تلتقط حقيبة ذراعها: "حاسب على المشاريب يا نجم."
ومن ثم غادرت هي الأخرى، تنفست بغضب ما إن صارت خارج المطعم لتسب وتلعن الإثنين وهي تشعر بتلك النيران داخلها.
التفت تنظر حولها بحثًا عن وسيلة تُعيدها للمنزل وهي لازالت تتأفف في ضيق، صعدت إحدى الوسائل ثم أملت السائق المكان قبل أن ينطلق بها.
وصلت المنزل وأخذت تلقي بمتعلقاتها بكل مكان، الحقيبة أرضًا، المفاتيح فوق الأريكة، فردة الحذاء الأولى ألقتها بقوة أمام المطبخ: "عيال ولاد **، ناقص تقوم تقعد على حجره بالمرة!"
"بسم الله! مالك يا جنى في إيه؟"
خرجت تلك الكلمات من فم والدتها التي خرجت من المرحاض تجفف وجهها وذراعيها بعد أن توضأت استعدادًا لأداء صلاة المغرب.
نظرت جنى لوالدتها بسخرية وهي تجيبها: "كانت بتأكله في بُقه يا ماما، في بُقه."
اقتربت منها "وجيهة" والدتها وهي تسألها بعدم فهم: "مين دي؟ وبتاكل مين؟?"
صاحت بضيق وهي تلقي بالفردة الأخرى: "سي عصام، الست هانم بنت خالته وإحنا قاعدين في نص المطعم راحت مغمسة العيش في الملوخية ومطفحاها للبيه."
نظرت بتعجب لوالدتها وهي تسترسل: "وخطيبها يا ماما، خطيبها يا ماما قاعد بيتفرج ولا اللي بيشوف فيلم في السينما."
عقدت وجيهة حاجبيها وهي ترد بغضب: "وازاي عصام يسيبها تعمل حاجة زي كدا؟ إيه والبت دي معندهاش حياء ولا إيه؟?"
"بتقولي متعودين، ولاد الـ** متعودين."
لكزتها والدتها سريعًا: "بس بس استغفر الله، قولي اللهم اغفر لي ولهم."
"ربنا ياخدهم هم الجوز! يغفر ليهم إيه دول هيتحمصوا في جهنم لما يشبعوا."
"يَ بنتي حرام! في ملك بيرد عليكِ بقولك ولكِ مثله، قومي قومي بس دلوقتي صلي العصر اللي فاتك وبعدين شوفي هتعملي إيه..."
قاطعتها جنى سريعًا: "لأ خلاص أنا مش هستنى، أنا صبرت كتير يا ماما وبقيت أعدي مواقف بايخة كتير بس بعد الموقف ده أنا خلاص هنهي الموضوع."
"ليه بس ده عصام ده واد ابن حلال متلاقيش زيه اليومين دول."
"ماما أنا لما وافقت عليه وافقت عشان مش عايزة أدخل نفسي في حوارات حرام زي الارتباط والحب، كان شاب مناسب وزي ما قال في الأول إنه شاريني بس بعدين بدأت حاجات تانية توضح."
رفعت يدها ثم بدأت في العد: "بخيل، جعان وبيبص لحاجة غيره، ابن أمه ودي حاجة نيلة وموضوع تاني لوحدها، ميعرفش حاجة عن دينه وده أصلًا سبب كافي لوحده..."
توسعت عيناها وهي تتذكر كيف كانت تطعمه روفيدة وهي تصيح: "بقولك كانت بتأكله في بقه يا وجيهة!!"
تنهدت السيدة وجيهة وهي تنفي برأسها حزنًا: "لا حول ولا قوة إلا بالله، يا بنتي طب والكلام ده مقولتيهوش في الأول ليه؟!"
زفرت جنى بضيق هي الأخرى وهي تجيبها بينما تنظر للخاتم الذي يزين إصبعها والذي بات يخنقها: "كنت فرحانة يا ماما، فرحانة لدرجة كنت بعدي الحاجات دي كلها، لبست دبلة زي البنات ولبست فستان سواريه، جالي بوكيه ورد."
رفعت وجهها تتابع وهي تنظر لوالدتها بألم: "أول مرة أتخطب والحاجات دي كلها كنت بسمع عن فرحتها، لما جربتها فرحت جدًا لدرجة كنت بعدي كل صفاته الوحشة وأقول إن محدش كامل."
ربتت وجيهة على قدمها وهي تخبرها بنبرة حنونة: "ربنا يقدم اللي فيه الخير يا حبيبتي، قومي غيري هدومك ولو هتريحي شوية لبليل وأنا هتكلم مع أبوكِ على ما تصحي."
أومأت لها جنى بابتسامة ثم وقفت تجمع ما سبق وألقته بينما تحبس عبراتها داخل عينيها، ربما لم تحبه ولكن يبقى الأمر مؤلمًا.
التفت متجهة لغرفتها فأوقفها صوت رنين جرس المنزل، عادت لتفتحه فتفاجئت بأختها المتزوجة "ندى"، نظرت لها بخوف وقلق وهي ترى حالتها المبعثرة: "في إيه يا ندى، مالك بتعيطي كدا ليه؟!"
لم تجبها سوى بكلمة واحدة أخذت ترددها من بين بكائها: "خلود... خلود... خلود."
صاحت جنى بفزع وهي تسألها: "مالها خلود بنتك؟ هي فين أصلًا؟?"
دب الرعب بأوصال جنى أمام حالة أختها التي تردد إسم ابنتها الرضيعة، فكيف غادرت المنزل دون ابنتها التي لم تتم حتى الشهر الواحد بعد ولادتها؟ ولما تردد إسمها هكذا؟
خرجت وجيهة سريعًا على صراخ جنى وبكاء ندى، وقفت أمامهما: "في إيه؟؟ مالك يابت في إيه؟?"
وقعت ندى أرضًا وهي تجيب أخيرًا بما جعلهم في حالة من الخوف والقلق: "قتلتـ..ـها ،قتـ.ـلت بنتي."
رواية بيت البنات الفصل الثاني 2 - بقلم امل صالح
...
"قتلتِـ..ـتها، قَتَلِـ..ـت بنتي."
"اهدي، اهدي وفهمينا يا ندى!"
"خلود، بنتي..."
صرخت بها جنى وقد فقدت أعصابها بسبب أختها التي تصرخ بينما تردد كلماتًا غير مفهومة. بينما جلست وجيهة، والدتها، أرضًا أمامها تحاول تهدئتها:
"طب بس اهدي وفهمينا، فين خلود؟ وفين ناصر جوزِك؟"
لم تنطق أو تجيب بأي كلمة، فقط تتمتم بخفوت بإسم ابنتها. أحضرت جنى هاتفها سريعًا ثم تحركت خارج المنزل لتقوم بمهاتفة هايدي، شقيقة ناصر، زوج أختها، لتعلم منها ماذا يحدث.
"أيوة يا هايدي، في ايه؟ خلود بنت ندى فين؟"
تفاجئت بها جنى تصرخ بصوت عالٍ يصم الآذان:
"ليكو عين تتصلوا؟ ليكو عين تتكلموا؟ منها لله أختِك، حسبي الله ونعم الوكيل فيها..."
توسعت عيناها وهي لا تفهم أي شيء، سألتها بنفاذ صبر وضيق:
"لو سمحتِ من غير غلط، إيه اللي حصل خلاها منهارة بالشكل ده؟ وفين بنتها؟"
وصلها صوت بكاء هايدي وهي تجيبها مولولة:
"راحت للي خلقها، بنتها راحت للي خلقها وكله بسببها، كلنا بندعي عليها بسبب إهمالها، ربنا ينتقم منها بحق موت بنتها ده."
ثم أغلقت بوجهها دون أن تضيف كلمة أخرى. أغلقت جنى هاتفها بسرعة ثم تحركت عائدة للداخل سريعًا. ارتدت حذاءها وأعادت ضبط حجابها وهي تتحدث على عجلة وقلبها يكاد يخرج من مكانه:
"أنا راحة البيت عندها أفهم في إيه، خليكِ معاها لحد ما تهدى يا ماما اوعي تسيبيها..."
كانت وجيهة، أمها، تبكي هي الأخرى على حال ابنتها رغم أنها لا تفهم ما الذي يحدث، ولكن رؤيتها بهذه الحالة آلم قلبها جِدًّا. رفعت وجيهة رأسها لجنى التي تغادر:
"قالولِك إيه على التلفو..."
لكنها بترت باقي حديثها عندما اندفعت جنى للخارج بسرعة. هبطت سلالم البيت وهي تدعو الله دون توقف، تدعو أن يكون ما قالته هايدي نابعًا من خوفٍ أو قلق ليس إلا. نظرت للطريق حولها تبحث عن أي وسيلة فارغة تقلها. نظرت لجانبها فوجدت جارها الذي يقطن بالبناية المقابلة لبناية منزلها يهبط من سيارته، لذا وبدون تردد تحركت نحوه مردفة بلهفة:
"يحيى!"
نظر لها يحيى ذاك بدهشة ازدادت عندما رآها تفتح باب السيارة وهي تقول برجاء:
"معلش وصلني بسرعة لمكان وارجع تاني."
فتح عيناه بدهشة فقالت دون أن تصعد:
"بالله عليك بسرعة..."
صعد أولًا وهي بجانبِه لازالت تردد "يارب" بلسانها دون كلل أو ملل. كان يطالعها يحيى بطرف عينه بعدم فهم:
"في إيه يا جنى؟ أنا مش فاهم حاجة."
أشارت له على الطريق:
"ادخل بس يمين بسرعة..."
استجاب لطلبها وظل يفعل حتى وصلت لوجهتها. هبطت سريعًا من السيارة تتحرك ناحية منزل شقيقتها ندى. توقفت على أعتاب الباب وهي تستمع لأصوات الصراخ والبكاء. تردد بالدخول للحظات خشية أن يُلقى على مسامعها ما يفجعها، فهي لم تقنع حتى الآن بكلمات هايدي! ولكنها دخلت بالنهاية. نظرت للجمع من حولها، الجميع يرتدي الأسود، لا تعرف أيًا من الوجوه أمامها! وقع بصرها على هايدي المرتمية في أحضان والدتها تبكي بوجع. اقتربت منها سريعًا:
"فـ .. في إيه؟"
رفعت هايدي وجهها تنظر لمن اقتحم عليهم المكان بتلك الملابس الملونة. توسعت عيناها ما إن رأت وجه جنى فلم تشعر بنفسها وهي تقف تجذبها من رأسها. حاولت جنى إبعادها ولكنه كانت تقبض بقوة على رأسها. وقفت أم هايدي وحماة ندى كذلك تجذب ابنتها بعنف:
"بس بس خلاص يا هايدي."
وقعت جنى أرضًا بعد أن صارت في حالة سيئة. عاد حجابها للخلف فصار نصف شعرها بالخارج ومبعثر أثر جذب هايدي له. وقفت بعض السيدات يستأذن بالخروج بعد أن قدموا واجب العزاء. في حين وقفت لها أم هايدي تسألها بحدة:
"جاية ليه؟ جاية عايزة إيه تاني؟"
ثم قالت والدموع تخرج من عينيها بلا توقف:
"حرام عليكوا مش كفاية اللي عملته أختِك؟!!"
ثم أخذت تصرخ وهي تردد:
"حرام عليكوا حرام عليكوا."
ارتمت هايدي خلف والدتها فوق الأريكة تبكي من جديد. رحلت عنهم تلك الصغيرة، قتلها والدتها وهي الطفلة البريئة ذات الأسابيع! مَن سيحتمل مثل هكذا خبر؟! بينما جنى أخذت تهندم ملابسها وتعدل من حجاب رأسها والدموع تملئ عيناها، لما حدث بها أمام هذا الجمع ولما تحاول أن تنكره حتى الآن!
"اطلعي برة، قومي اطلعي برة يا..."
صرخت بتلك الكلمات هايدي مرة أخرى وهي لا تتحمل وجودها بالمكان. وقفت جنى سريعًا تسألها بأملٍ وبأعين دامعة:
"خلود .. فين خلود؟"
صاحت هايدي بصوتها المبحوح:
"اسألي أختِك، اطلعي بــــــرة!!"
خرجت جنى من المكان والدموع تغطي عيناها، تسير جسدًا بلا روح. قدمها صارت كالهلام فوقعت تجلس على السلم بضعف. أخذت تنفي براسها بينما تعبث في هاتفها بأيدٍ مرتعشة:
"أ .. أكيد في حاجة غلط، أيوة..."
اتصلت على البيت فأتاها صوت والدها. سألته سريعًا:
"ندى قالت إيه؟ خلود فين؟"
ولم يأتِها سوى ترديد والدها بـ "لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون." صرخت وهي لا تفهم شيء:
"يا بابا قالت إيه؟ أنا في البيت عندها ومحدش راضي يفهمني، خلود فين؟"
أجابها والدها على الهاتف في نفس الوقت الذي توقفت فيه سيارة ناصر، زوج ندى، أمام البيت. خرج منها يحمل بين يديه طفلته الصغيرة. لم ترى جنى جمود وجهه وتلك الدموع التي يحاول أن يخفيها، لم ترى حزنه وقد كان كل ما يهمها هو أن تحمل ابنة اختها لتلعب معها كما اعتادت أن تفعل الفترة الماضية. اقتربت منه سريعًا وهي تبتسم:
"خـ .. خلود؟ هات أشيلها، دي ... دي ندى هتموت من الخوف من ساعتها و..."
"البقاء لله يابنتي، ربنا يصبركم."
قاطعها رجل في أواخر الأربعينات وهو ينظر لها بشفقة. نفت براسها وهي تنظر للطفلة بين يدي والدها:
"لأ يا عمو هي نايمة اهي!"
"لا حول ولا قوة إلا بالله"
"لا إله إلا الله"
"ربنا يرحمها."
"ربنا يصبركم."
أخذت تلك الجمل تنهال على مسامعها بينما يتحرك بها ناصر للداخل. وما إن ولج ازداد الصراخ وازداد معه بكاء من بالداخل. ظلت هي في مكانها. جلست على الأرض في الشارع تبكي بينما تردد بحزن شديد:
"خلود!"
اقترب منها يحيى الذي ظل ينتظرها بعد أن رأى حالتها. مد يده لها سريعًا يطلب منها بحرج وهو ينظر للناس والمارة:
"جنى! جنى قومي أما أروحِك بسرعة، قومي مينفعش اللي أنتِ عملاه ده!"
نظرت له بينما تشير للبيت:
"خلود، خلود ماتت يا يحيى، طب ... طب إزاي؟"
"قومي يا جنى بقولِك! قومي بسرعة مينفعش كده!!"
جذبها رغمًا عنها فوقفت أخيرًا على قدمِها تتحرك معه ناحية السيارة وهي تبكي بقوة تتذكر اللحظات القصيرة جِدًّا والتي قضتها كخالة مع خلود. كانت ترفعها عاليًا، تقرصها بخفة في وجهها، تداعب انفها الصغير بيدها. نظرت جنى لإصبعها الخنصر وهي تتذكر كيف كانت تتمسك به بإصبعها الصغير، كيف كانت تبتسم وهي نائمة، لقد قضت معه أكثر ما قضته ندى معها! وضع يحيى علبة المناديل أمامها بحرج وهو لا يعلم كيف يواسيها أو كيف وضع نفسه بهذا الموقف! وصلا أخيرًا ففتحت الباب بضعف تتحرك صوب البيت بوهن لا ترى أمامها سوى الضباب لكثرة ما بكت. وقف يحيى في مكانه بعد أن رحلت وهو لا يعلم أيتبعها أم يتحرك هو الآخر لبيته بهدوء! وفي النهاية اختار أن يذهب لمنزله. كان بيتُها بالطابق الرابع ورغم هذا وصلها صوت بكاء شقيقتها وهي لازالت بالطابق الثاني. نظرت أمام باب منزلها فرأت الكثير والكثير من الأحذية فعلمت بإنتشار الأمر. جلست أمام باب البيت، غطت وجهها بين قدميها تبكي مرة أخرى وهي لا تعلم كيف عليها الدخول الآن ومواساة أختها؟ كيف تفعل وهي بحاجة لمن يواسيها.
"جنى!"
رفعت وجهها فأبصرت وجه طارق، ابن عمها، القلق. صعد السلالم مقتربًا منها يسألها وهو يوزع أنظاره بينها وبين باب بيتها:
"في إيه؟ إيه الصوت ده؟ حصل حاجة ولا إيه؟"
لا تعلم حتى بماذا تجيب! ماذا تخبره؟! أن طفلة اختها الرضيعة قُتلت؟! وأنهم يتهمون أختها بهذا؟ فتح باب البيت فخرج من خلفه والده ووالده وشابان آخران. نطق والده ما إن رآه بلهفة:
"طارق! كويس إنك جيت، تعالى معانا أنا وعمك."
