الفصل 31 | من 34 فصل

رواية بيت القاسم الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ريهام محمود

المشاهدات
26
كلمة
6,456
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

بعد منتصف الليل بساعة، هل من الممكن أن يكون نصيبه من الألم أكثر من ذلك؟ أن يتمزق قلبه من كثرة الوجع، وهو الذي علّم قلبه وعوّده على حبها. منذ أن شبّ وصلب عوده وهو لا يرى لنفسه حبيبة غيرها، بطلة لياليه الخالية وأحلامه البريئة والجامحة. من يُمني بها قلبه قبل جسده.

يجلس على فراشه ينهت بأنفاس متعبة، حيث الليلة الماضية كانت من أطول لياليه وأبطأها، وقد خاصمه النوم وقاطعته الراحة. يدور بالغرفة ذهابًا وإيابًا. تواجهه المرآة العريضة الخاصة به، يتطلع لانعكاسه بضياع. يرى خيبة أمله في انكسار عينيه، ملامحه باهتة وأكتافه متهدلة بإحباط. رغم الغضب المستتر بداخله والنيران المستعرة بين أضلعه، ولكن لا يرى سوى خذلانها له. وخذلانها بالمرة السابقة له لا يزال طعمه الصدئ بحلقه.

يقف بعدما استقام، يتحرك صوب مرآته. يقف أمامها يواجه نفسه. وتلك المرة رفضها سيكون القطيعة والضربة القاصمة. يدقق بهيئته ولا تعجبه، يقارن بخياله بينه وبين آخر فيحزنه أنه الرهان الخاسر. يمسح صفحة وجهه المرهق، يتنهد بقوة يشعر بأن السماء والأرض يطبقان على صدره. في خياله، يُخيل إليه أنه يسحبها من خصلاتها يعنفها فتعترف بحبها فيرتاح قلبه قليلًا من التخيل. وعلى ذكر خيالاته المضطربة، يلتوي شدقه بشبح ابتسامة وقد جن عقله.

يحدث صورته بالمرة ببساطة: "وفيها إيه لما أقوله أنا عايز أتجوّز بنتك؟! فتخرج روحه الكامنة من الداخل تتهكم بسخرية من تساهله: "كرامتك ياااه! يدافع، يبرر والأمر خرج عن السيطرة والعقل راقد بسلام: "طب مانا مش هتفيدني كرامتي لو اتجوزت غيري! والغير مرفوض، هي له وانتهى. هكذا يأتي عمه بكل برود ويعلن عن آخر ينافسه. أكان ينقصه آخر؟ وكمال يحذره، يطلب منه الصبر، التمهل، أن تتعب هي من أجله! لما لا يشعرون به؟

بغيرته. ببساطة يغار عليها. بالرغم من أخطائها، ولكن لازالت حبيبته. ثار بركانه مرة أخرى من كثرة تفكيره، يلهث بأنفاسه وهو يبحث عن هاتفه حتى وجده ملقى جانبًا. أمسكه يضغط عدة ضغطات ثم رفعه على أذنه في انتظار الرد. ***

استيقظ أكرم من نومه المضطرب على صوت رنين هاتفه. ارتفع بجزعه قليلًا، يشعل الضوء الخافت المجاور لفراشه. ينظر حوله بعدم تركيز، ثم أمسك هاتفه عابسًا بضيق. سرعان ما تبدل لقلق احتل خافقه وهو يرى أن المتصل قاسم. يضغط زر القبول سريعًا دون تردد. يسأله بخفوت قلق: "فيه إيه؟ يمهله الرد، ثم يجيبه بعد لحظة من الاستيعاب: "طب أنا هلبس وأنزلّك."

وأغلق الاتصال. يعتدل بعد أن أعاد الهاتف للكومود بجانبه. يهبط بنظراته للنائمة بجواره بملامح مسترخية وابتسامة ناعمة. نائمة برقة وعمق على عكسه. يسحب نفسًا طويلًا ثقيلًا ويحتبسه داخل صدره وهو يرى كتفها العاري عدا عن حمالة خفيفة ليس لها داعٍ. "كريمة أنتِ يا نور هانم بملابسك!

ولا يعنيكي ذلك الذي بجوارك والوضع بينهما كما هو الحال عليه. وعلى المتضرر اللجوء للصوت العالي والمطالبة بالحق الشرعي. يميل والنية قبلة خفيفة للكتف العاري أمام نظراته. قبلة خفيفة، ولكنه تراجع حيث أنه لا يفضل أن يرجع بوعد ألقاه. فابتعد مرغمًا، يسب قاسم في باله ألف سبة. يرتدي ملابسه على عجل. يحسدها بنظرة بائسة على نومها الهانئ. دقائق وانتهى من ارتداء ملابسه. سحب مفاتيحه وخرج لمقابلة قاسم. *** "إنت أهبل؟

فيوزات مخك ضربت ع الآخر! يصيح أكرم بتلك الكلمات من بين أسنانه وهو ينزل الدرجات المتبقية بتعثر خطواته ولا يزال النعاس يداهم خلايا عقله. ولا يعلم بتلك اللحظة كيف ارتدى ثيابه. وصل إليه واقترب منه يقلص المسافة الفاصلة بينهما. يقف يوازيه طولًا، رأسه برأس الحانق أمامه. يتابع بنبرة حادة: "عمك إيه اللي عايز تروحله الساعة اتنين؟! غامت عينا قاسم، وقد أغضبته لهجته. "لو هتقعد تقطمني خلاص سيبني أدخله لوحدي."

