الفصل 9 | من 34 فصل

رواية بيت القاسم الفصل التاسع 9 - بقلم ريهام محمود

المشاهدات
20
كلمة
3,710
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

بدأ ضيق شديد يصيب صدره، وإحساس بالاختناق من كل شيء حوله، ومن تلك التي تجاوره، ليست تجاوره فقط بل ملتصقة به كظله. كان أكرم برفقة جيلان، يروا إحدى الشقق الموجودة بإحدى البنايات الراقية، وتلك الشقة الثالثة بعد اثنتين لم تنالا استحسانها. من كان يصدق أن يكون أكرم برفقة جيلان ويشعر بالضيق والضجر! من المفترض أن يكون فرحاً، بل أن يطير من فرط الفرحة.

يقف بطوله الفاره بمنتصف صالة المنزل، ينفث دخان سيجارته بعصبية. لم يكن مدخناً كقاسم، ولكنه من فترة لأخرى يقوم بالتدخين، وخاصة أن كان زياد برفقته. سيجارة واحدة كل فترة لا تضر، واليوم يخالف القاعدة، فتلك سيجارته السابعة تقريباً، أو التي لا يعرف عددها. تُجذبه من يده كي يشاهد معها، تسأله، وقبل أن يبدي رأيه تقاطعه بحديث آخر. كانت مبهورة بتلك الشقة، بأحلامها لم تتخيل أن تحيا بمنزل كهذا.

زفر بملل وهو ينفث دخان سيجارته، قبل أن يرميها أرضاً ويدوسها بحذائه، غمغم من بين سحابة تبغه، وقد ضاق ذرعاً منها. "يللا يا جيلان خلصي.. أنا طول النهار بلف على رجلي معاكي واتخنقت." وجيلان ليست بغبية أو بلهاء كي لا تلاحظ تغيره، انعدام لهفته وضيق ملامحه واضح كالشمس. اقتربت منه، هي بالأساس مقتربة، ولكنها اقتربت أكثر وتأبطت ذراعه وهمست بدلال لا يليق بها وعينيها تدّعي الحزن.

"اتخنقت وإنت معايا.. وأنا اللي كنت فاكرة إنك هتبقى مبسوط أكتر مني إننا هنكون مع بعض." لانت حدة نبرته، وقد تأثر بنبرتها واقترابها بتلك الصورة. ابتعد بنظراته عنها وقال بشبه اعتذار. "أنا مش قصدي إني اتخنقت بالمعنى الحرفي.. قصدي أقولك إني تعبت.. وكمان أنا حافظ ديزاين الشقق في الكمبوند ده كويس لأنه شبه ديزاين شقتي." تغيرت ملامحها لأخرى ملؤها الحقد والغل. سألته بخبث وغضب مستتر.

"قصدك الشقة اللي كنت أنا المفروض أكون عايشة فيها معاك! وإجابته كانت صارمة بنبرة حادة يقطع عليها المماطلة. "قصدي الشقة اللي ملناش نصيب نكون مع بعض فيها يا جيلان." وبالفعل صمتت، وابتعدت عنه قليلاً توزع نظراتها هنا وهناك دون هدف محدد. الغيظ يأكل قلبها. غرزت أظافرها بباطن كفها وهي تقول بانفعال لم تتحكم به. "ألا قولي يا أكرم هي مراتك موافقة عادي إنك هتتجوز وكده.. ولا ناوية تتطلق!

لما يذكرون كلمة طلاق، هم لا يعرفون نورهان. نورهان لا تقوى أن تكون بمفردها. هي تحبه وهو أكيد من ذلك. وهو لا يستطيع تركها، فهي أمانة، وأيضاً شقيقها ووالدتها. الأمر مفروغ. وبرغم اقتناعه بأسبابه الداخلية، وبرغم ثقته الواهية، إلا أن قلبه قُبض، واضطربت خفقاته. استدار للنافذة العريضة التي تنتصف الحائط يتطلع من خلالها للخارج. أتاها صوته الأجش بنبرة خالطتها أنفاسه المتوترة.

