ياجدي.. أخبر حفيدك ألا يحاسبني على ما أرتديه، فبنات عمي وأخته يرتدون ما يريدون دون أن ينتبه عليهم أحد! قل له ألا يمرر لي الطعام على المائدة، وألا يطعمني الحلوى التي أحبها بيده.. فجميعهم يظنون أن بيننا علاقة. أخبره أن يكف عن ملاحقتي، فصديقاتي يتغامزون فيما بينهم. وإن عاتبته يصطنع البراءة وهو يقول "صدفة"! وألا ينتظرني صباحًا كل يوم ليسألني بلهفة "كيف حالي". أخبره عني أن حالي أفضل من حاله.
أخبره أن يتركني وشأني، لا دخل له بمن أرافق أو ماذا أدرس أو متى أعود من دراستي. وألا يتدخل في أموريَّ الخاصة، فلقد سئمت تحكماته وأوامره. فأني أحب أن آخذ أموري دون الرجوع إليه، وإن اعترضت قاطعني بنبرته الصارمة "لا أكرر كلمتي مرتين. انتهينا". أخبره أن يكف عن مناداتي بصغيرتي، فأنا لم أعد صغيرة. فليتوقف عن معاملتي كطفلته. أخبره ألا يهتم بي مطلقًا، فأنا لست بحبيبته! *** في العشق مهمة هي التفاصيل.. تلك التفاصيل الصغيرة!
ومن غيره مهتم بالتفاصيل، محب لكل تفاصيلها ويحفظها عن ظهر قلب. كان قاسم يجلس على إحدى الأرائك الوثيرة بمنزل جده. تجلس بجانبه يارا ابنة عمته وفي نفس عمر حنين. حنين التي تجلس أمامه تمسك هاتفها بيدها ويدها الأخرى تضغط بها عليه. ومن نظراتها المركزة على الهاتف وملامحها الشغوفة وابتسامتها الحالمة يبدو أنها تكتب شيئًا مهمًا أو تراسل إحداهن. ويارا أكلت رأسه بحديثها الذي لا ينتهي.
فياارا أيضًا ممسكة بهاتفها تطّلع معه على الموتورات الحديثة والسيارات تثرثر وتعرفه بإمكانيات هاتفها الحديث وأشياء أخرى لم ينتبه لها. فكل تركيزه كان مع تلك التي تجلس قبالته. زفر حانقًا متجاهلاً يارا وحديثها. ليضرب بأصبعيه على الطاولة الصغيرة الفاصلة بينه وبين حنين يقول باستياء. -أنتِ بتعملي إيه.. ولا بتكلمي مين أنتِ؟ هزت حنين كتفيها بغير اهتمام. -مفيش.. بتصفح عادي يعني. مد يده على طول المائدة وقال بصوته الخشن.
-وريني كده بتعملي إيه. رفعت هاتفها بعيدًا عن يده. وقالت بتذمر. -الله وانت مالك أنا بعمل إيه. تدخلت يارا في الحديث وقالت بتسلية وهي تلاعب حاجبيها لحنين. -أقولك أنا ياقاسم بتعمل إيه. أدار رأسه إليها فاهتم وسألها. -بتعمل إيه؟ اقتربت منه برأسها وكأنها ستقول له سرًا حربيًا. أخرجت لسانها لحنين وقالت مغيظة لها. -بتكتب رواية. ارتفعا حاجباه دهشة والتفت إليها. وبسرعة البرق كان يختطف منها هاتفها ويقرأ ما به.
نهضت حنين من مكانها وبحنق وغضب طفولي اقتربت منه وضربته على كتفه وحاولت أن تمسك بهاتفها ولكن قد سبق السيف العزل بالفعل. وها هو يقرأ ما تكتبه بتركيز واهتمام. -هقرأه وأقولك رأيي. قوست فمها بحزن وتمتمت. -لأ انت هتتريق عليا وع اللي كتباه. وبضجر أجابها وعيناه مرتكزتان على الهاتف. -قولتلك هقرأ وأقولك. خلاص بقى. كان يضيق عيناه بتركيز شديد وكأنه يحل مسألة حسابية صعبة. ملامحه غامضة.
فجأة انعقد حاجباه وارتسم الشر على ملامحه الرجولية. ليرفع نظراته المشتعلة إليها ويتساءل مستفهمًا غاضبًا. -مين قصي ده؟! وأجابته كانت بسمة. بسمة بسيطة حالمة وردية. تنهدت ثم قالت. -ده البطل بتاعي. وكأن التبسنه قبيلة من العفاريت. جعد بين حاجبيه أكثر وترك الهاتف جانبًا. وقبض فجأة على ذراعها وهو يزعق. -بطل على نفسه.. يعني إيه البطل بتاعي دي! تأففت بحنق. -بطل الرواية ياقاسم. كز على أسنانه وتحدث بعصبية.