"آجي معاكم فين؟ وفي إيه اللي بيحصل؟"
"تعالى بس يابني وهفهمك في الطريق."
نظر والد جنى لها ثم قال مشيرًا للداخل:
"قومي يابنتي، قومي ادخلي جوة!"
امتثلت لأمر والدها ودخلت. كان الجميع ملتف حول أختها، أمها وزوجات اعمامها. جلست فوق إحدى الأرائك. ظلت صامتة لبضع دقائق قبل أن ترفع رأسها تطرح سؤالها على ندى:
"أنتِ قتلتـ..ـيها؟"
نظر الجميع لها، بما فيهم ندى. في حين تابعت جنى:
"قتلـ.ـتي خلود يا ندى؟"
...
رواية بيت البنات الفصل الثالث 3 - بقلم امل صالح
أنتِ قتلـ.ـتيها؟
أكملت بدموع: قتلـ..ـتي خلود يا ندى؟
دفعت ندى يد والدتها التي تحاوطها ثم وقفت تصرخ بها بجنون وإنهيار: حتى أنتِ هتقولي قتلتَـ.ـتها؟ حتى أنتِ يا جنى.
أخذت تضرب وجهها بينما ارتمت أرضًا لازالت تصرخ بـ: حرام عليكم، حرام عليكم بقى ارحموني.
اقتربت منها وجيهة سريعًا تمنعها من استرسال ما تفعل، وضعت يدها جانبها سريعًا وهي تحاول تهدئتها: خلاص يا ندى، خلاص يا قلب أمك ماتوجعيش قلبي عليكِ.
وضعت ندى رأسها فوق كتف والدتها تستند عليه بضعف ووهن، لما يتهمها الجميع بهذا؟ لما يرددون أنها مَن قتـ..ـلت طفلتها؟
نظرت جنى لحالة أختها ثم وقفت هي الأخرى ترغم قدمها على الحركة حتى وصلت لغرفتها، جلست فوق الفراش تتابع بكاءها وهي تتمنى أن يكون كل ما يحدث لهم الآن مجرد حلم ستسفيق منه.
وفي بيت ناصر زوج ندى، وصل والدها "توفيق" ومعه شقيقه "حامد" وأولاده "طارق"، "مجد" و"سامر".
يريد أن يفهم ما يحدث منهم، ولماذا قاموا بطرد ابنته بملابسها البيتية ولما يتهمونها بقـ.ـتل خلود ابنتها؟
خرج لهم ناصر الذي قال وعينيه تشتعلان غضبًا لوجود والد تلك القـ.ـاتلة هنا: خير، جاي عايز إيه يعم توفيق؟
جاءت من خلفه هايدي ووالدته التي صرخت بهيستيرية: عايز إيه يا جدع انت، جاي عايز إيه تاني؟ أنتوا ايه! مفيش دم خلاص؟
صرخ ناصر دون أن يلتفت لها: خشي جوة ياما.
ولكنها تابعت دون أن تهتم لصراخه: روح ربنا يحرق قلبك على بناتك زي ما حرقت هي دمنا على بنتنا يا خي.
جذبتها هايدي للداخل بعد أن رمت الواقفين بنظرات مشمئزة كارهة، نظر حامد لأخيه فوجده صامت لا يتحدث فعلم أنه لن يتحدث أبدًا، وقف امام ناصر ثم قال بثبات: إحنا هندفنها معاكم، دا حقنا.
نظر له ناصر بتهكم وسخرية في حين تابع حامد بلهجة حادة: وبعدين نبقى نشوف الحوارات التانية دي، تفوق كدا وتقعد تفهمنا عشان منبقاش زي الطرش في الزفة.
رد عليه ناصر بإبتسامة متألمة: وهي ماقالتلكش اللي حصل؟ عايزين تسمعوا مني ايه بالظبط؟
تقدم مجد ليقف بجانب والده وهو يجيبه بهدوء مقدرًا وضعه: إحنا مسمعناش حاجة منها، ندى مبتنطقش ولا بتقول حاجة من وقت ما جت البيت، فياريت زي ما الحج قال نخلص من الدفن وتفهمنا يا ناصر.
تمت إجراءات الدفن وعادوا للبيت من جديد بعد أن رفض ناصر أن يتحدث لأحد وفضّل الجلوس أمام قبر صغيرته على أن يتحدث بشأن موتها.
وقف حامد أمام شقيقه توفيق مربتًا على كتفه: شِد حيلك ياخويا، أنت سند بنتك دلوقتي، اقعد معاها وخليها تتكلم عشان منفضلش في الحيرة دي كتير!
صعد توفيق بعد أن اخذ التعازي والمواساة من جميع من يقابله، ولج ألبيت الذي كان يسوده الهدوء، وقع بصره على ندى النائمة فوق إحدى الارائك ولجانبها وجيهة تمسح على رأسها بينما تبكي بصمت.
نظرت له وجيهة ثم وقفت سريعًا تتقدم منه بلهفة: إيه اللي حصل يا توفيق؟ قالولك ايه؟ وطردوا البت من البيت بالشكل ده ليه؟
التفت تطالع ندى بشفقة وقد عادت الدموع تتجمع بمقلتيها مرة أخرى: مبطلتش عياط وفي الآخر نامت من التعب.
بكت وجيهة وهي تتذكر هيئة ابنتها: كانت هتموت وتشوف بنتها لآخر مرة.
أخبرها توفيق أنه لم يتحدث أحدٌ معهم وأنه سيذهب مرة أخرى بعد يومين ليستفسر منهم، وزع بصره بين ندى ووجهيهة قبل أن يسألها: هي قالت ايه؟
ولا نطقت! بتعيط وتصوت بس، أنا قلبي واجعني عليها اوي ومش فاهمة اي حاجة.
تنهد توفيق يردد "إنا لله وإنا إليه راجعون" وهو يتحرك لغرفته، دخلت خلفه وجيهة التي قالت بقلق: أنا مكلمتش بسملة وبسنت.
رفع وجهه لها يجيبها بتعجب: ازاي؟ كلميهم يا وجيهة مينفعش مايعرفوش.
جلست أمامه: خايفة يتخضوا وهم في أيام امتحانات مش هيعرفوا يسيبوا السكن ويجيوا ولو حصل هيتعطلوا جامد!
كلمة واحدة يا وجيهة، كلمي البنات وخليهم يجوا، أهم يبقوا جنب أختهم على الأقل!
مرت ثلاثة أيام على هذا اليوم وهذا الحدث المفجع، اكتفت فيهم ندى بتناول ما يجعلها على قيد الحياة بينما كانت جنى خلال تلك الأيام شاردة صامتة وكأنها هي من فقدت ابنتها.
صدح صوت هاتف جنى، كان رقم غريب لذا لم تجب ولم تعطه أي إهتمام، استمر بالرنين لثلاث مرات وفي المرة الرابعة كان رقم خطيبها "عصام".
ظلت تنظر للهاتف وهو يضيء ويغلق كل مرة وداخلها صراع كبير بين أن تجيب وألا تجيب.
تريد أن ترد عليه وتبكي كثيرًا ليطمئنها ويواسيها، يخبرها أنه لجانبها وأن كل شيء على ما يرام، أن كل هذا سيمر وهو معها و ألا تخاف، أرادت كل هذا في هذا الوقت ولكن...ماذا إن تلقت ما يهدم كل آمالها، ماذا إن زادتها تلك المكالمة ألمًا وإحباطًا؟ هي تعرف شخصية عصام وتعرف كذلك أنه لن يفعل كل ما سبق أو حتى شيئًا واحدًا منه.
كان عصام جارًا لعائلة ناصر زوج أختها، رآها عدة مرات عند شقيقتها فتقدم لخطبتها بأمرٍ من والدته التي رأت كم هي فتاة جميلة وذات أخلاق عالية، وافقت عليه بسبب حسن خلقه كذلك وسيرته الطيبة، كانت منبهرة به كثيرًا في البداية ولكن شيئًا فشيء بدأت الحقيقة تتضح لها.
أغلقت هاتفها وهي تقف عن السرير متحركة ناحية خزانة ملابسها، بدأت بإخراج جميع هداياه وما احضره لها خلال فترة الخطوبة، شردت في منتصف ما تفعل وهي تتذكر تلك الجملة التي قرأتها على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي "الخطوبة ما هي إلا وعدٌ بالزواج، فترة ليتعرف الطرفان على بعضهما البعض." وصدق قائلها!
وضعت ما جمعته على مكتبها ثم انهت الأمر بنزعها لخاتمِه من بين أصابعها.
خرجت من غرفتها لتمر على غرفة شقيقتيها بسملة وبسنت، سمعت صوت شجارهم العالي فطرقت الباب مرتين قبل أن تفتح الباب وتدخل.
وقفت أمامهم متحدثة بغضب: ممكن تهدوا شوية وتراعوا الظروف اللي إحنا فيها، ممكن تحترموا نفسكم شوية؟
ألقت بسملة قطعة القماش بيدها أرضا وهي تشير على بسنت: قوليلها، عمالة تقول كلام عبيط وهبل من ساعة ما رجعنا.
نظرت جنى لبسنت التي كان القلق يغطي وجهها، تحدثت بسنت وهي تمسك بيد جنى: والله العظيم مش هبل يا جنى، صدقيني أنا والله مش بكذب!
نظرت جنى للإثنين بعدم فهم فتوجهت بسنت تقوم بإغلاقه قبل أن تعود للداخل مرة أخرى، تحدثت بصوت منخفض: فاكرة من تلات سنين لما كنا بنجدد الشقة بتاعتنا دهان وبلاط؟
اومأت جنى ولازالت لا تفهم ما يحدث: آه، ايه علاقة ده بصوتكم العالي وخناقكم؟
التقطت بسملة هاتفها وهي تعبث به بدون اهتمام: كملي ياست المداحة كملي.
تجمعت الدموع باعين بسنت وهي تسأل جنى: أنتِ فاكرة مين زارنا أيامها؟ وسط ما كنا بندهن بالذات.
نفت جنى: لأ هفتكر ازاي؟ بعدين وضحي كلامِك لو سمحتِ يا بسنت وادخلي في الموضوع على طول.
ابتلعت ريقها: في جزء من دهان الحيطة بتاع الصالة بدأ يقشر، لقيت وسط الطوب حاجة غريبة.
تابعت وجسدها يرتعش: لقيت ورقتين مكتوب فيهم حاجات غريبة باللون الأحمر، كأنه .. كـ ... كأنه د.م يا جنى والله وكان محطوط وسط الورق شعر و.
هبطت دموعها وهي تتابع بصوت مختنق: وصورة لينا يا جنى!
رواية بيت البنات الفصل الرابع 4 - بقلم امل صالح
لقيت ورقتين مكتوب فيهم حاجات غريبة باللون الأحمر، كأنه دم يا جنى والله.
وكان محطوط وسط الورق شعر وصورة لينا.
هبطت دموعها وهي تتابع بصوت مختنق: وصورة لينا يا جنى.
توسعت عيون جنى بصدمة وهي تلتفت تتأكد أن الباب مغلق.
ثم نظرت مرة أخرى لبسنت التي كانت يدها ترتعش وهي تتذكر تلك الأوراق والتي كانت كلها عبارة عن رموزٍ وأحرف.
رفعت بسملة وجهها عن الهاتف وهي تنظر لهما بسخرية:
- أي دا يا جنى، أنتِ مصدقة الهبل ده؟
لم تجبها جنى وإنما وقفت أمام بسنت تسألها بقلق:
- فين؟؟ فين الورق ده؟؟
انهارت بسنت لتجلس على فراشها وهي تجيبها ببكاء:
- معرفش! أنا طلعته وحطيته في الدولاب من يومين، حكيت لبسملة مصدقتش وكنت مستنية الوضع يهدى شوية عشان احكي لبابا، بس أنا مش عارفة استنى ومرعوبة بجد.
- يعني ايه يا بسنت؟؟ دورتِ كويس؟؟ يمكن وسط هدومك أو حاجتَك، لازم تلاقيه!
كانت بسملة تستمع للحوار الدائر بينهما بتوتر.
اعتدلت تغلق هاتفها تطالعهما بطرف عينها وهي بإنتظار أن ترى أين سينتهي بهما الأمر.
جف حلقها وتوسعت عنياها عندما سألت جنى:
- طب دورتي في هدوم بسملة؟؟ يمكن وقعت عندها.
نفت بسنت:
- أنا كنت حطاها في الوش عشان افتكر، خوفت اخبيها وسط الهدوم أنسى!
ابتلعت بسملة ريقها وهي تتقدم لتجلس بالقرب من بسنت التي تغطي وجهها بين كفيها تبكي وداخلها يتآكل رعبًا.
تحدثت متحمحمة:
- جنى...
نظرت لها جنى التي وقفت في منتصف الغرفة تفكر في أشياءٍ كثيرة، مَن .. متى .. كيف ولماذا؟!!
استكملت بسملة بعد تردد كبير وهي تفرك يدها:
- أنا رميتها في الزبالة..
رفعت بسنت وجهها لها سريعًا بينما اسرعت هي تتابع حديثها قبل أن يلقي أحدهم اللوم عليها:
- ايوة عشان دا عبط، ولو صدقتوه هتفضلوا عايشين في رعب على الفاضي وإحنا فينا اللي مكفينا.!
صرخت جنى بها بغضب:
- يا غبية، عبط ايه دا عَمل فاهمة يعني ايه عمل، إحنا في مصيبة يا بسملة مصيبة!
صمتت للحظات وقد شعرت أن عقلها توقف عن العمل فلم تعد قادرة حتى على التفكير في هذا المأزق.
نظرت لها بسملة بغضب ثم التقطت هاتفها متحركة للخارج.
فأوقفتها بسنت بسرعة تسألها بلهفة:
- امتى؟؟ رمتيها امتى؟
التفت تجيبها:
- امبارح الصبح، وبابا نزّل الزبالة تحت وهو بيصلي الفجر عشان عربية الزبالة تاخدها وهي معدية.
خرجت جنى من الغرفة سريعًا بعد أن دفعت بسملة عن الباب دون قصد.
وضعت خمار والدتها الذي يصل لركبتها تقريبًا فوق بيچامتها البيتية وهي تخرج من المنزل متجهة للأسفل على أمل أن تجد أكياس القمامة!
لحقت بها بسنت التي كانت ترتدي اسدال الصلاة وهي تمسح وجهها من الدموع التي ذرفتها منذ قليل.
كانت بسنت من بين أخواتها الأرق والألطف والاهدء لذا أقل أبسط شيء يجعلها تبكي وهذا ليس بالشيء الهين!
وقفت على السلم وهي ترى جنى التي كانت تعبث بحاويات القمامة، تلقي بها أرضًا ثم تنخفض لتبحث عن تلك الورقات.
اقتربت منها سريعًا:
- يا جنى بتعملي ايه بس، قومي عشان الناس متشتكيش من الزبالة دي.
- مش وقته، لازم نلاقي الورق ده يا بسنت..
ثم رفعت رأسها تتابع بدموع:
- العمل دا لو ماتفكش يا بسنت حياتنا هتبقى جحيم.
جلست بسنت القرفصاء أرضًا لجانبها وهي تساعدها في إيجاد تلك اللعنة.
نظرت بحزن لجنى المتلهفة لتلك الورقة وهي تعلم كم هي خائفة على عائلتها.
- ما يمكن العربية لمت الزبالة!
قالتها بتردد.
فنفت جنى بسرعة:
- لأ، إن شاء الله.
تابعت البحث وكذلك بسنت الذي تألمت لرؤية أختها بهذه الحالة وهي تعلم السبب.
منعت نفسها من البكاء وهي تلقي بكيس آخر على الأرض تدعو الله سرًا.
- أنتوا بتعملوا إيه؟!!
جاء صوت رجولي من خلف جنى.
فرفعت بسنت وجهها لتبصر وجه مجد إبن عمها والذي تابع بصوتٍ حاد وهو يقف خلف جنى التي كانت تولي ظهرها للطريق وكل من يمر يراها بتلك الوضعية الغير لائقة:
- جنى، قومي اتعدلي!!
ومرة أخرى لم تلتفت وكأن صوته لم يصل لها.
نظر مجد حوله ثم عاد لينظر لها بعدم تصديق لما تفعله هي وشقيقتها:
- جنى!!
