الفصل 30 | من 34 فصل

رواية بيت القاسم الفصل الثلاثون 30 - بقلم ريهام محمود

المشاهدات
24
كلمة
9,629
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

أحيانًا لا يكفي بأن تقلب الصفحة، أو حتى تحرقها.. أفضل لك أن تغير الكتاب. آخر اليوم، حيث الليل أسدل ستاره على نهارٍ طال كابوسه. تستند يارا إلى نيرة بعدما ترجلا سويًا من سيارة نيرة، والتي أخذتها من زياد. كانت يارا منهارة وقت أن اتصلت بها، تستغيث، تطلب مساعدتها. وقد استغلت نيرة فرصة عدم وجود زياد بذلك الوقت، فغادرت معها. تسير معها بخطى رتيبة متثاقلة إثر جسدها الواهن.

وحين وصولهما لبوابة البيت، استوقفهم صياح زياد الغاضب بعد أن نزل من سيارته وترك بابها مفتوحًا. تقدمت منه نيرة، وتركت يارا خلفها. يهدر بها زياد: -أنتِ بأي حق تاخديها؟ هو أنا مش مالي عينك؟ تمتمت نيرة بهدوء عكس ثورته: -خدتها يازياد لحد ما أنت تهدا.. وهي تفوق شوية. يهتف زياد باستنكار: -أهدا!! مفتكرش إني ههدا. ثم حاول أن يقترب من يارا التي كانت ترتجف، تسد أذنيها بكفيها، يصرخ بعاصفة: -تعالي. دفعته نيرة بصدره:

-ابعد يازياد.. مش هتيجي معاك. يعاند زياد، ولتضرب رأسها بالحائط: -هتيجي.. وهربيها من أول وجديد. ردت نيرة بثبات، تفصل بينه وبين يارا بجسدها: -والله العظيم ما هتيجي معاك يازياد.. وامشي من هنا يللا. مسد زياد وجهه بحدة، يجز على أسنانه بغضب: -ابعدي يانيرة.. إنتِ مش عارفه هي عملت إيه؟ -عارفة.

وفاجأته الإجابة. ودون أن تمهله فرصة لأخذ نفسه، اقتربت منه نيرة توازيه بجسدها رغم قصر قامتها وبطنها المنتفخة، تضرب بكفيها صدره الصلب بقوة، تقتله بسكين الحقيقة: -ثم أنت بتحاسبها على إيه!! حاسب نفسك أنت الأول.

عُقد لسان زياد، بهتت ملامحه فور انتهاء كلام نيرة، وكأنها تشير بأن الذنب له. لم تتعجب نيرة من انطفاء ملامحه، تعلم بأنها تخطت المسموح وجرحته. تزدرد ريقها وهي تراه يبتعد، وقد اهتز جسده، واعتلى الحزن ملامحه. لوهلة أنبها ضميرها. طال الوقت وهو يحدق في يارا بنظرة طويلة لن يفهمها سواهما، حيث أن كأس الخيانة مذاقه مُر بعد أن أذاقه لها. حاول البحث عن صوته، فخرج بصعوبة. يبتعد عن نيرة وعن البيت، يحرك رأسه بتيه، يوجه حديثه ليارا:

-تمام.. خليكي.... بس متتورنيش وشك خالص. *** حاولت يارا أن تسيطر على رجفة جسدها بعد مغادرة زياد. جلست على الدرج الداخلي لبيت جدها، بعد أن تركتها نيرة مُجبرة عندما توسلتها هي بأن تتركها بمفردها قليلًا تستنشق بعض الهواء وقد أصابها اختناق. لا تستطيع تجاوز نظرات زياد المخيبة لها. شعور الخزي يكتنفها بتلك اللحظة، وتقريبًا قد علم بالبيت بأمرها.

صوت خطوات هادئة يفرض عليها المشاركة. تلتفت برأسها فتجدها حنين، فتعود برأسها ترمق الفراغ من جديد بتشتت وحزن، ترسل إشارة صامتة بأنها لا تريد وجودها. جلست حنين خلفها على درجة تعلوها، تنكمش بجلستها وساقيها مضمومتان لقرب صدرها تبدو وكأنها تشعر بالبرد. التفتت يارا إليها تغمغم بحدة وصوت جُرحت أحباله الصوتية من كثرة البكاء: -طبعًا فرحانة باللي حصل! ولكن حنين كانت شاحبة، نظراتها غريبة، ويبدو أنها لم تستمع لكلامها.

تسألها بعيون زائغة: -خوفتي؟ دققت يارا النظر بها، نظراتها ضائعة، ملامحها غريبة ليست بطبيعتها. خفتت حدتها معها وتبخرت. تعيد رأسها للأمام تخفي دموعها والتي أنسابت على وجنتيها من جديد. تتمتم بنبرة مرتجفة: -كنت مرعوبة. شردت حنين في البعيد، تستعيد ذكرى تبدو مؤذية لأن قسماتها بهتت. تتحدث بنبرة غريبة: -أنا كمان كنت خايفة.. كان بيني وبين أنه يغتصبني خطوة. تتابع بألم كسا نبرتها:

-كنت بصرخ.. كان نفسي ماما تسمعني.. لو كانت جت كنت هديها فرصة إن أبدأ معاها من جديد.. بس هي سابتني زي أول مرة سابتني فيها. اتسعت عينا يارا بمزيج من الصدمة والذعر. لا تدري بما ترد. قاسم لم يسرد تفاصيل خلافها الأخير مع أمها، اكتفى بأنهما لم يتوافقا. تصعد الدرجة الفاصلة، تجلس بجوارها، تلتصق بجسدها وقد غابت حنين عن العالم وشردت بتلك الليلة. تجذبها إليها لتميل حنين برأسها على كتفها، والأخرى تربت على ذراعها بحنان، تطمئنها:

-إحنا هنا بأمان. تصطنع المرح: -منخرجش من هنا بقى. وكان قاسم بالأعلى، وقد استمع لحديثهما الخافت، تنحني عيناه بقهر وحزن. صغيرته وحبيبته خائفة وهو موجود. يقبض على يده بقوة، وقد آلمه صوتها ونحيبها المتصاعد. يميل برأسه يتجاوز السور يرى يارا تحتضنها، تمسد كتفها بدفء. وكم تمنى بتلك اللحظة أن يكون مكان يارا، أن يكون هو مصدر الأمان وليس النقيض. ***

"حاسب نفسك الأول". كلماتها القليلة تحتل عقله، وكأنها عرفت كيف تؤذيه. يجوب بسيارته بالشوارع على غير هدى، وسيطر عليه الجنون. يقود سيارته بسرعة جنونية، يتجاوز الإشارات، لا يستمع لصياح أو زامورات لسيارات مرت به وكاد أن يصطدم بها. هو العابث، الماجن مع إيقاف تنفيذ بشكل مؤقت، درب سلكه دون دين أو ضمير.

"حاسب نفسك الأول". لن يحاسبها، فنفسه منهكة، وتلك قصمة ظهر له. بأسوأ خيالاته لم يكن يدرك أن يكون عقابه قاسيًا هكذا. يارا.. تلك الصغيرة، ما الذي أوقعها بوغدٍ كعاصم؟ يتحكم بسيارته، يعود الطريق مرة أخرى وقد تجاوز حدود المدينة. يقود سيارته ينوي خرابًا. وتلك المرة يعرف وجهته. دخل الكمباوند بكل هدوء، فهو معروف هنا بأنه الصديق للساكن بشكل دائم هنا.. عاصم النجار.

ترجل من سيارته، يقف أمام بابه، دون عناء الضغط على الجرس، استخدم قبضته يطرق بها بعنف. وطال الطرق وخرجت بعضًا من الأزواج المراقبة، تستاء، تهدد بأن يكف وإلا سيقومون بمحضر ضده لازعاج السكان بمنتصف الليل.