-وليه قصي يعني.. ليه يعني البطل بتاعك ميبقاش اسمه أي اسم... مثلاً قاسم... مثلاً يعني. مطت حنين شفتيها غيظًا. -قصي اسم حلو ويشد اللي بيقرأ. وهنا ارتفع ضغطه. وكور قبضته وهتف بنفاذ صبر. -ياسلام ما قاسم اسم حلو ويشد اللي هيقرا. ثم أكمل كلامه بأمر ونفاذ صبر وهو يناولها هاتفها. -غيري اسم البطل خليه قاسم يللا. عقدت ذراعيها. أخذت شهيقًا طويلاً واحتبسته داخل صدرها ثوانٍ ثم أخرجته دفعة واحدة كي تهدأ. سألته.
-طب إيه رأيك ف اللي أنا كتباه. وقاسم مواليد برج الثور. ويحمل كل صفات الثور. وكالثور أجابها. -زي الزفت. اتقفلت خلاص مش عايز أكمل. ثم تحرك من مكانه واقفًا أمامها بجسده المفتول وهو يقول باستياء وامتعاض. -قال قصي قال والبطل بتاعي قال.. دانتي مشفتيش بربع جنيه تربية. كانت يارا تضع كفها على فمها لتكتم ضحكتها. وما أن تحرك قاسم وتركهم. حتى انفجرت ضاحكة. لتمسك حنين بأحد الوسائد الصغيرة وتقذفها بها بغيظ. ***
كان القاسم الكبير يجلس على كرسيه المفضل له بالمنزل بجانب المكتبة الخشبية. وفي يده كتاب تفسير للقرآن الكريم. مندمجًا بقرائته. تجلس بجواره نورهان زوجة حفيده "أكرم" صامتة بعد أن تبادلا الأحاديث بينهما. انتفض من جلسته كمن مسته كهرباء. على صوت حفيده الخشن والغاضب دوماً. -ياجدي.. ناده قاسم قبل أن يجلس قبالته على كرسي خشبي جانبي. -بسم الله الرحمن الرحيم.. يابني حرام عليك.. أنا راجل كبير مش حمل إنك تخضني كل شوية بصوتك ده.
ضحكت نورهان بخفة وزفر قاسم وقد نفذ مخزون الصبر لديه. سأله بعصبية وقلة تهذيب بعد أن ألقى السلام على نورهان. -كلمتلي عمي عماد ولا لسه ياجدي. مححت نورهان بحرج ونهضت من مكانها. وقالت. -هروح أجيباكو الشاي. أومأ لها الجد سامحًا لها بالانصراف. ثم قال بتفهم وسياسة. -مش أنا قولتلك اصبر أما السنة تخلص!! ارتفعت نبرته. وثار داخله واقترب بجزعه من جده وقال بحده.
-لا السنة طويلة ياجدي وأنا تعبت وأنا بستناها.. كلملي عمي عماد يللا وهي كده كده موافقتها بالنسبالي تحصيل حاصل. قال الجد بضيق بادٍ بنبرته. -يعني إيه تحصيل حاصل.. قاسم انت عارف إن لو حنين قالت لأ كلمتها هتمشي! بغضب مكبوت ونبرة منخفضة تحدث ضاغطًا أسنانه بعنف. -مفيش حاجة اسمها لأ.. أنت وعدتني بيها زمان وأنا صدقتك. اقتربت نورهان من جلستهم تحمل بكفها صينية فضية صغيرة عليها كوبين من الشاي كان معدًا مسبقًا.
تحدثت بابتسامتها البشوشة. -اتفضل ياجدي.. الشاي زي ماحضرتك بتحبه.. وناولته الكوب وامسكته بين يده. ثم وجهت كلامها لقاسم وابتسامتها الناعمة الجميلة مرتسمة على ثغرها. وضعت أمامه الصينيه وفوقها كوب الشاي خاصته. -الشاي ياقاسم. أجابها سريعًا بضيق. -شكرًا يانورهان. ثم استأذنتهم بالمغادرة. أنهى قاسم كوبه الساخن بعدة رشفات متتالية. ثم قال لجده. -ها.. هتكلم عمي عماد أمتى بقى ولا أروح أكلمه أنا. ضحك جده.