انخفض يمسك برسغها وهو يجبرها على القيام والتوقف عن ما تفعل.
نفضت يده تصرخ به بغضب:
- ملكش دعوة!
- مليش دعوة إزاي أنتِ عبيطة؟؟ أنتِ مش شايفة لبسِك ولا وقفتِك ولا الناس اللي ماشية تتفرج؟!!!
نظرت لخمار والدتها والذي سبق ورفعته على كتفها كي تستطيع البحث دون أن يعيق حركتها ثم لملابسها التي تكشف ذراعيها بالكامل والكنزة القصيرة.
تحمحمت بحرج وهي تعيد إنزال الخمار قبل أن تنظر له برجاء:
- لو سمحت يا مجد اطلع أنت وسيبنا.
رد بدهشة وهو يوزع بصره بين الإثنين:
- أنتوا بتعملوا إيه أصلًا؟؟ بتقلبوا في الزبالة بالشكل ده ليه!!
- لقيتها..!!
صرخت بسنت بتلك الكلمة وهي تقف بسرعة ترفع الورقة بالهواء وسعادة بالغة.
نظر مجد لها ولما تلوح به في الهواء وهو لازال لا يفهم أي شيء.
انتزعت جنى الأوراق منها ثم صعدت السلالم مرة أخرى وخلفها بسنت تردد "الحمد لله".
وتركا ذلك المسكين يقف ينظر القمامة أمامه بتعجب تارًا وللسلالم التي صعدتا عليها تارًا.
- إيه ده يا أستاذ مجد المنظر ده؟؟ هو يعني عشان في عربية بتعدي تسيبوا الزبالة بالمنظر ده؟؟
نظر مجد لذلك الرجل الذي يوبخه بضيق وما كاد يتحدث يخبره أنه لا دخل له بهذا حتى فاجئه الرجل وهو يأمره بحدة:
- لِم القرف ده لو سمحت، اللي شغالين على عربيات الزبالة دول بني آدمين برضو!
زفر وهو يحاول تمالك أعصابه ثم انخفض بهدوء يلملم ما فعلته بنات عمه بينما يتوعدهما سرًا بالهلاك.
بالأعلى دخلت جنى غرفتها وخلفها بسنت التي سألتها بحيرة:
- وهنعمل إيه دلوقتي يا جنى؟؟ هنحرقه؟؟!
أجابتها بحزم:
- لأ طبعًا، لازم يتفك مينفعش يترمى أو يتحرق لأن في الحالتين العمل هيفضل قائم وشغال عادي...
استرسلت وهي تحذرها:
- اوعي تعرفي ماما أو بابا حاجة خالص دلوقتي، هم فيهم اللي مكفيهم وموضوع ندى ده برضو شاغلهم..
نظرت أمامها وتابعت بإصرار:
- أنا هحاول اتصرف..
نظرت لها مرة أخرى:
- وأنتِ عرفي بسملة بالكلام ده، قوليلها إن ده مش عبط ولا هبل وخليها تفتح نت وتشوف البلاوي اللي عليه، ولا بلاش تفتح نت...
ابتسمت بألم:
- خليها تفتكر اللي حصل زمان.
تنهدت بسنت وهي تخرج من غرفة جنى لغرفتها المشتركة بينها وبين بسملة.
رغم أنهما توأمان إلا أنهما لا تشبهان بعضهما البعض في أي شيء، حتى ملامحهما كانت مختلفة!
بسملة عنيدة ولا تستمع للآخرين، دائمًا ما ترى أنها على حقٍ حتى لو اجتمعت الكرة الأرضية على أن ما تفعله خاطئ سترى هي أنه صواب.
توجهت بسنت وفتحت الباب لندى التي جاءت للتو من على المقابر برفقة وجيهة التي لم تتركها طوال الثلاثة ايام التي مضت؛ صمتها يقلقها لذا ظلت ملازمة لها.
جلستا جانب بعضهما البعض فوق الأريكة، ربتت وجيهة على كتفها تسألها بحنو:
- أجيبلِك تاكلي؟؟
نفت برأسها دون أن تجيب فاستجابت لرفضها ووقفت بعد أن قالت:
- هروح طيب أجهز لأخواتِك وأبوكِ وأرجع على طول.
ثم تحركت ناحية المطبخ، وجدت بسملة تجلس أرضًا تعبث بهاتفها على العادة فقالت بعتاب وهي تنظر حولها:
- طب كنتِ سيبي التلفون من إيدِك يا بسملة ورتبي المطبخ! بعدين من البيت كله ملقتيش غير المطبخ تقعدي فيه؟!!
وقفت زافرة بضيق:
- منا كل ما اروح حتة يتكون عليا، أدخل أقعد في الحمام يعني ولا ايه؟!
تحركت وجيهة نحو الموقد:
- طب سيبي البتاع ده وتعالي اغرفي معايا، يلا!
بالخارج..
خرجت جنى غرفتها بعد أن ارتدت ملابسها واستعدت للخروج بتلك الورقة، لا وقت تضيعه ولا يجب أن تبقى تلك الورقة بمنزلهم!
نظرت ناحية الأنتريه فوجدت ندى التي تجلس فوق إحدى الارائك شاردة كعادتها بالآوان الأخيرة.
التقطت كمًا لا بأس به من الهواء ثم اقتربت منها.
جلست بمواجهتها على الاريكة المقابلة، نظرت لها ندى لثواني قبل أن تشيح ببصرها عنها.
- مش ناوية تتكلمي؟؟ هنفضل مستنيين لحد امتى؟؟؟
لم تجيبها، بللت جنى شفتيها وهي تحاول ألا تغضب:
- لما أنتِ مبتنطقيش ولا حد من عيلة ناصر جوزِك سامحين بدخولنا بيتهم أو حتى راضيين يتكلموا إحنا هنعرف ازاي؟؟ هنشم على ضهر ايدنا مثلًا؟!!
ومرة أخرى التزمت ندى الصمت، وذلك استفز جنى كثيرًا؛ وجدت نفسها فجأة تصرخ بها:
- انطقي يا ندى! كلنا مقهورين على اللي حصل ليها وكلنا عايزين نعرف ايه اللي حصل، إنفي التهمة اللي الكل بيوجها ليكِ!
صرخت تزامنًا مع دخول توفيق من الباب وخروج وجيهة مهرولة من المطبخ وخلفها بسملة التي تابعت ذلك الحوار بفضول.
تقدمت وجيهة للأمام لتوقف ذلك الحوار قلقًا على صحة ندى ولكنها وجدت يد زوجها تمنعها من ذلك، التفت له فاومأ برأسه كي لا تتحرك.
أما عن ندى وجنى، تحدثت جنى وهي تلوح بيدها في الهواء:
- طب لو مش أنتِ اللي عملتِ كدا هيكون مين!!
نظرت لها ندى باعين واسعة فأكملت جنى:
- بتبصيلي كده ليه؟؟ ما تقولي مين؟؟
صرخت ندى أخيرًا وهي تلقي بالوسائد جانبها أرضًا:
- هم ... هم اللي قتلـ..ـلوها مش أنا..
تأهب جنى وهي تسألها بلهفة:
- هم مين؟؟ هم مين يا ندى؟!!
بكت صارخة بها:
- هايدي وأمها، هم الاتنين اللي عملوا كدا، هم اللي عملوها ومصممين يلبسوها ليا..
أخذت تضرب على صدرها:
- دي بنتي! دي أول ما شافت عيني، هعمل كده ازااااي!!
اقتربت منها وجيهة تجلس لجانبها وهي تمسح على ظهرها بينما ظل توفيق في مكانه يحاول أن يستوعب ما قالته ابنته، جدتها وعمتها!! أيعقل!
ولم يقل حال بسملة وبسنت عن حال الجميع، أما جنى فظلت صامتة، هم يقولون أن ندى فعلت وندى تقول أنهم فعلوا، مَن تصدق؟!!
نظرت بسرعة لندى:
- إيه اللي حصل يومها بالظـ...
قاطعتها وجيهة بحدة ووجه محمر بسبب بكائها:
- خلاص! خلاص يا جنى أنتِ شايفة هي مش مستحملة حاجة!
- ولإمتى هتفضلي تقولي خلاص يا ماما؟؟ عدى تلات أيام اهو ولسة مش فاهمين حاجة! هنفضل نطبطب وندادي كدا كتير!!
وقفت متمسكة بحقيبتها جيدًا ثم تحركت ناحية الباب تغلقه خلفها بعد أن قالت:
- أنا راحة مشوار..
صفعته خلفها وغادرت.
هبطت السلالم وهي لا ترى أمامها لشدة الغضب، رفعت وجهها لترى ذلك الذي سد طريقها، عصام خطيبها.! هذا ما كان ينقصها.!
رواية بيت البنات الفصل الخامس 5 - بقلم امل صالح
خير؟ جاي عايز إيه سيادتَك؟
أجاب بسخرية وهو ينظر لها من رأسها حتى اخمص قدميها: جاي أتأمل جمال الهانم وأمشي.
فجاءه صوتٌ مستنكر من خلف جنى يجيبه: ليه هو جمال أمك مش مكفيك؟ سايب أمك السِت محاسن وجاي تتفرج على جمال أختي؟
التفت جنى فأبصرت وجه بسملة التي كانت تمضغ في فمِها بعض التسالي، بصقت القشر أرضًا وهي تتقدم لتقف بجانب جنى: بعدين مش خايف على نظرَك يا عصام ولا إيه؟
طالعها عصام بغضب مكبوت في حين تابعت بسملة بجدية مصطنعة وهي تشير على وجه شقيقتها: مش خايف جمال الهانم يعمي عيونَك!
رفع طرف شفته عاليًا وهو ينظر لها بإحتقار: الله يرحم يا بسملة أيام ما كنتِ بتقوليلي يا أبيه.
حاوطت بسملة كتف جنى التي تتابع الحوار بينهما بإستمتاع ثم ردت عليه: لأ ده كان مجاملة مش أكتر، إنما أنت من يوم يومك وأنت والله ياجدع مابتنزليش من هنا.
ختمت وهي تضع يدها على أنفها بحنق، علمت جنى من أسلوبه أنه جاء لإسترداد أشياءه لذا قبل أن يتحدث هو ليخجلها سارعت متحدثة: اطلعي يا بسملة تدخلي الأستاذ عصام وتقومي معاه بواجب الضيافة وبعدين هتدخلي أوضتي هتلاقي شوية عِلب كدا جنب سلة الزبالة على الأرض.
رفعت بسملة حاجبها وهي ترى نظرات عصام المشتعلة وهي تجاريها وقد فهمت هي الأخرى ما يحدث: أيوة ياختي شوفتهم، دول خردة دول ولا ايه؟
ابتسمت وهي ترفع الحقيبة على كتفها تجيبها: لأ يا قلب أختِك دول حاجة الأستاذ عصام اللي مقدرش يستنى شوية على ما الأزمة اللي إحنا فيها تعدي وجاي يطلبهم، ترميهم في وشه وتوصليه لحد باب البيت.
نظرت بسملة لجنى بضيق: لازم يعني؟ دانا ضهري قافش عليا خالص من امبارح!
هبطت جنى بضع سلالم بعد أن ردت: لأ يبقى ضهرك الأول، هو كده كده عارف طريق الباب.
وغادرت تاركة خلفها ذلك الذي جاء بعد أن رتب لائحة طويلة بما سيقوله لها، نظرت له بسملة بإستعلاء مردفة: معلش بقى يا أستاذ عصام هتستناني هنا على ما أنزلَك الحاجة، أصل أنا بصراحة قليلة الرباعية ومبسمعش الكلام.
ثم التفت تصعد السلالم دون أن تعيره أي إهتمام، أخذ صدره يعلو ويهبط بغضب شديد بعد تلك الإهانة التي تعرض لها على يد فتاتين يمكنه أن يدعسهما تحت حذاءه، وهو من قرر أن يأتي ليعطيها بعض الكلمات القاسية.
جاء ليلقي اللوم عليها بعد أن تسببت بفسخ خطبة ابنة خالته روفيدة وخطيبها السابق أمير! أدت وقاحتها في الرد ذلك اليوم إلى حدوث العديد من المشاكل، وكل هذا لأنها أطعمته! ما المشكلة بذلك؟!!
هذا ما كان يدور داخل رأسه وهو واقف بإنتظار بسملة التي دخلت غرفة جنى تحضر أشياءه، ابتسمت وهي تنظر فوق المكتب حيث قامت جنى بوضع تلك الأشياء ثم حملتها بهدوء وخرجت تغلق الباب خلفها بقوة لم تقصدها.
نظرت لها وجيهة التي خرجت للتو من غرفتها بعد أن ظلت بجانب ندى إلى أن غفت، اقتربت منها بغضب: براحة شوية أنا ما صدقت هِدت!
نظرت لما تحمله ثم عادت لتنظر لها: مودية الحاجات دي فين؟
أجابت وهي تتقدم من باب البيت الذي سبق وتركته مفتوح: سي عصام جاي عايز حاجته.
التفت تنظر لوالدتها بعدم تصديق: البجح بدل ما يجي يسأل ويطمن ويقول البقية في حياتكم! صحيح عيل هُزُق.
عنفتها وجيهة التي اغتاظت هي الأخرى بسبب ما فعله عصام: طب بس من غير ما تشتمي وتشيلي نفسِك ذنب! انزلي واطلعي على طول ولا أقولِك ... استني خدي بسنت معاكِ.
ارتدت بسملة خفها: يا ماما ملوش لازمة أنا زي ما قولتي صد رد وهاجي على طول، بعدين أنا كنت نازلة أجيب حاجة من البقال تحت هجيبها برضو وأطلع على طول.
ثم غادرت دون أن تستمع لحديث والدتها التي تحركت ناحية غرفة بسنت وبسملة حيث دخل توفيق ليستريح بها قليلًا بعد أن ترك الغرفة لندى.
طرقت الباب قبل أن تفتح وتدخل تسأله بخفوت: أغرف الأكل ولا أعمل إيه يا أبو ندى؟
أجاب دون أن يفتح عيناه: آه أنا هقوم أهو.
خرجت وأغلقت الباب خلفها وتركته في ظلام الغرفة يعيد التفكير في ما قالته ندى للمرة التي لا يعرف عددَها، لا يمكن لأم أن تقتل وَلدِها ولا يمكن كذلك أن تُقتل على يد جدتها وعمتها، في كلا الأمرين لماذا؟
اعتدل توفيق ثم خرج من الغرفة يجلس فوق أحد المقاعد بإنتظار الطعام، بينما عزم الأمر على الذهاب لناصر مرة أخرى ولن يغادر إلا بعد أن يستمع لهم ويعلم ما حدث بالتفصيل.
في الغرفة التي تنام بها ندى، فتحت عيناها تطالع سقف الغرفة دون أن تتحرك قيد انملة، لا تحرك أهدابها حتى وكأنها جسدٌ فارقته روحُه للتو.
انفرجت شفتيها وبدأت تتحدث مع نفسها: هم السبب يا ندى، هم السبب...
طرق أحدهم على الباب، اغمضت عينَها بسرعة تعود لتتصنع النوم، شعرت بذلك الشخص يجلس جانبها، يمسح على رأسها ويُرجع خصلاتها للخلف، إنه توفيق والدُها.
" جنى عندها حق، مش هينفع تفضلي ساكتة أكتر من كده يا ندى، مش هينفع كل مرة تنهاري ومنطلعش منك بحاجة مفيدة، لازم أسمعِك زي ما هسمعهم.."
ثم وقف وغادر الغرفة بهدوء كما دخل، فتحت عينَها مرة أخرى، أخذت تنفي براسها بعنف وهي تردد بهمس: هم ... هم السبب مش أنا.
أعطت بسملة العلبَ لعصام ثم تحركت لخارج البناية كما أخبرت والدتها لتحضر بعض الأشياء التي تحتاجها من البقالة، وقفت تنظر للحلوى تتصنع التفكير في حين كان كل تركيزها منصب على ذلك الذي يستند على دراجته النارية يطالعها ببسمة رأتها هي عاشقة.
ابتسمت وهي تلتفت لثلاجة المثلجات، فتحتها ثم رفعت وجهها تنظر له بسعادة، لقد وفى بوعدِه وجاء لرؤيتها!
طالت نظراتهما لبعضهما البعض ولم تشعر بذاتها إلا عندما صاح الرجل ينتشلها من عالمها الوردي: يا آنسة كدا غلط على الآيس كريم! لو مش عايزة حاجة ياريت تقفلي التلاجة!