جز أكرم على نواجذه، يشيح بوجهه عنه يحاول جلب الهدوء لذاته من أجل احتواء الموقف. تنفس بعمق قبل أن يهتف بهدوء مصطنع: "يابني افهم مش كمال قالك... ولم يعطه فرصة لاستكمال حديثه، أوقفه في خشونة قاطعًا أي حديث: "مليش دعوة بكمال، كل واحد فيكم نايم في حضن مراته ومحدش حاسس بيا." اتسعت حدقتا أكرم من وقاحته. نهره بانفعال: "ولاه! بطل قلة أدب ولم نفسك." ثم زفر بحنق محدثًا نفسه وهو يرمق الآخر بسخط:

"وأنا أقول الدنيا واقفة معايا ليه! قاطعه قاسم بنفاذ صبر: "اخلص، هتدخل معايا ولا لأ؟ تنهد أكرم بقلة حيلة. حيث أن نصف المرار ولا المرار كله. غمغم بغير رضا: "هدخل وأمري لله." سبقه قاسم بخطوة واسعة دون تراجع. جسده متحفز ينوي عراك وملامح وجهه لا تنذر بالخير. أوقفه من ساعده يسأله بقلق من بين عينيه: "ناوي تقوله إيه؟ تجهم قاسم، ومفاجأته بانت على وجهه. يردف دون هدى يحرك يديه بحيرة:

"مش عارف بالظبط، مكنش في دماغي حاجة محددة. بس الأكيد إني هبهزله." "الله يخربيتك، ماتتكلمش وسيبني أنا أتكلم." أومأ برأسه مرغمًا، ينفث أنفاس غاضبة من أنفه. يسير خطوة فيستوقفه أكرم مرة أخرى وقد نال منه التوتر. "استنى.. معاك سيجارة؟ فتش قاسم بجيوب سرواله الخفيف، حتى أخرج علبة تكاد تكون فارغة عدا من واحدة. أخرجها وألقى بالعلبة الورقية بعيدًا. "آخر واحدة."

أخذها أكرم منه، يضعها بين شفتيه ريثما أخرج قاسم قداحة كانت بجيبه مع العلبة، وأشعل اللفافة المستقرة بطرف ثغر أخيه. يسحب نفسًا طويلًا ثم ينفثه على مهل في الأجواء، ليتابع بعدة أنفاس قبل أن ينفث النفس الأخير بوجه أخيه. يهتف من بين أنفاسه المعتقة بدخان تبغه: "انت عارف إنك مجنون صح؟ فيميل شدق الآخر باستمتاع، يُقر بحقيقة أمرهما: "مش أجن منك.. عشان كده كلمتك."

وتبادلا النظرات بينهما بصمت، وابتسامة ماكرة تزين محيا الاثنين. يلقي أكرم بلفافة التبغ أرضًا قبل أن يدهسها بقدمه. تبع أخيه ليقفا أمام باب بيت جده، حيث عمه يقبع بالداخل. يرفع قاسم يده ويضغط جرس الباب دون توقف تحت أنظار أكرم المراقبة. يركز بهيئة قاسم ولم يرضيه ما يرتديه بهذه اللحظة. بنطال من الكاروه الخفيف وقميص قطني بلون كحلي "ثياب بيتية للنوم". "هتقابل عمك ببنطلون البيجاما؟!

قالها أكرم بأنف مشمئز ونظراته تزداد امتعاضًا. وللتو انتبه قاسم لما يرتديه. لثانية شعر بالحرج ولكن بعدها لم يهتم. رفع رأسه يقيم بنظرات ثاقبة شقيقه، حيث ثيابه هو الآخر كارثة لا تقل عن كارثة هيئته. متقع وجه قاسم هو الآخر وامتعض، يسخر بنبرته: "شياكتك مقوية قلبك." هز رأسه بيأس من حالهما، وقاسم السبب لولاه ما كان ارتدى ثيابه بعشوائية هكذا. ينتظران الرد، أن يفتح أحدهم الباب. ولم يطل انتظارهما وهما يسمعان صوت خطوات بالداخل.

وقبل أن تقترب الخطوات المتثاقلة من الباب.. زفر أكرم بقوة قبل أن يميل على كتف قاسم ويهمس بخفوت: "أنا عايز أقولك حاجة مهمة... كمال بكرة هينفخنااا....

وفُتح الباب بزاوية صغيرة، وكان من فتح هو العم. يقف أمامهما يحجب عنهما رؤية الداخل. يتساءل بعينيه، والقلق بلغ أقصاه وظهر على قسماته. ينظر إلى أكرم باستفهام يوزعه بينه وبين قاسم، وملامح قاسم ووقفته المتأهبة لا تعجبه ولا تطمئن قلبه فيستقر بنظره على أكرم. أكرم الذي تسمرت مقلتاه بذهول، فعمه يرتدي مئزر من الساتان!! سألهم بأعصاب منفلتة: "فيه إيه يا ولاد؟ قلقتوني! وتدارك أكرم ذهوله. هتف بجدية بنبرة أجشة:

"ممكن نتكلم مع حضرتك شوية." نظر إليهما باستنكار، يشير لتأخر الوقت: "دلوقتي؟! وقد شعر بغباء ما قام به، وحماقة أخيه وأنه سار وراءه كالأبله ولكن لا وقت للتراجع. الأمر حدث وسينتهي. يردف بشبه رجاء: "معلش ضروري." ابتعد عمهما عن الباب، يسمح لهما بالدخول. "اتفضلوا."