وضرب كفًا بكف من تصرفات حفيده. -يا قاسم.. أنت مفيش منك رجا والله.. الله يكون ف عونها وفي عوني. لانت ملامح قاسم قليلاً وخفت حدة نبرته وباتت تشبه رجاء. رجاء ممزوج بعبث. -هو الله يكون ف عوني أنا.. جوزها لي بقى ياجدي.. أنا قربت أتـجوز على نفسي. ضحك الجد ملء شدقيه. وكأنه لم يضحك هكذا منذ زمن. وكانت ضحكته الرائقة إجابة كافية لقاسم بأن جده سينظر سريعًا في أمر زواجه. فشاركه الضحك. حتى وإن كانت ضحكة خفيفة محرجة منه.
ولكنه ارتاح قليلاً. *** كان أكرم يراقب "نورهان" زوجته. ضحكتها المرتسمة بصدق على وجهها. ملامحها المنيرة الهادئة، وبريق عينيها الزيتونية زاد توهجًا. جلستها المريحة وحديثها مع جده والذي وللأسف لم يستمع لكلمة واحدة منه. يتابع أدق تفاصيلها، لا يخفي عليه أنه كلما تلاقت أعينهما ازداد البريق اشتعالاً وتضرج الخدين حمرة فتبتسم خجلًا. فبالأمس كانت بين ذراعيه سعيدة وكان هو راضيًا. وبشدة.
تناسى كل شيء باحتضانه لها وكأنها كانت المرة الأولى لهما معًا. كم كانت ناعمة، وخاصة وقت أن تهمس بنبرتها المغوية اسمه فيزداد رغبة. حسنًا، جسده يريدها للأسف، يريدها وبشدة. كان في صراع مع نفسه. جسده يريد زوجته، وقلبه يريد الأخرى. تلك الأخرى والتي تراسله منذ بداية اليوم وجميع رسائلها معروفة ومحفوظة وسهل كتابتها والإجابة عليها ولكن تنفيذها صعب.
فكانت الرسالة الأولى: "حبيبي متنساش أنت وعدتني إنك هتكلم جدك النهارده ف موضوعنا". والرسالة الثانية: "أكرم النهارده آخر فرصة.. صدقني لو متحركتش النهارده وخدت خطوة جد ف موضوعنا تنسى إنك كنت تعرف واحدة اسمها جيلان". ذيلت رسالتها بأخرى: "الموضوع سهل ياحبيبي معتقدش جدك ممكن يرفض". وغيرها من الرسائل الإلكترونية الشبيهة. وكانت إجابته واحدة: سيحدثه بشأن زواجه ولكن صبرًا. وكأن الموضوع سهل الكلام عنه.
كان ينتظر فرصة جلوس الجد بمفرده ليحدثه ولكن لا أمل. فالجد منذ الصباح وهو يجلس مع كمال، وعند مغادرة كمال جلس مع زياد ونيرة، والوقت يمر. وهو الآن يجلس مع زوجته وبمنتهى الود كانت جلستهما. فجده يحبها ويفضلها عن جميع إناث المنزل وقت أن دخلته كزوجته. وللأمانة هي بالفعل سهل الوقوع بحبها واحترامها. ولكن ليس هو، فبالأصل قلبه معلق بأخرى. اعتدل بمكانه وهو يرى قاسم يجلس معهما ويتبادلا الحديث بأريحية.
شعور بالضيق يعتريه وهو يستمع لحديث أخيه قاسم المبسّط معها ونطقه باسمها مجردًا "شكرًا نورهان" هكذا وبكل بساطة. ونظرتها الممتنة له. هو لم يعلم سبب ضيقه وغضبه. والأخرى "جيلان" تهاتفه وهو يغلق بوجهها. فالمشهد أمامه يستفزه ويثير غيظه. فتح تطبيق الواتساب وأرسل لها رسالة محتواها: "مش هعرف أكلم جدي النهارده". وكان ردها: "بلوك" على الواتساب. ليزيد غضبه. ناداها بملامح جامدة. -نورهان. على الفور ركضت نحوه مبتسمة كما عهدها.
-أيوه. ضغط على أسنانه قائلًا. -يلا عشان هنطلع شقتنا. وباستغراب شديد نظرت له. لماذا تبدل؟ بالأمس كانا متفاهمين لأقصى الحدود، كانا كروحين بجسد واحد. ترى ما الذي غيره. أجابت بتردد. -بس أنا لسه بــ... لم يمهلها الرد ليهدر بها من بين أسنانه. -قولتلك يللا. *** كان يقف بمنتصف غرفة نومه مولياً ظهره لها لتتأمل هي عرض منكبيه وظهره المستقيم بغرابة وبخلدها ألف علامة استفهام! الغل يأكل ملامحه وعيناه تتقد نارًا يتطاير الشرر منها.
