دخلت فاطمة غرفة قاسم دون أن تطرق بابها كما اعتادت. الوقت أصبح عصراً، وهو على حاله منذ أمس، وقد توقعت منه ثورة ولكن للغرابة كان انسحابه هادئ. محبط! لم يُخفِ عنها نظرة خيبة أمل احتلت حدقتيه، فهي أمه وأدرى الناس به. كان صمته غريباً. بعد أن أنهت حنين كلامها، ظل صامتاً أمامها يرمقها بنظرات غريبة. طال صمته وتحديقه بها وكأنه يراها للمرة الأولى بحياته. صوت أنفاس الجميع مابين ثائرة ومصدومة كان يغطي على الجو العام للبيت.
وقطعه هو وبكل هدوء غادر دون أن ينبث بحرف واحد. وقتها كرهت حنين الابن ومن بعده الطوفان. وحنين جرحته وأهانته أمام الجميع وهو لا يستحق هذا أبداً. اقتربت من فراشه وكان هو مستلقي على جانبه وظهره لها، يتغطى بشرشف خفيف رغم حرارة الجو. تعلم أنه يدّعي النوم. كان يغمض جفنيه بشدة، وجنتيه شبه مبتلتين وكأنه كان يبكي. قاومت موجة بكاء ستنتابها على حال ولدها وربتت على ظهره. "قاسم.. قوم اتغدى أنت مأكلتش حاجة من امبارح."
ولم يرد. ظل على وضعه عدا عن انكماش ملامحه الذي زاد وكأنه كان يتوجع. آلمها قلبها من رؤيته هكذا. ستبكي. اختنق حلقها بالكلام لحظات، ولكنها قاومت واقتربت من مكانه، بكفها تمسح على جبينه المتعرق. "ولا يهمك يابني.. أنا من بكرة هدّورلك على عروسة.. والله لأجيبلك ست ستها."
وكانت نبرة الأم عالية تتابع دون أن تشعر بأن كلامها يزيد من جرحه. "ودي مين دي اللي متحبكش، دانتا سيد الرجالة ومفيش ف حنيتك حد." وأكملت بسكين كلامها تذبحه دون شفقة. "في داهية.. تبقى تورينا اللي هتتجوزه هيبقى عامل إزاي بنت ناهد دي." أغمض عينيه يبتلع آلامه وانهزامه كرجل وانكمش أكثر بنومته تحت غطائه. فتهندت وقد يأست من أن ينهض. أردفت وقد غلف الألم نبرتها. "قوم ياقاسم كل أي حاجة بالله عليك."
رد باقتضاب وكان صوته متحشرجاً بسبب زعقه بالأمس وعدم كلامه اليوم. "مليش نفس.. سيبيني وأنا شوية وهقوم." *** "بيت كمال"
دَلفت غرفته بهدوء، خطواتها بعد أن طرقت وأذن بالدخول دون سؤال عن من يطرق بابه. وقد انتهوا من تناول الغذاء من نصف ساعة. ومن سوء حظها كان لتوه قد أنهى حمامه يقف أمام مرآته يمشط بأصابعه الغليظة خصلاته القصيرة المبتلة، يرتدي سروال بيتي خفيف عاري الجزع وفقط منشفة بيضاء صغيرة معلقة على إحدى كتفيه. ذكرها بهيئته تلك ببطل الأفلام الرومانسية والروايات الهابطة التي كانت تقرأها.
كتمت شهقة خجولة بصدرها واستدارت عنه توليه ظهرها على استحياء تهمهم باعتذار لم يهتم به من الأساس. فهو الآخر كان ذهنه مشحوناً بماحدث بالأمس وما آلت إليه الأمور، وقد خرج الجميع عن السيطرة. قطع تفكيرها الخجول يهتف ببساطة وكأنهما زوجان عاديان. "ناوليني القميص." "نعم..! و"نعم" تلك لم تكن استنكار، كانت دهشة من جرأته. بالأمس لم يعجبها ما فعله كمال معها، ليأتي الآن ويطالب بأشياء أخرى والله أعلم بالمرة القادمة ماذا سيطلب.
وطالت ريم بوقفتها تنظر له باتساع عسليتيها الذاهلتين، ليهتف بنبرة أعلى مشددة. "القميييص."