"لأ أنا مش هطلقها.. وهي تمام مفيش مشكلة.. متقبلة الموضوع عادي." كتفت ذراعيها النحيفين أسفل صدرها ترمق ظهره بغيظ ومازالت منفعلة. قالت من بين ضروسها بحدة. "معندهاش كرامة بقى." التفت سريعاً وقد اتسعت حدقتا عينيه غضباً وكأنه سبها. هدر بتحذير من سبابته لوجهها، والذي فقد لونه رغم مساحيق التجميل التي تضعها، بعد أن انفلتت أعصابه. "جيلااان.. دي أم بنتي ومسسمحش أبدآ بالغلط فيها. وبعدين مانتي قابلة الوضع زيها.. ولا إيه."

حملقت به غير مصدقة، كانت مصدومة من حدته. وسريعاً نفت من عقلها سؤال لم ولن تعترف به "أيحبها". ابتعدت بخطوات عشوائية سريعة عنه، تهز رأسها بعصبية. عدلت من وضع الحقيبة الصغيرة على كتفها، وسارت باتجاه الباب. ليلحق بها هو سريعاً وقد استعاد رابطة جأشه. أمسكها من معصمها بلطف وهمس آسفاً. "معلش يانور هان.. أنا آسف أنا بس أعصابي اليومين دول مشدودة شوية."

ولمعة عينيها بعد أن غشيتها الدموع أنبأته. قالت بنبرة مكابرة تواجه بقوة نظراتها. "أنا جيلان يا أكرم." ثم شددت أكثر على حروف اسمها. "جــــــيلااان." هتفت بها واستدارت بجسدها تسبقه للخروج. ثم أردفت من بين خطواتها بنبرة غامضة. "يللا عشان توصلني." مسح صفحة وجهه بحدة من غبائه وحيرته وذلة لسانه. يشعر بأنه يركض لأيام تحت شمس تحرقه، وبحاجة لدلو من الماء البارد يسكب على رأسه كي يستفيق. ***

حلّ الليل وقد أُسدل ستاره على الشوارع وأتشحت بالسواد. وها هو يقف أمام باب شقته وقد عاد لضيقه وتوتره ثانيةً. فبعد أن أوصل جيلان لمنزلها، وقد اعتذر عن ذلة لسانه غير المقصودة وأنه نظراً لـ تعوده على اسم الأخرى بحكم الحياة بينهما وما إلى ذلك من محاولات بدت لطيفة، قبلت الاعتذار على مضض ووعد بعدم التكرار.

دقات خافقه تخطت المسموح وهو يلج للداخل. الهدوء يعم المنزل. نظر بساعة يده مستغرباً ليجدها مازالت التاسعة. هدأ قليلاً والتقط أنفاسه ما أن وجد ضوء غرفة الصغيرة مشتعل. أخذ نفساً طويلاً قبل أن يدخل عليهما. وتخطي باب الغرفة واتسعت عيناه مما يرى. فكانت نورهان تقف أمام الفراش مشغولة بطي بعض الملابس التي تخصها هي وملك وتضعها بالحقيبة الموضوعة على الفراش بجوار ملك، والتي كانت تعبث بمحتوياتها. ترتدي ملابسها كاملة عدا الحجاب.

عقد حاجبيه متسائلاً بدهشة. "انتي بتعملي ايه." رفعت رأسها إليه كالطلقة وقد انتفضت على صوته. قالت بنبرة مرتجفة. "بلم هدومي عشان أمشي." ويبدو أن ما يراه أصابه بالغباء. فسأل مجدداً بعدم فهم. "تمشي تروحي فين." أجابت بتعجب تحاول الثبات أمامه. تكبح دموعها كي لا تستجدي شفقته. "هروح فين يعني.. هروح بيتنا." عقد ذراعيه ومال بجسده يستند على الباب كي يخفي رجفة أصابته. قال بلهجة مستخفة. "بيتكو." ثم استطرد بجدية.

"شكلك خدتي القرار وبتنفذيه." تجاهلت استخفافه ونبرته الحادة. قالت وهي تستكمل ما كانت تفعله قبل دخوله. "أنا قراري قولتهولك أمبارح يا أكرم." في حكايته هي امرأة كُتبت على هامش السرد. وفي حكايتها هي بطلة تستحق الحياة رغم ما عانته وتعانيه. فلماذا ترتضي بنصف رجل! زفر أنفاساً لاهبة. وعيناه تبثان النار. قال من بين أسنانه وقد تجهم وجهه.

