الفصل 18 | من 34 فصل

رواية بيت القاسم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ريهام محمود

المشاهدات
23
كلمة
3,280
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

تململ بفراشه وهو ينقلب على جنبيه كمن يتقلّب على الجمر، دون أن يستطع أن يغفو ولو قليلاً. هذا حاله منذ أن شاركته غرفته وجاورته بفراشه. سحب نفساً عميقاً وهو يتذكر وقفتها أمامه قبل شهرين، كانت غاضبة بقدره بعد أن حملها رسوب حاتم الصغير وتجاوزاته العنيفة بالمدرسة. كانت تجابهه تضع رأسها برأسه: "أين دورك أنت من تربية ابنك ولماذا ترمي كل الحمل عليّ؟ وقتها ضاق ذرعاً منها وقد وصلت الأمور لذروتها.

"بيتي وأبنائي أهم من أي شيء ولأجلهم تزوجتك! حينها فقط هددها وكان تهديده شديد الوضوح: "إن لم تلتزمي، سأخبر والدتك بما تفعلينه.. إهمالك بتربية الصغار ورفضك لي ونفورك مني." وعند نقطة النفور نغز قلبه وجرحت كرامته. "سأترك غرفة مراد لك وأعود لغرفتي التي احتلتها بوقاحة منقطعة النظير." وكان ذلك أول شرط له. وحين رأى الرفض يتراقص بمقلتيها، تراقصت شياطينه غضباً وهدر بها: "أنا من لا يريدك، سنكون زوجين أمام الأولاد والأهل وفقط!

وكان قرار مشاركتها لغرفته ونفس الفراش أغبى قرار اتخذه بحياته. ومن يومها وزاد مراره أضعاف مضاعفة. بالبداية كانت شديدة التحفظ، لا تغفو قبل أن تتأكد أنه غفا. تنام بجواره بقمصان طويلة تصل لكاحلها وتغطي نفسها من رأسها حتى قدميها. وللحق كان سعيداً بذلك رغم نقطة بعيدة بداخله تطالب بمزيد من الرؤية. ومع الوقت أصبحت أقل تحفظاً، ملابسها صارت خفيفة أكثر فأكثر. قميص صيفي يظهر جزء كبير من يديها، وآخر يحدد أقصر.

وغيره يظهر قدميها وهي تتقلب وقد ألقت بالغطاء جانباً. والمصيبة أنها فعلاً تعامله كأخ! ومع الوقت لانت الأمور بينهما وهدأت، وصارا متفاهمين أكثر. عدا فوضويتها، كانت فوضية بشكل يثير حنقه وغيظه، فشخصه شديد الرتابة، منظم حد الوسوسة. وكانت هي النقيض! "صدق من قال: الوسادة لا تجمع متشابهان." ارتسمت ابتسامة عميقة على وجهه وهو يميل بجزعه يتأمل ملامحها الرقيقة النائمة بعمق يحسده عليها. "من أين تأتي بهذا الثبات والجمود!

يتلكأ بالنظر لتفاصيل وجهها، أهدابها الطويلة وثغرها المكتنز، بياض بشرتها ونعومتها المستفزة لمشاعره. ازدرد لعابه ببطء وهو يرى احتضانها لوسادة صغيرة كان هو أحق منها. وقد أثارت جنون خيالاته بهيئتها تلك ككل يوم. هب واقفاً مستغفراً ليتجه إلى الحمام الموجود بالغرفة متمتماً: -الصبر من عندك يااارب. دقائق وكان يخرج من الحمام مرتدياً مئزراً من القطن وقد هدأ كثيراً بفضل زخات المياه الباردة.

انتبه لتململها وتمطيها بالفراش، تفرد ذراعيها وقد ارتفعت قليلاً بجذعها. بابتسامة رائعة ونبرة متحشرجة إثر النوم: -صباح الخير. وسيرد كعادة لازمته من شهرين: -صباح الفل والياسمين. اتسعت ابتسامتها فكشفت عن أسنانها. تميل برأسها بدلال وتتمايل خصلاتها معها: -شكلي صحيت متأخر كالعادة. لم يجب واكتفى بالتأمل. نظراته تخبرها بأنها تفعل ما يحلو لها. أكملت بخفوت: -وشكلك ما نمتش كالعادة. حمحم وقد انتابه حرج طفيف، واستدار

يقف أمام المرآة يمشط شعره: -شكل الولاد صحيوا. فردت وهي تتحرك من الفراش تنزل ساقيها: -هروح أشوفهم. -البسي روب. نظرته لكتفها ألجمتها، فغطته على الفور بخجل وقد توردت وجنتاها كعادة لازمتها منذ أن تشاركا الغرفة والفراش. فشدت القميص أكثر تغطي به كتفيها ومالت تمسك بالمئزر الملقي أرضاً ترتديه أمام ناظريه، فرمقته بابتسامة. تراه يحرك شفتيه بكلام لا تسمعه فتغادر الغرفة وتتركه. ...

