بدأ الألم يتملكها، كمن يقترب من النار للتدفئة فيحرق أصابعه. رغبة في البكاء تملكتها، لكن دموعها جفت. تنتظر حكمًا بالموت على طيبتها وسذاجتها، وتبتهل بكل جوارحها ألا تأتي تلك اللحظة التي يتحطم فيها قلبها إلى شظايا، اللحظة التي ستفقد فيها عشقها للأبد. للأسف، تقف عند تلك اللحظة التي لطالما أخرتها، لكن لامفر.
وقفت بمفردها أسفل البناية التي يقع بها مكتبه، ترتجف أطرافها كارتجاف خافقها، بعد أن جائتها تلك الرسالة. لم تتردد كثيرًا، فقد اكتفت. جمعت خصلاتها البنية في كعكة تعلو رأسها، وارتدت ملابسها على عجالة. سروال من الجينز الأسود يعلوه كنزة كشمير. لا تعلم هل هما متناسقان أم لا، ولا يهمها بالأساس. كل ما كان يهمها أن تصل على الموعد المحدد كيفما كانت.
ها هي الساعة التاسعة، الميعاد المذكور بالرسالة. تجر الخطى إلى مدخل البناية، خطوات متعثرة مرتعبة. كانت تسير بخوف وارتجاف وكأنها تغوص بين رمال متحركة. تجاهلت المصعد أمامها واختارت السلالم. خطوة للأعلى واثنتان تتراجع. صوت نبضاتها يكاد يصم أذنها. تتمسك بالسور الرخامي للسلم، تخشى الوقوع.
وبعد معاناة، ها هي تقف أمام باب مكتبه. المكان خالي من الموظفين. وقفت مبهوتة أمام بابه. تعلم أنها إذا فتحت ذلك الباب سترى ما لا يسرها. تعلم أنها النهاية، هكذا يخبرها قلبها. تمنت لو تركض، أن تبتعد، أن تستفيق من هذا الكابوس.
اقتربت رغم رفضها، وأصابعها على مقبض الباب. ثانية.. ثانيتان.. وفتحت الباب. بأسوأ خيالاتها لم تتوقع أن ترى زياد هكذا. ورغم صدمتها وسواد الرؤية، إلا أنها رأت زوجها أمامها يجلس على كرسيه أمام مكتبه، بقميصه الأبيض المفتوح أزراره كلها تقريبًا، عدا الزر الأخير. على وجنته وقرب ثغره، أحمر شفاه رخيص، كالتي تجلس أمامه على المكتب، تضع ساقًا على الأخرى، ترتدي فستانًا أحمر فاقع ضيق، تميل بجذعها عليه بشكل وقح.
صفعة الباب بالجدار جعلته ينتفض. والساقطة لم تتحرك، فهي لم تتفاجأ. جحظت عيناه من الصدمة. هز رأسه رافضًا لما رأته هي. وقبل أن يستوعب، ركضت هي. دفع ذات الخصلات المصبوغة بالأصفر عنه. وهي تجاهلت دفعه لها، وتشبثت بياقة قميصه بأناملها الطويلة المطلية بالأحمر، قالت بدلال محاولة استمالته: "سيبك منها.. هو أنا مش عجباك ولا إيه؟! وتلك المرة، صفعه على وجهها المزين بحرفية، ودفعة أقوى من سابقتها. سقطت أرضًا من قوتها. وبسبابته،
حذرها من بين أسنانه: "لو شفت وشك هنا تاني هساويكي بالأسفلت." هرول مسرعًا للخارج وهو يغلق أزرار قميصه، يبحث بعينيه عنها هنا وهناك. لا يرى لها أثرًا، وكأنه كان يتخيلها. ولكن عطرها الخفيف الذي يحاوطه دليل على وجودها. ضغط على المصعد بعنف، ودقات قلبه تضرب أضلعه بشدة. يشد على خصلاته بخوف وتوتر. لحظات وكان بالمصعد. ضغط على الدور الأول. وما أن وصل حتى خرج منه مهرولًا، ليراها وهي تستقل سيارة أجرة، متجاهلة ندائه لها. ***
بإحدى دور العرض الموجودة بمول دائم التردد عليه، كان عاصم يجلس بجوار أمنية يشاهد بملل شديد فيلم يُعاد للمرة الألف تقريبًا. فيلم رومانسي سخيف، لا يحب رؤية تلك النوعية من الأفلام. فهو عندما اتفقا على أنهما سيشاهدان فيلمًا معًا، كان بمخيلته أنه سيحضر فيلم "The Fast and the Furious" الجزء التاسع، فهو يموت شوقًا لرؤيته. ولكن المدللة الوردية أبت، وبغنج لا يليق سواها، تحدثت: "أنا مبحبش الأكشن.. هختارلك فيلم ع ذوقي هيعجبك."