"حيث كده.. وطالما انتي اللي اختارتي.. يبقى مش من حقك تاخدي حاجة وانتي ماشية. خدتك بفستان رخيص.. تمشي بيه." جحظت عيناها والحمرة القانية لونت وجهها من حديثه الجارح. بأصابع مرتبكة أزاحت الحقيبة جانباً وتناولت حجاب خفيف أحاطت به وجهها المستدير. وهي لن تبكي، ستصمد إلى أن ترحل ومن ثم تبكي على خيبتها باقي عمرها. حملت حقيبة متوسطة الحجم على كتفها ثم مالت على الصغيرة كي تستطيع رفعها.

"عايزة تمشي.. امشي لوحدك.. بنتي مش هتخرج من بيتي." واجهها بقسوة بعد أن جذب الصغيرة من أحضانها. زمجرت غاضبة تدافع عن حق لها. "أنا مش همشي من غير ملك." جذب الصغيرة لحضنه يخفيها عن عينيها. شارف عليها بطوله وانفاسه الثائرة تحرق الأجواء. هدر بها. "والله ما هتخرج من البيت.. انتي اخترتي.. يبقى تتحملي نتيجة اختيارك." شبت على أطرافها تحاول أن تجابهه. الفرق بينهما كبير. ثارت وهاجت بوجهه.

"انت بتعمل معايا كده ليه.. كفاية ذل بقى يااأخي." ابتعد عنها وولاها ظهره. يغمض عينيه بشدة. بساعديه يغرز البنت بصدره، علها ترجع بقرارها. يضغط على شفتيه بقوة. قالت وقد أنتحب صوتها تتحداه. وعيناها تومضان ببريق دمع. "هاخدلها يا أكرم.. هظبط حالي واخدها.. أنا مطلعش من الجوازة دي غير بـ ذُلك وبملك." وتركته. تركت أمنية ببيت تمنت أن تكون هي سيدته. سترحل ومعها خيبتها.

وعند الباب وقبل أن ترحل. اهتزت نبرته وخفتت حدته والنار المتقدة بعينيه أصبحت رماد. قال بتحذير واهٍ. "لو خرجتي من الباب ده.. مش هتدخليه تاني يانور." وما كان ردها. ردها كان نظرة ملؤها خيبة الأمل. هزت رأسها وكأنها تستنكر ما يحدث وأغلقت الباب خلفها. وتركت وراءها رجل عصاه قلبه وركض خلفها.

والغريب أنه الملام بحكاية لم يسطر حروفها. والأغرب أنه لم يبرر أو يدافع. يجلس أمام والدته كتلميذ سقط بالامتحان. رأسه محني يستند بساعديه على ركبتيه. فمنذ أن خطَّ الصباح نوره وجاءت والدته، توبخه وتأنبه. وكم خاب أملها به وقد سقط من نظرها. كانت متعجبة من تبدله. هتفت بعتاب ممزوج ببعض الألم. "جبت قساوة القلب دي منين يا أكرم.. د أنت مكنش حد في حنيتك." رفع نظراته إليها يرمقها بضيق. أردف بعصبية خفيفة.

"حقي.. الشرع محلل لي.. ثم إن هي مش ناقصها حاجة." عالجته بكلامها بنبرة حادة. "ولا أنت كان ناقصك حاجة عشان تروح تتجوز." زاغت نظراته. وابتلع ريقه يرطب حلقه الجاف. قال بثبات. "كنت متفق مع جدي." عقدت حاجبيها تتسائل. تحاول أن تفهم. "مش فاهمه اتفقت مع جدك ازاي يعني.. هو في حاجة أنا معرفهاش." وأمه لم تعرف بأي شيء وبالطبع لن يخبرها. تنهد بضيق، ونبرته لانت وصارت رجاء.