كانت أسنانه تصطك ببعضها غيظًا. أخذ يمسح صفحة وجهه بكفيه بحدة محاولًا الهدوء ولكن لا فائدة. استدار لها ف تراجعت خطوتين للخلف من مظهره الغاضب خوفًا. صاح بها هادرًا وهو يقطع الخطوات بينهما لتصبح قبالته تمامًا. -أنا كام مرة نبهتك من معاملتك تحت معاهم. وقلتلك مش عايزك تاخدي وتدي ف الكلام وبالذات مع قاسم. وبالتأكيد هو لا يغار. أبدًا. مطلقًا. ولكنه لا يحب التبسط مع أي شيء يخصه. اتسعت عيناها الزيتونية حيرة.
فأي جرم ارتكبته لتستحق هذا الانفعال! ازدردت ريقها ببطء. وقالت بصوت يكاد لا يسمع. -أنا كنت بتكلم معاه عادي والله. اشتد به الغيظ فقال بحده. -مش شايف أي داعي لكلامكو سوا. أنا حتى مش عارف انتي ليه لازقة لجدي. عايزه إيه. عايزه تثبتي نفسك هنا. استكمل كلامه وقد غلبه الغضب. -انسى يانور، انتي هنا مجرد وقت وهتمشي. ده كان اتفاقنا م الأول. تضرج وجهها بحمرة قانية ودقات خافقها كالطبل تدوي بصدرها. استفهمت بحزن.
-أنا عملت إيه ل ده كله! أكفهرت قسماته. زمجر قائلًا متحديًا. -عايزه تعرفي عملتي إيه. وهي تعلم بأن التالي سيجرحها، سيأخذها لمكان ودت لو فقدت عمرها مقابل ألا تذهب إليه ببالها ثانيةً. همست بأسف كي تنهي الحوار. -أنا آسفة.. مش هعمل حاجة تضايقك تاني. وأسفها وخضوعها أشعل فتيل ثورته. زفر أنفاسًا لاهبة واحتدم صوته أكثر. -بتتأسفيلي ع إيه. على حب عمري اللي ضاع مني بسببك. ولا صورتي اللي اتهزت قدام نفسي قبل الكل بردو بسببك.
ولا طباعي اللي اتغيرت من يوم ماشوفتك. ولا ع وضعك اللي مفيش أي راجل كان هيقبل بيه غيري. كانت تراقب ملامحه الغاضبة. أنفاسه الهائجة ترعبها. كانت ترتجف خوفًا منه ومن بشاعة الذكرى الخاصة بوضعها الذي يلمح إليه. هتفت بألم وهي تضرب بكفها على صدرها بخفة متألمة وبدأت الدموع تتسابق على وجنتيها. -مكنش ذنبي. لاحقها بانفعال وقد اتسعت عيناه قهرًا. -ولا ذنبي. ثم أردف وقد خرجت ضحكة متألمة مغتاظة من جوفه. -مش ذنبي أشيل شيلة مش بتاعتي.
مش ذنبي اتحرم مـ الإنسانة اللي بحبها. ياريتني كنت رفضتك وقت ما جدي قالي. ياريتني ما كنت جيتلك. ثم اقترب منها حتى لاصقها بجسده، يعصر جسدها بيديه رغبةً منه بإيلامها. علها تشعر بالحريق المشتعل بداخله. علها تشعر بتخبطه واضطراب دواخله بسببه. تكلم بفحيح وكفيه تسيران على جسدها بعنف وهيجان. -قوليلى أكتر حاجة بتكرهيها عشان أعملها. قوليلي إيه اللي بيضايقك. بتضايقي لما بلمسك. انكمشت ملامحها ذعرًا واشمئزازًا من نبرته ولمساته.
ليقول بحدة ومازالت يداه تعبث بجسدها بعنف وغضب. -بتضايقي من لمستي. عندك نفور مني. بتكرهيني زي ما أنا كارهك. اخترقت كلماته قلبها ومزقته شر تمزيق. رمقته بخيبة أمل وقد أنهمرت دموعها كالمطر. ابتلعت تلك الغصة الحارقة وقالت برجاء باكٍ. -ارجوك يا أكرم كفاية. تكلم بنبرة جامدة وملامحها صارت كالرخام. -هو فعلاً كفاية. صدقيني كفاية أوي. أنا مش هصبر ع الوضع ده أكتر من كده. ثم ولاها ظهره. وكظم ما تبقى في جوفه من حديث.