يشير بسبابته على الفراش فتنزع نظراتها منه للقميص الموضوع وكانت أقرب إليه فعلاً. فمالت بجزعها تسحبه وخطوتان مرتبكتان وكانت قريبة منه تناوله إياه. ارتدته على مهل دون أن يحيد بنظراته عن انعكاسه بالمرآة أمامه وقد بدا أمامها بالفعل مشغولاً بشيء آخر. رفت بعينيها وحاولت بنظراتها الابتعاد عنه، ولكن رغماً عنها تأملته بطول قامته لاحظت أنه يفوقها على الأقل بعشر سنتيمترات ومنكبيه العريضين، وسمار بشرته. وانتبه هو على حضورها الصامت فرمقها باستفهام أجفلها.
"فيه إيه؟ أجلت صوتها، جاهدت أن تكون النبرة ناعمة طبيعية. "حاتم جاله جواب استدعاء ولي الأمر." حاتم صغيره، ابنه الأوسط ذات السبع سنوات. مؤخراً لاحظ تغير سلوكه وتمرد خفيف بتصرفاته. اندهش وسألها باهتمام. "ليه هو عمل إيه؟ "مقالش." "مقالش ولا انتي أصلاً مسألتيش؟ يلمح بعتاب، يلقي عليها ذنب تغيره. عبست ملامحها واحتدت نبرتها رغم نعومتها. "وعلى أي أساس أنا اللي أسأل وأهتم.. وأنت دورك إيه؟ هتف بجدية يُقحم الحروف برأسها.
"على أساس إنك قولتي إنك هنا عشان الأولاد." "لا الأولاد مرتاحين ولا أنا.. ولا انتي." حسناً، لن تبكي أمامه، كانت لا تملك إجابة، فللأسف كلامه صحيح. رمشت بعينيها عدة مرات لاتقوى على الرد، زمت ثغرها وقد احتقنت قسماتها حرجاً، تعطيه ظهرها تنوي الانصراف. "عن إذنك." *** "غرفة قاسم"
صوت جلبة بالأسفل جعله ينهض من مكانه، وقد ظل بوضعيته تلك ولا يعرف كم الساعة الآن. تطلع على الساعة المعلقة على الجدار أمامه وجدها السابعة مساءً، وأصوات متداخلة بالأسفل تزيد من جنون صداعه. اعتدل قليلاً يركز بضيق عينيه، تقريباً الأصوات تأتي من بيت جده.
انتفض من مكانه وقد انقبض قلبه. نهض يتعثر بين طيات الغطاء، ووقف على قدميه الحافيتين بصعوبة فشعر بفقدان اتزان. ولكنه قاوم وسحب نفساً عميقاً لصدره يهدأ من روعه. اتجه نحو خزانته يخرج منها سروال رياضي وقميص كي يرتديهم وينزل لبيت جده. صفق الباب خلفه بعد أن ارتدى ملابسه باستعجال رغم تعبه البادي على جسده ووجهه، يطوي درجات السلم مسرعاً للنزول وقد تعالى الصياح بوضوح لأذنيه.
وعند وصوله لباب جده المفتوح على مصرعه وقف مبهوتاً، والمشهد غريب عليه وكأنه يشاهده عبر شاشة عرض. جده القاسم مستنداً إلى عصاه الأبانوسية ومعالم وجهه محتقنة بغضب نادراً ما يظهر وقد اعتاد وجهه المجعد على الحكمة والهدوء، تجاوره والدته تتخذ وضع الدفاع وكمال يقف بالمقدمة وبالأسفل تحديداً بعد ثلاث أو أربع درجات تقف امرأة وجهها مألوف إليه ولكن لا يعرفها. خصلاتها مصبوغة بالأصفر ترتدي قطعة قماش صغيرة على رأسها، عيناها عسليتان ماكرتان بهما تجاعيد خفيفة من طرفيهما توحي بأنها كبيرة سناً ترتدي فستان بلون المشمش صيفي لا يتماشى مع جسدها ولا عمرها.
صوت جده الغاضب جعله يفيق من ذهوله وتفحصه. "اتكلي على الله ياناهد انتي ملكيش بنات هنا." ناهد! يشعر بأنه سمع الاسم من قبل يضيق بعينيه، يعتصر ذهنه عله يتذكر. لحظة واحدة وأتته الإجابة. "حنين بنتي ياحاج برضاك غصباً عنك هي بنتي.. بنتي اللي رجعتلي وطلبت أنها تكون معايا."