وبعد وقت ليس بقصير، فتح عاصم الباب. هيئته مبعثرة، حيث قميصه مفتوح كله، عارٍ الجذع عدا عن بنطال يستره. خصلاته مشعثة، وعيناه تحت تأثير النعاس. وقبل أن يتفاجأ أو يتساءل، كانت لكمة زياد تؤكد مجيئه. ترنح على الفور وابتعد. والآخر لم يمهله فرصة، فعالجه بلكمة أخرى أعنف وأشد، سقط على إثرها أرضًا. يمسح بكم قميصه سيل رفيع من الدم أسفل منخاره. ولم يهتم زياد بأعذاره. عليه اللعنة، صرخ به: -ليه؟

نهض عاصم يحاول أن يستند على ساعديه، يدافع عن نفسه في حضرة الهائج: -هي اللي بدأت يازياد. وزياد يزيد بعتاب مجروح: -ليه دا أنت الوحيد اللي دخلتك بيتي! وقف عاصم، يحاول أن يواجهه: -هي اللي اشتغلتني، جاتلي النادي ع أساس أسمها أمنية وعندها فوق الـ 23 سنة.. ضحكت عليا. ابتسامة ساخرة صاحبت قوله المستهجن: -لأ وانت نونو ياولاه.. يضحك عليك! يُجابه، يستمر بالدفاع: -أنا مكنتش أعرف أنها أختك.. والله. يقبض على تلابيبه، يصرخ به:

-ولما عرفت أنها أختي.. كملت ليه؟ يزيد من هياجه: -مقولتليش ليه. يبتعد عنه بصعوبة، يشرح موقفه: -كنت حبيتها.. كنت مش هقولك.. كنت ناوي ع جواز والله. يكمل بنصف كرامة: -هي اللي سابتني بعد ما علقتني بيها.. كانت بتتسلي بيا يازياد! -بينكم إيه؟ يجيب بصدق واضح كالشمس: -مفيش بينا غير مقابلات والله.. محصلش حاجة.. أنا مستعد أصلح كل اللي حصل.. وأتجوزها. هدر زياد غاضبًا: -لو آخر راجل ف الدنيا مش هجوزهالك.. يارا مش شبهك ياعاصم.

حينها انتصب زياد بطوله، يشد من جزعه، يستحضر قوته.. ووقاحته: -إنت مستكتر عليا يارا.. إنما نيرة حلال عليك صح! يقترب منه رأسًا برأس، يبين له الصورة كاملة دون رتوش: -فوق يازياد.. دانت نسخة تانية مني ويمكن أوسخ.. بص لروحك ف المرايا هتعرف أن أنا وانت نسخة من بعض. ابتسم زياد ابتسامة صغيرة.. إن كان التواء ثغره بتلك الطريقة يسمى ابتسامة بالأساس.. يغمغم بمرارة: -يارا فعلاً كتير عليك ياعاصم... بالظبط زي ما نيرة كتير عليا.

يهز عاصم رأسه بنفي. كاد أن يتحدث ولكن زياد قاطعه بحدة: -بس وعد مني وحق ما كنت مخليك صاحبي ايدي دي هقطعها قبل ما أمدها في إيدك تاني. *** لا يتذكر كم مر بطريق، وكم تراجع، بعد أن رحل من بيت عاصم. يهيم بسيارته للمرة الألف بطرقات المدينة التي حفظها عن ظهر قلب. إلى أن استقر أمام أحد البارات والتي اعتاد زيارته بماضيه.. ماضيه القريب.

يدخل بترنح، لم يتناول شيئًا منذ الأمس، هو متعب فحسب. يجلس على كرسي جلدي طويل له إطار معدني ملتصق بالبار الفاصل بين المشروبات والصالة الرئيسية للملهى. يميل بجزعه، ينقر بخفة للعامل أمامه: -صب لي كاس. والشاب ابتهج لرؤيته: -فينك ياباشا من زمان مش شفتك!! رد زياد بضيق مزاج: -مشاغل ياااا.. والشاب أدركه باسمه: -عاصم باشا هيجي دلوقتي؟ يسأله الشاب، وقد أعد له المشروب، يضعه أمامه بتهذيب. فرد زياد بحدة خافتة: -لأ.

عيناه مركزة على الكوب أمامه، بسبابته يرسم دوائر أعلى حافة الكأس دون نية حقيقية لتناوله. -الحلو فينه من زمان! صوت أنثوي مائع قطع صمت وجلسته. التفت لها بعقد حاجبيه يحاول التذكر، فضحكت بميوعة تميل عليه: -مممم، شكلك سكران طينة لدرجة إنك مش فاكرني! يدقق بها، وإن مات المرء ظل الطبع موجود. يتفحصها بفجاجة، وهي لم تمانع، كانت مرحبة وأكثر. تستعرض نفسها وفستانها الأرجواني الشبه عارٍ خفيف يظهر أكثر مما يخفي.

-إيه رأيك نقضي ليلتنا سوا. قطع عليها وهو يعود يتأمل كأسه: -لأ لأ. تلتصق بنظرة طامعة: -متقلقش.. المكان عندي. -عارفة ياا... أطلقت ضحكة رقيعة قبل أن تقول اسمها: -شوشو. تنهد وهو ينطق اسمها: -ااه ياشوشو. ثم أكمل يهمس لها وكأنه يخبرها سرًا: -عارفة ياشوشو أنا النهاردة خسرت صاحبي وأختي.. ومراتي. مطت شفتيها باستياء، حيث لا تهتم: -تؤ تؤ ياحرام.. مال. وعيناه سقطت بالفتحة الخاصة بالفستان، وعاد العابث من مرقده: -صعبت عليكي.

ضحكت وقد نالت مبتغاها: -أوي.. تعالي أراضيك في البيت عندي. عاود الكرّة السابقة، يميل على أذنها وكأنه يخبرها بسر حربي: -عارفة ياشوشو أنا تقريبًا بقالي سبع شهور مقربتش من ست. -أووه.. ده من حظي. وتجاهل الوقاحة، وغفا العابث مرة أخرى: -يبقى يوم ياشوشو ما ربنا يفرجها عليا... تكوني إنتِ. احتقنت بشرتها بحمرة قانية. يتجاهل غضبها وهو يتحرك ينوي المغادرة، حيث الجو هنا بات مختنقًا. يضرب ع رأسه بإصبعيه: -سلام ياشوشو.

ثم وجه كلامه للشاب يغمز: -نادر.. حساب الكاس اللي مشربتوش عند مدام شوشو. يوليها ظهره، ويضحك، ليس لسبب سوى أنه باستطاعته إحياء العبث بداخله.. ودفنه. *** عودة الغريب.. أو كما ذُكر

-المغترب. عودة الابن وهو ذاته الأب. يقف أمام البوابة الحديدية الخارجية للبيت بلا موعد.. أو اتصال يعرفهم بوصوله أو مجيئه بالأساس. يقف وجواره حقيبتان كبيرتان وأخرى معلقة على كتفه. ينتظر بنفاذ صبر وقد طرق على البوابة عدة مرات، إلى أن فُتح الباب وكان قاسم أمامه. قاسم الذي اتسعت عيناه من المفاجأة، يمد كفه.. فيعانقه الآخر. يستقبله بحفاوة، يحمل عنه حقائبه الثقيلة ويصعد أمامه، حتى وصلا لشقة الجد.

رنّ قاسم الجرس، ينتظر وعمه وراءه. ورؤيته لعمه دبّت الحماس بقلبه. وقت قصير وكان الجد يفتح بابه يلهث بارهاق مستندًا على عصاه. حتى رآه. دمعت عيناه من الفرحة، ودون مقدمات احتضنه. لا عتاب أو حتى طيف من لوم كان يحمله بصدره.. فقط احتضنه والابن بادله العناق بأشد. والاشتياق سيد اللحظة. وبعد دخوله.. وجلوسه على الأريكة.. عاتبه الأب: -أخيرًا فضيت نفسك ياعماد ونزلت. يجيبه ببساطة ونبرة عملية:

-والله ياحاج الموضوع صعب.. الحياة هناك ريتمها سريع... أنا مش مصدق إني خدت إجازة أصلًا. حتى وإن استطاع.. بالطبع كان بمقدوره الأعوام السابقة أن يأتي زيارة ولو لأيام قليلة ولكنه كان يتعلل بأي شيء حتى لا يتواجد. هو رجل لا يطيق القيود العائلية تحت مسمى "صلة رحم".