لتركض بعيدًا عنه وقد نالها من الذل والقهر ما يكفي. *** غربت الشمس وجرّت ثوبها المشرق ولملمت نورها لتعلن عن غيابها. وأفترشت خطوط الشفق الأحمر السماء. كان قاسم موجودًا بسطح المنزل يستند على سوره الحجري بذراعه. عاقد حاجبيه ممسكًا بهاتفه يكتب بضع كلمات على إحدى تطبيقات المراسلة. "اطلعي عايزك.. أنا ع السطح". وتمت الرؤية من قبل المرسل إليه وهي "حنين". ومن غيرها.
فأساسًا بسبب حنين قام بتحميل تلك التطبيقات السخيفة كي يستطيع محادثتها وقتما يشاء وأيضًا مراقبتها أحيانًا. ف لولاها لما كان حمل هاتفًا من الأساس. وأتته رسالتها مذيلة برفض مائع مثلها تمامًا. ليضغط على هاتفه بعنف وكأنها أمامه ويضغط على رأسها اليابس علها تشعر. "قولتلك اطلعي... ثم أغلق الهاتف ووضعه بجيب بنطاله الجينز الضيق. استدار صوب الجهة الأخرى حيث عدة خزائن خشبية بها ثقوب واسعة عكسية مطلية باللون الأحمر والأزرق.
وتلك الخزائن كانت للحمام الذي يقوم بتربيته. وبغروب الشمس تعود طيوره إلى مكانها والتي تحفظه. ولكن كعادته مال بجزعه قليلاً ليمسك بعلم أحمر موضوع جانبًا واقترب ثانيةً من السور وأخذ يلوح به عاليًا ويطلق صافرته عاليًا ليأتي الحمام تبعه من كل صوب. أحس بحركتها خلفه ليلتفت برأسه لها.
رمقها بضيق لم يستطع مداراته بسبب بنطالها شديد الضيق بلونه البيج وكأنها لا ترتدي شيئًا وبلوزتها البيضاء عارية الذراعين ولكنه اكتفى بنظراته وقرر الصمت مؤقتًا عما ترتديه. عاد برأسه لينظر أمامه مرة أخرى مثبتًا نظراته على السماء أمامه. وقفت على تململ منها وهي تنظر لظهره العريض بغيظ والحمام المتطاير من حولها. وباتجاهله لها أثار غضبها. سألته من بين أسنانها غيظًا. -عايزني ف إيه؟ مال برأسه قليلاً. وقال بنبرة ثابتة.
-هو أنا هشحتك! قولتلك اطلعي عشان عايزك. قلبت عيناها ومطت شفتيها وتحدثت باستياء ناعم يليق بها. -خير. واستدار بجسده كله ليقف بمقابلها. نظراته مثبتة على عينيها وفقط وكأنه يحدق بقلبها وليس بعينيها. سألها باهتمام صادق واضح بنبرته. -بتكتبي من امتى. عقدت حاجبيها باستغراب وكأنها تنظر إلى مخلوق فضائي. ردت بعناد. -وانت يهمك ف إيه؟ واجابته كانت صارمة والنبرة عالية متملكة بتقرير منه أنها تخصه حتى وإن لم يصرح بذلك.
ولكن كل ما به ينطق بها. -طبعًا يهمني.. يهمني ونص. قلبت صفحة وجهها حتى وإن تأثرت قليلاً باهتمامه. ولكنها لا تريد ذاك الاهتمام الزائف. عقدت ذراعيها أسفل صدرها وبعدت بنظراتها عن مرمى نظراته. هزت منكبيها استهانة وقالت بلامبالاة. -بكتب من سنتين ونص. قال مستفهمًا. -عمرك ما قلتيلي يعني. هزت رأسها متعجبة. واجابتها كانت أبسط من سؤاله. -عشان انت عمرك ما سألتني. حلقت فوق رأسها إحدى حماماته البيضاء.
فأخفضت رأسها وانكمشت ملامحها ذعرًا. فهي تخاف وبشدة من الطيور عمومًا. ليضحك قاسم على مظهرها متجاهلاً رعبها. ثم أمسك بالحمامة برفق ولين ومشى بأنامله على رأسها، ووضعها بخزانتها وأغلق عليها. سألته من بين نظراتها المستاءة. -مش خايف ف مرة وانت بتطيّر الحمام.. ميرجعش تاني. ركز بنظراته على نظراتها. عادت هكذا معها يترك النظر لكل شيء ويركز بعينيها وكأنه يأسرها. هتف بثقة. -الحمام ده بتاعي أنا اللي مربيه.
لو في يوم طار لبعيد ولو حتى راح فين أنا واثق إنه هيرجعلي تاني. ثقته بنفسه ضايقتها. لا تعلم لما ولكنها تضايقت فقط. قالت بحنق طفولي وهي تنظر إليه. -عارف نفسي ف يوم اطلع أطير الحمام ده وأتوهه وميجيش هنا تاني. ضحك منها. -حرام عليكي ليه كده؟ -عايزة أضايقك وخلاص، عشان أنا عارفة الحمام ده بالنسبالك إيه. باغتها بالرد وكأنه كان ينتظر. -وأنتي؟ ضيقت عيناها حيرة. -أنا إيه؟ اقترب منها.