والماجن غمزته دائمًا حاضرة. وابتسامته الواسعة وازت حديثه: "أكيد هيعجبني طالما من ذوقك إنتي."
واختيارها كان فيلمًا مصنفًا للبنات، وللبنات فقط، "Me Before You". يكره الدراما والرومانسية وجو "الدلع" كما يقول زياد دائمًا. فهو رجل له جولات وصولات مع النساء. لم يمر عليه كمثلها، رقيقة، بريئة، كلامها يجذبه. يكون في حضورها مشدوهًا. حالة لم تمر عليه من قبل، حتى في أول أيام شبابه مع حبيبته الأولى. وإن يكن فيلمًا رومانسيًا، لا بأس.. فالحلوة تأمر وتدلل، وهو ينفذ. ووقت قطفها لن يرحمها أكيد.
بحركات يديها التي بات يعشقها ويعتادها، كانت تحكي وتسرد عليه أحداث الفيلم، رغم أنهما يشاهدانه معًا. ورغم أنه تابعه قبلًا ولم يلاقي استحسانه، ولكن منها.. غيــــــــر. يتأمل تأثرها وانبساط ملامحها وقت مشاهد البطل، وراحة وانقباض قسماتها وقت الدراما. وتوترها واحمرار خديها في المشاهد الرومانسية، والذي استغل هو إحداهما وأمسك بكفها بنعومة. وخجلت هي، وألوان الطيف جميعها تبدلت على وجهها. وابتسمت برقتها وأحنت نظراتها. وما زالت كفها بكفه، وبداية التجاوز ملمس الأيادي.
*** وأمام بيت القاسم الكبير، والذي شهد قصة حبها له ومراهقة عاشقة لرجل لا يكتفي بأنثى واحدة، ها هي تعود إليه امرأة باكية، جرحت بسيف الخيانة.
كانت تترجل من سيارة الأجرة والدموع تتسابق على وجنتيها. يستقبلها قاسم بعد أن اتصلت به منهارة، ترجوه أن يكون بانتظارها لأنها بحاجته. وما أن استدارت بجسدها، حتى تلقفها قاسم بحضنه، يربت على ظهرها بحنو. يخصها هي به، فهي شقيقته الصغرى البلهاء كما كان يسميها. لم يسألها، ولن يسألها هي بحالتها تلك. ليست بحاجة للسؤال، وإنما للعناق. وهو اكتفى بالعناق، وهي أيضًا. تبكي بنحيب يكتمه صدره الصلب.
لم يدم عناقهما سوى دقيقتين بالتمام. وصوت صرير سيارة زياد المسرعة وهي تحتك بالأسفلت، تقف أمامهما مرة واحدة، فرقهما. ولكن لا تزال في محيطه. ركض زياد نحوها، وملامحه المرعوبة ورفضها له جعله لم يحتج للمزيد ليعرف بأن زياد هو السبب بحالها. ودون سابق إنذار، كانت لكمته الغاضبة لوجه زياد، تتحداه أن يقترب من شقيقته. والأخير، رغم ترنحه، لم يتنازل، وكأنه لم يتألم من لكمته الفولاذية. حاول الاقتراب منها مرة أخرى، وهي تبتعد عنه وعن نظراته، تتحامي بظهر قاسم.
توسلها بذعر جديد عليه: "نيرة، خليني أشرحلك.. والله إنتي فاهمة غلط." زاد بكاؤها. وبنحيب، استنجدت بقاسم، تدفن وجهها بقميصه: "ابعده عني يا قاسم والنبي.. مش عايزة أشوفه تاني." وكأن قاسم كان ينتظر رجائها. أزاحها برفق عن طريقه. وأمسك بتلابيب زياد، يسدد اللكمات على وجهه واحدة تلو الأخرى. وزياد لا يقاوم، وكأنه كان راضيًا بتلقي العقاب.
تعالت صرخات نيرة وصوت الضرب. جعل من بالمنزل ينزلون مهرولين مذعورين. الجد والأم وكمال وزوجته. وكانت الكلمة الأولى للجد، والذي صُدم مما رأى: "قاسم، ابعد عنه.. إيه اللي إنت بتعمله ده." وخلال حديث الجد، اقترب كمال منهما وفصل بينهما، ليتلقى لكمة طائشة من قاسم، كانت موجهة لزياد. والأم تولول وتضرب صدرها من منظر ابنتها وانتفاخ وجهها الباكي. وعلى ما يبدو أن الحدث جلل. صاحت بقاسم: "فيه إيه يا قاسم؟ فهمني يا ابني بتضربه ليه."