أغلقت الباب بغيظ وهي تلتفت لتعطيه أموال ما التطقته بعشوائية ثم غادرت تعود للبيت مرة أخرى بتمهل، تتمنى داخلها ألا تنتهي تلك اللحظات، القت نظرة خاطفة عليه فوجدته يضع يده فوق قلبه بدراما فضحكت بخفة وهي تصعد الأدراج بسرعة خيفة أن يراهما أحد.
نظرت للحلوى المثلجة التي أحضرتها وتحدثت بغيظ: يعني ولا اتهنيت شوية ولا حتى جبت حاجة حلوة! منك لله يا عمو البقال!
التقت خلال صعودها بطارق الذي استوقفها: بسملة! تعالي كده.
اقتربت منه فسألها: جنى عاملة ايه دلوقتي؟ مشوفتهاش من يوم الدفنة كان شكلها تعبان جِدًّا.
- لأ متقلقش بقت زي العسل، أنت رايح في حتة ولا إيه؟
رمقها بإستغراب لسؤالها ثم أجاب وهو يرفع أكياس القمامة: هنزل الزبالة وأطلع تاني.
ابتسمت وهي تعطيه الحلوى: ابن حلال والله، خُد دي هدية مني ليك، أنت عارف معزتَك عندي برضو، وعارف إني بحب كل فترة كده أشبرقكم بأي حاجة.
هرولت للأعلى وتركته في حيرة من أمره ينظر لما وضعته في يديه بعدم فهم، تلك الماكرة لا تفعل أيًا مما ذكرته الآن!
أما جنى، تحركت فورًا إلى أحد الشيوخ التي تعرفهم، تحركت وهي تمسك بحقيبتها وكأنها من ذهب تخشى أن تُسرق منها، وصلت لمنزل هذا الشيخ فوجدته منشغلٌ في تحفيظ مجموعة من الطلاب فجلست تنتظره حتى ينتهي ويتفرغ لها تمامًا.
وبعد أن انتهى ورحب بها، جلست تخرج الورقة من حقيبتها تخبره بقلق: لقينا ده وسط الطوب الأحمر اللي بانيين بيه، حظنا إن الحيطة بدأت تقشر لحد ما ظهر الطوب وظهر ده معاه، معنديش فكرة بيتفك إزاي ولا المفروض أعمل إيه بس عارفة إنه مينفعش يتحرق لأن لو حصل العمل بيدوم.
رد عليها الشيخ بإبتسامة هادئة: مين قالِك الكلام ده بقى؟
ردت جنى بتلقائية: ماما.
نفى الشيخ وهو لازال يحتفظ بالبسمة على وجهه: واجب حرق العمل أو السحر فور إيجاده يا جنى، الكلام ده ليس إلا خرافات قديمة.
رفعت حاجبيها بدهشة: يعني أحرقه عادي؟ مش هيحصل حاجة؟
نظرت للورقة بين يديها ثم تابعت وهي تتحرك بتوتر في مكانها: وكمان الشعر ده يتحرق عادي؟ والصورة دي لبيتنا كله عادي برضو؟
أومأ يجيبها: أيوة.
ثم مد يده لها لتعطيه ذلك السحر: دعي أمر إبطال السحر لي، وليس عليكِ سوى أن ترقي منزلَكِ وأفراد عائلتكِ.
- إزاي؟ أرقيهم إزاي؟
- بالقرآنِ يا جنى! إرقيهم بالقرآن قبل أي شيء.
وقف والجًا للداخل وعاد بعد دقائق يحمل بين يديه زجاجة مياه، نظرت له ولها بإستغراب بينما ناولها الشيخ الزجاجة: ماية مقروء عليها، رشي منها في البيت كله وينفع تشربوا منها، ولكن الأهم هو الرقية الشرعية، تشغليها في البيت وترقي البيت شخص شخص.
كانت تفرك بيدها بحرج وهي لا تعلم كيف تخبره أنها لا تعلم كيف تقوم بهذا فاستشف هو ذلك ليخبرها: ولو حابة أنا ممكن آجي البيت وارقيكم كلكم.
سارعت تجيبه: ايوة يكون أفضل.
خرجت من عند الشيخ ثم تحركت لوجهتها التالية؛ بيت ناصر زوج ندى أختها.
وقفت أمام البناية التي تتكون من ثلاث طوابق، الطابق الأول تمكث به هايدي وأمها بينما بالثاني شقيق ناصر وزوجته وبالأخير قبل السطح ناصر وندى.
تنهدت وهي تتقدم لتضغط على الجرس، وقفت تنتظر ودقات قلبها تتزايد بمرور الوقت، لا تنكر خوفها من لقاء هايدي التي هجمت عليها بالمرة السابقة ولكن خوفها الأكبر كان من الحقيقة.
شعرت بإقتراب أحد منهم فترقبت واستعدت، فُتح الباب وطل من خلفه والدها توفيق!
- بابا! بتعمل إيه هنا؟
ظهر من خلفه ناصر الذي قال بضيق وأدب في ذات الوقت: نورت يا حج توفيق، استني مكالمة مني.
نظرت لوالدها الذي سار مطأطأ الرأس، ثم رفعت وجهها لناصر: أنا جاية أتكلم معاك بخصوص خلود.
أمسك توفيق برسغها، بينما أجابها ناصر متنهدًا: إحنا اتكلمنا مع الحج في كل حاجة، تقدري تسمعيني منه.
نظرت ليدها التي يقبض والدها بيديه عليها ثم قالت وهي ترفض الرحيل: أنا عايزة أشوف هايدي وأتكلم معاها، عـ...
قاطعها ناصر: أنا عرفت باللي حصل لما كنتِ هنا، أنا آسف بالنيابة عنها، هي بس مكنتش في وعيها بسبب اللي حصل.
ابتلعت ريقها وهي ترد بإصرار: كلنا زعلانين بس محدش فينا فاهم، وأنا حابة أقعد مع هايدي وطنط وأتكلم معـ...
قاطعها والدها تلك المرة وهو يجذبها: قالِك إنه قالي كل حاجة، يلا!
أجبرها والدها على السير معه، نظرت له ما إن صاروا على الطريق: قالك ايه يا بابا؟ إيه اللي حصل يومها؟ وليه طلعوا ندى بهدوم البيت وخلوها تمشي في الشارع بالمنظر ده و....
التقطت أنفاسها وهي تسأله بأمل: وخلود ... ايه اللي حصل في خلود؟
نظر لها وأجاب بحدة وهو يرفع يده للطريق ليُوقف وسيلة تقلهم للبيت: اللي حصل كلهم غلطانين فيه، كلهم بهايم وكلهم كانوا سبب اللي حصل لطفلة صغيرة زي دي.
توقف أمامهم "توكتوك" فصعدوا لتسأله بلهفة: ايه اللي حصل طيب!
أخذ يقص عليها ما اخبروه به: كانت أم ناصر عاملة عزومة وعازمة ناس كتير وخلت ندى تنزل تطبخ هي وسلفتها، مش عارف حصل إيه كده سلفتها دي طلعت بيتها وسابت أختِك لوحدها ملبوخة، كانت خلود مع سِتها بتعيط خرجت ندى عشان ترضعها قامت ام ناصر قالتلها لأ وخشي وكملي الأكل لحد ما خدت منها خلود بالعافية وبعد ما رضعتها وقفت تزعق مع ام ناصر وسابت بنتها على طرابيزة المطبخ.
صمت يلتقط أنفاسه التي هدرها بالصراخ وشعور الغضب تملك منه تمامًا بسبب غباءهم، نظرت جنى للطريق وتابعت هي والدموع تملئ عينها بعدما فهمت الأمر: وقعت من فوق الطرابيزة.
رواية بيت البنات الفصل السادس 6 - بقلم امل صالح
ما بلاش دلع بقى وكلام فاضي، هو أنتِ أول ولا آخر واحدة تبقى أم؟! ما كلنا كنا أمهات يا حبيبتي ومش كل ما العيل يعيط كنا بنروح نشيله ونرضعه، قسِّي قلبِك شوية عن كده!
نطقت بتلك الكلمات القاسية والحادة "إيمان" حماة ندى ووالدة "ناصر" وهي تنظر لها بضيق؛ فكلما بكت طفلتها "خلود" تهرول لتأخذها منها وكأنها ستموت إن لم ترضع! ما المشكلة إن تركتها تبكي فحسب!
نظرت لها ندى بحزن وقلبها يتآكل آلمًا على طفلتها التي تبكي:
"يا طنط هي لما بترضع بتسكت، وأنا لسة مغيرلها الحفاضة وطالما بتعيط كده يبقى جعانة."
وقفت حماتها تحرك الطفلة بينما تسير بها:
"طب بس خشي كملي الأكل عشان الناس اللي جاية دي، وهي شوية وهتسكت لوحدها."
نظرت ندى لطفلتها ثم لتلك المرأة القاسية قبل أن تتحرك ناحية المطبخ مرة أخرى تتابع إعداد الطعام مع سلفتها "نورة".
كانت طفلتها تبكي بالخارج وهي تبكي بالداخل بقلة حيلة، التفت نورة تغادر المطبخ بعدما قالت:
"أنا هطلع أشوف سيد عايز إيه وأنزلِك على طول، خلي بالك المحشي لأحسن يتحرق."
وكانت هي بعالمٍ آخر من الأساس، لم تستمع لها ولم تشعر حتى بخروجِها، غسلت يدها ووجهها ثم خرجت هي الأخرى بعد أن جففتهم، وقفت أمام إيمان تمد يدها نحوها تأخذ إبنتها رغمًا عن تلك التي تفاجئت بما تفعله ندى.
"الله! بتعملي ايه يابت أنتِ؟؟ قولتِلِك مفيش وقت للدلع ده، الناس على وصول!"
حملتها بهدوء وسارت عائدة للمطبخ بينما تجيبها:
"وأنا مش هعرف أفضل سامعة عياطها ده كده، تسكت وبعدين آجي أكمل."
عقدت إيمان حاجبيها بغضب وهي تتبعها متحدثة بصوتٍ عالٍ وصراخ:
"يعني ايه يعني، هي هتموت من العياط مثلًا، سيبيها يختي تعيط وشوفي مصالحِك."
خرجت هايدي من غرفتها أثر صورتهم العالي، تحركت للمطبخ حيث يخرج الصوت وقالت وهي تفتح الثلاجة بضيق:
"مش عارفة أذاكر منكم! وطوا صوتكم شوية."
التفت لها إيمان لتصيح بسخرية:
"لأ لازم صوتوا يعلى لما الأستاذة سايبة الأكل على النار يقلب يضرب وقال ايه لازم ترضع البت، ويولع الناس اللي جاية مش كده."
كانت ندى تنظر برضى لإبنتها التي ترضع بسكون وقد هدأت تمامًا، رفعت وجهها تنظر لإيمان:
"آه ... بنتي أهم من الأكل وأهم من ألناس وأهم من كل حاجة."
وضعت هايدي الكوب الذي كانت تشرب فيه بقوة على الرخامة حتى كاد أن يتهشم لقطع، قالت بهدوء وهي ترفع حاجبها مُحذرة:
"من غير طولة لسان، اشبعي ببنتِك ولا تعملي اي حاجة ولما ناصر يجي مع الناس نبقى نشوف الحوار ده."
التفت ندى تعطيهما ظهرها:
"براحتكم، أنا مابعملش حاجة غلط، اللي شايفاه صح بعمله."
أخذت الصغيرة ترفع يدها عاليًا وهي تلعب في الهواء، أبعدتها ندى عنها بعد أن رأت أنها لم تعد جائعة، التفت لتخرج من للمطبخ تحت أنظار هايدي وإيمان اللاتان لحقتا بها.
"خلاص مش عاملة اعتبار لكبير ولا صغير، أهلِك معلموكيش الأدب في بيتكم؟؟ بتردي كده بكل بجاحة عادي يعني؟?"
جعلتها تلك الكلمات تتوقف لتضع الصغيرة على طرف الطاولة بجانبها تلتفت بغضب تنظر لإيمان التي اساءت لها ولعائلتِها:
"ما سمحلكيش، أهلي مربيني أحسن تربية ولو مكنوش عملوا كده مكنتيش هتلاقيني في بيتِك كل يوم بخدمِك وبعملك اللي مفيش واحدة تعملوا لحماتها الأيام دي، صابرة وساكتة عشان خاطر ناصر بس مش أكتر."
وقفت هايدي أمام والدتها تدافع عنها:
"فين يختي الأحسن تربية دي، بعدين اللي أنتِ بتعمليه لأمي ده فرض عليكِ يا حبيبتي، أومال هي مخلفة راجل ليه؟؟ عشان يتجوز ويدلع مراته؟؟ لأ يا روحي فوقي، ناصر متجوزِك عشان تبقي خدامة لينا هنا لا تقوليلي حب ولا تقوليلي كلام فـ..."
أثناء صراخها وقعت الطفلة فزعة من فوق الطاولة يصدم رأسها بالأرض الصلبة، التفت ندى صارخة بإسمها لتحملها سريعًا تحركها والدموع تملئ وجهها:
"خلود، بس يا قلب أمك اهدي.."
نظرت لهما بإحتقار قبل أن تتركهم وتصعد السلالم المؤدية لبيتها، بكت الطفلة خلال ذلك لدقيقة أو اثنتين قبل أن تصمت فجأة.
توقفت ندى عن الحركة وهي تنظر لها بقلبٍ يرتجف:
"خـ .. خلود."
أخذت تدابع وجهها وتُحركها بلطف:
"خلود!!!"
تحولت حركاتها الخفيفة لعنيفة وهي لا ترى أي استجابة، صرخت وهي تنهار فوق السلم أسفلها:
"خلود ... بنتى ... يلهوي، الحقوني!!"
استمرت بالصراخ إلى أن التفوا حولها جميعًا، هاتفت هايدي ناصر فورًا تخبره بتلك المصيبة ليترك ما بيده متحركًا للبيت وهو يدعو الله أن يكون كل شيء على ما يرام.
أخذها وتحرك للمستشفى تاركًا خلفه هؤلاء الوحوش الذين بدأوا بإلتهامها بكلماتهم السامة وإتهاماتهم الباطلة.
كانت ندى تنظر أمامها وكأنها لا تراهم، الدموع تنهمر من عينيها بينما كانت ملامحها جامدة، لقد شعرت بهذا في قلبها؛ شعرت أن إبنتها فارقت الحياة، لم تشعر بأنفاسها..
اخد صدرها يعلو ويهبط بينما لا تنطق بكلمة وهما من حولها يصرخان بها:
"منك لله، أنتِ السبب، ربنا ياخدِك.."
لم تشعر حتى بيد هايدي التي أمسكت بها من ملابسها تدفعها خارج البناية:
"غوري ومشوفكيش هنا تانية، أنتِ مجرمة .. مجرمة!"
أفاقت ندى من تلك الذكريات البشعة على صوت الباب، مسحت وجهها ووقفت لتفتحه وكان الطارق والدها توفيق وجنى.
كانا هما أيضًا بحالة يرثى لها، دخل توفيق غرفته وكذلك فعلت جنى التي ألقت بجسدها على الفراش، تطالع سقف غرفتها بألم يسري بقلبها.
لما يحدث معهم كل هذا؟!!
هل بسبب ذلك السحر الذي وجدوه!
اغمضت عينَها وهي تتابع التفكير، تُرى مَن قام بصنع مثل هذا الشيء لهم! من سيستفيد يفعل شيء كهذا!
وقفت لتقوم تبديل ملابسها والخروج لتناول أي شيء، مرت بغرفة والديها فاستمعت لصوت ندى وهي تتحدث مع والدها بصوت مختنق:
"هيطلقني يعني؟"
أجابها توفيق وهو يمسح على ذراعها:
"هو مقالش كده يابنتي، بلاش تسبقي الأحداث، هو قال يسيبك هنا كام أسبوع لحد ما تهدي وهيبقى يكلمني."
نفت ندى وهي تمسح وجهها تؤكد له:
"هم مش هيسبوه يرجعني، الله أعلم قالوله إيه ولا فهموه إيه، دول ناس وحشة أوي يا بابا أوحش مما تتخيل!"
تنهدت جنى وهي تتابع طريقها للمطبخ، وقبل أن تقوم بإعداد أي شيء خرجت مرة أخرى لتتحرك لغرفة شقيقتيها بسنت وبسملة.
دخلت دون أن تطرق الباب كعادتها عند دخولتلك الغرفة التي عادةً ما تكون فارغة بسبب تواجدهما بسكن الكلية.
تسببت بإنتفاض بسملة التي كانت تدردش مع أحدهم في هاتفها والتي سرعان ما خرجت من تطبيق الواتساب لتطبيق الفيس بوك متصنعة إنشغالها بالقراءة.