وصدمة أخرى نالها. لكمة بمنتصف وجهه. استدار برأسه وتلك المرة انتبه لوجود حنين تقف خلف جدها بخطوة وبجوارها حقيبتين إحداهما زهرية كبيرة وأخرى توازيها حجماً بلون أسود. تقف بلهفة الوصول لأمها وقد اتخذت القرار. سأل الجد يواجه الصغيرة بعينيه يرجو أن تنصره. "إيه رأيك ياحنين؟ طأطأت برأسها أرضاً، والموقف بات أسوأ ولم تتخيل بأسوأ كوابيسها أن تضع جدها بتلك المقارنة مع أمها. همهمت بخفوت. "عايزة ماما.. عايزة أعيش معاها."
ورغم انخفاض نبرتها إلا أنها وصلت لمسامع قاسم فزلزلت قلبه. يرمقها بنظرات ضبابية وعاد الصداع لرأسه من جديد. هتفت بها فاطمة بحقد وغضب. "هي دي شكراً اللي بتقولها لنا يابنت ناهد." نظر الجد صوبها وقال محذراً، يستعمل كارت الترهيب علّها تتراجع. "لو خرجتي من البيت ياحنين وروحتي معاها انسى إنك تدخليه تاني."
دون أن ترفع رأسها وتواجهه، سقطت دمعة من عينها تلتها أخرى. لا تعلم ما سيحدث معها غداً ولكنها تريد أمها تريدها وبشدة. تفتقد حضنها، بالأساس لم تجربه كي تفتقده ولكنها تريد التجربة حتى وإن كان بالمقابل خسارة عائلتها جميعهم. ابتعدت عنه تجر خلفها حقيبتيها بإشارة واضحة بأنها اختارت والدتها. فنكس رأسه واستند على عصاه يتشبث به مخافةً أن يقع. وقد كسرته رد فعلها فتراجع. ونزلت تتبع والدتها التي سبقتها للخارج وقد تجاوزت قاسم دون النظر في وجهه المصدوم. فاستفاق ولحق بها يلهث بجنون رافض. يهتف باسمها بلهفة أنبتها فالتفت له. بنظرات منكسرة ترمقه لوهلة ثم توزع نظراتها في اللاشيء. التقط أنفاسه، ويوجه مجرداً من أي انفعال وهدوء لا يتناسب مع الموقف قال.
"انتي لو مش عايزاني.. خلاص أنا كمان مش عايزك.. بس متمشيش من هنا."
واخر كلامه أمسك بكفها. لمسته تلك أرجعتها بذاكرتها لأكثر من ثلاثة عشر عاماً. وقتها كانت بعمر الخامسة وقد تركتها أمها وحيدة بعد أن تزوجت ورفض زوجها وجودها معه فجاءت بها لجدها، ولم تنتظر حتى أن يأخذها منها بل تركتها بحقيبة ملابسها على البوابة وقتها كان المطر شديد وشدَّ أكثر مع نزول دموعها، وأجفلت على صوت فتح البوابة يخرج منها صبي بهيئة رجل مد كفه لها فتشبثت به. يربت على وجنتها بحنو تفتقده بعد أن مسح عبراتها. يقول بنبرة مراهق.
"تعالى اطلعي معايا.. من هنا ورايح انتي هتبقي زيك زي نيرة." وعادت من ذكراها البائسة رافضة مستنكرة. رجعت خطوتان للخلف تهز رأسها رفضاً ودموعها تتساقط. "لأ أنا عايزة أروح معاها." هتفت أمها باسمها من الخارج تستعجلها. "حنين يللا." رفضها أشعل النار بصدره وكأنها غرزت خنجراً بمنتصف قلبه. انفلتت أعصابه واقترب يمسكها من ذراعها بعنف أوجعها، يهدر بها. "روحي معاها وبكرة هتعرفي إن ناري أرحم من جنة أمك."
ثم نفضها عنه وكأنها لا تعنيه، وقد أنهكت من المواجهة، فاستكملت طريقها دون أن تنظر ورائها. ولو فقط كانت نظرت خلفها لوجدت صنم تركه قلبه وركض خلفها راكعاً.