وقاسم لم يرد. هو لا يعرف السبب، ولكن بالتأكيد سبب عظيم كي يجعل البلهاء تستنجد به. سأل كمال زياد بحدة: "ممكن تفهمنا إيه فيه؟ وقاسم بيضربك ليه." والبجح أجاب رغم الألم الذي يشعر به: "مشكلة بيني وبين مراتي.. مش عارف هو بيدخل ليه." صرخت نيرة به من بين بكائها: "لأ مش مشكلة والسلام.. الأستاذ بيخوني.. وهيطلقني حالًا." تبادلوا الشهقات. سبة بذيئة أطلقها قاسم بغضب في وجه زياد المشوه بكدماته. وتحدثت الأم، وليتها ماتحدثت:
"طلاق إيه يا بنتي الله أكبر.. كل مشكلة وليها حل." ونهره قاسم هادرًا: "ماما، اطلعي إنتي لو سمحتي وخذي نيرة معاكي." وكاد زياد أن يعترض ويرفض، ليهديه قاسم لكمة أخرى برأسه الصلب بأنفه. صرخ بهما كمال محاولًا إبعادهما. ثم دفع زياد بكلتا يديه بقوة بعيدًا، ارتد هو على أثرها. وقال بتحذير: "امشي يا زياد دلوقتي.. وبعدين نبقى نشوف اللي إنت هببته."
حاول الكلام، ولكن مقاطعة كمال له كانت صارمة، وتحت أنظار الجد المصدومة. عاد بأدراجه وأخذ سيارته وتركهم مرغمًا. *** واللكمة التي نالها كمال بالخطأ تلونت وأصبحت بنفسجية. ممدد على الأريكة المريحة بجوار غرفته، يتحسس عينه. ريثما أتت ريم بكيس ثلج واقتربت من موضع نومه. مالت بجذعها عليه، ووضعت الثلج على عينه المكلومة، تكتم ضحكة تود إخراجها، ولكن الموقف غير ملائم. "متكتمهاش.. اضحكي اضحكي." قالها بغيظ منها.
وأكثر من ذلك لم تستطع، فانفجرت ضاحكة وقالت: "شكلك فظيع يا كمال.. يخرب بيت كده بجد." وعلى الرغم من أنها تتنمر عليه، إلا أن قربها وضحكتها التي تصدح بدلال محروم هو منه، جعلته سعيدًا. وأهة متوجعة صدرت عنه لتقترب أكثر وتميل: "سلامتك.. فيه إيه بجد؟! هي للدرجادي وجعاك؟!
ونبرتها كانت قلقة صدقًا. وملامحها تتساءل وتنتظر إجابة منه. وهو ينعم بأطراف خصلاتها الناعمة على جبينه ورائحتها التي تسكره، تزيد من رغبته بها. واقتراب وجهها منه هكذا سيجعله يقبلها وليحدث ما يحدث. وإحقاقًا للحق، هو "عداه العيب" وصبر أكثر من اللازم. كان قاب قوسين أو أدنى من تقبيلها بالفعل. ولكنه همس بنبرة متهدجة: "مش عيني اللي وجعاني."
وأمسك بكفها حتى كادا أن يلتصقا. وتبادل الأنفاس بينهما مابين ثائرة وخائفة. ونعومتها يستشعرها بصلابة جسده. نظرتها مرتبكة، ونظرته مليئة بالرغبة. وانتفضت وقاومت سحر اللحظة التي ولأول مرة تمر بها. نزعت كفها من بين يده واستقامت بوقفتها. قالت مرتبكة وهي ترجع خصلاتها خلف أذنيها: "أنا هروح أنام.. تصبح على خير." وبخطى سريعة مضطربة، تركته. وبغضب وحنق، كاد أن يلحق بها. ولكن كالعادة، الصبر مفتاح الفرج. وهو سيصبر والأمر لله. ***
لطالما اقتنعت بالحكمة التي تقول "البتر أفضل من النحت". أن تترك أمرًا معلقًا وكأنه سيُحل من تلقاء نفسه، فتلك وقاحة بحد ذاتها. يهيم على وجهه منذ لقائه بجده عصر اليوم، وهو ليس هو. غاضب، حانق، مستاء وحائر. غاضب من نورهان "زوجته"، والتي أخبرت جده برغبته بالزواج من أخرى وأنها قررت الانفصال. أخبرت الجد وليس هو. أليس هو صاحب الشأن؟
وحديث الجد معه، والذي خاب أمله كثيرًا بحفيده الطيب. وكأن ليس بينهما اتفاق بأنه زواج مؤقت من أجل الستر، وهو مشكور وافق وارتضى. جيد.. بل جيد جدًا أنها ستبتعد. هكذا قالها لنفسه، مقتنعًا بما آلت إليه الأمور.