فيلا كبيرة تقع على أطراف العاصمة، يسكنها رجل الأعمال زكريا مجاهد وزوجته ناهد. ومنذ شهرين انضمت للسكن معهما ابنة ناهد حنين. كما كانت تتمنى، تمنت أن تكون بجوار أمها وحدث. تمنت أن تقطن بفيلا كتلك ونالت. وزوج الأم كان خارج إطار أمنياتها ولكنها ستتجاهله إن ضايقها لأجل أعين والدتها. مرت أول خمسة أيام بشكل طبيعي، البهجة تملأ قلبها.

وأمها كانت دائمة الجلوس معها، وزكريا بك زوج والدتها يأتي متأخراً فزاد ذلك من شعورها بالراحة والاطمئنان. اطمئنان لم يدُم أكثر من ذلك. فـ ليلاً، متأخراً، كل ليلة تفتح باب غرفتها بعد الثانية صباحاً ببطء، بصوت لا يكاد يسمع. تغمض عيناها بشدة وترتجف تحت غطائها رعباً لا تقوى حتى على الاستدارة. دقائق تمر عليها أعوام ثم يغلق الباب بنفس البطء والهدوء الذي فتح به.

لا تنكر أنها كانت تكذب إحساسها وتقل بأنها من الممكن أن تكون والدتها. ولكن بعد ذلك بأيامٍ يفتح الباب ويغلق ببطء بعد أن دلف من فتحه. تسمع صوت أنفاس تشاركها الغرفة. أنفاس سريعة، لاهثة. تقبض قلبها، ترعبها. تشد من الغطاء تحكمه حولها وتغمض عيناها بشدة. فتأتي نظرة جدها الحنون تهون من روعها، وصوت قاسم الخشن ينتشلها بقوة من خوفها. وللأسف غرفتها لا يوجد بها قفل داخلي أو حتى مفتاح.

بملابس واسعة قليلاً باتت ترتاح بها تنزل على درجات السلم الداخلي للفيلا. تراه يجلس مع والدتها على المائدة الطويلة يتناولا افطارهما. واستدار برأسه يرمقها بنظرات كانت بالبدء لا تفهمها. نظرات غير مريحة كهيئته. تجاهلت وقررت المضي في طريقها والخروج من هذا المنزل الكريه. ولكنه أوقفها بصوت مرتفع قليلاً يضحك بسماجة: -إيه ياحنون مش هتيجي تفطري معانا. وتتدخل الأم: -تعالي افطري قبل ما تخرجي. -مليش نفس.

وجهت كلامها لزوج أمها بثغر مقلوب لتتبدل ملامحه فيقف ويقترب منها بخطى واسعة فتبتعد هي. -أنا ملاحظ إنك مبتلبسيش الهدوم اللي بجيبهالك. ملابس، إن حق القول لم تكن ملابس، بل أشياء صغيرة عارية تظهر أكثر ماتخفي. يأتي بها الكثير والكثير، يطالبها وأمها بارتدائها وترفض هي. هزت رأسها باستنكار وملامح ممتعضة. -مش بلبس ع ذوق حد، أنا اللي بختار هدومي بنفسي. نهرتها الأم: -حنييين عيب، احترمي بابا ذكريا ده بدل ما تقولي شكراً.

وحركته التي تشعرها بالاشمئزاز بأن يدنو منها يتلمس بشرة وجنتها وكأنه يراضيها. الأمر أبعد ما يكون عن المراضاة. -سيبيها براحتها ياناهد، هي هتروح مني فييين. والمغزى مفهوم وإن ادعت عدم الفهم. دون رد تستدير وتغادر. وكم تتمنى لو تغادر ذلك المنزل للأبد. ... "ينهزم في الحب الأكثر عشقًا." ممسكاً بهاتفه الحديث، وهو من كان لا يستسيغ الهواتف الذكية ولا المواقع الاجتماعية. يتصفح حسابها الشخصي وكم نهرها من أن تضع صوراً لها.