وقد تبدلت قسماته تمامًا من العبث إلى الجدية وبعينيه نظرة غامضة لم تستطع فهمها. -انتي عارفة انتي بالنسبالي إيه؟ أحمرت وجنتاها. وابتعدت عنه خطوة ليتقدمها هو ثانية. تنظر إليه بغرابة تلعثمت دون خجل. -مم مش فاهمه. زفر أنفاسًا لاهبة وقال. -طيب بلاش أسألكيها كده.. هجيبهالك بطريقة تانية. العين بالعين. والنظرات مثبتة على هدفها. وأنفاسه الثائرة دليل على اهتياج مشاعره. مال عليها وسألها بحرقة كحرقة الشمس الغاربة أمامه.
-أنا بالنسبالك إيه؟ وطفلة الأمس تقف أمامه تناظره بحيرة وخجل تقاوم مشاعر وأدتها عن اقتناع تام وتلقين بأن قاسم لا يليق بها. قاسم لا يحبها. قاسم يريد امتلاكها وفقط. حاولت ادعاء الغباء وهمست. -ابن عمي. -حنين. زجرها بحدة. وعاد قاسم مرة أخرى لعادته وغضبه السريع ونفاذ صبره وقد طفح الكيل من دلالها وتحكم جده. ابتعدت عنه حنين وقالت وهي تركض من أمامه. -متهيألي جدي بيندهلي.. أما أروح أشوف عايز إيه.
تركته خلفها يرمق أثرها بنظرات غامضة وقبضة مكورة مضمومة بغضب وملامح وجهه تعبر عن كيله الذي طفح. *** مستلقية على فراشها بجوار صغيرتها "ملك". تناظر السقف بتيهٍ وشرود. وعبراتها الحارقة تضرب وجنتيها بسوط لاذع. ذاك الشعور المُر يعاود سكنها من جديد وذاكرتها تسحبها قسرًا لذلك اليوم المشؤوم. يوم غارب كأحداثه تمامًا يومًا من أيام ديسمبر الغائم دائمًا. كانت بمفردها بالمنزل وشقيقها الأصغر يلعب بالشارع مع أبناء الحي.
وأمها بالسوق ووالدها كعادته بعمله. كانت تجلس على الأريكة المتهالكة بصدر منزلهم الصغير أمام التلفاز تشاهد إعادة مسلسلها الهندي المفضل وبالمطبخ تضع على الموقد قدر متوسط تشتعل النار من أسفله ومن آن لآخر تأتي للتأكد من طهيه. طرقات عشوائية على الباب قطعت عليها حلاوة المشاهدة.
حاولت التجاهل واستكمال متابعة المسلسل ولكن معاودة الطرق نزعتها من مسلسلها لتنهض على ملل وهي توعد شقيقها الأصغر على إفساده لتلك اللحظة فبالتأكيد هو الطارق. فتحت الباب بعنف وغيظ سرعان ما اختفيا ما أن رأت ابن خالها. ابن خالها الشقيق الأكبر لوالدتها، رجل يقارب الأربعين من العمر لم يسبق له الزواج نظرًا لسمعته السيئة وللأشياء المحرمة التي يتعاطاها. فأي معتوهٍ يرغب بزواج ابنته من رجل كهذا.
ارتجفت بداخلها ما أن رأته ف نظراته القبيحة تتفحص جسدها الصغير دون رحمة أو حرمة دم. عيناه الصغيرة الوقحة تتلكأ على منحنيات جسدها، مما زاد من ارتجافها وخوفها. كان يستد بكفه على الباب ذو الإطار الخشبي المتهالك. تحدث بنبرته الخشنة والتي تأثرت بما يتعاطاه سائلًا. -أمك فين يانورا كنت عايزها. وضعت يدها المرتعشة على خصلاتها المنفلتة من جديلتها المتجمعة فوق رأسها وجذبتهم خلف أذنها في محاولة منها لمداراة خوفها.
قالت وهي ماسكة بطرف الباب تحول دخوله إلى المنزل. -أمي مش هنا راحت السوق.. لو عايزها استناها تحت. أدعت المسكنة وأمسك بصدره وأخذ يسعل بشدة. هتف بأنفاسٍ لاهثة إثر سعاله. -أيوه كنت عايزها.. والنبي يانورا بس هاتيلي كوباية مية قبل ما أنزل لـ ريقي ناشف. لم تشعر بقبضة في صدرها. تجاهلت الضيق الذي أصابها وأومأت برأسها. ودت إغلاق الباب بوجهه ولكن لا يصح ف بالاخير هذا ابن خالها. ردته قليلاً. وذهبت مسرعة للمطبخ.