أغلق الباب فور دخولهما، وسبقهما للداخل وتبعاه هما يلحقان به لصالة البيت. جلس العم على الأريكة وبدورهما جلسا بالمقابل على أريكتين منفصلتين. ران صمت ثقيل على جلستهم، يتبادلون فيها النظرات اللائمة، والعاتبة، والحانقة، ولم يقو أيهما على بدء الكلام، ولكن أنفاس عمهما الضجرة وعقدة حاجباه.. جعلت أكرم يتدارك الموقف. يبتسم بزيف، يغمغم بأي شيء في اللاشيء: "أخبار صحة حضرتك إيه؟ يسخر وقد فاق ضيقه الحدود:

"أكيد مش جايين الساعة اتنين ونص عشان تسألوا عن صحة حضرتي! لم يتمالك قاسم نفسه. لم يستطع كبح جماح لسانه، يهتف باندفاع: "أنا اللي جايلك يا عمي مش أكرم. عاتب عليك إزاي تتكلم عن عريس لبنتك وأنا موجود قدامك وعايزها... طالع عمه بصدمة وفاهٍ فاغرٍ بعد أن جحظت عيناه، يشعر بأن الدم يضرب برأسه. وأكرم لا يقل عنه بشيء. يُخفي بكفه وجهه من الحرج. يبتلع ريقه بتوتر وهو يرى ملامح عمه المكفهرة وعيناه المتسعة غضبًا على آخرها.

كاد عمه أن يرد، أن يقف ويركله بكل قوته خارج البيت، ولكن مجيء حنين قطع ما كان ينوي فعله وأنقذ الموقف. تخرج من غرفتها وتترك بابها موارب دون عناء غلقه، تقترب من جلستهما بتساؤل قلق دون كلام. راقب قاسم خطوات اقترابها دون شعور منه وقلبه يتضخم وكأنه يتشبع وجودها. يرتكز بنظراته على سترة منامتها ذات السحاب الطويل المغلق لآخر عنقها. أشاح بوجهه وعينيه وهو يستمع لصوت أبيها المستاء: "حنين، صحيتي ليه؟ "قلقت من صوت الجرس."

ثم جلست على طرف أريكة تجاور أكرم وملامحها شاحبة من القلق. سألت قاسم دونهما، تخصه بالنظرة: "فيه إيه؟

وتفاجأ بأنها اختصته بالسؤال، رغم الحرب المشتعلة بداخله إلا أنها خمدت وهو يراقب شفتيها الناعمتين وهي تسأله وتخصه بحديثها. للحظة انتشى داخله بغرور ذكوري، وأعاد التأمل وتلك المرة بشغف وشوق كبيران رغم حفاظه على ملامحه المتجهمة. منامتها القطنية المحتشمة بأكمام تتجاوز المرفقين وخصلات منسدلة على أكتافها بفوضى وقد عاد اللون البندقي لخصلاتها ثانيةً وزحف احمرار صبغتها إلى الأطراف. يتنهد وهو ينزل بنظراته لأسفل تحديدًا عند قدميها الحافيتين!

كاد أن يفتح فمه ويجيبها، ولكن ضغطة قاسم على ساعده أوقفته يحذره بعينيه، يأمره بالسكوت فزفر بقنوط. وحين انصاع مكرهًا، تكلم أكرم بعد أن اعتدل بجلسته بحمائية الأخ الكبير، والوضع كارثي: "الموضوع باختصار يا عمي.. إن قاسم طالب إيد حنين منك." عقد العم حاجباه بضيق، يستنكر الموقف كله. يرسل لهما نظرات ممتعضة: "عم يرتدون أمامه؟ جاي يطلب إيديها الساعة اتنين بعد الفجر!! احتدت نبرة قاسم متعجبًا: "هي مشكلتك الساعة اتنين؟

يعني لو جيتلك العصر هتوافق؟! وتجاهل عمه وقاحته وعدم تهذيبه، ولسانه المنفلت. يتجاهله عن عمد ويوجه كلامه لأكرم: "مشكلتي إن أنا أديت للراجل كلمة، وهما مستنين رد حنين." حينها توجهت عيناه صوبها فاحتقنت خجلًا ولكنه لم يراعِ. سألها باندفاع لم يستطع كبته: "وانتِ ردك إيه يا حنين هانم؟! أسبلت بأهدابها، تمتم بنبرة رقيقة: "ردي على إيه يا قاسم؟ تتابع وهي تطأطأ رأسها وقد تضرجت وجنتاها بحمرة قانية حلوة كحلاوة قسماتها بهذه اللحظة:

"بصراحة يا بابا أنا وقاسم متفقين على الخطوبة من حوالي أسبوعين." ترفع رأسها ببطء وبتمهل، فتصطدم بعينا قاسم التي ترمقها بذهول أشبه لصدمة أصابت جهاز النطق عنده. فتحيد بعينيها لأكرم فترى أنه يشبهه بتلك اللحظة، فملامحهما وقت الصدمة والمفاجأة واحدة. تستكمل وهي تفرك كفيها بتوتر، تعض على شفتها بخجل. تستكمل ببراءة: "وكنا خلاص هنكلم جدي بس مجيت حضرتك خلتنا نأجل الموضوع."