وعند خروجها من البيت التفتت خلفها تنظر للبيت كله بندم وحسرة. جدها وعائلتها التي احتوتها وقت أن نبذها والديها. أجمل أيام عمرها واجمل ذكرياتها. ولكن أمها أهم من كل شيء. أكملت سيرها لأمها إلى كانت تستند إلى سيارة دفع رباعي سوداء اللون. للحظة لمعت عيناها بانبهار تم وأده مع اقتراب رجل سمين يرتدي بذة رمادية ومن ساعة معصمه وعطره الثقيل تبين مدى ثراه. اقترب منها حتى بات ملاصقاً لها فاختض جسدها رعباً. يربت على وجنتها يتحسسها نعومتها بخشونة كفه.
"بنتك حلوة زيك ياناهد." *** "ليلاً، بعد منتصف الليل"
كان أكرم مستلقياً على فراشه مستيقظاً. وقد عاد بعد مغادرة حنين. وقصت عليه نيرة ماحدث تفصيلاً. تربيتة على كتف جده كمواساه، وبحث عن قاسم ولم يجده، وعلم بخروجه فطلب هاتفه وكان بالمنزل لم يأخذه معه. جلس قليلاً مع نيرة التي كانت تحتضن ملك صغيرته وتطعمها، قبّل الصغيرة بضعة قبلات صغيرة وتركهم وصعد لشقته. مهموم يتأمل السقف بشرود. يتلاعب بالحلقة الفضية التي تلتف حول بنصره ليرتسم أمام ناظريه صورتين. إحداهما بعينين بلون الزيتون الأخضر وخصلات بنية قصيرة فيبتسم بحنين. والثانية فتنته بخصلات سوداء كالظلام طويلة تصل لخصرها وملامح خمرية تشبهه. هو لم يقارن بالأساس بينهما هو يريدهما. يريد دفء البيت مع نورهان، وحب العمر والتفاهم مع جيلان.
قطع تأمله رنين هاتفه بنغمة خصصها لها. نغمة كانا يستمعان لها سوياً أيام الجامعة. انتصب بجسده يجيب. "أيوة ياجيجي." ولقب دلالها لأنه أهملها الأيام الماضية، يشعر بتقصير تجاهها فيحاول تعويضه. "وانتي كمان وحشتيني." هو ليس كاذب. هو مشتت، غاضب. غضبه كان بسبب نورهان بالتأكيد وسؤال بجح يتردد صداه "لماذا لا ترضى بالوضع". وصمت يستمع لها فيجيب متنهداً. "مفيش شوية مشاكل ف البيت هنا."
ويبدو أنها اقترحت اقتراح أعجبه فتحرك من فراشه يسحب مفاتيح شقته وسيارته. "ياريت أنا جايلك أهو." *** بعد ساعة كانا يجلسان سوياً بحديقة أمام منزلها. قد اعتادا بزمانهما الجلوس بها دون علم الأهل، يجلس أمامها يستمع لصوتها العذب وقد قرر أنه لن يترك مشاعره لنورهان والتي يبدو بأنها لم تعد تريده. تهمس له. "فاكر لما كنت بترن عليا عشان أنزل ونتقابل هنا." وابتسم. ابتسامته كانت صافية. تنهد بصوت مسموع.
"طبعاً فاكر.. أنا كل حاجة حلوة عشتها معاكي فاكرها." "مش عايز تقولي زعلان ليه." تقترب منه بجلستها حتى ارتطمت ركبتها بركبته بخفة، لم تتراجع أو تعتدل وهو لم يتأثر. بصوت مشوب بالألم. "انهاردة قاسم أخويا خسر حب عمره.. أنا الوحيد اللي ممكن أكون حاسس بيه دلوقتي." "وايه كمان مزعلك." "نورهان." قال الاسم وصمت. صمت فتنهد ويتدار بوجهه يخفي عنها نظراته يخشى أن يفتح أمره. جزت على أسنانها بغلٍ ولكنها لم تبين. "مالها؟
استفهمت، فقال وهو ينظر في اتجاه آخر. "خايف أكون بظلمها." "بتظلمها؟ استنكرت موقفه وقد استاءت. استطردت. "طب وأنا مش خايف لتكون بتظلمني." "أنا مش عايز أظلم حد معايا.. افهميني يا جيلان." "فهماك.. وعشان أريحك لأ انت مظلمتهاش." ثم تابعت بقهرٍ تضرب بسبابتها صدره. "انت ظلمتني أنا لما أعرف من أصحابنا إنك اتجوزت وأنت كنت واعدني إن أنا هكون مراتك. إنت خذلتني يا أكرم ودي مش أول مرة." "غصب عني."