"ماما الله يخليكي أنا مش ناقص.. عندي صداع ومنمتش بسبب ملك.. هي نايمة جوة خديها عشان تأكلها وخليها عندك." وزعقت به تقصد أن يستفيق. "لحد امته." وكأنه سيبكي. توسلها بنبرة لم تسمعها منه قبلاً. "مااما.. ارجوك." ***

على أنغام أغنية غربية يصدح صوتها المرتفع بأرجاء السيارة. كانت هنا تهز أعلى جسدها ورأسها تمايلاً مع اللحن النشاذ. تجلس مع رامي بسيارته، والذي انتهى لتوه من لفافة تبغه ذو الرائحة الغريبة. فقام بسحب أخرى من العلبة التي أمامه وقام بإشعالها. أجواء ساخنة، ضرب من ضروب الفسق والمجون. أخذ نفساً عميقاً كتمه بداخله ثم نفثه دفعة واحدة بوجهها. ومن بين الضباب الدخاني جاءت ضحكتها الرنانة وهي تقول بفسوق.

"الكيف مناولة مش مقاولة.. هات نفس متبقاش بخيل." ناولها لفافته بعد أن سحب نفس آخر دون كلام. بباكتياديتها وضعتها على طرف شفتيها. ترمقه بحاجب مرفوع ونظرة عابثة. سحبت نفس واستاءت قسماتها. ومن بين أنفاسها الساخنة قالت ممتعضة. "مش هتبطل حشيش بقى يا أخي. طب ده حتى نوع مضروب." حك أرنبة أنفه بسبابته. أتتها ضحكته الخشنة بسبب ما يتناوله من الدخان. "هو إيه ده اللي نوعه مضروب.. والله ما حد نوعه مضروب في الليلة دي غيرك."

ارتفع حاجباها. وهتفت بحدة مشوبة بتهكم. "دلوقتي بقيت نوع مضروب.. نسيت زمان ولا حنين جابتلك زهايمر."

ولفظها لكلمة "زمان" كانت مشددة، تلمح لما كان بينهما وقت أن قام باصطيادها من إحدى غرف الدردشة بإحدى التطبيقات. كلامه المعسول وطريقته في التعرف وأولى مقابلاتهم والتي انتهت بحدوث علاقة بينهما. ومن وقتها وصارت كخرقة بالية يدهسها بأي وقت يريده. ووقت أن يريدها بمكالمة صغيرة تكون أمامه كما يريد، ولا يحق لها الاعتراض وجملته والتي تعريها "كله كان بمزاجك". ومن وقتها وهي معه تقبل بأي شيء، وتنفذ له كل ما يأمرها به. مقابل ما تحتاجه هي من أموال وملابس وما إلى ذلك. وآخر طلباته كانت حنين.

"ااااااه حنييين.. حتة بسكوتة عايزة تتاكل." قالها متنهداً وهو يجذب لفافته من بين أناملها ثم استكمل وقد انتشى. "هي خام صحيح بس لذيذة.. هتغلبني شوية بس هي تستاهل." وحديثه كان دون أن ينظر لها. ينظر بملامحها والتي تبدلت لأخرى مرعبة. ونظراتها شيطانية سوداء. تهكمت بغيرة حاولت مداراتها بنبرة عادية.

"بس خلي بالك ليها ابن عم أقل حاجة تتقال عنه إنه تور. ثم نبهت بحدة. "اسمي ميجيش في الليلة دي خالص. أخرى معاك همهدلك السكة. والباقي بمجهودك ياعم الحنيّن." قهقه بغرور زائد. ونظراته مركزة في اللاشيء أمامه. رد بثقة رجل لا يقبل الرفض. "ملكيش دعوة بالباقي.. ومتخفيش أنا اللي ناوي أعمله فيها هخليها تبوس أيدي ورجلي عشان تفضل معايا." *** ماذا يريد الرجل!

يبدو كسؤال صعب ولكن إن دققت بتفكيرك ستدرك أن إجابته بسيطة. الرجل بكل مراحله يريد أنثى. طفل يريد أم ينهل من حنانها وتأخذ بيده للصواب. شاب يريد رفيقة يكتشف معها لذة البدايات وروعة الحب. ورجلٌ يريد زوجة من حضنها يبني بيتاً واستقرار. وأبٌ يريد ابنة تحمل ملامحه وتحنو عليه وقت أن يكبر. ولكن إن قلنا ماذا يريد كمال! سؤال سهل وإجابته أسهل. كمال يريد زوجة!