وأول من تجاوز حيز الصدمة كان أكرم. مال على كتف أخيه بعدما اقترب منه بجزعه، يهمس بصوت بالكاد مسموع لقاسم فقط: "ولاه.. إنت بتشتغلني ومعلق مع البنت من ورايا؟! نطق قاسم بلسان ثقيل يدافع، ينفي عن نفسه التهمة: "والله العظيم ما حصل." استجمع والدها شتات نفسه، يحاول كبح غضبه. يسأل هادرًا وسؤاله للجميع: "ولما أنتوا متفقين... ليه لما قولت ع العريس متكلمتوش وعرفتوني؟! وتكفلت هي بالرد مشكورة، أسبلت أهدابها لتهمس مرة أخرى:

"مرضتش أحرج حضرتك قدامهم يا بابا." تهكم الأب بنزق: "وانتِ خليتي فيها حضرتك." يوزع نظراته الحانقة بينهما بشك وريبة، والصدمة والذهول على وجه قاسم جعلاه يشعر بخطأ ما. ولكنه قرر إنهاء الموقف وفض الجلسة. يسألها بنبرة مشتدة: "يعني إنتِ عايزة قاسم؟

تجمد جسد قاسم ينتظر ردها. ودقات قلبه بلغت العنان، ورغم المؤشرات الأولية كانت إيجابية، ولكن نسبة قلق بسيطة لا تزال تسكن قلبه. رغم صدمته بحديثها وعبثها.. تقريبًا أجمل صدمة مرت عليه طوال سنوات حياته، وستكون الأجمل أيضًا لمستقبله كله. ترفع نظرتها الرائقة ببريق العسل لتواجه ذوبان البن بمقلتيه. تثبت النظرة بالنظرة لا تحيد عنها. تتكلم بثبات وثقة بصوت واضح ومسموع: "آه.. أنا بحبه." ***

يقفان معًا على الدرج، والسكون يغلف الأجواء حولهما. يستند أكرم بظهره إلى الجدار وراءه يرفع ساق يلصقها بالحائط، يراقب قاسم الواقف أمامه بحاجب خبير مرتفع عن كثب وقد كان ساهمًا، شاردًا بشيء ما. بدت ملامحه بتلك اللحظة رائقة على عكس دخوله منذ قليل. قسماته مرتاحة وجسده مسترخي وكأنه اليوم استلم جائزة أحلامه بعد طول عناء وتعب. ساد صمت هادئ بينهما لدقائق قبل أن يقطعه أكرم وقد تذكر شيئًا فالتمعت عيناه ببريق عابث يغمغم بشقاوة:

"عمك عماد لابس روب ساتان؟! جذبه بهالته العابثة، يحاول بصعوبة أن يكتم ضحكته: "خدت بالك! تابع أكرم بتفكه: "افتكرني بيحيي الفخراني في ليالي الحلمية." ومع التشبيه وهيئة الروب الساتان لما يتمالكا نفسهما، فانفجرا بالضحكات العالية نسبيًا نظرًا لأجواء ما قبل الفجر الخالية من أي ضوضاء عدا نسيم الفجر الهادئ. والضحكة العالية لقاسم اختفت وظهرت أخرى بلهاء متسعة بغباء، يهتف بشبه هذيان: "بتقول إنها بتحبني! يبتسم بالمقابل،

يؤكد بنبرته: "آه سمعتها... ومصدقها على فكرة." تصلب جسده واتسعت عيناه بشكل ملحوظ، وقد استوعب أنه للتو نال منها اعترافًا بالحب عدا عن اعترافها الأخرق وقت أن كانت طفلة على أعتاب المراهقة وفور أن كبرت قليلاً ونضجت نكسته على الفور برفض مهين لكرامته. واستغرب قاسم تحول هيئته وتصلب وقفته. فاقترب يضربه على كتفه بخشونة: "ولاه.. إنت اتشليت! لأ مفياش صحة أشيلك فوق."

وخشونة الضربة أعادت له الوعي. دفعه بقبضته ينبه بتشديد حروفه والليلة عادت له ثقته الضائعة: "بقولك إيه... عايزك بكرة تفهمني قدام كمال." زاد من تأكيده بغمزة: "متخافش هظبطك." "حبيبي يا أبو ملك." برقت عينا أكرم للحظتين بذهول وكأنه سبه للتو، يهتف مستنكرًا: "إيه أبو ملك دي! إنت شايفني ببيع عيش قدامك." يردف متابعًا بقرف: "بيئة.. هتفضل بيئة وعمرك ما هتتغير." وآخر كلماته وازت صعوده، تركه بمفرده يتساءل عن سبب

تقلبه بثغر مفتوح بدهشة: "إيه ده.. إنت قلبت كده ليه." يهز رأسه بلا معنى، يخرج مفتاح بيته من جيب سرواله البيتي. يتمتم بتقرير: "الواد ده برج الجوزاء أكيد... ربنا يشفي." *** دخل عليها غرفتها دون استئذان، يصفق الباب خلفه بشيء من عنف أجفلها. وكانت ترتب غطاء فراشها كي تعاود النوم من جديد بعدما حدث. وقفت أمامه تعقد ساعديها أسفل صدرها تنتظر: "ممكن أعرف إيه اللي حصل بره ده؟

"ما حضرتك شفت وعرفت كل حاجة، لازمته إيه كلامنا دلوقتي! يزم شفتيه بشيء من اعتراض: "هو إيه اللي لازمته إيه؟ عايز أفهم كان من امتى الحب ده إن شاء الله." يتابع دون رأفة، يصفعها بذكرى ما فعلته: "ده إنتِ من كام شهر رفضاه قدام البيت كله وهربتي لأمك." واحتدت نبرتها، وتلك السابقة الأولى لها معه: "مش فاكرة يعني يا بابا إن حضرتك اهتميت برأيي وقتها! رفع حاجباه مستغرباً من وقع الكلمة على أذنه: "رأيك؟! ثم ازداد ببديهية،