قالها وكان صادقاً. ولن يقول أسباب هو قرر الستر وكفى. "واحنا فيها، وادينا رجعنا لبعض.. فين المشكلة بقى." يمسح جبهته بإرهاق. يردف. "نورهان مصرة ع الطلاق." قالت بنفاذ صبر. "طب ماتطلقها وتخلص." رمقه بنظرة غريبة. وكأن النجوم تتراقص بسواديتيه هكذا خُيّل لها. "مينفعش أطلقها، دي أمانة.. انتي متعرفيش نورهان دي تغرق ف شبر مية.. غلبانة جداً متعرفش تعمل حاجة لوحدها." اكفهرت ملامحها، ولم يعجبها سير الحديث. بضيق قالت.
"طب والعمل.. انت هتفضل معلقني معاك كتير كدة." وفعلاً كان حائراً. سألها. "شوري عليا أعمل إيه." اقتربت ومالت بوجهها، تهتف بخبث جاهل هو به. "سيبها يا أكرم.. ولما تتربى ابقى رجعها." وأشاح بوجهه عنها، يفكر بكلامها، ولم تعطه الفرصة وقد قررت طرق الحديد وهو ساخن. "ماما مستنياك بكرة ع الغدا هي وخالو عشان تحديد ميعاد كتب الكتاب." ***
على سطح البيت بعد عدة أيام. كان يقف أمام خزائن الحمام الذي يقوم بتربيته. الجو أصبح أكثر حرارة، والسماء صافية عكس الخراب بداخله. اقترب على مهل من خزانة خشبية ملونة بالأحمر بها ثلاثة حمامات كانت تخصها هي. هي حنين طفلته وحبيبته التي رحلت. يزفر بألم وقد سائت حالته الصحية، لا يريد الذهاب لطبيب وأمه تضغط عليه، لا أحد يشعر به. لا أحد يشعر بالنيران المتأججة بصدره. وأمه لا تنفك تبحث عن عروس مناسبة له. عروس ستأخذ بقايا رجل. رجل دون قلب.
فتح الخزانة وقد دمعت عيناه أمسك بإحداهن برفق من جناحيها. حمامة بيضاء ذات جناحين رمادية. تأملها وقد شرد بأخرى كان يتمنى بأن ترى حماماتها بعد أن اهتم بهم لأجلها. رغم ضيقها الذي ترسمه بأنها لا تحب الحمام أو الطيور عامةً، إلا أنه يعلم أن بداخلها طفلة تفرح بتلك الهدايا. سحب شهيقاً طويلاً لصدره أخرجه دفعة واحدة وهو يلقي بالحمامة بالهواء فتطير بعيداً. بعيداً عن عينيه. وأمسك بالثانية يدندن بغنوة غناها لها هنا بذات المكان. وقد تحشرج صوته.
"يا حمام بتنوح ليه.. فكرت عليا الحبايب." وقد غصت العبرة حلقه. ليلقي بالثانية بالهواء يفعل كما فعل بالأولى. "يا حمام ضاع منك إيه.. دوبتني كدة فوق ما أنا دايب." وأمسك بالثالثة يتحسسها بفقد. اشتاق وسيشتاق. وسيعتاد على الاشتياق. "عيباً أقول على نفسي احترت أو أقول وليف روحي هجرني." وألقاها يتابعها تحلق عالياً، كانت حبيسة وكان هو السجان. "من بين عيون الناس اخترت جوز العيون اللي جتلني." وأغلق الخزانة، ستغلق للأبد.
"دانا ياحمام زيك نايح.. والحزن ده له لو لون وروايح." واستدار يغادر دون أن يلتفت. يغلق باب السطح. وتلك المرة ستكون بلا رجعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!