لم تلاحظ جنى كل هذا وألقت نظرة بالغرفة فوجدت بسنت نائمة متكورة حول نفسها فاقتربت لتجلس جانبها.
كانت ملامحها قلقة حتي وهي نائمة، ربتت على كتفها وهي تناديها بصوت خافت:
"بسنت ... بسنت!"
رفعت وجهها لبسملة التي كانت طالعها بطرف عينها بينما قلبها يكاد يخرج من مكانها لشدة توترها، وضعت يدها على جبينها تمسحهه قبل أن تقف متحركة للخارج:
"الجو حر هنا أوي، أنا هقف في البلكونة شوية."
أوقفتها جنى بسرعة:
"أكلتِ؟؟ أنا هجهز أكل."
أجابت وهي تخرج:
"لأ لأ أنا شبعانة."
اومأت لها جنى وعادت لتوقظ بسنت بهدوء، فهي بالأساس نومها خفيف جِدًّا وابسط صوت يجعلها تستيقط.
فتحت بسنت عينَها لتبصر وجه جنى التي قالت بإبتسامة:
"صحي النوم ياستي! أنتِ نومِك تقل كده امتى يابت!"
اعتدلت بسنت وهي تلتقط هاتفها تنظر في الساعة بتلقائية كما تفعل كل صباح فتفاجئت بالساعة الثامنة مساءًا.
"يلهوي أنا نمت كل ده ازاي؟!!"
ابتسمت جنى بحزن وهي تربت على ذراعها:
"تلاقي بس عشان نايمة قلقانة، مكلتيش طبعًا."
تثائبت لتضع يدها اليمنى على فمها وهي تجيبها ويدها الأخرى على بطنها:
"آيوة أنا فعلًا جعانة جِدًّا."
"طيب تحبي أعمل بقى فول وطعمية ساندوتشات وخلاص ولا أعمل صينية محترمة ونقعد ناكل أنا وأنتِ."
ابتسمت بسنت:
"أي حاجة!"
"يعني أنتِ حابة إيه ياست أنتِ؟!"
رفعت بسنت أكتافها ببساطة:
"اي حاجة والله، أصل أنا في كلا الحالتين هاكل، وكدا هشبع وكده هشبع فأي حاجة."
"ماشي ياستِ قومي بقى غسلي وشِك على ما اخلص."
تحركت للخارج فأوقفتها بسنت وهي تنظر حولها:
"أومال فين بسملة؟?"
أشارت جنى للخارج:
"واقفة في البلكونة بتقول الجو حر...."
تابعت بمزاح وهي تنظر للمكيف بالغرفة:
"مش عارفة التكييف ده مش واكل معاها باين!"
وبالشرفة وقفت تعبث بهاتفها مرة أخرى وهي تحادثه وتلك الابتسامة لا تفارق شفتيها، يغرقها بتلك الكلمات المعسولة ونظراته المحبة، اهتمامه بها وبكل تفاصيلها، ماذا ستريد أكثر من هذا؟!
"هتبات في البلكونة ولا ايه ياعم مَجد، ادخل يلا ماما عايزاك."
توسعت عيناها وهي تستمع لصوت "سامر" ابن عمها الذي يوجه حديثه لأخيه "مجد" بالأعلى، ابتلعت ريقها وهي ترفع رأسها ببطئ تأمل أن يكون لم يراها.
رفعت وجهها فأبصرت وجهه وتلك النظرات التي أخذ يرميها بها، أدخلت جسدها ورأسها سريعًا بعيدًا عن السور فسمعته يجيب على سامر:
"داخل أهو."
نفت براسها وهي تؤكد لنفسها أنه لم يرى المحادثة، بالتأكيد لم يراها؛ المسافة بين الشرفتين كبيرة!
انتفضت بفزع عندما جاء صوت من خلفها:
"تأكلي يا بسملة؟"
التفت سريعًا تصرخ بتلك المسكينة بسنت:
"ايه يا بسملة خضتيني!"
وما ذنبها.! جاءت فقط لتتأكد انها ليست جائعة!
"بتزعقي ليه طيب؟؟ براحة مكنتش أقصد."
ولجت بسملة وقامت بدفعها في كتفها وهي تتمتم بضيق:
"الواحد ميعرفش يقعد بهدوء! اي ده!!"
تعجبت بسنت كثيرًا بسبب ردة فعلها الغير مبررة، وتحركت بهدوء للداخل لتناول الطعام رفقة جنى.
صباح يوم جديد، استيقظت جنى على صوت هاتفها الذي لا يتوقف عن الرنين مما أجبرها على الاعتدال بالفراش والتقاطه لترى هوية المتصل "جميلة"؛ زميلة لها بالعمل.
"وعليكم السلام، في حاجة يا جميلة ولا إيه؟?"
توسعت عيناها شيء فشيء وهي تستمع لردها:
"آيوة يا جنى، وصلنا المكتب النهاردة لقينا الباب مكسور وحاجة الشغل كلها واقعة على الأرض متكسرة ومتقطعة!!!"
رواية بيت البنات الفصل السابع 7 - بقلم امل صالح
وصلنا المكتب النهاردة لقينا الباب مكسور وحاجة الشغل كلها واقعة على الأرض متكسرة ومتقطعة.
انتفضت في فراشها وهي تعتدل لتسألها بفزع:
يعني إيه يا جميلة؟ مين عمل كده؟ وازاي؟
أتاها صوت جميلة المليء باليأس والحزن ليجيبها:
والله أنا كمان مش فاهمة حاجة! أنا صحيت الصبح على الناس حوالين المكتب بيرنوا عليا وبيقولولي حد اتهجم على المحل وعمل فيه واحد اتنين تلاتة، جيت جري لقيت المنظر اللي بقولك عليه ده.
خرجت من الغرفة بسرعة تنهي معها وهي تكاد تجن لهذا الخبر المفجع، تتوالى المصائب بالهبوط فوق رأسها كقطرات المطر.
خرجت من المرحاض بعد أن غسلت وجهها عادت لغرفتها ترتدي أول ما وجدته أمامها؛ عباءة سوداء ارتدتها بعجلة وكذلك وضعت الحجاب فوق رأسها بعشوائية.
دخلت لها بسنت تسألها قاطبة جبينها بتعجب:
في إيه يا جنى، مستعجلة على إيه؟ حصل حاجة ولا إيه؟
أجابتها وهي تضع الدبوس برأسها:
معرفش جميلة كلمتني بتقولي المكتب متبهدل، حد اتهجم على الحتة هناك.
شهقت بسنت وهي تقترب منها بخوف:
يلهوي مين يعمل كده؟ هتعملي إيه دلوقتي؟
التقطت مفاتيح المكتب ومحفظتها تضعهما بحقيبتها بينما تجيبها وهي تخرج من الغرفة:
هروح لسة أشوف الوضع يا بسنت.
جلست على الأريكة لترتدي حذاءها:
أنتِ بس عرفي ماما وبابا عشان مايقلقوش لما مايلاقوني في البيت.
وقفت وقد انتهت للتتحرك ناحية الباب تغادر بسرعة وهي تدعو الله ألا تكون الخسائر كبيرة، تفكر فيمن فعلها وما الاستفادة التي سيحصل عليها، تفكر كيف استطاع ذلك المجرم الدخول للمكتب.
الكثير والكثير من الأسئلة كانت تدور بعقلها، تبخرت كل تلك الأسئلة مع رؤيتها للمكتب، سهرُ ليالي وتعبُ ايام، ها هي ترى كل أحلامها وقد تدمرت.
كان مكتبُها بالطابق الأول لمبنى عمارات كبير، كان الباب من زجاج تهشم وتحطم أرضًا تمامًا كما حدث لقلبِها.
مرت من فوق الزجاج لترى مكتبها وتلك اللافتة الصغيرة التي كانت تضم إسمَها "جنى توفيق الهلالي" والتي انكسرت لنصفين، نظرت للحائط فلم ترى شهاداتِها وتلك اللوحات التي كانت تزين بها المكان.
أخفضت رأسَها بأعينِ دامعة لترى كل هذا أرضًا، مرت من فوق الزجاج والأوراق لتتحرك لإحدى الغرف التي تضع بها عملها، وما إن خطت قدمها أرض الغرفة حتى شعرت بها كالهلام غير قادرة على حملِها.
اسرعت جميلة بالوقوف لجانبها تساعدها في الوقوف بينما جنى كانت تنظر للزهور أرضًا بوجه امتلئ بدموع الحسرة والقهر.
كانت جنى مسؤولة عن مكتب لتصميم الأعراس وتنظيمها، كانت شغوفة بهذا العمل منذ الصغر وتمنت كثيرًا أن يكون لديها مكان عملِها الخاص وبعد أعوام من العمل على تحقيق هذا الحلم صار لها، والآن ... تشهد بعينيها أكبر خسارة لها.
نظرت للغرفة الأخرى، تلك الغرفة التي قررت أن تملئها بأدواتٍ جديدة وأقمشة لتعمل على حلمها الآخر؛ تصميم الملابس والفساتين.
خافت أن تدلف لتلك الغرفة لتقابل هزيمة أخرى تضعها في الحضيض، تحاملت على نفسها وارغمت نفسها على الوقوف، تحركت للخارج وهي تنظر لذلك الشاب الذي يعمل معها:
لو سمحت يا عمرو كلم ناس يجيوا ينضفوا المكان.
ثم نقلت بصرها لجميلة التي تنظر لها بشفقة:
وأنتِ يا جميلة ياريت تدخلي تشوفي الحاجة في الاوضة التانية، ولو في حاجة في الاوضتين لسة كويسة شيلوها.
نظرت أمامها وتابعت والدموع تهبط من مقلتيها دون إرادة منها ورغم جمود ملامحها:
وإرموا الباقي.
خرجت من المكان بسرعة وهي لا تريد أن يراها أحد بهذه الحالة، رأت في وجهها بسنت التي هرولت خلفها بعد أن أيقظت بسملة وأخبرتها بالأمر.
نظرت لها جنى بألم، ارتجفت شفتيها كطفلة صغيرة قضت ساعات طويلة في صنع قصر بالمكعبات ثم جاء شقيقها ودهس ما صنعته بكل وحشية.
اقتربت من بسنت ثم انفجرت بالبكاء لترتمي بأحضانها كمن وجد ضالته أخيرًا، كانت تخفي حزنها وألمها امام الغرباء لكن كيف لها أن تفعل ذلك أمام عائلتِها ... سندها.
راح تعبي يا بسنت، راح تعب ايام وشهور وحلم سنين.
كانت تصرخ بين أحضان شقيقتها ببكاء وبسنت تربت على ظهرها وهي تنظر للمكان خلفها بأعين دامعة، هي تعلم تمام العلم مدى حب جنى لعملها، وما الذي فعلته لتصل لتلك النقطة والآن ... ها هي تعود لما خلف الصفر.
ماتعيطيش يا جنى، ماتعيطيش فداكِ كل ده ومش مهم أي حاجة المهم صحتِك، خلاص بقى عشان خاطري.
كانت تواسيها بصوت مختنق، ابعدتها عنها وقد كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها جنى بهذا الضعف، نظرت لها بسنت بوجع، امسكت كتفيها تحركها بإصرار:
ماتعيطيش! دي مش جنى اللي أنا عارفاها، أنتِ أقوى من كده، امسحي وشِك وقومي شوفي اللي عمل كده، متسيبيش حقِك!
رفعت جنى وجهها لها فابتسمت بسنت بتشجيع وهي تمسح لها وجهها:
دشملي أمه زي ما بسملة بتقول!
ابتسمت هي الأخرى من بين بكائها، أجلستها بسنت على مقعد خشبي بالشارع ثم تحركت للبقالة المجاورة لبضع دقائق.
أخذت تنظر خلالها جنى للمكتب مرة أخرى، اغمضت عينيها بقوة فشعرت بالدموع على وجنتيها سرعان ما رفعت يدها تمسحها وهي تتذكر كلمات بسنت.
نظرت للبقالة فوجدتها تعود وهي تحمل كيس بلاستيكي صغير، جلست لجانبها ثم أخرجت علبة مناديل تناولت منه واحد ثم أعطته لها:
امسحي وشِك يا جنى.
أخرجت عبوتين من العصير وكذلك ورقتي بسكويت، فتحت البسكويت وكذلك عبوة العصير وأخذت تطعمها بحنان بالغ وهي تتحدث:
حقِك تزعلي وحقِك تعيطي، حقِك تعملي أكتر من اللي عملتيه دلوقتي كمان.
مدت بسنت يدها بالعصير نحو فم جنى لترتشف القليل منه بينما تستمع لبسنت التي تابعت:
بس إحنا فيها يا جنى، لازم تاخدي إجراء بسرعة، عياطِك مش هيرجعلِك حقِك!
ردت عليها جنى بدموع وهي تنظر للمكتب من جديد:
أنا نفسي بس أفهم ليه! ليه ممكن حد يأذي حد بالشكل ده؟!! حرام والله يا بسنت أنا مش قادرة أصدق.
مالت بسنت قليلًا تمنعها من رؤية المكان خلفها ثم تحدثت بحزم:
وهتفضلي تبكي على اللبن المسكوب لحد امتى بقى؟ لحد ما يبهدلِك اللي متبهدلش لسة؟ ولا لما يلف لفته ويجيلِك!
تنهدت جنى تحرك رأسها بالإيجاب وكل كلمة قالتها بسنت تركت أثرها بعقل جنى، انتهوا من تناول ذلك الإفطار البسيط في الشارع قبل أن تقف جنى ويليها وقوف بسنت التي تبعتها مبتسمة.
بالبناية الخاصة بناصر وعائلته تحديدًا داخل شقته، كان يجلس فوق إحدى الارائك رأسه للخلف مغمض عينه وعقله يسبح بذكريا قصيزك جِدًّا حمعتع بطفلته وزوجته ندى.
تلك السعادة والبركة التي حلت عليهم بعد ولادتها، وتلك المشاعر التي شعر بها مع أول مرة وضعها بين يديه، إبتساماتها الصغيرة وهي نائمة، يدها التي كانت ترفعها بالهواء بسعادة وكأنها تلاعب أحد ما، انفها الصغير الذي لم يتوقف عن مداعبته ويدها التي كان يحب تقبيلها، تلك التفاصيل الصغيرة لم ولن ينساها، تلك التفاصيل التي كانت سببًا يومًا في إسعاده باتت اليوم مصدر ألمه.
شعر بالدموع تسري فوق وجنتيه، لم يفتح عينه واستسلم لنوبة البكاء التي داهمته، أخذ يبكي بقوة يبي بصوتٍ كطفل صغير فقد والدته في الطريق، وضع وجهه بين يديه، يشهق من حين لآخر وهو لازال يبكي، نظر حوله ولبيته الفارغ، كان من اسبوع واحد فقط سعيد بتكوين عائلته الصغيرة والتي وعد بتكبيرها بعدد غير محدود، فقدهم جميعًا بليلة وضحاها.
التفت ينظر لهاتفه الذي صدح منذ قليل، رأى إسمها يزين شاشته "محبوبتي."، وأين هي محبوبته في هذا الوقت العصيب! تخلت عنه في أصعب الأوقات، كان بحاجة لها كما هي بحاجة له، كانا سيعالجان بعضهما البعض لو بقت!
مسح وجهه، أخذ صدره يعلو ويهبط وهو يحاول أن يهدأ ليجيبها، التقط الهاتف عندما رنت للمرة الثالثة ليجيب بهدوء ينافي تمامًا وضعه منذ دقائق:
ألو.
نفت براسها يأسًا وهي تتذكر كم مرة أخبرته أن يفتتح مكالماته بالسلام عليكم ورحمة الله، نفت وهي تمسح وجهها من الدموع مرة أخرى لترد بصوت متحشرج:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، عاملة ايه يا ندى؟
صدقًا؟!!
هل يسألها الآن عن وضعها؟؟
هل هما أغراب لكي يحادثها بتلك اللهجة؟؟
وكيف سيكون وضعي وأنا هنا أنتظر طرقاتك فوق باب منزلي، كيف سيكون وضعي وأنا أتلهف لعناق دافئ بين أحضانك؟؟ كيف سأكون وأنا بإنتظار مواساتك لي!
كان تريد أن تخبره بهذا وأكثر، ولكن كان جوابها أكثر سخرية وهي تجيب بهدوء:
الحمد لله، أنت عامل ايه؟
إبتسم بسخرية وهو ينظر حوله:
مش كويس أبدًا يا ندى.