يشير بيده حوله: "أنا قولت طالما انتوا الاتنين عايشين في بيت واحد يبقى المفروض... وصمت بتوتر حيث أنه لا يجد الرد المناسب لإجابة مقنعة تقنعه قبلها، وقد أيقن وقتها بأن موافقتها فرض واقع، تحصيل حاصل. تناولت هي دفة الحديث: "المفروض إيه يا بابا؟ إيه كان المفروض بالظبط عشان أعرفه؟ شعرت بغصة تخنق خلقها، تلك الغصة التي تزورها من حين لآخر كلما ذكرت سيرة أمها، أو لمح أحد على وضعها. اقتربت منه تزيد باختناق:

"المفروض تسبني عيلة لجدي يربيني. أروح من هنا لهنا زي المتسولين أدور على اهتمام أو حنية أو أكلة حلوة أو حد يغسلي هدومي! صرخت به تكمل بلا احتمال: "المفروض إيه يا بابا... المفروض لما حد يتهجم عليا يبقى انت آخر واحد يجي على بالي إني ألجأله! ثم تهكمت بمرارة: "لأ سوري... انت مبتجيش على بالي خالص." عقدت الصدمة لسانه للحظات، لينطلق الشرر من عينيه قبل أن يصرخ بها بالمقابل: "حد بيتهجم عليكي؟ مين يتجرأ؟

رفعت حاجب، وانكمشت ملامحها بحزن تعيد أمام عينيها أحداث ودت لو وأدتها بيدها أرضًا. تباغته بألم النبرة: "هو انت يا بابا مسألتش نفسك أنا هربت مع قاسم من بيت ماما وجوزها الفجر ليه؟ "اتخنقت فقولت خلاص همشي." ومع انقباض ملامحه بصدمة جلية على قسماته، تابعت تنحر أبوته بسكين ضياعها، وقد خذلتها دموعها تتسابق على وجنتيها تحرقها بحرقة الليلة المشؤومة. تسرد عليه الحقيقة، حيث أن الحقائق لا تظهر إلا في الخذلان: "أنا هربت يا بابا...

جوزها اتهجم عليا يا بابا... كان هيغتصبني لولا أن دافعت عن نفسي وقاسم لحقني." وولته ظهرها تجهش ببكاء مرير تغطي وجهها بكفها، تلفظ أنفاسًا حارقة قبل أن تلتفت إليه مرة أخرى تمسح عيناها بعنف. تتابع وهي ترى تأثير كلماتها على وجهه: "قطع لي هدومي وضربني... وخد عندك بقى ماما سوري قصدي ناهد هانم مسألتش عليا من ساعتها." صوت بكائها يمزق نياط قلبه. ترتجف أطرافه ذعرًا وغضبًا وهو يتخيل من ينتهك حرمته. لا هذا كثير على رجل مثله!

وأي كلام ستقوله بعد ذلك لا يهم. هي ذبحته وانتهت، ولم تكتفِ. تراه يتراجع بخطاه بوهن يستند بجزعه على الحائط، فتسترسل باختناق شاب نبرتها: "أكمل بقيت المصايب بقى... طالما بتكلمني على المفروض." وقررت كشف الأمور كلها أمامه، حيث أن خطأه أكبر من خطأها. بل أضعافها. "أنا كنت على علاقة بواحد... يرفع رأسه لعينيها، يفاجئها ببريق دمع يلتمع بعينيه. يصعقه ما يراه بأعين ابنته من حزن وضياع. وتشتت ودمار نفسي.

"ولما بعدت وحبيت أنضف وأهتم بمستقبلي.. هددني، بهدلني. ولولا زياد وأكرم... تستكمل بحدة تواجهه حيث لا وجود لالتقاط الأنفاس بتلك اللحظات: "أنا هقولك بقى المفروض." تردف بتقرير، تعرفه بدوره الذي تخلى عنه بإرادته: "المفروض تكون جنبي... أكون معاك انت في حضنك انت." تبسط ذراعيها وسبابتها تشير صوبَه: "مش تجيلي دلوقتي وتقول عايزك معايا."

يقف أمامها صامتًا كتلميذ يتلقى التقريع والتوبيخ من معلمته لأنه لم يفعل واجبه. يتلقى عتابها، لومها... حدة نبرتها بضياع صامت يوازي ضياعها. تبعد نظراتها عنه وقد بهت انفعالها قليلًا، تزيح خصلاتها التي التصقت بوجنتيها وجبهتها بإرهاق. "يابابا أنا بتكسف منك... مش متخيلة إن أنا وإنت ممكن نقعد بمكان لوحدنا! أزدادت بألم: "أنا مش قادرة أكون براحتي وحضرتك موجود."

تهدلت أكتافها، وقد هدأت ثورتها، تسحب نفسًا طويلًا قبل أن تردف بتعبير ساخر متألم. ترجع لنقطة البداية: "متكلمنيش على المفروض يا بابا... توليه ظهرها بخذلان: "متكلمنيش أصلاً... عشان الكلام بيجيب عتاب... والعتاب حضرتك مش أده." وظلت على وضعها، تقف وظهرها له تنهت بأنفاس لاهثة وكأنها كانت تركض. تنهي بينهما الحديث والتي كانت هي بطلته... والإشارة واضحة فلتخرج وتعد كما كنت، غريبًا مثلهم. ***

"لو كنا ندرك نهاية أحلامنا.. لاختصرنا على أنفسنا عناء المحاولة."