حديث بسيط.. والعديد من الأسئلة من قِبل أبيه، قبل أن ينهض من مكانه كي يخبر حنين النائمة بغرفتها بمجيء والدها. أخبرها وعاد يجلس بجوار ابنه، يربت على كتفه تارة، يتلمس ذراعه بشوق تارة أخرى. كم من تخيلات شيدها برأسه عند موته وابنه الوحيد مغترب واحفاده هم من يحملون نعشه ويدفنوه.

وقاسم يجلس على أريكة جانبية لهما، يستمع لحديثهما دون تدخل. ولا يعلم لما لا يستأذن ويتركهما وينصرف. لا.. هو يعلم، هو ينتظرها.. ينتظر حضورها، رؤيتها. يريد أن يرى كيف ستستقبل والدها. تُرى هل ستحتضنه ام ستبكي له وتشكي عما حدث لها بغيابه. ينتظر بلهفة.. ودقات خافقه تجاوزت المسموح، حتى خرجت من غرفتها، تأتي صوب جلستهم بهدوء وخطوات رتيبة تعرف طريقها. خصلاتها مجمعة أعلى رأسها، وثيابها أنثوية هادئة تناسب اللحظة. قطع تأمله

صوتها البارد وهي تمد كفها: -حمد الله ع سلامة حضرتك. تمد كفها على طول ذراعها، يفصلها عن والدها طاولة عريضة، وعن قاسم خطوات بسيطة. قام الأب من مكانه واقترب منها مبهوتًا، متفاجئًا. يقف قبالتها، يحتوي وجنتها براحة يده، يغمغم بدفء أصاب قلبه قبل نبرته، وقد لمعت عيناه بفرحة حقيقية: -كبرتي ياحنين.

وابتعدت هي عن مرمى يده مصعوقة، وكأنه غريب. وبالفعل كان غريبًا عنها. أكثر من ثلاثة أعوام لم تره نهائيًا. كل مكالماتها معه كانت اتصالات صوتية فقط، وسريعة. حتى وقت أن طلبت رؤيته منذ عامين باتصال مرئي رفض، فلا وقت لديه لتلك الترهات. ولاحظ هو تشنج ملامحها وابتعادها. عبس قليلًا وتحرك غير مهتم، يجلس بجوار أبيه، يربت على المكان الخالي بجواره: -تعالي ياحنين اقعدي جمبي.

وكأنها لم تسمعه، جلست على الأريكة المقابلة له، لم تهتم بملامح وجهه التي تبدلت لأخرى عابسة، ولا حتى تحذير الجد لها بعينيه. حتى أنها لم تلحظ قاسم الجالس بالأريكة المجاورة. قاسم الذي يراقبها بعينين مترقبتين لأدنى فعل تقوم به. مستغربًا. لم يتخيل لقاءها بأبيها هكذا، سلامها عكس توقعه. كان سلامها باردًا، ملامحها جامدة كمنحوتة خشبية، عدا عن ابتسامة تشق ثغرها بدقة.. ابتسامة باهتة تبدو مكرهة عليها.

كانت تجلس هي بالمقابل، تتأمل والدها بنظرة جامدة، وقد انشغل بالحديث مع جدها. تتفحص هيأته، كان وسيم الطلة حتى ببلوغه عامه الخمسين، إلا أنه يحافظ على حلاوة قسماته. عيناه البنية ترمقها من حين لآخر بنظرات حانية لم تهتم بها أو تروقها. بعض تجاعيد بجوار ثغره، وتجاعيد أخرى بجوار عينيه تثبت تقدمه بالعمر، وشعيرات فضية متناثرة بكثرة أعلى رأسه.

شعرت بنظرات تخترقها. فالتفتت على حين غرة لتتفاجأ بقاسم يجلس بالجوار. رجف جفنيها، واختفت ابتسامتها الزائفة. عضت على شفتها بتوتر. أشاحت بنظراتها لأبيها ثانيةً دون تركيز بحديثه. وذلك الشعور القديم راودها من جديد، حيث ينتابها الخجل وتتسارع خفقاتها بحضوره. هي الآن تشعر باحتقان وجنتيها وبالتأكيد لاحظ هو. لما لا تنتبه لوجوده! الآن الجو بالصالة زاد حرارة.

ببطء عادت بنظراتها إليه، وجدته كما هو مثبت نظراته عليها، وعيناه تحمل نظرة غريبة لم تفهمها. واستفسار لم ينطق به. ***

"ليلًا". بالمبنى الذي يقيم فيه زياد، كانت يارا تقف أمام باب شقته، تتردد برن الجرس، خائفة من رد فعله. لا تعلم أن كان هدأ قليلًا أم ما زال على اشتعاله. تلك الليلة الرابعة لخصامهما، بالأحرى خصامه لها. وقررت اليوم مصالحته ومراضاته، حيث لا خصام يدوم أكثر من ثلاث ليالي. وأخيرًا أخذت قرارها، وسحبت نفسًا طويلًا لصدرها وهي تضغط على الجرس.

تنتظر رؤيته، تعلم أنه بالداخل فسيارته مركونة بجوار المنزل بالأسفل. ولم تنتظر كثيرًا.. فتح الباب بملل ونظرات متسائلة عن من يطرق بابه. ولكن ما إن رآها تحولت نظراته لأخرى حانقة والضيق بدا على وجهه. ينظر إليها بملامح جامدة، يزفر بحدة أحزنتها. غمغمت بخفوت ونظرات لائمة: -هتسيبني واقفة ع الباب كدة! ولم يهتم بلوم نبرتها أو شحوب بشرتها. يسألها بحدة وقد بدا مجروحًا: -خير.. جاية ليه.. مش اخترتي هناك وسيبتيني؟

تدافع عن نفسها بصدق: -أنا مقدرش أسيبك يازياد.. أنا كنت خايفة منك. رفع حاجبيه يسخر منها: -حوشي يابت.. لأ وإنتِ بتخافي أوي. طأطأت برأسها بخزي.. بين كل ثانية وأخرى ترفع نظراتها تبحث عن عناق. زفر بيأس قبل أن يلبي حاجتها ويجذبها في عناق أخوي، تشبثت به بالمقابل: -تعالي. وقد اشتاق لها أضعاف ما اشتاقت إليه، يربت على رأسها ولا تزال بحضنه، يشاكسها: -كدة تشمتي فيا نيرة.

كانت صامتة تستند بجانب وجهها على صدره عدا عن دموعها التي تسابقت على وجنتيها بندم وخزي. ترددت قبل أن تقول بنبرة خفيضة منكسرة: -محصلش بينا حاجة والله يازياد. -عارف. يؤكد بأفعاله على تصديقها: -روحت كسرت البيت ع دماغه. يشدد من احتضانها وقد شعر برجفتها: -متخافيش. أبعدها قليلًا عنه رغم رفضها البادي، وتمسكها بأناملها بقميصه بشدة. يمسح دموعها برفق: -هاخدك ونسافر يومين نحاول ننسى اللي حصل. وزادت هي بتقرير: -وناخد حنين معانا.