أمسكت بإحدى الأكواب الزجاجية وملأته بالماء. وما أن استدارت حتى ارتطمت بصدره. كان يقف خلفها مباشرةً. جسده الضخم ملتصق بجسدها الصغير وخيالاته ترسم له أشياء محرمة أعمته عيناه. جحظت عيناها من الصدمة وقبل أن تطلق العنان لصراخها كمم فمها بكفه الخشنة السوداء كسواد داخله. حاولت الإفلات منه ولكنه نظرًا لأنه الأقوى وجسدها بالأساس صغير فكان من السهل أن يحكم جسدها بذراعه الآخر.
جرت الدموع أنهارًا على وجنتيها ترجوه بنظراتها أن يتركها. ولكن هل تتوقع من الشيطان توبة أو غفران! كان كالمغيب أو بالأساس كان مغيبًا فقبل أن يأتي إلى هنا كان عائمًا وسط أمواج من الدخان الأزرق برفقة أصدقاء السوء. بنبرته الكريهة والتي تبغض سماعها تحدث وقد أعمته الشهوة عينه. -متخافيش.. لو سكتي وبقيتي شاطرة وسيبتيلي نفسك مش هأذيكي. وكلامه كان كفيلًا باهتزاز جسدها عنفًا تحت قبضته.
صرخات مكتومة كانت تطلقها تحت كفه تود التحرر. وجسدها يأبى الانصياع ويقاوم وينتفض من لمسته المقززة. هدر بها بأعين تشتعل بجنون شهوته. -قولتلك متخافيش.. اهدي كده وروقي لأن كده كده هاخد اللي عايزه منك.. فخليه برضاكي بدل ما يبقى غصب عنك. ارتخت كفه المحكمة على ثغرها فعضته بأسنانها. وأطلقت صرخة ودت لو أن الجيران سمعتها ليأتوا وينقذونها. ولكن عبث! رغم تأوهه من عضة أسنانها.
إلا أنه عاد بسرعة وأحكم بكفه على فكها بعد أن صفعها بقوة. كان يتوعدها بأبشع السباب. بأقل من ثوانٍ كان ممسكًا بمقدمة قميصها القطني الرث ممزقًا إياه بعنف لتزيد من اشتعال الجنون بنظراته ما أن رأى صدرها البض النابض رعبًا. جذبها من خصلاتها بقوة أوجعتها بعد أن سحب كفه وتركها تصرخ كما تشاء دون أن يأبه فأذنيه قد صمت عن السمع. كافة حواسه قد تعطلت عن العمل وشهوته فقط هي التي تتحكم به كالبغال.
قام بصفعها عدة مرات ترنحت أمامه من ألم الصفعات وقوة الصراخ. طرحها أرضًا بعد أن مزق ما تبقى من ثوبها. وجثى فوقها كالجاثوم يخنق أنفاسها ويشل حركتها. قبضته الغليظة كانت تمسك وبشدة على كفيها فوق رأسها. كان يقبلها بشراهة أثارت تقززها وقلبت أمعاءها. أنفاسه الكريهة كانت تخنقها. كان يلهث بشدة تمنت لو كانت جثة بتلك اللحظة. أخذت تصرخ وتأن ليعاود ضربها وصفعها كثيرًا حتى فقدت وعيها. أتعلمين معنى الانتهاك؟
أتعلمين معنى أن تكوني جثة بقلب ينبض؟ أتدرين شعور بأن حقيرًا يتعدى عليكِ.. يسمح لنفسه بأخذ ما ليس حقه.. إن يشوه ذاتك.. ويغتال برائتك.. تكوني ضحية وبالوقت ذاته مذنبـة. إن لم تعرفي ذلك الشعور فعليكِ أن تحيي ما تبقى من عمرك صيامًا وقيامًا شكرًا لله. ومابعد ذلك كانت شهقة وصرخة قوية. كانت الشهقة الباكية عجزًا لوالدها والصرخة لوالدتها جعلتها تستفيق من غيبوبة مؤقتة ودت لو كانت دائمة.