البداية أشبه بتلك الحكايات الوردية التي لطالما حلمت بأن تكون بطلة بإحداها. حيث ارتطام وشهقة خجل مع أمير الأحلام الفارس صاحب الحصان الأبيض. وبعصرها الحالي لا يوجد فرسان ولا خيول تمتطى. بطلها كان كما قال الكتاب أنيق وسيم، صاحب طلة لطالما شردت بامتلاكها. واستبدلت الحصان الأبيض بالسيارة الفارهة. ورغم حلاوة اللقاء، وروعة البداية، ومتعة الأحداث بينهما. ولكن النهاية كانت كارثية بروايتها الوردية. حيث لا توجد وردية بل فرض الواقع رأيه يعلن عن وجوده بقسوة والختام كان تحرش أشبه باغتصاب نجت منه بأعجوبة. حسنًا، هل يجب على الراوي أن يسرد الحكاية منذ بدايتها مرة أخرى؟

تدخل الصالة الرياضية بثياب سوداء لا تناسب ورديتها السابقة. تسأل عن مكانه فتخبرها الفتاة العاملة عن مكان تواجده بغير رضا حيث أنها لا تبتلعه ولا تبتلع حضوره ولا اهتمام الكابتن بها. تسير بخطوات هادئة رغم تردد دواخلها من مواجهته. منذ ما حدث وما أثاره عاصم من فضائح وهي لم تره، وانقطعت أخباره عنها. هو يستحق العناء، يستحق التبرير. وهي بالتأكيد تستحق فرصة ثانية.

تدخل مكانه المخصص، تلك الغرفة التي كان يدربها بها، لتدرك كم كانت مميزة. فقط فرصة واحدة!

يرى دخولها بطرف عينيه وقتها كان يلاكم كيس الملاكمة الضخم الذي ينتصف الغرفة. اكفهرت قسماته بغضب وباتت أنفاسه حارقة تشعل أجواء الغرفة حولهما. تجاهلها، والنية واضحة، طرد. حين سمع خطواتها تنقر الأرضية الرخام باقتراب، زاد من عنف ضرباته للكيس مصدرًا صوتًا مزعجًا أخافها. فتوقفت مكانها، تنتظر ولا تعلم ماذا تنتظر. ولكنها تستحق الانتظار. سعلت بخفة تجذب انتباهه، وبهذه اللحظة قررت الصراحة تسرد حكايتها:

"الحكاية عادية، هبلة جدًا. بنت بتعجب بصاحب أخوها الجان اللي عنده عربية وشركة تجنن." تسهب بالسرد رغم سوء نظراته وحدة لكماته: "فبتتجرأ في مرة وتكلمه وتكشف عن إعجابها بيه." وتابعت رغم حرجها: "وعشان كنت عيلة وكمان أخت صاحبه غيرت اسمي وسني." "كنا بنتقابل، بنخرج سوا ولما كان بيقرب مني كنت ببقى مضايقة وخايفة بس مكنتش ببين عشان ميسبنيش ويزهق مني."

وتوقفت فور أن توقف، تزدرد ريقها الجاف بخوف وهي تراه يخطو صوبها. يقترب منها بجسده الضخم وعيناه الغاضبة. يميل عليها بخطورة: "وبتحكيلي الفيلم ده ليه يا سندريلا؟ رمقها بازدراء من خصلاتها المنسابة لاخمصها آثار في نفسها الحزن. يقول بجفاء النبرة: "إنتِ وحبيبك أو الأكس زي ما بتقولوا.. مدخلاني طرف معاكم ليه! شعرت بسكين حاد يمزق صدرها وهي ترى نظراته المحتقرة لها. كان مخيفًا بالقدر الكافي لأن تركض من أمامه ولا تعود. استكمل

رغم ذعرها بجفاء أشد: "عاصم ميهمنيش يا يارا... إنتِ اللي كنتِ تهميني." نفضها من بين يده كخرقة بالية يبتعد عنها باتساع. بأميال: "عمومًا الموضوع انتهى... أساسًا خدتي وقت أكبر من وقتك معايا." ينزع عن يده الأشرطة البيضاء وجانب جسده لها. وكانت هي بوقفتها بتلك النقطة بنفس المكان كصنم على وشك التحطيم. رمقها دون اهتمام يزفر بنفاذ صبر: "عارفة باب الخروج ولا تحبي أوصلك؟! *** "تنتهي حكاية لتبدأ أخرى رغم أنها كانت بالفعل."

وعلى عكس الوردية كانت البداية مأساة، حمدًا لله أن الراوي تهرب من سردها مرة أخرى. فلنعيد ترتيب الحكاية. من آخرها لنقطة البداية. والأفضل أن نلغي البداية، فلا أحد يطالب بها. أكرم ونورهان. أم نورهان وأكرم والغلبة لمن نال بعد طول صبر. "الحب كما الحرب.. كل الوسائل متاحة.. والأساليب مفروضة."

حلاوة الحياة تكمن في التفاصيل، وهي لا تفوتها تفصيلة تخصه، وأصبح هو أيضًا مثلها وأكثر. وذلك لم يكن الحب المعترف به، حيث أنه لم ينطق بها صراحة ولا هي تجرؤ على نطقها. تخاف المحاولة فتفشل. بل كان شيء أشبه بالاعتياد ومنطقة الراحة لكليهما.