هبطت دموعها مرة أخرى وقد شعرت بألمِه من مكانها، تحدثت بصوت مختنق:
أنا عايزاك تيجيلي، لو سمحت إحنا لازم نتكلم.
انتظرت أن يبادر ويطلب منها هو هذا الطلب لكن ذلك الألم جعلها تفعل. وكم كان متلهف للذهاب إليها.!
طوال تلك الخمسة ايام التي مرت لم يربت أي أحد على كتفه، لم يواسيه أحد حتى اقرب الناس إليه!
كان يتلقى التعازي والمواساة وهو بحاجة لمن يواسيه، اومأ ناصر برأسه وهو يجيب بإبتسامة:
حاضر يا ندى.
صمتا لدقيقة تقريبًا ولم ينهي أي منهما المكالمة، حتى تحدث هو أخيرًا بعد أن تنهد وهو يشعر بثقل كبير فوق قلبه:
سلام.
سلام.
وضعت الهاتف بجانبها وجلست تطالع تلك الصورة التي التقطها بالمشفى لخلود بحنين وحزن، تدعو الله بأن يخفف عنهما.
بالخارج، نادت وجيهة على بسملة التي كانت تمسك بهاتفها كالعادة فتركت الهاتف تزفر بضيق:
ايه يا ماما؟
التفت لها وجيهة والقلق يملئ قسماتها:
يابنتي ما ترني على حد من أخواتِك!! شوفي عملوا ايه ولا هاتيلي أنا أكلمهم.
ثم نظرت للفراغ تتابع بحزن على ابنتها المسكينة:
قلبي واكلني على جنى، دي يا عمري مكنتش بتنام عشان خاطر الشغل ده!
ربتت بسملة على كتفها:
ياساي متقلقيش لسة قافلة معاهم من شوية، بسنت قالتلي إنهم طالعين على القسم يقدموا بلاغ.
سألتها وجيهة بلهفة:
في مين؟ هم عرفوا مين عمل كده؟
نفت بسملة وهي تلتقط حبة من الجزر:
لأ هيعملوا بلاغ ضد مجهول، مع إن أنا شاكة إنه الزبالة عصام.
لأ لأ ده مهما كان في بينا عيش وملح.
أنتِ غلبانة أوي يا حجة والله! أنتِ ماشوفتيش البجح كان بيكلمني ازاي أنا وجنى وأنا منزلاله حاجته.
ضربت وجيهة كفًا بالآخر وهي تردد:
لا حول ولا قوة الا بالله!
وقبل أن تخرج بسملة من المطبخ استوقفتها وجيهة بسرعة مرة أخرى:
طب كلمي حد من ولاد عمك يروحلهم! مينفعش برضو يروحوا القسم لوحدهم!
ابتسمت بسملة بتكلف:
ماشي، حاجة تانية؟
التفت وجيهة بسرعة تحمل طبق الشوربة:
آه آه ودي ده لندى، قوليلها إني حالفة ماكلش إلا لما هي تأكله.
قلبت بسملة عينيها بضيق ثم تأفأفت وهي تلتقط الطبق بحدة من والدتها تغمغم وهي تتحرك للغرفة التي تجلس بها ندى:
مبقاش ورانا غير ندى، شغالين خدامين تحت رجل الهانم.
دخلت الغرفة بعنف انتفضت ندى على أثره، وضعت الطبق بحدة على الطاولة الصغيرة بجانب السرير وقالت:
ماما حالفة ماتاكلش إلا لما تاكلي.
وخرجت صافعة الباب بقوة تمامًا كما دخلت، التقطت الهاتف بسرعة تبعث له برسالة معتذرة "معلش يا عُمر ماما كانت عايزاني."
أجاب بعد دقيقتين تقريبًا "ولا يهمك يا بسبوسة، المهم قولتِ إيه في اللي طلبته منك؟"
قطبت جبينها بقلق ولم تجيبه فبعث لها "بسملة!"
أجابت بسرعة "ممكن تسيبني أفكر، أنت عارف ظروف البيت اليومين دول."
ابتسمت بسعادة وهي تقرأ رده " ولا يهمك يا حبيبي، براحتك."
خرحت من الغرفة بعد أن تركت هاتفها على الشاحن لتتحرك ناحية الباب وهي تصيح:
ماما أنا هطلع شقة عمو حامد أشوف طارق أو مجد عشان جنى وبسنت.
صعدت وهي تدندن بسعادة، طرقت الباب ووقفت تنتظر أن يفتح لها حتى فعل سامر ذلك، نظر لها بغيظ:
اهي الكهربا قطعت على وشِك، قطعت قبل معادها بساعتين يا فقر.
لوت شفتيها وهي تلكمه بذراعه:
ده على وشك الزفر بس مش أكتر، وسع كده ناديلي حد من أخواتك.
جاءت "شهيرة" والدته ووالدة كل من طارق ومجد لترحب بها:
يادي النور، بسملة بذات نفسها!
ابتسمت بسملة وهي ترد عليها بمزاح:
نور ايه بس يا طنط! أنا كنت عايزة طارق أو مجد في موضوع كده.
طارق مع خطيبته ومجد نزل الشغل! سامر أهو لو عايزة حاجة.
ولو إنه مش بيقضي حاجة بس خلاص هقوله وأمري لله!
ضحكت شهيرة وهي تتركهم وتعود للداخل مرة أخرى، ابتسمت بسملة بإصفرار وهي تخبره:
هتروح القسم لجنى وبسنت، تعرف يا كوتي ولا لأ؟
دفعها بكف يده بوجهها فعادت للخلف حتى كادت تسقط:
طب خفي لسانك ده وشوية، خفي ها.
اخلص هتروح ولا لأ؟
فهميني!
أخذت تشرح له ما حدث فأخبره أنه سيذهب لهما، أما بقسم الشرطة، كانت تجلس أمام الظابط الذي سألها:
بتشكي في حد يا آنسة جنى؟
تبادلت النظرات مع بسنت التي نظرت لها بحيرة قبل أن تجيبه بهدوء:
لأ يا حضرة الظابط.
اومأ بهدوء:
تمام، دلوقتي هنفتح محضر ضد مجهول وبعد ما نعرف اللي عمل كده نبقى نعمل محضر إثبات واقعة ولو حابة نعمل عدم تعرض.
اومأت وهي تقف:
متشكرة، أنا كل اللي عايزة أعرفه هوية الفاعل.
تحركت للخارج هي وبسنت وقبل أن تفتح الباب لتغادر وجدت من يندفع للداخل بغضب وهو يصرخ:
بص بقى أنت تشوف حل للبت بنتك دي عشان أنا أعصابي دي مش لعبة.
التفتت جنى تطالعه بصدمة فالتفت ذلك الشاب يبتسم لها بسماجة قبل أن يعود لينظر للظابط الذي اعتذر لجنى بعينيه، عادت لتخرج مرة أخرى ولكن تلك الجملة التي قالها ذلك الشاب جعلته تتسمر مكانها بصدمة هي وبسنت.
طب وحياة حتة العباية السمرا دي لأكسر دماغها ودماغ أبوها.
رواية بيت البنات الفصل الثامن 8 - بقلم امل صالح
توسعت عيني ضابط الشرطة وهو يخرج من خلف مكتبه ليدفع شقيقه الغبي من أمام جنى.
"أنا بعتذر جِدًّا من حضرتِك يا آنسة جنى عن اللي قاله..."
ثم أشار بذراعه للأمام:
"تقدروا تروحوا وأنا هبلغ حضرتك لو توصلنا لأي حاجة."
كان سليط اللسان ذاك يجلس على أحد المقاعد أمام مكتب أخيه الظابط، يضع قدمًا فوق الآخر بإنتظار أن ينتهي ذلك الحوار ليخرج كل ما بجعبته بوجه أخيه.
نظرت له جنى بغيظ لذلك البرود الذي يتحلى به وكأنه لم يقل شيئًا، ثم نظرت للضابط واومأت:
"تمام يا حضرة الظابط، عن إذنك."
خرجتا من المكتب فسرعان ما انمحت تلك الابتسامة المُجاملة التي كان يرسمها على ثغره، التفت لذلك الأحمق الذي يأكل أظافره بغيظ ليصرخ وهو يتقدم منه دافعًا قدمه بغضب:
"يا بجاحة أمك يا شيخ، يا بجاحة أمك!"
"طب ليه الغلط طب! الست نايمة في تُربتها لا بيها ولا عليها."
عاد مصطفى ليجلس خلف مقعده، ضرب على المكتب ليصرخ به:
"عثمان! قولتلك ١٠٠ مرة القسم هنا مش حديقة ملاهي، ازاي تدخل كده وأنت عارف إن معايا ناس جوة، وازاي تتكلم عن البنت كده وهي واقفة..."
أخذ مصطفى يردد بدهشة:
"عباية سمرا؟؟!!"
نظر لها يتابع وهو يلقيه بالقلم:
"يلعن أبو شكلك يا زبالة."
التقط عثمان القلم سريعًا ليجيبه بضيق وهو يضرب بيديه هو الآخر فوق المكتب:
"ومالها حتة العباية السمرا؟?"
رفع مصطفى سبابته أمام وجهه:
"مش هنعمله زفت موضوع، اخلص جاي ليه وسايب شغلك؟?"
لوى عثمان شفتيه عاليًا وهو يجيبه بسخرية واستهزاء:
"سايب شغلي! شغل مين يابو شغل، هو اللي يخلي باله من بنتك دي يعرف يشوف شغله، دا هي بقت شغلي بروح أبوها."
تنهد مصطفى مغمضًا عينيه يحاول تمالك أعصابه أمام لسان ذلك الذي من المفترض أنه شقيقه، يذكر نفسه أنه بمكان عمله وأن كل فعل سيجازى عليه.
صفع عثمان المكتب للمرة الثانية على التوالي:
"لأ مش وقت يوجا، فتحلي كده وصحصح."
فتح عينيه وتحدث بهدوء وابتسامة صغيرة يخفي خلفه غضبًا كبيرًا:
"فتحت، إنجز.."
بالخارج وما إن خرجتا من المكان حتى لاحظت جنى تلك الابتسامة على وجه بسنت التي تحاول كبح ضحكاتها على هيئة جنى المنزعجة من ذلك الوقح.
"اضحكي يا حبيبتى متخليش في قلبك حاجة."
انفجرت بسنت بالضحك فتوقفت جنى عن السير تنظر لها بغيظ بينما تحدثت الأخرى من بين ضحكاتها:
"مش قادرة والله معلش، من أول ما اتكلم جوة وأنا هموت واضحك."
صاحت جنى وهي تلكزها بذراعها:
"دا بيئة ولسانه زفر، وأنتِ اتلمي شوية!"
نظرت لما ترتديه وهي تستكمل بضيق:
"أنا ملحقتش ألبس حاجة، كنت مستعجلة وأنا عمري أصلًا ما روحت بالعباية في حتة."
ابتسمت بسنت بعد أن توقفت عن الضحك وهي تتعلق بذراع جنى التي تحاول إبعادها بتذمر مصطنع:
"وسعي يابت أنتِ، وسعي بقول!"
"أنتوا خلصتوا؟?"
رفع الاثنان وجهيهما على ذلك الصوت أمامهما والذي لم يكن سوى صوتِ المتعجب.
"سامر!"
تحدثت جنى بإستغراب وهي تتقدم منه:
"بتعمل ايه هنا؟?"
أجابها وهو يوزع نظره بينها وبين بسنت التي كانت تعقد حاجبيها بعدم فهم لوجوده:
"بسملة عرفتني باللي حصل وطنط حبت حد مننا يكون معاكم بس للأسف طارق ومجد مش فاضيين."
ابتسمت جنى وهي تربت على كتفه:
"ولا يهمك إحنا أصلًا خلصنا ورايحين مشوار كده على السريع وبعدين هنرجع البيت."
أشار بإصبعه للخلف:
"أنا معايا عربية بابا لو كده تعالوا معايا بدل ما تتبهدلوا في المواصلات وغيره، واحكولي برضو عشان بسملة الله يمسيها بالخير لطشتني كام جملة كده مفهمتش منها حاجة."
نفت جنى:
"لأ لأ ملوش لزوم، المكان اللي راحين قريب من هنا وهخلص وهرجع أروح المكتب عندي تاني أشوف وصلوا لإيه، روح أنت وأنا لما ارجع البيت هحكيلك كل حاجة من طقطق لسلام عليكم."
رفض بإصرار وبغضب مصطنع:
"لا والله! وايه تاني؟؟ عمك مخلف رجالة يا حبيبتى ولا أنتِ شايفاني سمر قدامِك؟?"
ابتسمت بسنت على طريقته المرحة بالحديث فنظر لها وابتسم وهو يضيف:
"ما تقولي حاجة يا بوسي!"
رفعت عينَها له مع ذلك اللقب الذي ناداها به، ابتسمت وهي تقف لجانب جنى بعد أن كانت تبعدها بخطوات:
"أنا رأيي من رأي جنى، ارجع استنى في البيت وخلاص على ما نرجع إحنا."
"والله انتوا الاتنين جوز بلحات!"
ضحكت بسنت بخفة وقالت جنى وهي تدفعه بمزاح:
"يعم ارجع بيتكم وفكك مننا، يلا يابت يا بسنت مش هنخلص منه."
ظل في مكانه، رفع هاتفه عاليًا يصيح عاليًا:
"طب كلموني لو حصل أي حاجة، ماشي."
رفعت له جنى ابهامها دون أن تلتفت بينما التفت له بسنت تجيبه بـ"ماشي" ليلوح لها بالهواء يودعها.
نظرت لجنى:
"مشوار ايه ده؟?"
تنهدت جنى واخذت تقص عليها حوارها مع الشيخ وأخبرتها أنها طلبت منه أن يأتي لمنزلهم ليرقيه ويرقي مَن به، كما اخبرتها عما قاله وأنه لا داعي للقلق وأنه سيتولى أمر ذلك السحر فاطمئنت بسنت وكأن عبء انزاح عن قلبها.
ببناية عائلة الهلالي التي تتكون من أربعة طوابق بالإضافة للسطح، الطابق الأول كان لكبير عائلة الهلالي "طه" وزوجته "صفاء" واللذان توفيا ليتركا خلفهما أبناءهم الثلاثة "حامد" والد الشباب وزوجته رجاء بالطابق الثاني، "توفيق" والد البنات وزوجته وجيهة بالثالث، وأخيرًا أصغرهم "سلطان" والذي لم ينجب سوى "نرمين" من زوجته منة، ولكنه في العام الثالث لثانوية ابنته قرر أن يسافر خارج البلاد بحثًا عن عمل يساعد في تنمية رأس ماله ليساعد ابنته في هذا العام الذي يحتاج الكثير.
ببيت سلطان الابن الثالث، كانت منة تتحدث معه على الهاتف بضيق وشيء من الغضب:
"يعني إيه يا سلطان؟؟ بقالك ست سنين برة ومهنش عليك تنزل اجازة اسبوع حتى، حرام عليك بنتك دي!"
زفر على الجانب الآخر بضيق وهو يمسح على وجهه:
"بقولك ايه يا منة، مش أنا ببعتلك كل شهر فلوس تكفيكِ أنتِ ونرمين وزيادة؟؟ عايزة ايه مني ياستي؟?"
صرخت به بعدم تصديق وصوتٍ عالٍ:
"أنت معندكش دم؟؟ حرام عليك أنت مش حاسس باللي إحنا فيه! ست سنين ياخي عدينا فيهم بكل حاجة وحشة وأنت كل اللي في دماغك اننا عايزين فلوس! اتقي الله فينا ياخي، اتقي الله فينا حرام عليك."
القت الهاتف من بين يديها وانهارت على الفراش تبكي بعنف وهي تشعر بالألم بقلبها، لما يحدث معها هذا، جميع أخوته يعيشون بسعادة مع أبنائهم ودون ذلك السفر اللعين!!
تغار؟؟
نعم تغار وبشدة، بالأخص من توفيق ووجيهة، فحامد كان حاد الطباع بعص الشيء وقاسي على أولاده وهي لا تريد ذلك الزوج القاسي، تمنت أن يكون لين هين كتوفيق الذي يعيش حياة بسيطة مع عائلته، دون ذلك المال اللعين!!
خرجت نرمين من غرفتها على صوت بكاء والدتها كالعادة، طرقت باب غرفتها:
"ماما."
لم تجيبها منة وظلت تبكي بقهر، قلبت نرمين عينيها بملل وعادت لغرفتها وهي تغمغم بضيق:
"دي عيشة قرف!"