هـيئتها المدمرة وخصلاتها المبعثرة وجسدها المتهالك والكدمات التي تشوه كل جسدها. والدماء على ساقيها وضحت الصورة كاملة. الابنة تعرضت للاغتصاب بعقر دارهم. زاد البكاء والنحيب والأم مصدومة، سقطت أرضًا وانهارت من البكاء. وكانت آخر كلمات سمعتها من والدها وهو يهدر بقهر قبل أن تغيب في ثبات أشبه بغيبوبة من اختيارها. -بنتـنا ضاعت يا أم نور.. البت ضاعت. ***
يقال أن شهريار كان رجلاً عاديًا كباقي الرجال حتى أن أحب فتاة بشدة وتزوجها فخانته. فأصبح ينتقم منها في كل النساء. قاعدة وتشكّلت أمام ناظري عاصم النجار إذا وُجد المال ركضت المرأة إليك أميالًا وأميالًا. وحتى تلك الجالسة بجواره منذ النصف ساعة. تلك التي اصطدم بها منذ يومين. ها هي الآن معه في سيارته وبالتأكيد المرة القادمة بشقته.
وبالرغم من الخجل البادي عليها وارتباكها فمنذ أن تقابلا وهي تفرك بأصابعها تارة وتارة أخرى تلعب بخصلتها الهاربة من جديلتها الجانبية. إلا أنه يعلم أنه ادعاء. أي خجل هذا وهي من قامت بالاتصال به وبالتعريف عن حالها! قطع الصمت السائد على الجو العام بسيارته فناوشها عاصم بمزاح. -أنتِ هتفضلي ساكتة كده! مش اتفقنا نتعرف على بعض. ثم تابع بتساؤل. -وبما إنك عارفه عني كل حاجة زي ما هو واضح.. ممكن تعرفيني عنك وتعرفيني عرفتيني منين؟
وكأنه تحقيق. وهي أساسًا لا تمتلك الإجابة أو تمتلكها ولكن من المستحيل أن تخبره من أين عرفته. بالأساس لو علم من هي، سيتركها على الفور ولكن ليس قبل أن يصفعها على وجنتها لتأديبها. حاولت الهرب من نظراته المراقبة لها. ثم قالت بخفوت وبعض التوتر فشلت بإخفائه. -عرفتك من النادي وسألت عليك.. جبت الأكونت بتاعك.. وكده يعني. ارتفعا حاجباه ذهولًا. اعتدل بجلسته ليصبح أكثر قربًا منها وعطرها الخفيف يسكره وينعش حواسه الرجولية.
فتاة جميلة كحالها بخصلاتها البنية كالكراميل الذائب. وعينيها الخضراوين واقعة به وهو لا يدري. ارتسمت ابتسامة متلاعبة على ثغره وتساءل. -عندك كام سنة بقى يا أمنية؟ أجلت حنجرتها ومازالت تفرك بأناملها الرقيقة بعضها البعض. نطقت بصوت بالكاد التقطته أذنيه. -٢٣ سنة. وتلك المرة لم يرتفعا حاجباه فقط. بل ارتفعا حتى كادا أن يلتصقا بمنابت شعره، فغر فاهه. ثم قال بدهشة.
-٢٣.. انتي متأكدة شكلك أصغر من كده بكتير.. أنا فكرتك في ثانوي بالكتير. خفق قلبها. واعتدلت بمقعدها لتصبح نظراتها مثبتة على نظراته. تساءلت بتهكم خفيف. -هو أنا لو كنت ف ثانوي أصلاً كنت هتكلمني؟ واجابته سريعة وقاطعة. -لأ طبعًا.. كان زماني طردك برة العربية. -كنت عارفه. عقد حاجباه مستفهماً. -كنتِ عارفه إيه بالظبط. تداركت الأمر بعد أن انتبهت لذلة لسانها.
وقالت بابتسامة خفيفة حاولت رسمها رغم توترها وخفقاتها التي تضرب صدرها بعنف ونظراته المتربصة. -كنت عارفة إنك مستحيل يعني تقبل إن عيلة في ثانوي تكون معاك. ما زالا حاجباه معقودان يحاول فك شفرتها. ولكنه آثر التجاهل والمضي قدمًا معها وما يريد معرفته سيعرفه لاحقًا بالتأكيد. لا يهم سوى أنها جميلة على مستواه المطلوب تحبه وتسعى خلفه منذ فترة. وهي فترة سيكون معها وسيتركها كغيرها بعد أن يمل منها ويصل لمبتغاه.
وبقية الحديث كانت تعارف. والجميلة الخجولة تنجرف أكثر فأكثر. وهو مستمتع. منشد بحركة كفيها وهي تتحدث عن نفسها وعن اهتماماتها وأناملها التي تتلاعب بغرتها من حين لآخر ونبرتها الناعمة. هو ليس مستمتعًا فقط بل مستمتع وبشدة. فشهريار وجد فتاة جديدة ليثبت لنفسه بأن كلهن سواء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!