كانا اليوم بطوله بالخارج وملك ترافقهما ومجد رفض الذهاب وفضل الجلوس مع أولاد كمال بعد أن صاروا أصدقاء. حيث اليوم كانت الزيارة المؤجلة لبيت أهلها المغلق ومكتبتها. وبداية اليوم تجاوره بسيارته. تلك مرة من ضمن المرات النادرة التي تركب بها سيارته. وهاته المرة كانت أروع وأجمل مرة. حيث أنه بدا مهتم يسحب كفها من لحظة لأخرى يضعها أعلى فخذه وكأنه معتاد على فعلها. والأمر أشبه بلقطة شاهدتها بفيلم وانتقدت المؤلف على خياله الواسع.

يتبادل حديث مرح معها. عن سيارته، ملابسه.. حتى رائحة عطره سألها أن كان ثقيلًا يضايقها أم عادي. واجابتها كانت بابتسامة بلهاء حيث أن رائحة عطره ليس لها مثيل. تميزه هو عن غيره. عطره له تأثير الخمر يُسكر دون معصية. ولهانة هي، تقع في حب عطر رجل وساعة معصمه الأنيقة!

وأول اليوم حيث منتصف النهار، تقف بداخل المكتبة وملك معها تتلاعب بأوراق بالية. ويقف هو بالخارج بترفع وانف شامخ. يرتدي نظارته الشمسية السوداء فتختفي عيناه وما يكنه. يضع كفيه بجيبي سرواله الرمادي. كل دقيقة يسألها بغيظ من بين أسنانه أن تنتهي مما تفعل. وهي لا تفعل شيئًا محددًا، فقط اشتاقت لمكانها الجميل فجاءت. وهو من فرض نفسه، والآن هو نادم أشد الندم. حيث أن الحارة والناس والتجمعات تثير أعصابه، هو رجل اعتاد الهدوء. قليل الاختلاط.

تهتف باسمه برقة متأصلة بها، فيجيبها بنزق والمعنى اختناق: "تعالى هات الكتب اللي فوق على الرف... بعد إذنك! ترفرف بأهدابها. تتوسله بشبه رجاء وهو أصبح ضعيف. ضعيف جدًا أمام رفرفة الأهداب. يخطو بغير رضا للداخل يقف أمامها. "طب ماتجيبيها إنتِ! ترفع ذراعيها فلا تطول. تضحك وضحكتها كانت عفوية نابعة من فرحتها اليوم: "انت طويل... هاتهم يللا."

يتسع صدره بغرور. واستجاب، يمد ساعده يأتي بهم ببساطة دون تعب. يفردهم أمام أنظارهما. وتلك الكتب كانت مجموعة مميزة ونادرة لروايات قديمة لنجيب محفوظ. فسألها مبهوتًا من أين لها بتلك المجموعة: "عمو حسين قارئ قديم أوي... من الناس المثقفين اللي قلبك يحبهم. أول ما فتحت المكتبة جابهم لي هدية." رفع حاجباه بإعجاب وتقدير. وضعتهم أمامه بحقيبة، فتساءل: "هتاخديهم معاكي؟ "طبعًا."

المدة التي جلساها معًا بالمكتبة لم تكن طويلة ولكنها كانت كافية بأن توطد العلاقة بينهما أكثر حيث أنه لم يكن يعرف أنها تحب القراءة ولا هي تعرف أنه يشاركها نفس الشغف. يبدو أن كتب نجيب محفوظ ستكون من ضمن حلقات الوصل بينهما. وعند المغادرة، جعلته يغلق بابها. بالطبع فهو الرجل ولن يقبل بأن تميل أو تنحني أمام الأعين هكذا. عيب كبير بحقه، وليس لأنه يغار لا سمح الله!

وللمرة الثانية بهذا اليوم الرائع تركب بسيارته وبجواره وملك بالخلف بالكرسي المخصص لها. يفاجئها بغمزة باتت تلازمه مؤخرًا: "هنتغدى برة النهارده."

والغذاء كان بمطعم فاخر على البحر. أكلة سمك مشوي متبل بالبهارات الخاصة مقطع فوقه شرائح من البندورة والبصل والفلفل الحار وإضافات جانبية من السلطات المتنوعة والطحينة. وعند المغيب جذبها تتأبط ذراعه والوضع شبه حميمي أو بمعنى أدق حميمي. يحمل ملك على ذراعه الآخر. يسيران بهدوء على الممشى الخاص بالشاطئ. يتجولان بالمول القريب، حيث محلات الملابس. تتأمل فستانًا معلقًا أعجبها فيشتريه لها بعد أن يدفع ثمنه دون نقاش رغم اعتراضها وحرجها. يبحث عن وشاح يناسبه فيختار لها ويقارن بين الألوان. يرفض هذا لأنه قماشه حريري وهي خصلاتها ناعمة فسينزلق. وهذا لأنه لا يناسب بشرتها. وهكذا!!

من أين له بكل تلك المعلومات والخبرات. ملك تريد غزل البنات فيأتي بواحدة لملك وأخرى لها. ملك تريد الحلوى فيضحك ويشتري لكليهما. واليوم كله وثقه بالصور. يلتقط لهما صورًا بأوضاع مختلفة هنا وهناك على الشاطئ وأعلى الممشى وبالسيارة. وأخرى عفوية وأنفيهما ملطخة بالآيس كريم. كان يوم حلو، كما يقال يوم للذاكرة. ليت اللحظات السعيدة تدوم للأبد. ليتنا نبقى هكذا ببال رائق ما تبقى من عمرنا.