نظر زياد إليها رافعًا حاجبيه، فاغر فمه قليلًا قبل أن يسأل متعجبًا: -وده من امته!؟ طرقت برأسها تخفي ابتسامة صغيرة محرجة عنه، فهو يعلم بأنهما ليسا على وفاق. غيرت الحوار، توزع نظراتها بينهما بتساؤل: -هو إحنا هنفضل واقفين ع السلم؟ جذبها بيده للداخل: -تعالي.. هعملك عشوة عشان الصلح. وقبل أن يغلق الباب ويلحق بها سمعها تهتف بألم مصطنع ضاحكة: -اااه أهلاً بالتلبك المعوي. *** "اليوم التالي" "بشقة أكرم"

كانت نورهان تجلس على الأريكة تستند بوجنتها أعلى كفها، شاردة قليلًا بملامح عابسة، عيناها تائهتان بالفراغ وكأن بعقلها تدور حرب لا تعلم كيف تتصدى لها. تركت كل شيء خلفها، وعادت من جديد. بعد أن هيأت نفسها على حياتها الهادئة بدونه، بعد أن استسلمت لشعور النبذ، والخروج من جنته أو بالأحرى ناره. وتلك المرة هو من طلب.. وأقر، وأصر على العودة بكل الطرق. وهي من اعتادت النبذ والرفض منه دون سبب، ليأتي ويهدم كل شيء كانت تفعله من أجل الاستقرار بعيدًا عنه بفرقعة إصبع، حين جرها خلفه هي وشقيقها الصغير. شقيقها الذي رحب بالأمر. تخاف من تحوله، عودة أكرم السابق الذي أذاقها من العذاب ألوان.. كما أذاقها من الاهتمام والمراضاة أيضًا على طريقته. ماذا ستفعل إن تركها!

أو حنّ لماضي بوجودها معه ستحرمه منه! لم تكذب حين أسمته رجل التناقضات -الشيء وعكسه -. تخشى الرجوع لنقطة الصفر كما قالت له سابقًا وتهكم هو حينها. تنهدت لتنفث أفكارها، تلتقط أنفاسها المضطربة بفضل تفكيرها السلبي، وتعود لوقتها الحالي. صغيرتها ملك نائمة بجانبها على الأريكة بعد أن تعبت من اللعب، وشقيقها الصغير يجلس على أريكة بعيدة عنها قليلًا يلهو بهاتفه الحديث، يعبث بتطبيقاته.. منبهر، وذلك أقل وصف يقال عنه مع اتساع حدقتيه.

اعتدلت بجلستها تهتف باسم شقيقها تنتزعه من فرحته بالهاتف، تقول بجدية: -مجد أول ما أكرم ييجي.. هتقوله إنك عايز تروح البيت اللي هناك. عقد مجد حاجبيه بنزق طفولي، يهز رأسه رافضًا: -بس أنا مش عايز أروح. قلبت عيناها باستياء: -متخافش.. هترجع هنا تاني.. بس أهم حاجة تقوله. رفض بعناد وهو يعود بناظريه لشاشة هاتفه: -لأ مش هقوله. زفرت بحنق قبل أن ترمقه بنظرة غاضبة: -لو مقولتلوش.. هاخد الفون اللي إنت فرحان بيه أوي ده! اعترض بحدة:

-مش من حقك تاخديه.. عمو أكرم هو اللي جايبهولي. تهكمت: -وهو عمو أكرم جايبهولك لله وللوطن! تستكمل بكذبة وقد رأت ازدراده لريقه بخوف: -هو جابهولك عشان أنا قولتله. هز رأسه باستجابة وقد خاف من تهديدها، وافق مجبورًا: -طيب خلاص هقوله. ابتسمت باتساع وقد نالت ما أرادت: -شاطر.. بس أوعى تقوله إن أنا اللي قايلالك. أومأ بعد أن انكمشت ملامحه بإحباط: -حاضر. ***

وبعد وقت، كانوا ملتفين حول المائدة الأنيقة يتناولون طعامهم بصمت عدا عن صوت أدوات الطعام واحتكاكها بالصحون.. وبضع ابتسامات توزع من حين لآخر.. ونظرة جانبية مختلسة من قِبل أكرم لنورهان. كان أكرم يجلس بالمقدمة على يمينه نورهان وصغيرتها تجلس أعلى ساقيها، ويساره مجد. يلاحظ حرب النظرات الدائرة بين زوجته وشقيقها ولكن يفضل عدم التدخل.

ظلت نورهان تحذر شقيقها بعينيها، تضغط على أسنانها تشير له بأن يتحدث كما اتفقا. وأخيرًا تحدث مجد مرغمًا: -عمو... أنا عايز أروح بيتنا اللي هناك. عبس أكرم بتساؤل: -ليه؟ وانتظر إجابته، ولكن الصغير توتر وارتبك، يرسل نظرة متسائلة لأخته الجالسة أمامه فتقابله بطأطأة رأس. زاغت نظرات الصغير ولم يعرف بما يجيب بالأساس. نورهان اكتفت بأمرها بأن يقول كذا فحسب. سأله أكرم باستغراب وقد شعر بتيه الصغير: -مجد... إنت عايز تروح هناك بجد؟

حينها جاوبه الصغير وقد أطلق للسانه العنان: -بصراحة لا.. نور هي اللي قالتلي أقولك يا إما هتاخد مني الموبايل اللي إنت جايبهولي عشان هي اللي قالتلك تجبهولي. وأثناء كلامه برقت عينا نورهان تغمغم بخفوت من بين أسنانها: -الله يخربيتك. وفور انتهاء الصغير من الكلام، ناوله أكرم كوبًا من الماء البارد يهدئه، بينما يرمق الجالسة بجواره بحاجب مرفوع وقد نال منها. احمر وجه نور بشدة وارتبكت، كادت أن تغص بطعامها.

فعاجلها أكرم بنبرة متسلية: -إيه.. اجيبلك مية إنت كمان! أحنت رأسها وشعرت بالعرق يتصبب منها تتلعثم بشكر لم يصله، وكل ما تريده بتلك اللحظة الهروب من أمامه. لحظة، لحظتان.. لحظات متتالية ورفعت رأسها تنظر إليه وقد تحول وجهها للون قاني إثر ارتباكها البالغ. كان لا يزال على حاله بحاجب مستفز مرفوع وشبح ابتسامة، فتبسمت بتوتر تحني رأسها ثانيةً بحرج شديد. ***

هو أكبر مخاوفها.. وهي فتنته. وفتنته تجلس أمامه على سريرهما الخاص، تقرض أظافر يدها بتوتر، حيث أنها عادة تلازمها كلما توترت أو شردت بشيء. عادة سيئة لم تستطع التخلص منها. تزم شفتيها وهي تراه يخرج من الحمام الملحق بغرفتهما عارٍ الجذع مرتديًا بنطال بيتي مريح، يجفف خصلاته الفحمية بمنشفة. هيأته بتلك اللحظة جعلت الاحمرار يزحف لبشرتها. بتلك اللحظة.. هو فتنتها، وهي أكبر مخاوفه.

أكبر مخاوفه بالتأكيد، لما لا تصدق اهتمامه، تغيره الملموس، صدق نيته! حسنًا من التبجح أن ينكر بأن له تاريخ حافل من الخذلان وانعدام الثقة. ملامحها الشفافة معبرة جدًا.. واضحة، يكاد يقرأ صفحة وجهها بوضوح. لما تريد الذهاب لحارتها القديمة، بيت أهلها! وسؤال كان بداخله أخرجه بصوت مسموع وهو ينظر لها بنظرة ثاقبة عبر المرآة: -عايزة تروحي هناك ليه؟ ردت بشيء من العدائية، تنتفض بجلستها بتحفز تعلن الهجوم:

-أنا من حقي أروح هناك بأي وقت أعوزه. عقد حاجباه، لم تعجبه النبرة ولا الهيئة المتحفزة. هتف بحزم ونبرة أجشة جدية: -بالراحة.. إحنا مش بنتخانق. وحزمه جعل تمردها وهجومها يتقهقران. تعتدل بإحباط، تقرض أظافرها بيدها. تفند أسبابها ودوافعها: -عايزة أشوف المكتبة، وأطمن ع البيت.. أنت خدتني ومكنتش عاملة حسابي. ظل على ثباته، يتشبث بالمنشفة أعلى كتفه يشد منها الدعم بوقفته: -ولما تطمني ع البيت، وهتشوفي المكتبة... إيه هيتغير؟

يتابع بجفاء وليد اللحظة: -مفيش حاجة هتتغير يانور... لا البيت هترجعيه تاني ولا المكتبة هتقفي فيها تاني. إحباط، واختناق يصيبان صدرها، تهز رأسها بيأس. تتنهد قبل أن تردد بتقرير: -فكرتك اتغيرت. رفع حاجباه متعجبًا: -ياسلام.. عشان مش عايزك تروحي هناك يبقى أنا وحش! يشير على صدره بسبابته بجمود ونزعة حمائية: -فكرتيني اتغيرت..! يعني ميمشيش معاكي إني غيران! للحظة ألجم لسانها عن الرد، وقد فاجأها باعترافه. تتمتم بسؤال مستغرب:

-غيران؟ وقد لاحظ اتساع حدقتاها، والمفاجأة على وجهها، فيزيد من اعترافه ببساطة: -اه غيران... هو أنا مش راجل ولا إيه؟ وبغباء منقطع النظير سألت بفاهٍ فاغرٍ: -غيران من حامد. ثار بعنفوان: -متتطقش اسمه. يزيد بتجهم قسماته: -ثم أنا هغير من حامد! واخر كلامه كان بازدراء واضح، حيث لا مقارنة تجمعه بأي شخص آخر. لانت نبرته بالاخير. يدس باقي اعترافه برأسها الصغير ضحل التفكير: -أنا غيران عليكي. -عليا!