يقف عند صورتها الشخصية يتأمل بصمت وألم وقد اشتاق لملامحها الحبيبة. اشتاق ورجلاً كمثله حُرم عليه الاشتياق. أغلق صفحتها بحدة وعنف وكأنه بذلك ينفي أنه حنّ. وهو عزيز النفس لن يحنّ حتى وإن عادت زاحفة. لن يسامح حتى وإن ركعت أمامه. فقط تعود ووقتها سيذيقها ما فعلته به وأكثر. لم يعُد لطبيعته من وقت ان غادرت. وقت أن أخذت قلبه ورحلت. تكلم كلامه. وتواجده بالبيت أصبح شبه معدوم، يأتي للنوم فقط. ينهمك بالعمل والورش.

والجميع قد احترموا رغبته بأنه لا يريد سماع اسمها أو أي خبر عنها. وقد ظنوا أنه بتلك الطريقة سينساها. زفر بيأس وقد قطع خلوته وليد أحد الصبيان اللذان يعملان لديه. -يا ريس. ولقب ريس ذاك يسعده، يشعره وكأنه ذا شأن وإن كان بسيطاً. وهو رجل يحب البساطة، هو غيرهم، بعيد عن كمال برزانته، وأكرم بوجاهته. هو قاسم، قاسم وفقط. كان قاسم جالساً على كرسي جانبي، فرفع رأسه بإشارة للآخر أن يكمل كلامه. فاكمل وليد قائلاً بحرج:

-انت عارف ياريس أن أبويا متوفي، أنا بإذن الله هروح أنا وأمي بكرة نخطب بسمة وكنت عايزك معايا بصفتك زي أخويا الكبير. نهض قاسم من مكانه يرفع حاجباً ويحني الآخر بتعجب حقيقي. سأل: -طب وجيشك؟ ضحك وليد بخفة. -أنا وحيد أمي ياريس، ملييش جيش. خبط قاسم على جبهته يمازح وقد لانت قسماته المتجهمة. -آه صح، ازاي نسيت. سحب نفساً طويلاً داخله وسأله باهتمام: -بتحبها؟ ابتسم وليد بحرج. زاغ ببصره عنه وقد احمرت أذناه بشكل ملحوظ من خجله.

قال بصوت منخفض رغم ثباته: -وأنا لو ما كنتش بحبها كنت هشتغل ليل ويا نهار عشان أجمع حق الدبلتين والخاتم. تابع حديثه بنبرة غائمة: -هي غلبانة زيي، هتعيش وترضى بظروفي وأنا عايزها تكون معايا ف كل خطوة ف حياتي. ربت قاسم على كتفه يدعمه. دوماً يشعر بأن وليد أخٌ له. ثم مد كفه بجيب بنطاله الجينز واستخرج بضعة ورقات مالية. دون عدها أو النظر بها مد بكفه يناوله إياهم. -خد دول هاتلك قميص وبنطلون حلوين، ميصحش تروح بحاجة أي كلام.

وبامتنان حقيقي شكره وليد داعياً له. ثم تركه لحاله وعاد يستكمل عمله. ويبدو أنه لم ينتبه أنه تركه، فلا يزال يقف مكانه وكأن بحديثه مع وليد عاد لذكرى حاول نسيانها وفشل. كم لبث على وقفته، دقيقة. دقيقتان. وانتفض. خرج من الدكان متجهاً صوب موتوره. يركبه وبأقصى سرعة كان يقود. دون هدف أو وجهة محددة، يزيد من سرعته. حتى خلا الطريق من حوله فباتت سرعته جنونية. ومثلما قاد فجأة، وقف فجأة. مال به واستند عليه شارداً.

ثم أخرج من جيب بنطاله الخلفي خاتماً. حلقة ذهبية رفيعة وخفيفة يتوسطه حجر ماسي رقيق. يرمقه بحزن، ألم، وخيبة أمل. سرعان ماتبدلت لقهر وحقد. ليستقيم بطوله. وعلى بعد ذراعه قذفه. قذف به بعيداً، وهكذا تخلص من ذكرى بائسة دوماً كان يحلم بها. ... مطعم بمنتصف البلدة، شهير بأكلاته السريعة. تجلس حنين وأمامها هنا بالكرسي المقابل وعلى المائدة بينهما طبقان من شرائح اللحم المطبوخ والعديد من السلطات. وفي الخلفية غنوة

لعمرو دياب تصدح بحنين: "وبينا ميعاد لو احنا بعااد اكيد راجع ولو بيني وبينه بلاد". كان انتباه حنين كله مع الأغنية تردد كلماتها بخفوت مع اللحن المرتفع نسبياً: "قصاد عيني في كل مكاااان". تقلب بالشوكة شريحة اللحم أمامها دون اكتراث حقيقي بتناولها. -انتي جايباني عشان تفضلي ساكتة! قالتها هنا باستنكار. لتجيبها حنين بهدوء مبالغ: -مليش مزاج أتكلم، عايزة أفضل ساكتة.