صف ناصر سيارته أمام البناية، تنهد وهو يفكر في إلى أين سينتهي بهما المطاف بعد هذا اللقاء، هل سينتهي بفراق؟؟ أم سينتهي بعناق؟!
ترجل من السيارة ليصعد السلالم بهدوء، وقف أمام الباب يتنهد للمرة التي لا يعلم عددها قبل أن يرفع يده يطرق الباب.
لحظات من الإنتظار حتى فتحت له وجيهة التي رحبت به بسعادة، عانقتها وأخذت تمسح على ظهره بحنان تمنى لو حظى به تلك الأيام التي مضت.
اغمض ناصر عينيه يمنع نزول تلك الدموع التي كلما اتيحت لها الفرصة تندفع خارج مقلتيه، ابتعدت عنه تربت على كتفه:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي، ادخل اقعد على ما أنادي لندى."
التفت لتنفذ ما قالته فاستوقفها يسألها بحرج:
"ممكن أدخلها أنا؟?"
حركت راسها إيجابًا:
"وماله يا حبيبي وماله، هي في الأوضة دي تعالى."
وقفت خلف الباب وهو خلفها، طرقت الباب تنادي بلهفة:
"ندى، ندى!"
"تعالي يا ماما."
رفع وجهه ينظر للباب وكأنه ينظر له، تنهد من جديد بعد أن ابتعدت وجيهة عن الباب تعطيه مساحته ليدخل هو لها.
فتح الباب ودفعه بهدوء وبطئ، كانت تجلس فوق الفراش تغطي نفسها بأحد أغطية السرير بينما تنظر لشيء ما بيدها، اقترب منها بعد أن أغلق الباب ورفعت هي وجهها لتتفاجئ بوجوده.
توسعت عيناها واعتدلت سريعًا تزيح الغطاء عنها، رأته يجذب المقعد أمام التسريحة ويحركه ليجلس قبالتها فظلت في مكانها.
ابتلعت ما بجوفها وهي ترى حالته وهيئته الجديدة، وكم تألمت!
"جيت؟?"
أومأ وهو يشبك أصابعه معًا بهدوء:
"جيت."
بالغرفة المجاورة، كانت غرفة بسملة وبسنت، انتفضت في الفراش بفزع بعد تلك الرسالة التي بعثها لها "أنا تحت البيت."
توسعت عيناها بصدمة وخوف، اهتز الهاتف بين يديها يعلن وصول رسالة أخرى "انزلي".
ارتعشت يدها وكذلك جسدها، نظرت حولها وهي لا تعرف ماذا تفعل وكيف تخرج وماذا ستكون حجتها.! هي مشتاقة لرؤيته كثيرًا والتحدث معه لكن كيف واين.!
أخذ صدرها يعلو ويهبط وأخذت هي تحاول تهدئة نفسها لتفكر في حل لهذا المأزق وبالنهاية وجدتها!
ارتدت إسدال الصلاة على عجلة وخرجت من غرفتها للمطبخ:
"ماما أنا هنزل اجيب حلويات وأطلع آكلهم مع نرمين بنت عمو."
التفت لها وجيهة بإنزعاج:
"مينفعش طلوعك ونزولك كده عمال على بطال يا بسملة، كِنّي في البيت واسكتي."
تذمرت:
"يا ماما يعني أنا هنا كل يوم؟! أنا كده كده راجعة السكن أنا وبسنت كمان اسبوع ومش هتشوفي وشي."
لوحت وجيهة بيدها بالهواء:
"اعملي اللي أنتِ عايزاه."
خرجت بسرعة مهرولة بسعادة، وتناست حتى ان تأخذ معها بعض الأموال لتكتمل كذبتها!
هبطت السلالم بسرعة فاصطدمت بمجد الذي تآوه ألمًا، نظر لها وهي تتابع دون أن تلتفت وبتلقائية لحق بها ظنًا أن شيئًا ما قد حدث لها.
وقف أمام بوابة البناية، رآها وهي تنظر حولها كلص هارب، دخلت أحد الشوارع الصغيرة فتحرك خلفها وما كاد يدخل هو الآخر حتى سبقه ذلك الشاب.
توسعت عيني مجد وهو يرى ذلك القرب بينهما، ذلك الشاب وابنة عمه!!
رواية بيت البنات الفصل التاسع 9 - بقلم امل صالح
التاسع
- مكنش ينفع تغلطي فيها برضو يا ندى! دي مهما كان أمي وأكيد لما شتمتيها هي وهايدي ده خلاها تتعصب أكتر ما كانت متعصبة.
توسعت عيناها بصدمة وهي تستمع لهذه الاتهامات التي يصوبها ناحيتها، تحاول أن تتخيل كم الاكاذيب التي خدوعوه بها، ابتسمت بعدم تصديق وهي تشير على نفسها: أنا يا ناصر؟؟ أنا أشتمها؟!! دانا عمري ما غلطت في حد غريب مهما كان الموقف هاجي مرة واحدة كدة أقوم شاتمة حماتي؟!!
نظرت حولها بحيرة: دانا لما صوتي عِلىٰ شوية يومها ورديت عليها كنت زعلانة من نفسي، أنا مش مصدقة والله اللي أنت بتقوله، مش مصدقة إنهم قاله كده عني!
تنهد ناصر وهو يمسح وجهه بضيق،
مَن يصدق الآن؟؟
تلك القابعة أمامه والتي توحي ردة فعلها بمدى صدقها أم والدته وشقيقته اللاتان أقسما بكتاب الله أنها سبتهما.!
كانت بداية حديثهما عن ابنتهما الراحلة، ظلا يسترجعان ذكرياتها معها والابتسامة لا تفارقهما ... وكذلك لم تفارق الدموع عينيهما.
وبدأ بعدها الحوار ينجرف لما حدث بهذا اليوم، حتى تفاجئت به يخبرها بأنها سبّت والدته!
رفع وجهه لها ليتنهد مردفًا بهدوء: طب ممكن تحكيلي اللي حصل من البداية، هما الاتنين حكولي وعايز أسمع منِك أنتِ كمان.
ابتلعت ما بجوفها وأخذت تقص عليه من بداية اليوم عندما تركت البيت وهبطت لمنزل حماتها رفقة ابنتها وسلفتها "نورة" زوجة شقيقه "سيد": فضلت واقفة مع نورة بنعمل الأكل وهي بتعثط برة، طلعتلها مرة واتنين وتلاتة قولتلها يا طنط البنت جعانة ولازم ترضع وهي سمعتني كلمتين ملهمش لازمة، فضلت تقولي قسّي قلبك وبطلي دلع ومش كل ما تعيط ترضع، زعقت وقالتلي أدخل أكمل الأكل، دخلت ولقيت نورة هي كمان طلعت لسيد جوزها عشان عايزها وفضلت واقفة سامعة عياط وأنا بعيط معاها جوة...
كانت تتحدث وعيناها تفيض دمعًا، تشعر بدقات قلبها المتألم لفقدان غاليتها وفلذة كبدها، تابعت وهي تشهق من بين بكائها: مقدرتش استحمل، خدتها منها بالعافية ودخلت رضعتها في المطبخ وهي بعينها شافت إنها سكتت لما رضعت!
تطلعت للفراغ أمامها مسترسلة: زعقتلي عشان خدتها وأهملت في الأكل، ولقيت هايدي طالعة تزعق بسبب الصوت العالي، الاتنين قالولي إني متربتش وطالعة من بيت قليل الأدب وأنا والله والله والله يا ناصر مردتش غير بإني لو فعلًا طالعة من بيت قليل الأدب مكنتش نزلت عملت اي حاجة تحت ولا حطيت ايدي في شغل البيت، أبسط حاجة كنت هقولها بنتك عندك!!!
شهقت مرة أخرى وهي تترك العنان لنفسها لتبكي قدر ما تشاء وبصوت عالي: حطيتها على الطرابيزة جنبي، هايدي قالتلي إنك متجوزني عشان اخدم أمك، قالتلي أنتِ خدامة وناصر مش بيحبك، وفي وسط ما هي بتتكلم لقيتها وقعت..
وانفجرت بالبكاء تتذكر تلك اللحظات التي بكت بها خلود قبل أن تغادر روحها جسدها، كانت المرة الأخيرة التي تستمع فيها لصوتها الصغير، كانت المرة الأخيرة التي تراها بها، المرة الأخيرة لها معها.
لم يشعر ناصر بنفسه وهو يبكي إلا عندما هبطت دموعه الساخنة فوق وجهه، كانت تهتز أمامه باكية في حين كان هو جامدًا ثابتًا، لقد عانت أكثر مما عانى هو!
لقد ماتت طفلتها بين ذراعيها، ولم ترحمها والدتها أو شقيقته بل زادوا آلامها بإتهاماتهم وحديثهم اللاذع، ولم تكتفيا بهذا بل قاموا بطردها لخارج البيت دون أن تودع صغيرتها!
يصدقها ويستشعر صدق حديثها بوضوح، لكن ما لا يفهمه هو سبب أفعال إيمان والدته وهايدي أخته!!
ترك ناصر المقعد الذي كان يجلس عليه وانتقل ليجلس بجانبها على الفراش، جذبها بهدوء لداخل أحضانه ليمسح على رأسها هبوطًا لظهرها وكم كانت هي بإنتظار هذا العناق!
شددت على ملابسه وازدادت بكاءًا: وحشتني أوي يا ناصر، كان نفسي أعمل حاجات كتير معاها، كان نفسي اسمع أول ماما منها كان نفسي تكبر قصاد عيني، كان نفسي احضنها لآخر مرة.
ولم يعرف حتى بماذا يجيبها.!
تمنى هو الآخر كل هذا، تمنى كل هذا وأكثر!
اكتفى بأن حاوطها أكثر وشدد عليها داخل أحضانه وكذلك فعلت هي، كان عناقًا بمثابة ضمادة وضعها كل منهما للآخر، كان دواءًا لكليهما.
وخارج بناية منزل عائلة الهلالي، حيث يقف مَجد يشاهد بصدمة ما تفعله ابنة عمه رفقة هذا الشاب المخادع اللعوب، بخطوات سريعة تقدم منهما ليدخل هو الآخر ذلك الزقاق الصغير متسببًا في فزع كلاهما.
وكانت بسملة هي ما نالت الصدمة الأكبر بوجوده، أولته ظهرها سريعًا وقد ظنت أنه لا يعرف بأمرها وما كادت تتحرك حتى صدمها أكثر وهو يدفع ذلك الشاب من عنقه للخلف.
اقتربت منه بسرعة وهي تحاول إبعاده عنه بخوف: مجد، ابعد عنه بسرعة، سيبه هيموت في إيدك يا متخلف!
دفعها مجد وأخذ يلكم هذا الشاب ويركله والآخر يحاول الفرار من بين يديه لكن دون جدوى، فكان غضبه منه ومنها يعميه عن كل ما حوله.
بكت وهي تنظر حولها تتمنى ألا يراهم أحد وقد عادت لتمسك بيده بسرعة تترجاه ببكاء: بالله عليك سيبه، بالله عليك خلينا نمشي.
ابتعد عنه مجد وصدره يعلو ويهبط وهو يطالعه أرضًا بغضب، يشعر أنه لم يكتفي بعد، يريد أن ينهي حياته ويتأكد تمامًا من موته.
كاد أن يقترب فوقفت أمامه بسرعة تترجاه صامتة بعينيها تلك المرة، رماها بنظرة تمنت لو انشقت الأرض وتبتلعها قبل أن ينظر لها بها، كانت نظراته مليئة بالاستحقار والاشمئزاز.
خرج من الشارع وهي خلفه بعد أن القت نظرة سريعة عليه أرضًا، لم تقف لتطمئن عليه فإن رآها أحد سينتهي أمرها.
صعد سلالم البناية الخاصة بهم بخطوات سريعة يحاول أن لا ينظر لها مرة أخرى لكي لا يفتك بها هي الأخرى كما فعل بمن قبلها.
وكانت هي خلفه تحاول اللحاق به قبل أن يصل لمنزله: مجد! لو سمحت ممكن تسمعني، يا مجد أنا والله معملتش أي حاجة غلط، والله بنشوف بعض بـ...
التفت ولم يعد يستطع تحمل تبريرها وإصرارها على إخباره بالحقيقة، صرخ بها بكل صوته والغضب: إولعي أنتِ وهو، مش عايز اسمع ولا أعرف أي حاجة، يا متربية!
وقفت صامتة على غير عادتها، لو كانت بغير موقف لصرخت به بغضب مماثل ولكنه محق وهي مخطئة! حاولت الحديث مرة أخرى: والله أ...
ولكنه قاطعه كما فعل سابقًا: قولتلك مش عايز اسمع زفت كلام! أنتِ مش متخيلة نزلتِ في نظري إزاي..
تابع وهو يشير للأعلى: لما أنا كده أومال أبوكِ وأمِك الغلبانين دول هيكون وضعهم إيه؟؟ حرام عليكِ يا شيخة دول مفيش في طيبة قلبهم! حرام عليكِ توطي راسهم بالشكل ده ليه؟!!
ذرفت عينها الدموع، سألته برجاء وصوت مختنق: أنت مش هتقول حاجة صح؟؟ مش هتقول لحد فيهم، بالله عليك ما تقول حاجة وأنا والله مش هقابله تاني و .... وهمسح رقمه ومش هيبقى في اي تواصل بينا والله.
- هو أنتِ غبية؟؟؟
صرخ بها بشكل جعلها تنتفض خوفًا، تمسكت بدرابزين السلم جانبها وهي تغمض عيناها وكأنها تتفادى بهذا صراخه.
تابع بذات الصوت العالي: مش بتفكري غير في نفسِك؟؟ خايفة من أبوكِ ومش خايفة من ربنا؟؟ أنا مش مصدق لحد دلوقتي، غوري من وشي يا بسملة، غوري!
تابع صعوده لمنزله وارتمت هي فوق السلم تبكي والخوف يأكلها من أن يخبر والدها بما رآه، لم تضع الله بحسبانها طوال الوقت، حتى عندما صرخ بها مجد الآن لم تفكر سوى في رد فعل والدها، هو هادئ بطبعه وحنون لكن عند الغضب بإمكانه قتلها.!!!
ولج البيت وصفع الباب خلفه بقوة خرجت على أثرها والدته شهيرة التي سرعان ما اقتربت منه بقلق: في اي يا مجد؟؟ مالك يا حبيبي.
القى بجسده فوق أول ما قابله ليجيبها وهو يغمض عينيه: مفيش حاجة يا ماما...
فتح عينه ينظر حوله بضيق: هي الكهربا قاطعة عندنا ولا عمومي.
جلست أمامه تجيبه: لا عمومي، قطعت قبل معادها النهاردة، المهم أنت في ايه؟؟ حصل حاجة في الشغل ولا ايه؟!!
تنهد يجيبها مبتسمًا بهدوء: لأ الحمد لله كل حاجة تمام، الجو بس زي ما أنتِ شايفة نار!
وقفت تعود لما كانت تفعله مبتسمة، حتى وإن كان هناك ما يخفيه لن يجيبها أو يريحها، هذا هو طابع مجد، إنه أكثر أخوته هدوءًا وتعقلًا، لا يحب أن يشغل من حوله بمشاكله على عكس طارق تمامًا الذي يحب أن يستمع لأراء الجميع حول مشكلة ما.
ظلت بسملة في مكانها تبكي وهي لا تعرف كيف تجعله يستمع لها، لن تدعه يخبر والدها لن تدعه يفعل!
- بسملة!!
رفعت وجهه على ذلك الصوت فوجدته سامر الذي اقترب منها عاقدًا حاجبيه: في ايه؟؟
جلس على السلم بجانبها: هببتِ ايه يا بت؟؟
بكت مرة أخرى فتوسعت عيناه وهو يرفع ذراعيه عاليًا بإستسلام: يخربيتك أنا عملت ايه؟؟
حاول أن يهدئها لتخبره عن سبب بكائها لكنها لم تتوقف، صرخت به وهي تقف: ملكش دعوة يا سامر!!
رفع شفته عاليًا وهو يصعد السلم: دانا متربتش والله إني بسأل، أحسن عنك ما قولتي.
دلف البيت هو الآخر ليجلس أمام مجد ليخلع حذاءه: دي باردة والله..
فتح مجد عينه يسأله بفضول: مين؟؟
- بسملة! قاعدة تحت على السلم بتعيط جيت اسألها هبت فيا.
اغمض عينيه من جديد: تتفلق.
ضيق سامر عينيه بشك: أنت عارف هي بتعيط ليه؟؟
- وهعرف منين!
- كذاب يا يا حبيبي والكذب بيخر منك.