ببساطة هو رجل صبور ولكن ليس لتلك الدرجة. أتدرك شعور رجل يجلس ببيت واحد تحت سقف واحد مع زوجة كـ ريم دون أن يلمسها. رجل متزوج يكتفي بالنظر! الجملة وقعها على الآذان مضحكة. ولكنه بات يتخيلها بحضنه تريده مثله وأكثر. يتخيل فقط! رجل تخطى الأربعين بثلاثة أعوام ومعه من الأولاد ثلاث. ويتخيل فقط! "ريم." وتلك كانت صيحته باسمها. بعد نفاذ صبره. والأخيرة ركضت نحوه مذعورة وبنبرة قلقة سألت. "خير يا كمال ف ايه."

قابلها بحدة وقد تجاهل القلق بنبرتها. عاقد حاجبيه بشدة ونبرته تكشف عن أول "خناقة" بينهما. "ولا قميص ليا نضيف. أومال انتي لازمتك إيه هنا." تراجعت للخلف متوترة. وقد قررت احتواء الموقف ومرور اليوم على خير. أردفت بذهول. "قمصانك كلها مغسولة ومتعلقة في الدولاب." ثم سارت بجواره حتى الخزانة وفتحتها أمام عينيه واخرجت قميصاً تلو الآخر. "اهم يا كمال. في حاجة تاني."

واخر كلامها تهكم وقد فازت. فأغتاظ واحمر وجهه. مر بجانبها وبكتفه اصطدم بكتفها عن قصد إغاظتها. "وأنا من إمتى بحطهم في الدولاب. المفروض إنك تعليقيلي قميصين برة كل يوم عشان أختار منهم." ثم استكمل وارتفعت نبرته. "وكمان فين شرباتي. ولا شراب موجود." رفعت إحدى حاجبيها. وبعمرها ما كانت غبية كي تفهم أنه بيتحجج. أومأت تهديه. ثم فتحت أحد الجوارير وسحبت عدة جوارب منه ولوحت بهم أمامه وقالت وقد انفلتت أعصابها.

"طول عمر الشربات بتاعتك بتتحط هنا. وحاضر قبل ما تقول وأنا لا متى إيه. تمام كل يوم هعلقلك قميصين تختار منهم وشراب. هديت." "لسة." ولم ينتهي. وقرر البتر. وبصراحة أقرب لوقاحة هدر. "الوضع ده لازم ينتهي. أنا هفضل أنام في أوضة مراد لحد إمتى." "قلت مكسوفة. مش متعودة. أسيبها تهدي. بس انتي جبلة ومعنديش دم." ذهلت. واحمرت خجلاً وغضباً. هتفت بتوتر. "كمال صوتك عالي. الولاد في الصالة." ودون جدال. وكمال قد فقد صبره فعلياً هتف.

"متغيريش المواضيع. أنا مش ساذج ولا لسة صغير عشان أصبر على الوضع ده أكتر من كده." "كمااا."

وباقي الأحرف كتمها بشفتيه. بعد أن جذبها بعنف إليه. عنف لم يدم سوى ثوانٍ. والتخيلات باتت حقيقة فكان يقبلها بنهم، بشغف وكأنها المرة الأولى له. يتبادل أنفاسها والتي تاهت بين أنفاسه. في البدء صدمت. وارتعبت، ولكنه بدا هادئاً، فأغمضت عيناها واستسلمت لشعور خدر له لم تجربه من قبل. دون أن تعترض كان يوزع قبلات رقيقة كالفراشات على بشرة وجهها فاشتعلت وجنتيها من أنفاسه. واستسلامها زاد من وطأة وقبلاته. شهقت بعنف ما أن رأته ينزع قميصه ولكنه أخمد شهقتها ببحته المغلفة بلهفة سؤال.

"ريم.. انتي راضية." ولأول مرة ترى ذلك التحول بنظراته ونبرته جمدتها. لم تجب وأيضاً لم ترفض فاعتبرها موافقة. صوت اصطدام كوب زجاجي بالأرض جعله ينتفض الأول ومن ثم هي فدفنت وجهها خجلاً بصدره. أبعدها برقة عنه وركض باتجاه باب الغرفة ليجد حاتم ابنه الأوسط يقف مبهوتاً وبجوار ساقه شظايا لكوب زجاجي كان به عصير يشربه. انحني على ركبتيه يطمئن عليه. "انت كويس ياحبيبي." وأجابه الصغير بنحيب، وكلامه مقبض غير متوقع.