فاستاءت الأخرى، تعرف جيداً سبب تغيرها وصمتها الدائم ونحول جسدها. تمتمت بصوت منخفض حانق: -أنا نفسي أعرف انتي ساكتة ليه ع الوضع ده، ما تتكلمي مع مامتك. ابتسمت حنين بسخرية وأردفت: -الموضوع مش سهل زي ما انتِ فاكرة. ثم تابعت بتعجب شابّه ضيق: -كل حاجة بتحصل قدامها، تلميحاته، بصاته، الهدوم الغريبة اللي بيجيبهالي، مشفتش منها اعتراض، وكأنه طبيعي مع إن ده مش طبيعي. كلامها قليل جداً معايا، علطول بتلمح أن أنا عندها ضيفة.

أنا بتأخر مخصوص بالليل عشان أشوف هتقلق عليا ولا لأ أو حتى تتصل تسأل أنا فين. مفيييش الكلام ده عندها خالص. وأما أروح بلاقيها نايمة. وختمت كلامها بنبرة متألمة وأكتاف متهدلة بخيبة: -يعني أنا لو مت أو حصل لي حاجة ماما هتبقى آخر واحدة تعرف! سألت هنا دون مراوغة: -مبتكلميش جدك؟ -رافض، لما بتصل بيقفل ف وشي. -وقاسم! تنهيدة طويلة. وصمت، صمت تجاوز الحد المسموح. التفت بنظراتها تبحث عن شيء غير موجود وقد غيرت إجابتها للسؤال.

-خلال الشهرين دول أنا حاسة إني كبرت عشرين سنة، ومع تجاهل ناهد هانم ليا، وحشتني خنقة قاسم وتحكمه. أنا ساعات لما بكون لوحدي بتخيل أنه بيزعقلي عشان اتأخرت، عشان لبست بنطلون ضيق. كانت تعيسة، نبرتها تعيسة وملامحها. فالتعاسة الحقيقية ليست في عدم حصولنا على أشياء بعينها، وإنما في فقدانها بعد الحصول عليها. -ارجعي بيت جدك ياحنين. -مبقاش ينفع خلاص، جدي مش هيسامحني ولا قاسم كمان. وكانت محقة، وظاهر على ملامحها مدى صدقها وحنينها.

يقال أن كل شخص له من اسمه نصيب. ويبدو أن لها نصيب الأسد من اسمها، حنين لأمٍ ظلمها من أعطاها لقب أم، حنين لأب وجوده كـ عدمه، وحنين لدفا بيت تركته لاهثة خلف سراب. وبعد صمت قصير قطعته هنا، تسأل مغيرة الموضوع: -مممم طب إيه آخر كلام بينك وبين رامي؟ ردت بضيق: -بيضغط عليا عايزني أروح أتعرف ع مامته ف البيت عندهم!! وأنا بصراحة بمطل معاه، مش مرتاحة. ويبدو أن هنا أشفقت على حالها. اعتدلت بكرسيها وبصدق حقيقي قالت دون مواربة:

-حنين هقولك حاجة وتنفيذها من غير ما تسأليني، أوعى تروحي مع رامي بيته أو تشربي أي حاجة يديهالك! ... "ليلًا" يركن سيارته جانباً، بعدما وصل للحارة التي تعيش بها. مازالت نظراته لتلك الحارة كما هي، تعالى... وقرف. مضطراً أن يأتي لحارتها، يريد الاطمئنان. اطمئنان فقط وليس أكثر.

فـ نورهان مؤخراً أصبحت لا تأتي لرؤية ملك يومياً كما اعتاد، أو كما تخبره نيرة بـ آخر الليل، لأنه قرر تأديبها ومنع نفسه من رؤيتها علها تتراجع عن قرارها الخاطئ. مضى أسبوع ولم تأتي لرؤية الصغيرة، فانتابه القلق واستبد به. وها هو بشارعها! خطوات وكان أمام المنزل، لاحظ بأن الدكان أسفل المنزل مضاء. اتسعت عيناه تدريجياً بصدمة وهو يشاهد نورهان زوجته تقف به. وأمامها فاصل خشبي عريض موضوع عليه بعض الأقلام وتقريباً أدوات مدرسية.