وقف مجد وتحرك لغرفته بعد أن رفع كتفيه ببساطة: معرفش أنت قصدك إيه، شوف هتعمل ايه بقى وسيبني ساعتين قطع الكهربا دول نايم.
أما بسملة، دخلت المنزل بعد أن تأكدت أنها أخفت آثار الدموع والبكاء، وصلها صوت ناصر الذي يتحدث مع والدته فاستغلت انشغالها وتحركت لغرفتها بسرعة.
التقطت هاتفها، بدأت بمسح كل ما يتعلق به من رسائل وسجلات المكالمات وغيرها، لم تتردد للحظة واحدة وهي تفعل كل هذا، حتى إذا حاول مجد أن يفشي سرها ستُكذبه، هذا هو الحل الوحيد!!
غادر ناصر بالخارج وقابل في طريقه بسنت وجنى التي رحبت به بشيء من الضيق، جلستا في الصالون بعد أن أمرت جنى بسنت بجمع جميع أفراد العائلة لتخبرهم بأمر هذا السحر.
حاولت كثيرًا أن تتخيل ردة فعلهم بالأخص والدتها ووالدها الذي سيغضب ما إن يعلم بأمر تصرفها بمفردها، والأسوء أنه حتى الآن لم يعلم بأمرها هي وعصام!!
التفوا جميعًا على الارائك، نظرت لباب البيت تترقب دخوله في اي لحظة، حتى سمعت صوت المفتاح الذي التف في مقبض الباب وتلى ذلك دخوله.
وقعت عيناها عليهم وهم يجتمعون بهذا الشكل المريب! أشارت له جنى وهي تقف عن مكانها: لو سمحت يا بابا اقعد شوية لازم أعرفك على حاجة.
تحدثت وجيهة بقلق: ماتقولي يا جنى في ايه قلقتيني!
جلس توفيق وشمر عن ساعديه، تطلعت كلٌ من جنى وبسنت لبعضهما البعض بتوتر، جلست جنى هي الأخرى وافتتحت حديثها بما جعل توفيق ووجيهة وندى تتسع عينهم بعدم تصديق: لقينا ورق زي اللي لقيناه من كام سنة تاني، بصورة لينا كلنا وكلام غريب مكتوب بالأحمر..
رواية بيت البنات الفصل العاشر 10 - بقلم امل صالح
العاشر
- لقينا ورق زي اللي لقيناه من كام سنة تاني، بصورة لينا كلنا وكلام غريب مكتوب بالأحمر..
توسعت عيني وجيهة وهي تضرب على صدرها بفزع: عَمل؟؟ حد عمل لينا عَمل تاني؟؟!!!
ابتلعت ندى ريقها، ضمت كفيها اللذان يرتجفان معًا وهي تسألها بإرتباك: صـ صورة لينا كلنا؟؟ لـ لينا كلنا ولا لحد معين؟؟
كانت تترقب إجابة معينة، تنتظر ذلك الرد الذي سيبرد قلبها من تلك النيران التي جعلته يحترق بالداخل، نظرت لها جنى ولصدرها الذي يعلو ويهبط بتوتر، تمنت أن تكذب عليها وتخبرها ما تريد لكن لن الأمر، يجب أن يعلم الجميع بهذا الأمر.
أجابت بسنت بالنيابة عنها بهدوء: صورة لينا كلنا يا ندى، الصورة اللي خدناها على الركنة بعد ما فرشنا الشقة وخلصناها تشطيب.
هبطت دموعها واتسعت عيناها بعدم تصديق، أخذت تنفي برأسها وهي ترى ذلك الشريط من الذكريات يعاد أمام عينِها، تلك الذكريات السوداء التي تود مسحها من رأسها.
اقتربت وجيهة منها بسرعة، أخذت تربت على كتفها وهي تهدأها بمحاولة فاشلة، رفعت رأسها لزوجها الذي يجلس صامتًا، صمتُ رجلٍ نال من الزمن ما يكفي، واجه الكثير وعانى أكثر وهو يشيد هذا البيت ويربي بناته، كان طيبًا ودودًا مع الغريب قبل القريب، حرص على ألا يسيء لأي حد مهما كان، لماذا إذن؟!!!
لماذا قد يفعل أحد هذا به وبعائلته؟؟
لماذا قد يصل شر إنسان لهذه الدرجة؟!!
تنهدت جنى وهي تتابع متصنعة التماسك: خدت الورق وديته للشيخ محمد، كلمني وفهمني المفروض أعمل إيه لو تعرضت لحاجة زي كدا تاني، قالي المفروض البيت كله يترقى وكمان لازم نشغل الرقية الشرعية فيه على طول، وجابلي مياه مقروء عليها وقالي ارش منها في البيت كله ومفيش مشكلة نستخدمها في الشرب، أنا لسة جاية من عنده وشوية وهيجي..
كان توفيق يستمع لها بإنتظار أن تنتهي ليتحدث هو وما إن فعلت حتى خرج صوته هادءًا وهو يسألها: وأنا فين من كل ده أنا وأمك؟؟
كانت بسملة بعالمها الخاص، تجلس معهم بجسدها لكنها تصب كامل تركيزها مع تلك الأفكار والأحداث التي حدثت معها منذ ساعة، ولكن ما إن سمعت صوت والدها ارتجف جسدها ورفعت عينها تلقائيًا تطالعه بخوف.
مسحت يدها التي تعرقت بسبب فركها المفرط لها، حاولت أن تسيطر على تلك الرعشة التي سارت بجسدها لكن صراخ والدها زاد الأمر سوءًا: ما تردي يا هانم؟؟ بتتصرفي من دماغك ولا كأن أبوكِ وأمك دول ميتين، من أول ما لقيته حاجة زي دي المفروض تيجوا تتنيلوا تعرفوني مش تروحوا وتخلصوا خطتكم بعدين تيجوا تعرفوني وكانكم بتحطوني قدام الأمر الواقع...
وقف دافعًا الطاولة الزجاجية الصغيرة التي كانت تتوسط المكان بقدمه، انتفضت أجسادهم بفزع ولكنه لم يساوي أبدًا فزع بسملة التي شعرت بالمكان يضيق من حولها، رفعت وجهها عاليًا وهي تحاول أن تلتقط أكبر كم من الهواء لكي تتنفس لكن دون جدوى.
تحطمت الطاولة لأجزاء صغيرة أسفل أقدامهم سرعان ما عادوا جميعهم للخلف بخوف، أما توفيق فاسترسل بصوته العالي: فضلوا يقولولي يا بختك بالبنات بالبنات، يجوا يتفرجوا على خلفتي وكل واحدة فيهم مشيالي بمزاجها، قال يبختي قال د، ده يبختي الأسود بيكم..
صرخ بجملته الأخيرة وهو يلج لغرفته صافعًا الباب من خلفه بقوة، وكل هذا ولم ينتبه أيٌ من الجالسين لتلك التي تصارع في جنب بمفردها، حاولت بسملة الصمود، حاولت أن تتنفس وألا تصدر أي صوت وانتهى بها الأمر مغشي عليها بعد أن عاندت حتى مع مرضها!!!
ظلت جنى ثابتة جامدة أمام صراخ والدها وهي تعلم أن تلك الكلمات القاسية تفوه بها من خلف قلبه، تعلم أنه قال ما قال بسبب غضبه وحزنه، لكن تلك المرة كان الأمر قاسيًا جِدًّا يا أبي.
- بسملة!!
صاحت بسنت وهي تندفع من مكانها ناحية بسملة التي عاد رأسها للخلف بعدما خارت قواها واستسلمت لهذا الظلام الذي حل عليها، هرولوا جميعًا عليها وهم ينادون بإسمها بإستثناء ندى التي بقت كما هي، مغيبة عن واقعها تمامًا وقد أخذها قطار الذكريات لتلك المحطة التي ظنت أنها لن تعود لها، لكن ها هي تعود لتلك النقطة السوداء من جديد.
أبعدت جنى كلًا من بسنت ووجيهة عن بسنت، فتحت النافذة فوقهم لتدخل أي ذرة هواء لتلك المسكينة التي لا تعي بأي شيء حولها، مسحت جنى حبيبات العرق فوق جبين بسملة ثم نادت بإسمها وهي تضرب على وجهها بخفة: بسملة ... بسملة!
التفت لبسنت التي انهارت وهي ترى نصفها الآخر جثة هامدة أمامها ثم صاحت بها: هاتي أي ازازة برفيوم بسرعة، قومي بسرعة يا بسنت!!
ركضت لإحدى الغرف لتلبي طلبها، بينما جنى امسكت بيد بسملة ثم التفت تلتقط دبوس من حجابها لتضغط به أسفل ظفر إبهام الأخرى وأخيرًا استجابت لها..
فتحت عيناها شيئًا فشيء تزامنًا مع خروج بسنت بزجاجة العطر، زفرت جنى براحة ونظرت لها فوجدتها على وشك أن تغمض عينَها مرة أخرى فالتقطت زجاجة العطر بسرعة من بسنت ترش منها على وجه بسملة بكل غباء.
أخذت الأخيرة تسعل بقوة فجلست جنى لجانبها تربت على ظهرها: معلش والله مجاش في بالي حاجة لما لقيتِك بتقفلي عيونِك تاني.
جلست وجيهة لجانبها من الناحية الأخرى، جذبتها لداخل أحضانها وهي تتحدث ببكاء: كدا يا بسملة، كدا توقعي قلوبنا يابنتي!
ولم يكن يهمها بالأساس كل هذا، نظرت حولها بحثًا عن والدها فلم تجده، ابتعدت عن والدتها بسرعة وهي تسالهم بقلق لم يفهموا سببه: فـ فين بابا؟؟
ظنت أنه خرج للقاء مجد، ربما الآن يجلس رفقته ويقص عليه مجد ما رآه، ازداد تنفسها وتوسعت عينها بخوف وهي تتخيل أبشع ردات الفعل.
- بابا في الأوضة يا بسملة.
أجابتها جنى بنبرة ساخرة، فهو حتى لم يكلف نفسه وخرج ليرى سبب صرخاتهم منذ دقائق! كل هذا بسبب أنها ذهبت للشيخ دون إخباره، ماذا سيفعل إن علم بأمر عصام إذًا؟؟ أسيقتـ...ـلها ؟!!
هدأت بسملة قليلًا بعد إجابة جنى، وكانت تراقبها بسنت التي لاحظت انفعالها وخوفها وكذلك هدوءها، استطاعت أن تفهم بكل سهولة أن تؤامها تخفي شيئًا، وكبيرًا.!
تهربت بسملة من كل تلك العيون لغرفتها وكانت عيني بسنت تتابعها حتى دخلت واغلقت الباب خلفها.
مسحت وجهها من الدموع التي أغرقته بسبب خوفها الذي لم تهتم له بسملة حتى، التفت على صوت جنى التي قالت وهي تنظر لوالدتها وجيهة التي كانت تنظر لندى: أيوة يعني أقول ايه للشيخ اللي جاي ده؟؟ امشي معلش أصل أبويا مش طايق حد!
عنفتها وجيهة بنبرة حادة وهي تقف: جنى! اتكلمي بأسلوب كويس وأنتِ بتتكلمي عن أبوكِ، هو حقه يعمل اللي هو عايزه خصوصا إن الموضوع ده أنتِ عارفة هو عمل فينا ايه قبل كده.
كانت تتحدث والدموع تملئ عينيها، تحركت ناحية ندى وجلست لجانبها، أخذت تمسح على كتفها: ندى، تعالي معايا المطبخ نكمل الأكل سوا.
كانت تريدها أن تبقى معها والا تختلي بنفسها كي لا يحدث ما يحدث الآن، نظرت لها ندى وتحدثت بصوت مختنق: تاني يا ماما، تاني!
طبطبت على ظهرها وهي تتحدث بصوت حاولت جاهدة ان يخرج طبيعي حتى لا تزداد حزنًا: ربنا موجود، وخلاص جنى الشيخ قالها إنه تصرف بالورق، متقلقيش!
أضاء المكان حولهم معلنًا عن عودة الكهرباء فرفعت وجيهة وجهها لبسنت التي تتابع الحوار بينهما بحزن دفين: انزلي تحت يا بسنت عند عمك حامد وهاتي جهاز الأكسجين من شهيرة عشان نعمل جلسة لبسملة.
اومات لها بسنت وتحركت نحو الباب، ووقفت جنى لتقول قبل أن تتحرك لغرفتها: ياريت تتكلمي مع بابا عشان لو كده أتكلم مع الشيخ محمد اعرفه لو هيجي ولا لأ.
اغلقت الباب خلفها ووقفت امام المرآة تقوم بإزالة حجاب رأسها، ابتسمت بتهكم وهي تتذكر كلمات والدها التي يُسمعهم إياها كلما غضب، لا تعرف لماذا وكيف تذكرت ذلك الشاب من مركز الشرطة وتلك الجملة التي مرت بعقلها عندما وقع بصرها على ما ترتديه "وحياة حتة العباية السمرا دي لأكسر دماغها ودماغ أبوها."
تبدلت تلك الابتسامة الساخرة لأخرى لم تستطع تفسيرها، ولكنه ولو للحظة صغيرة جِدًّا استطاع ان يغير مزاجها.
التفت تنظر لباب الغرفة عندما سمعت صوت والدها العالي مرة أخرى وهو يصرخ بوالدتها أنه لا يريد رؤية هذا الشيخ فعادت لترتدي حجابها بملل وهي تتمتم: واضح إني مش هعرف ارتاح في أم ده يوم!!
خرجت من الغرفة بعد أن انتهت، رأت والدتها التي تخرج من غرفتها ومعالم وجهها المختنقة توحي بما حدث بالداخل.
وقفت أمامها وتحدثت وهي ترتدي حذاءها: هنزل أعرف الشيخ، زمانه طلع من بيته فبدل ما يطخ المشوار على الفاضي.
تنهدت والدتها وحركت راسها لها بالإيجاب، وخرجت جنى من البيت بخيبة أمل كبيرة أخفتها خلف قناع البرود.
بالطابق الثاني حيث منزل حامد الهلالي، طرقت بسنت الباب وفتح لها سامر الذي توسعت عيناه مرحبًا بها بشكل مبالغ فيه: يادي النور يادي النور، مش مصدق عيني والله داحنا زارنا النبي!!
ابتسمت على ذلك المرح المحبب ثم قالت بصوت عادي ولكن لم يخفى عليه ذلك التعب البادي على ملامحها: ولا كأنك لسة شايفني من مفيش ساعتين!!
تابعت وهي تنظر له: أنا كنت قرأت إن جملة زارنا النبي دي مينفعش نقولها يا سامر، متقولهاش تاني!
قالتها ناصحة إياه فوقف يستمع لها بأعين هائمة، يتمنى ألا تنتهي من الحديث، وآهٍ عندما خرج إسمه من بين شفتيه، تمنى لو سجل تلك اللحظة ليعيد الاستماع لها وقتما شاء.
- أنت معايا ؟؟
نطقت بها بإستغراب بعدما وجدته يطالعها بصمت دون أن يجيب فاعتدل سريعًا يرد عليها بحرج وهو يعبث بخصلاته: ماشي مكنتش أعرف..
- المهم أنا كنت طالعة عايزة جهاز الأكسجين بتاع تيتة، ماما قالتلي إنه عندكم هنا.
توسعت عيناه وأجاب بتلقائية سبّ نفسه عليها: يا خبر! دانا أديكِ عيوني!
نظرت أرضًا بسرعة: ايه يا سامر الأوڨر ده!! خش هات الجهاز وأنا مستنية يلا!!
نظر حوله بإرتباك، دخل بسرعة دون أن يطلب منها الدخول حتى وكم ارتاحت كثيرًا لعدم فعله هذا.
مر من أمام الباب مجد الذي كان على وشك ان يغلقه فاستوقفه رؤيتها، نادى بإسمها بإستغراب: بسنت!!
نظرت له فاستكمل وهو يفتح الباب على مصرعه: واقفة كده ليه ادخلي!
نفت براسها: لأ لأ أنا جاية آخد جهاز الأكسجين وأنزل تاني، سامر بيجيبه من جوة.
- جهاز الأكسجين؟؟ ليه أنتوا كويس؟؟
أجابته متنهدة بحزن وهي تتذكر بسملة وكيف رأتها: هنعمل لبسملة جلسة، أغمى عليها وإحنا قاعدين فجأة وتقريبًا بسبب الحساسية اللي عندها، بس دي أول مرة يغمى عليها بالشكل ده!!
قالت الأخيرة بتعجب فجفف حلقه وهو يستمع لها بصدمة وتوتر، أيعقل أن يكون هو السبب؟!!