كانت دهشتها عابرة للقارات، منظر الصدمة الجلي بنظرتها وحاجبيها اللذان ارتفعا لمنابت شعرها، جعله يضحك، ولكن كتم ضحكته بداخله حفاظًا على الهيبة. يُلقي بالمنشفة المبللة جانبًا، يعيد ترتيب خصلاته بيده. يتحدث: -وعموما عشان أثبتلك إني اتغيرت... هنروح ياستي هناك بكرة. سألته بإبتسامة ناعمة، رغم اندهاشها: -هتيجي معايا! يؤكد وهو يقترب: -طبعاً هاجي... المرة اللي فاتت كنت هجيبلكو اتنين لمون... المرة دي بقى هجيب المأذون.

ضحكت باتساع ملء شدقيها.. ضحكة كانت صافية بالفعل. ردوده، مفاجآته، هيئته الرائعة وقد زادته ردوده المشتعلة وسامة فوق وسامته. رائحة صابون استحمامه والتي بالسابق كانت تزكم أنفها الحساس، الآن باتت تعجبها. وفوق كل هذا يغار.. يغار عليها! حمقاء هي.. بالتأكيد حمقاء ذات قلب أحمق بجدارة. وتلك المرة الأولى التي تعجبها حماقتها. شرد بضحكتها، فابتسم.. ولكنه غمغم بضيق مصطنع وحاجب مرفوع: -لا والله!

ترفع كفيها أمامها باستسلام. وتلك من المرات النادرة.. بالأصح المرات المعدومة التي يكون بها خفيف الظل هكذا: -أسفة، بس وانت بتقولها شكلك ضحكني. وانتقلت ضحكتها إليه، لتعلو ضحكته هو الآخر، يهز رأسه وقد بات على آخره. ولكنه قرر الصبر، حيث أنه تيقن، وتأكد من أن حياتهما لن تستقر أو تعتدل بالفراش.. بل بالحياة نفسها ومقابلة المواقف معًا. يهمس لها ومازالت نظراته مثبتة عليها، تخترقها حتى العظام: -ماشي...

أما أشوف آخرتها معاكي إيه؟ *** صباح الجمعة، بغرفة كمال. "عروس خجول" حيث أن بحكايتهما هي الخجول وهو من استلم دفة القارب وتحريكها وفقًا لأهواء بحره. وبحره لم يكن هائجًا وبالتالي لم يكن راكدًا...

بل معتدلًا كأمواج البحر بالصيف، يناسب وضعهما المستقر حاليًا. عروس.. حتى وإن كانت متزوجة من شهور.. ولكن بتلك الفترة، وهو الزوج المتحكم بمراعاة وبامتياز مع مرتبة الشرف وختم الخبرة. صاحبة الدلال، وصاحب الذوق الرفيع. هو رجل يجيد الاحتضان، وهي أدمنته بفضله.

تقف أمام المرآة تلف جسدها بمئزر زغبي أبيض اللون وهو خلفها للتو خرج من الحمام يرتدي كامل ثيابه. تقف بملامح مشرقة، تلهو نفسها عنه وعن نظراته المتفحصة الجريئة، تستعمل مجفف الشعر خاصتها، ترتسم على ثغرها الرقيق ابتسامة، فتبتلعها مداراة عن نظراته المراقبة. تمامًا لا تعلم متى ذابت به هكذا.. أو حتى هو.

عاطفتهما بالأمس، وسابقه، وسابق سابقه كانت صادقة. بالسابق.. بالفترة الماضية قبل أن تغادر منزله كانت العلاقة غير سوية بينهما. كان هو متلهفًا وكانت هي عادية حد الاختناق. كانت تستقبل عواطفه، مشاعره.. احتياجه كرجل ببرود. أما الآن فهي ترد صنيعه الضعف، تمنح بقدر عطائه بترحاب.

يتوجه صوب فراشهما، يجلس عليه، يتأملها بصمت وابتسامة متسلية. فتورد وجنتيها ينعشه، يروقه.. خجلها يعزز رجولته والتي تناقصت وتأثرت بالفترة السابقة بسبب رفضها له. يفرد ذراعه ويرفع نظراته إليها بجراءة أقرب لوقاحة وابتسامة متلاعبة. قليل الأدب.. هتفت بها بداخلها وهي ترى نظراته الجريئة. تعض شفتيها وهي تغض البصر عنه وعن تصرفاته...

ونظراته. وللأمانة هي مثله قليلة الأدب لأنها تعجبها قلة أدبه. تراه يتحرك صوب الدولاب، يفتحه يخرج منه عباءة واسعة بلون أرجواني ووشاح يماثلها لونًا. يضعهما برفق أعلى الفراش. يأمر بلطف: -البسي دول. تعقد حاجبيها باستفهام: -اشمعنى؟ يبرر وهو يقترب، يقف بجوارها دون تلامس: -إنهاردة الجمعة... إنهاردة كلنا هنتغدى تحت في بيت جدي. ابتسمت بعذوبة، تضع المجفف جانبًا وقد انتهت من تصفيف خصلاتها الناعمة: -ياااه.. من زمان متجمعناش تحت.

يمرر أنامله بلحيته، ينظر لانعكاسها بالمرآة: -الغدا إنهاردة.. واللمة ع شرف عمي عماد. يتابع، والنبرة ذات مغزى: -لو مش عايزة تنزلي.. ونفضل هنا براحتك. احتقنت بشرة وجهها. هتفت تقطع أفكاره المنحرفة: -لا لا عايزة أنزل طبعًا. ***

وبعد صلاة الجمعة وعودة الرجال من المسجد.. متجمعون حول المائدة الطويلة ببيت الجد، حيث أن الغذاء يوم الجمعة يكون مبكرًا إن تجمعوا. والعزيمة اليوم بعد انقطاع دام لأشهر بفضل الابن المغترب. يجلس على المائدة بجوار القاسم أبيه، من حين لآخر يربت على كف أبيه. يتبادلان أحاديث عادية وأخرى محورية، وبعض أحاديث عابرة عن حياته هناك.. وإجابة قاطعة برفضه للاستقرار هنا، حيث أن من جرب الغربة لا يستطيع الفكاك من تشابك خيوطها. واليوم عُقد العائلة مجتمع عدا عن زياد، ولكن وجود ابنه يُغنيه عن الجميع.

الجميع يجلس بمكانه على المائدة عدا عن فاطمة والتي قامت بالطهي من الصباح، يساعدها كمال بوضع الأطباق على الطاولة. تقترب فاطمة من حنين بجلستها، تبدو غير مهتمة ظاهريًا وهي تضع أمامها طبق من أصابع الجلاش المحشو يختص بها هي وحدها لأنه طبقها المفضل. وضعته تتحدث بنبرة عادية رغم ارتجافة نبرتها أنه لها، فابتسمت حنين برقة وحبور تغمغم بشكر، وأشرقت ملامحها قليلًا تعلم بأن إعداد الطبق وإحضاره لها ما هي إلا بادرة صلح وتقبلتها هي بترحاب شديد. وقاسم يراقب الوضع بالجوار فابتسم هو الآخر تلك الابتسامة الرائعة والتي نادرًا ما يبتسمها. يشعر بأن الأمور تلك المرة تسير وفقًا لأهوائه.