"أنا عايز أروح لماما عند ربنا." ***

دلف للمنزل والذي كان هادئاً معتماً على غير عادته. حيث أنه لم يأت منذ ما حدث. بالأمس وأوله نام بفندق. رمى بمفاتيحه وبطاقات ائتمانه جانباً. وسار بخطى بطيئة منهزمة للداخل. وشعور بالضيق يعتمر صدره. يبحث عنها بعينيه في الزوايا. يقف أمام المطبخ. يشعل ضوئه كانت دائماً هنا. أحساس الألم يتفاقم بداخله. هو يغلق الضوء ويتجه لغرفة نومهما. يخلع عنه قميصه وكأنه جاثوم يطبق على صدره. كم كانت باردة دونه. تنهد بيأس. وانحنى بطوله يلتقط قميصها الحريري من الأرض. ومن رائحتها العالقة به عرف أنها كانت ترتديه قبل أن تذهب إلى مكتبه وتراه. دس أنفه بالقميص مغمضاً عينيه يضغط عليهما خشية البكاء. ويأمرون بالطلاق. كيف!

فهو من يومين وتاه. أحس بالخواء. والله لن يحدث. تخاوى بجسده على الفراش مكانها. ومازال يقبض على القميص بكفه. الصداع كاد أن يفتك برأسه ويعلم أنها كانت تتناول أدوية له. فتح الجارور الخاص بها بجوار الفراش. قلب محتوياته وسرعان ما وجد شريط بنادول. سحبه ولكن لفت نظره آخر قبل أن يغلق الجارور. ضيق ما بين عينيه وأمسك به يدقق بنظرته. هو يعرفه جيداً كان ذلك شريط حبوب منع الإنجاب. والغريب أنه كان كاملاً.

بينما كانت نيرة. تجلس على حوض الاستحمام وفي يدها اختبار حمل. ترمقه بخوف وانتظار. تعد الثواني لتطمئن. والحمد لله هللت بها بداخلها ولله الحمد كانت شرطة واحدة. زفرت أنفاسها براحة. تنهدت مطمئنة وسيطلقها وستتخلص منه إلى الأبد. تحركت كي ترميه بسلة المهملات الموضوعة جانباً. وقبل أن تقذفه لاحظت شرطة أخرى وردية باهته تكاد لا ترى. انتابها الشك مرة أخرى وتوترت. خرجت لغرفتها وبحثت بعينيها هنا وهناك على هاتفها حتى وجدته على طاولة

الزينة. أمسكت به. وضغطت على تطبيق الفيس بوك. وباحدي الجروبات النسائية كتبت منشور "بنات هو كده فيه حمل ولا لا." رافقها بصورة الاختبار بعد أن التقطت له صورة. وسرعان ما قُبل منشورها وانهالت عليها التعليقات والمباركات. "ألف مبروك ياحبيبي طبعاً حمل." "ربنا يرزقك بيبيي سليم معافى." "حمل خفيف نامي على ضهرك واتغذي كويس." ألقت الهاتف بعيداً ووضعت كفيها على رأسها مصدومة. لماذا الآن. فهي منذ عام لم تتناول تلك الحرب ولم يحصل

حمل. ستجن وهي تصرخ "لماذا الأن".

وقبل أن تستوعب صدمتها وتأخذ وقتها الكافي لتقبلها. كان جرس المنزل يرن دون صبر. تجاهلته على أساس والدتها ستجيب. ولكن عاود الرنين مرة أخرى. قامت من مكانها متعبة. بائسة. وتوجهت كي تفتح الباب. وما أن فتحته حتى فغر فاهها وصدمتها صارت أضعاف. فـ زياد يقف على الباب مستنداً بجسده. يرفع يده أمامها ممسكاً بتلك الحبوب اللعينة أمام عينيها. وسؤاله مباشر. "أنتي حامل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...