واخر اليوم حيث الليل أسدل ستاره وتجاوزت الساعة الحادية عشر. تترجل من سيارته واليوم للأسف انتهى. تسبقه بالحقائب الخفيفة الموجودة بها ما اشتراه لها من ثياب وأوشحة وهو خلفها. على كتفه ملك غافية. يسألها حيث أن وجه الصغيرة مختفي عن عيناه: "ملك نامت؟ استدارت تتأمله وصغيرتها على كتفه. أغمضت عيناها وكأنها تشكره: "انبسطت وتعبت، فنامت." فتبسم لها يعبث بخصلات النائمة بعمق على كتفه. يوعد بالمزيد: "نبقى نكرر الخروجة دي كتير بقى."

وأغلق البوابة الحديدية خلفهما، يصعد وهي بجواره متشابكي الأيدي. وعند باب شقة والدته كان يقف قاسم فجذبها للجهة الأخرى يضع كفه على خصرها بتملك. وأعجبها هذا الشعور، يميل على أذنها: "اسبقيني إنتِ... هتكلم مع قاسم وأطلع." حاولت أن تأخذ الصغيرة منه ولكنها تململت على كتفه. فطلب منها أن تتركها له. وتركتهم تصعد درجات السلم بسعادة عانقت السماء. بأحلامها البسيطة لم تتخيل أن تحيا مثل هذا اليوم. وقف أكرم أمام قاسم يرمقه بنصف عين.

يسأله بشك: "واقف كده ليه.. كأنك مستني حد." واخر كلامه وازى نظرة خبيثة للباب المقابل باب بيت جده. يحدق بقاسم بحاجب مرفوع. يقيمه بنظرة ثاقبة: "ممممـ حالق دقنك وكاوي القميص، ولابس البنطلون اللي على الحبل! يتشدق بمكر: "مش خير بردو." يدور من حوله والآخر يهرب بنظراته. والوضع محرج على ثور مثله بهيئة رجل، يحدثه من بين أسنانه: "إنت مالك يا بارد... يللا اطلع." يصطنع الدهشة: "بقى كده! يزيد بحزن زائف:

"بقى دي آخرتها. عموماً أنا هطلع عشان مش حابب أكون عزول." يتحسس ذقن قاسم بأنامله الغليظة رغم ضجر الآخر وزفراته المختنقة. يغمز بعبث: "شكلك ناوي تبوس." شهق قاسم بعنف، يرمقه بحنق قبل أن ينحني بجزعه ليخلع حذائه ونيته قذف الوقح بها. والوقح تدارك الموقف. نجا بنفسه يصعد الدرجات بخطوات أشبه بالهرولة. يحدثه بصوت مسموع من الطابق الأعلى وقد أصبح بأمان: "خد بالك أنا براقبك وعيني عليك."

بعد أن اطمأن أنه انصرف ودخل شقته، استقام بطوله. يعدل من شكل قميصه، يمسح عدة مرات على ياقته. وسأم الانتظار. يرفع هاتفه يرى الوقت وكم مر عليه منذ إرسال رسالته لها. حيث أنه أرسل رسالة نصية لحنين والنص كان "أنا هستناكي قدام الباب.. اطلعيلي." لا يعلم ما يتوجب عليه فعله. أينتظر المزيد أم يستدعيها برسالة أخرى!

زفر بقوة ووقف ينتظر بصبر رغم أنه قليل الصبر. ولكن نظرًا لتاريخه معها فهو لا يفعل شيئًا سوى الصبر. ابتسم براحة ظهرت على ملامحه وهو يرى الباب يُفتح وهي تخرج من خلفه. وقف مبهوتًا مما يراه بعينين متسعتين، تظهر أمامه بكامل هيئتها. فستان طويل حتى الكاحل بلون أبيض مطفي، تغطي خصلاتها الناعمة بحجاب أبيض نفس درجة الفستان. وجهها بهذه اللحظة كان ملائكي. ملامحها ناعمة وابتسامتها جعلتها تبدو مكتملة ناضجة. وقد فاجأته بهيئتها الجديدة. وحجابها!

يسير كالمغيب نحوها مأخوذًا بالطلة. وكانت هي أول من تحدثت وقطعت سحر اللحظة: "إيه رأيك." تدور حول نفسها ككل مرة كانت تريه فستانًا جديدًا. فرد بصوت خشن وعينان تنطقان بحب: "جميل أوي." تورّدت وجنتاها بحمرة طفيفة إثر خجلها من نظراته المنبهرة. قرار الحجاب أخذته بعد تردد لم يدم كثيرًا. وأرادت أن يكون هو أول من يراها به. زاغت بعينيها العسليتين عن عينيه قليلًا. تعيد السؤال بصيغة أخرى: "إيه رأيك في الأبيض عليا؟ واجابته

كانت واثقة حد اللاحد: "ميليقش عليكي غيره." لا هذا كثير عليها. قاسم هادئ ونظراته ولهة. لو كانت تعلم بأنه سيصير هكذا لكانت تحجبت منذ زمن. كانت وفرت عليهما مشقة الطريق. حمحم بحرج وملامح محتقنة: "كنت عايزني في إيه؟ وللحظة أفاق من حلمه الجميل، وانتبه. ضرب على رأسه يحاول التذكر، ثم نطق بعد مدة: "نسيت." تهكمت ضاحكة: "لأ بجد." غمغم صادقًا: "والله العظيم نسيت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...