رمق عماد الطاولة أمامه منبهرًا، يتمتم بحبور صادق: -إيه ده كله ياحاجة فاطمة.. تعبتي نفسك أوي. صدق نبرته واتساع عيناه بإعجاب أشعرها بالزهو تُجيبه بود خالص: -وهو أنا هتعب لأعز منك! تمسك بإحدى الأطباق تضع به مالذ وطاب من الأصناف المتنوعة أمامها على المائدة ثم تناوله إياه. ومن ثم تقوم بما تفعله بالتبعية كعادتها هي إطعام الجميع وهي بالأخير. حديث جانبي مرح بين الشباب قطعه الجد وهو ينظر إليهم بفرحة حقيقية:

-متجمعناش من زمان ع الغدا. أمنت فاطمة على كلامه تستوقف بـ غصة في حلقها: -ناقصنا زياد... وتبقى اللمة كملت. سعلت نيرة بحرج ما أن أتت سيرته. ينتابها حنين، وتلك الهرمونات الغبية الخاصة بأواخر حملها تطالب به وبشدة. أخفضت وجهها وقد تلون بالحمرة خجلًا وحرجًا. لينهرها كمال وقد لاحظ احتقان شقيقته: -ماما... تغمغم فاطمة مستسلمة: -خلاص هقفل بوقي أحسن.

استكملوا الأكل بشهية تامة، عدا عن عماد كان قليل الأكل يتبع حمية وبالتأكيد كثرة الأكل الدسم أمامه سيفسدها. يراقب ابنته الجالسة قبالته يسألها باهتمام: -مبتأكليش ليه ياحنين؟ لم يصلها صدق اهتمامه، ترفضه. رفعت حاجباها مستغربة، ترد باقتضاب: -باكل! حمحم بتوتر يجذب انتباههم: -احم.. عندي خبرين واحد وحش والتاني حلو. غمغم كمال بخفوت متوجسًا: -استر يا رب. بينما ردت فاطمة، والجميع ينظر إليه بانتباه: -ابدأ بالوحش عشان نهدا بالحلو.

-الوحش أن أنا للأسف إجازتي قربت تخلص.. قدامي أسبوع وأسافر. عم الإحباط على وجوههم وخاصةً الجد، يبتلع طعامه بصعوبة. وقد خبتت اللمعة بعينيه وعاد الحزن يحتلها من جديد. -طب والحلو؟ سألته فاطمة رغم القلق الذي انتابها، فأجاب مبتسمًا يوزع نظراته بين الجميع: -أن أنا هاخد حنين معايا. التفت الرؤوس صوب قاسم، يرون الصدمة جلية على ملامح وجهه. ولكن كمال سأل بعدم فهم: -هتاخدها إزاي مش فاهم؟ يتحدث بإبتسامة ثابتة، يضع

الجميع أمام الأمر الواقع: -هاخدها تستقر عندي... وكمان جاي ليها عريس. يزيد بضحكة متسعة، يثرثر بمعلومات إضافية رغم عبوس الجميع أمامه: -ابن مهندس زميلي هناك... الولد مهندس بترول لسه متخرج من سنتين. هتفت فاطمة من بين أسنانها: -هي دي أخبارك الحلوة دانت أخبارك تسد النفس. سألته يارا بضيق: -طب ودراستها ياعمو؟ يجيب ببساطة بنبرة عملية: -أنا هحولها هناك... هسأل وأشوف الإجراءات إيه.. هناك فرصتها فالتعليم والمجموع الكبير حلوة.

هل ارتجف فعليًا أم يخيل إليه.. كاد أن يغص بطعامه. يرمق عمه بصدمة ونظرة غائمة، يحاول تمالك أعصابه قدر الإمكان. يقبض على كفيه محاولًا لجم ثورته ولم يستطع ليسأل عمه بحدة: -وانت إزاي تديله لينك الأكونت بتاعها اللي فيه صورها! لم يهتم عماد باللوم والتقريع. يحتد بنبرته بالمقابل: -جرى إيه ياقاسم هو تحقيق!

نقل قاسم نظراته من عمه لحنين الصامتة أمامه باستفزاز أشعل فتيل غضبه، وود أن يزأر، يعترض، يجرها من خصلاتها وليجرأ من يعترض. ولكن اكتفى بانتصاب جسده الغاضب، يشيح بكفه ووجهه عنهم جميعًا: -لا مش تحقيق. يسحب هاتفه الملقى جانبًا لتستوقفه فاطمة برجاء: -كمل أكلك. ولكنه كان بالفعل يتحرك، يهدر بعصبية: -طفحت خلاص. ***

ظل يدور حول نفسه بغضب، وقد تملكه الجنون. ففور أن ترك بيت جده صعد إلى سطح المنزل، وتبعه أكرم يحاول تهدأته ولكن فشل. جلس على كرسي خشبي بالجوار يتأمل نوبة غضبه، بوادر ثورته، حتى الحمام وقت رؤيته هكذا حلق بعيدًا، يكاد يجزم بأنه هرب ولن يعد ثانية. يدور على سطحية المنزل بجنون.. يصرخ ويشتم، ويتوعد.. وانامله تكاد تقتلع خصلاته من جذورها. امسك أكرم مقدمة رأسه، يصيح به بنفاذ صبر وقد تشوشت رؤيته: -بس بقي دوختني.

وقبل أن يرد قاسم عليه.. دخل كمال من باب السطح الموارب أمام ناظريهما. هادئ الملامح وكأن ماحدث منذ قليل لم يحدث، وكأنه لم يشهد على خذلانه للمرة الثانية.. أو المرة التي لا يعرف عددها. هدر به قاسم بهيجان بعدما اقترب منه: -شوفت... سمعت عمك بيقول إيه! سحب نفس قصير واحتبسه، يرد بهدوء: -شوفت، وسمعت. واستفزه بروده. صرخ قاسم بقهر: -طب واحنا هنسيبهالو كدة! أردف كمال قائلًا: -حقه. هتف قاسم متعجبًا: -حقه!

يتابع وعيناه اتسعت على آخرهما وقد أصبحت بلون الدم القاني: -حقه إزاي... هو يرمي واحنا نربيهاله، وبعدين ياخدها ع الجاهز! بسط كمال ذراعيه يوضح بمنتهى البساطة: -بالظبط.. لو قال أنه عايزها معاه.. محدش هيقدر يمنعه. يزيد بتشديد حروفه: -دي بنته.... حنين عماد القاسم. يستكمل كلامه، بغض النظر عن صراحته.. حدته، ولكن خير الأمور حسمها: -إحنا حي الله ولاد عمها... درجة تانية. حينها اقترب أكرم منه، يلكزه بكتفه. ينبه بخفوت:

-انت بتقول إيه ياكمال... بدل ما تهديه! التفت له كمال قائلًا بحزم، يرسم بأصابعه إطارًا لصورة في الهواء: -بالعكس أنا بوريه الصورة كاملة. يزيد بإصرار: -بعرفه اللي ليه واللي عليه. لم يبالِ قاسم بحديثه. اشتدت ملامحه تجهمًا: -أنا هنزل أتخانق معاه... حنين ليا أنا ومش من حقه يجوزها لحد غيري. يمنعه من التحرك يدفعه بكف يده بصدره. يثبت نظرته بخاصة أخيه: -لا هتنزل ولا هتتكلم معاه. يضع الأمور نصب عينيه:

-المرادي.. انت مش هتعمل حاجة. يفند الأسباب، يقنعه بإصرار: -المفروض هي اللي تعمل... تتعب عشانك. يزيد بصدق بالغ ومحبة أخوية دون تزييف: -انت مش قليل عشان تفرض نفسك عليها، انت مشيتلها بلاد وهي مكلفتش نفسها بخطوة. كلام كمال له ومواجهته بحقيقة أمره كان أشبه بسكين ثالم يضع فوق نحره. شعر بألم شديد بصدره، تحديدًا مكان خافقه وكأن أحدهم ضربه بقوة فوقه، عدا عن الحريق الذي نشب بصدره ولم ولن يخمد. غمغم بحرقة،

نبعت من حريقه الداخلي: -وافرض. قاطعه كمال بحزم، يربت على كتفه يؤكد بأنه الداعم: -مش هفرض حاجة قبل أوانها... كل اللي هيحصل هيكون لمصلحتك انت بالنهاية. ***

قهوة صباحية مُرة، رابطة عنق، بنطال كلاسيكي وقميص أنيق.. ساعة معصم جلدية باللون الأسود من نوع فاخر. صباح روتيني بامتياز.. حيث أن حياة أكرم أشبه بالرتابة على عكس حياتها تحيا اليوم بيومه. يستيقظ بالثامنة، يبدأ يومه باستحمام سريع يزيل به آثار نومه وفوضته، رياضة صباحية خفيفة حيث الحفاظ على أناقته ولياقة جسده مطلوبان وبشدة.

باتت تحفظ نظامه وأسلوبه كخطوط يدها. كانت تقف بالمطبخ تعد قهوته لحظة دخوله متجهمًا، يرتدي ثيابه ولكن ببعثرة غريبة عليه حيث أن قميصه خارج عن بنطاله، ورابطة عنقه متجعدة بيده، ألقاها أعلى المائدة أمامه، يجلس بارهاق على الكرسي، منهك، حيث أنه طوال الليل لم يغفو ولو دقيقة واحدة.

بالأمس كان يتفحص موقع التواصل الاجتماعي بلا اهتمام كعادته، يمرر بأصابعه المنشورات والأحداث بلا مبالاة إلى أن وصل لمنشور لإحدى الصديقات منذ أيام الجامعة ولم يستطع تجاوزه. منشورها كان مباركة وتهنئة وأمنية بخطبة سعيدة، وصدمته كانت جلية وهو يقرأ دون صوت اسم المشار إليها "جيلان". من وقت أن افترقا، ورمى يمين الطلاق غيابيًا وأخذت حقوقها كاملة منه، لم يرها، أو حتى يتتبع لمعرفة أخبارها، وكأنه نساها في خضم معركة رجوع نورهان إليه. حقيقةً لا يعرف ما ضايقه فعلًا!

خطبتها أم تجاوزها له..!! ارتباطها بآخر أم نسيانه.!! يضغط على اسمها ليدخل حسابها، تفاجأه بصورة شخصية وضعتها منذ أيام لها مع خطيبها الجديد. تبدو أكثر حلاوة.. رشاقة، شعرها الأسود منسدل بطوله على ظهرها بلمعة حلوة وملامح وجهها كانت مشرقة، يبحث بعينيه عن أي عيب بمن يلتصق بها في الصورة، غير مميز رجل كسائر الرجال، بشرة سمراء وجبهة عريضة وعوينات تخفي لون عينه وشكلهما.

يسحب الشاشة لأعلى.. تفاجأه أغنية وضعتها بالأمس تشاركه بها.. "حبه جنة". شتم بخفوت رغم سخريته بداخله منذ متى وهو "حبه جنة"؟! والعديد من المنشورات الرومانسية، وإشارة واضحة بإحدى المنشورات بأنها وجدت الرجل الحقيقي. وأخيرًا..!! أكان عصا مكنسة أمامها حتى تقل منه هكذا على العام.

رفع رأسه المتجهم عن هاتفه، ليفاجأ بقدح القهوة المتصاعد بخاره أمامه، ونور تقف مكتفة ذراعيها بصمت تراقبه. تناول الفنجان أخذ رشفة ثم وضعه دون اشتهاء لتكملته، يسألها: -مش هتفطري! تعيد خصلاتها خلف أذنها، تجيبه بإبتسامة: -هفطر مع ملك ومجد لما يصحوا. اعتدل بجلسته، يرمي بثقل جسده كله على الكرسي. يزفر بضيق وتعب: -مش عايز أروح الشغل انهاردة. خفق قلبها بعنف واقتربت منه تتحسس بشرة جبهته، تسأله باهتمام شاب نبرتها:

-انت تعبان ولا حاجة! وتلك الحركة العفوية التي فعلتها، جعلته يغمض عيناه.. يتلذذ بقرب بات مبتغاه. صدقًا هو لا يعرف لماذا هو غاضب؟! فلتخطب أو تذهب للجحيم حتى.. هو الآن يحدد مشاعره، متأكد من أنه يريد تكملة المتبقي من عمره مع الواقفة أمامه دون غيرها. من الممكن أن يكون سبب ضيقه هو تجاوزها له بتلك السرعة.. كذبها والتي لطالما تشدقت أمامه بكلمات الحب والهيام وأغنية "حبه جنة".

جذبها نحوه بتملك، يمسك بكفها بعد نظرة ثاقبة مثبتة على وجهها يستند عليه كي يقف، ثم سحبها خلفه تسير ورائه باستغراب وهو يعيدها لغرفة نومهما. اقترب من السرير ليجلسها عليه تحت نظراتها المتسائلة بارتياب. يستدير نحو الجانب الآخر يرمي بثقل رأسه فوق ساقها الممددة. يجذب كفها الناعم مرة أخرى يضعها برفق فوق خصلاته يأمرها بلطف أن تعبث بها. نفذت أمره وهي تمرر أناملها الرفيعة بشعره الكثيف بنعومة، يغمض عيناه بتأثير تمرير أناملها برأسه وتدليكها الناعم.

ظلا صامتان على حالتهما لحظات قطعته هي تهمس بتساؤل: -اللي حصل مع قاسم امبارح هو اللي مضايقك؟ فتح عيناه فجأة، يرمقها بعبوس وخبر آخر شغل عقله وأنساه قاسم وموضوعه. سرعان ما انحل عبوسه ليستبدله بضحكة كانت رائقة: -أنا واثق إن قاسم منامش طول الليل... تلاقيه دلوقتي عمال يلف حوالين نفسه. يتخيل هيأته، ثورته.. فيضحك متنهدًا، يهمس بنبرة غريبة: -الحب ده مشكلة. يؤكد بعد زفرة قوية: -مصيبة.

سكتت تتأمل ملامحه، تمرر أصابعها برتابة بين شعره، أحست بأن هناك أمر آخر يشغله، فسألته بترقب، وخفقات مضطربة: -في حاجة تانية مضايقاك غير موضوع قاسم؟ ينفي دون ثرثرة: -مفيش. وبعد لحظة سكون، انتبه.. غمغم: -لو مضايقة أنا ممكن أقوم؟ وسرعان ما هزت رأسها تنفي، تهمس بلهفة صافية: -لا خالص... بالعكس. توردت وجنتيها بخجل طفيف جعلها بتلك اللحظة شهية للقضم، تعض على شفتها بحرج وقد بالغت برد فعلها كالعادة، وهو نظراته لا ترحم:

-قصدي يعني براحتك. عيناه تتوهجان ببريق عابث: -خلاص خلاص، اتفضحتِ وإللي كان كان. صاحت بنزق: -يووووه. للمرة الثانية بهذا الصباح يضحك ضحكته الرائقة، الرائعة بنظرها، يستسلم بـ غمزة: -خلاص متزعليش.. معنديش مانع أستر عليكي وأتجوزك. رفعت حاجب مذهول، تجاريه في العبث: -ده كرم كبير أنا مش قده الحقيقة! زاد من ضحكاته، يعتدل برأسه فيصبح بالمواجهة: -أنا كدة متعود أعطف ع الناس من فترة للتانية.