لم يركز جيداً. اقترب، حتى وصل الدكان واعتلى درجاته وبات أمامها. أجفلت هي من رؤيته. بدايةً ابتسمت، ولكنها سرعان ما تبدلت الابتسامة لعبوس ونظرات زائغة. تزم شفتيها بتوتر. توزع نظراتها هنا وهناك وبالمارة أجمعين عداه! وأخيرًا ورغمًا عنها استقرت بنظراتها الحائرة على يده، والتي انتقل الخاتم من بنصره اليمين إلى اليسار بـ رسالة واضحة أنه عُقد القران. قبضة عنيفة أصابت منتصف قلبها، وشعور الأمل بأن يعود قُتل بمهده. جذبها

بسؤاله يشير لما حولها: -إيه ده! يوزع نظراته داخل المكتبة، أرفف خشبية ملونة بالازرق الفاتح يعتليها أوراق وكراسات وبعضاً من الكتب والعديد من الملازم. إجابته ببساطة: -أنا ومجد قررنا نفتح الدكان مكتبة. هكذا ببساطة، صدره يعلو وينخفض وقد أصبح تنفسه سريعاً وعالياً يوشي بعاصفة على وشك البدء. -وجبتي فلوس منين؟ تضايقت من أسئلته. عدلت من حجابها الأسود بحرج. -خدت قرض بضمان البيت. ومضت عيناه ببريق غاضب. تمتم من بين شفتيه:

-ومقولتليش يعني؟ بتردد وخفوت قالت: -هو أنا المفروض آخد إذنك؟ زفر بقوة. حاول أن يقترب منها ولكن الفاصل الخشبي هو من منعه. -مش إذن بس انتي ع ذمتي لو كنتي ناسيه يعني! عقدت ساعديها أسفل صدرها. سألت دون مراوغة: -انت مضايق إني بشتغل ومقولتلكش ولا خايف ع منظرك؟ جمدت ملامحه وهو يشعر بالغضب يتملكه. -تفرق؟ عددت الأسباب: -كتير، لو بتسأل من باب الراحة فأنا قدامك أهو مرتاحة وكويسة وده شغل مكتبة يعني شيء مريح.

ولو من باب المنظر فإحنا كده كده هنطلق. رفع حاجبيه مستنكراً: -نطلق! أومأت. -أيوة. هدر سريعاً بحدقتين معتمان من الغيظ. -ده بمزاجي أنا، والوقت اللي أحدده أنا. رده قهرها. سحبت نفساً عميقاً لصدرها واخرجته ببطء سألته بقهر وهي تثبت عيناها بعينيه: -أكرم هو انت ليه بتفرج بعذابي معاك، ليه مصمم إنك تأذيني وبس؟ عقد حاجبيه متسائلاً بذهول حقيقي. -أأذيكي؟ بتتكلمي كأنك مشفتيش مني أي خير! لتهتف بعتاب:

-هو لما تعايرني بقلة حيلتي يبقى مش بتأذيني؟ رد عتابها بعتاب آخر: -وأنا لما أكون متمسك بيكي ومش عايز أطلق يبقى بأذيكي؟ وتابع وقد احتدت نبرته: -لما أكون مستحمل معاملتك ليا ومقابلتك الجافة دي يبقى بأذيكي! هزت رأسها بضيق وقالت يائسة: -أكرم انت فاهم الأذية غلط! طحن ضروسه غاضباً قبل أن ينفجر بها. -عرفيني الصح، منتِ كنتي عايشة معايا وراضية وانتي عارفة إني مبحبكيش، إيه الجديد بقى؟ عقد الحزن لسانها. ومحق فالتنازل يبدأ بخطوة.

وكم تنازلت. -كنت عارفة وراضية بس ف كل وقت بدعي إن قلبك يميل ليا، وإنك تكون خير ليا. شكل دعاي متقبلش، أو يمكن اتقبل وانت مش خير. ثم أكملت بقهر مختلط بألم: -والجديد إني مقدرش إنك تتجوزها وأنا عارفة إن قلبك معاها وأنا هترمي. كده كده كنت هترميني، انت بس اللي مضايقك إن أنا اللي مشيت وطلبت الطلاق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...