تبتسم باتساع وسط وهج عينيها الصافي، تتلاعب بخصلة تضعها خلف أذنها: -بتعطف بالجواز... دانت لقطة. يغمزها بنفس النبرة العابثة "المستحدثة": -والله أنا عايز أعطف بأكتر من كدة.. إنتِ اللي مش مديني فرصة. مزاجُه العابث، ومزاحه الحديث، وحتى تلك الغمزة الملازمة أمور غريبة على قلبها قبل عينيها وبقية حواسها. هدوء ملامحه السريع وروقان ضحكته تخبرانها بوضوح بأنها ذات الفضل بالتغيير. مطت شفتيها قبل أن تهمس: -شايفة إن مزاجك راق!

ولم يكن استفهام قدر أنه أمر واقع. فتعجب بداخله منذ قليل كان حانق، يشعر بضيق.. والآن رأسه على ساقها، يضحك دون هم ونسى الأخرى! رفع رأسه عن.. عيناه فاضت بعبث ونظرة أخرى لم تستطع فهمها: -طب مانكمل الروقان وتقومي تقفلي الباب. بالتأكيد الحرارة المنبعثة من وجهها احتقان، حمرة خجلها لذيذة جدًا. نوى عدم الانتظار وتحرك يغلق هو الباب، لتأتي ملك الصغيرة تفرك بعينيها بنعاس، تلج غرفتهما بتعثر خطى وهي تهتف ببراءة: -بابي.

تحمل دمية تشبهها، تتمسك بغطاء السرير تريد الصعود فيحملها هو عابسًا، فتضحك هي على هيئته تقرص وجنتي الصغيرة برقة. فيهتف بضيق مصطنع: -علفكرة إنتِ اللي هتندمي. يزيد بترفع ورأس شامخ بغرور: -كان قدامك فرصة تشوفي أكرم لما يكون رايق. تابعت ضحكاتها، هذا الصباح أجمل صباح مر عليها منذ لحظة ولادتها. محظوظة هي اليوم.. هتفت تبتعد: -أنا فقرية.. عارفة نفسي. ***

أعصابها هشة، حيث الصراع الدائم بين العقل والقلب، والغلبة للمشاعر. تلعن غباءها للمرة الألف تقريبًا وهي تقف أمام بابه، تسب دون صوت؛ ولعنة تصيب يارا وألف لعنة تصب على رأس زياد. أعصابها مشدودة تستنكر وبشدة مجيئها، وندمت أشد الندم ولكن جاءت وانتهى الأمر بل وضغطت على الجرس بالفعل. تستمع لصوت خطواته المتثاقلة من الداخل قبل أن يفتح زياد الباب على اتساعه باندفاع. وطبعًا بالبداية ملامحه كانت غاضبة، ولكن سرعان ما تبدلت لنظرات غير مصدقة، وجهه يترنح بين شحوب المفاجأة وحلاوة اللقاء. اتساع عيناه يوشي بصدمته، ومفاجأته، مفاجأته برؤيتها، مفاجأة حلوة. يلهث بأنفاسه، والصورة أمامه تكتمل بوضوح، نيرة أمامه، أمام بيته تقف على بابه.

لم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبها بعناق. احتضان وفي قانون الغياب أشبه بتكسير عظام. واستسلمت هي دقيقة وانفاسه الساخنة تضرب بشرة وجهها بشدة، شدة تتناسب بشكل جيد مع هرموناتها بتلك الفترة. وفي الدقيقة الثانية انتبهت.. استاءت، والغلبة للكرامة، تملصت من بين يديه وكان عناقه أقوى فلم تقوى على الفكاك. وإعادة الكرة تبتعد، تطالب بالإفراج عن خصرها. فابتعد مبهوتًا، وانثنى شدقه بإبتسامة بلهاء غير مدركة لوجودها تناسبه بـ هاته اللحظة.

يمسك بكفها لا يتركه.. يسأل بلهفة وعيناه تهبط بشكل تدريجي إلى بطنها المنتفخة: -إنتِ رجعتي؟ يتابع بلمعة عين: -رجعتيلي! اعترضت، تبتعد خطوة عن محيطه، وأنفاسه: -لأ.. أنا جاية عشان حاجة تانية. عقد حاجباه بتساؤل: -ليه. يزفر بقوة، يبتسم ثانيةً: -مش مهم، المهم إنك جيتي. خصلات شعره مبعثرة، ذقنه نامية دون تشذيب.. ولكن للأمانة ووفقًا للهرمونات الغبية كان أشد وسامة من ترافولتا. تعيد على نفسها الأحداث، تطالب بكرامة مرهقة..

ترتدي الوجه الصلب: -جاية عشان أكلمك عن يارا. تسائل بقلق: -مالها يارا؟ تسرد عليه حالة شقيقته باستياء: -يارا يازياد... هتفضل لأمتى تعاملها بقسوة كدة! -قسوة! يردد الكلمة، حيث أنها نطقت القاف قاف بتفخيم، فردده ببلاهة أصابت عقله. تستطرد بحديثها: -أوك.. هي غلطت بس إحنا كلنا بنغلط... وانت كمان بتغلط. فاهٍ مفغور على آخره.. وأعين متسعة بغباء وهو يستقبل كلامها. تزيد من توبيخها: -مش كل ما تجيلك تطردها وترجعها عندنا معيطة.

تعاتبه، تقرعه بلوم.. وهو على حاله يسأل ولازالت الرؤية مشوشة: -يارا مين اللي بطردها.. وبعاملها بقسوة وبرجعها معيطة... يارا أختي! يميل عليها بطوله.. يشير على رأسها بحركة دائرية: -إنتِ مين قالك الكلام الأهبل ده! كانت تراقب ملامحه المندهشة بكلامها.. بدأت أن تشعر بالقلق. فأجابته مبهوتة: -يارا.... اشتكتلي وطلبت إني أجلك عشان تهدأ من ناحيتها.

بدأ أن يلتقط طرف الخيط فأمسك به، تربيته، شقيقته الصغيرة تقريبًا تحاول وصل العلاقة بينه وبين نيرة بخدعة. لا ينكر إعجابه بدهائها فانثنى ثغره بإبتسامة ماكرة، وقد ازداد البريق العابث بعينيه: -آه يانيرة... قوليلي بس أتجاوز اللي حصل إزاي؟ يتابع وهو يسبل أهدابه بخبث، يصطنع التأثر بنبرته: -دانا مبنامش بالليل.... مش قادر أسامح نفسي.

يجذبها مرة أخرى لأحضانه، يثبتها بكفيه من ظهرها تحت تأثير صدمتها واحساسها بالغباء، يربت على ظهرها يتلمسه شاكرًا لدهاء الأخرى: -ياحبيبتي يارا. تتحرك بعنف بين ذراعيه، تنوي الابتعاد ولم يسمح، تصيح به بحدة خافتة: -بس يازياد.. ابعد بقى. والضغط زاد. غمغم بعبث: -لأ أصل أنا لما بعيط لازم حد يحضني. تنهره: -انت بتقول إيه. على وضعه يتلمس ظهرها بأنامله صعودًا ونزولًا: -خليكي بس...

أصل وأنا صغير النور كان قطع فجأة وكنت لوحدي فروحت حضنت الشغالة. تهتف بسخط من بين أسنانها: -شغالة! ويظل العابث عابث حتى بالجحيم: -شغالة بس مزة. تنظر حولها بحرج على الرغم من خلو الدرج واستعمال معظم سكان المبنى للمصعد.. إلا أن الحياء تملك منها. تنهره بإبتعاد: -ابعد احنا ع السلم هتفضحنا الله يخرب بيتك. أبعدها قليلًا، ينظر حوله تمامًا كما فعلت، يؤكد وه يسحبها من كفها يدفعها برفق للداخل:

-عندك حق.. تعالي جوة أكملك موضوع الشغالة عشان تبقى عارفة كل قاذوراتي. ودون موافقتها أغلق الباب. ومن وراءه سُمع صياحها: -افتح الباب أحسن لك. ليعلو صوته العابث فوق صوتها والغلبة له، والاستماع للجيران: -عليا الطلاق ما إنتِ خارجة م الباب ده غير وانتِ رايحة تولدي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...