الساعة الثانية بعد منتصف الليل. يقف أمام باب شقته، يستند بجبهته عليه. منهك، خائر القوى. فتح الباب بمفتاحه. ودلف بخطى بطيئة خشية الإزعاج. ولكن تفاجأ بها وبابنته ملك، ما زالا مستيقظتين. ألقى بمفتاحه على الطاولة الموضوعة بجوار باب الشقة. واقترب منهم. ورغم الغضب، إلا أنه تساءل باستغراب: "ملك سهرانة ليه؟
والصغيرة ما أن رأت أباها حتى ركضت نحوه بخطواتها المتعثرة، وبنطقها الطفولي المبتدأ بحروف ضائع نصفها، قالت "بابي جه". فحملها وقبلتين على وجنتيها ودغدغة ببطنها، تعالت ضحكاتها. بهدوء، أردفت نورهان ونظراتها للصغيرة وفقط: "تقريبًا مستنياك.. كل ما أجي أنيمها تعيط وتجري مني."
جلس على الأريكة متعبًا، وما زالت ملك على ذراعه. ونورهان تلاحظ تغيره، تعبه، ضيقه البادي، على الرغم من أنه صامت. قطعت الصمت السائد، عدا من همهمات ملك وقبلات أكرم لها. "أحضر لك العشاء." وردة كان نظرة.. نظرة طويلة.. وكأنها تحمل بين طياتها عتابًا. عجيب أكرم هذا، أمن حقه العتاب؟ قال بنبرة خلطتها أنفاسه الحانقة: "مليش نفس." ثم استطرد بحديثه: "كلامك مع جدي كان إيه؟ جلست أمامه، تفرك أصابعها بعضهم البعض بتوتر.
ازدردت ريقها وهي تهمس: "مش هو قالك." "عايز أسمع منك إنتي." أجلت صوتها. والموضوع صعب. والكلام كان بسيط وسهل مع الجد، أما مع أكرم فتشعر بأنها مذنبة وليست ضحية. "قولتله إن إحنا هننفصل.. وإنك هتتجوز.. و... وقاطعه بحدة بعد أن انتبه أن الصغيرة نامت على كتفه. ووضعها بهدوء منافٍ للوضع. ثم التفت لها بوجهه الغاضب هادرًا: "وتقولي لجدي ليه؟ الكلام ده المفروض يبقى ليا أنا مش لجدي. هو إنتي متجوزاني أنا ولا متجوزة جدي؟
وتراجعت بجلستها. وخافت من ثورته. قالت بنبرة شابها الخوف والتوتر: "أبدًا والله.. الكلام جاب بعضه.. ولما سألني ع قراري قولته." ضحك.. ضحكة مستهزئة ساخرة. ومن بين ضحكته الغاضبة، سأل بانفعال: "قرارك..!! قرار إيه يا نور اللي إنتي بتاخديه، لامؤاخذة؟ إنتي ناسيه إن مش من حقك تاخدي قرار أصلاً." وبانفعال أقوى وأشد من انفعاله، صاحت به للمرة الأولى: "ليه مش من حقي؟
وقبل ما أفتح الموضوع ده وتجرح بكلامك، أحب أقولك إن ده شيء ميعيبنيش. أنا مكنش ليا ذنب وإنت عارف كده كويس." ورفعة حاجبيه واتساع حدقتيه كان دليلًا على ذهوله. ترفع صوتها عليه! قال مبهوتًا غير مصدق: "بقالك صوت يانورهان.. بقيتي بتعرفي تتكلمي وتردي! والبركان الخامد بداخلها آن له أن يثور وينفجر. والنبرة الصادرة منها كانت لامرأة تعاني، تثبت حقها كإنسان قبل أن تكون أنثى مظلومة. هدرت بمرارة:
"حقي يا أكرم.. أنا استحملت منك كتير.. عصبية وذل وقلة قيمة.. قولت يمكن مع الوقت تحبني واستنيت وصبرت وجت ملك.. رغم إنك كنت منبه إن ميحصلش حمل، بس كانت إرادة ربنا أقوى من كلامك.. ومع ذلك محبتنيش. عملت كل حاجة حلوة عشانك.. ومستنتش منك مقابل.. وإنت أي حاجة بتعملها لي.. بتذلني قدامها سنة.. وجاي تقولي إن مليش حق يكون ليا قرار!! لأ.. أنا ليا حق وحق ونص كمان." وسكتت وأشاحت بوجهها عنه، تحاول التقاط أنفاسها الثائرة. وهو.. هو؟!
هو لا يعلم من هو؟ هو لا يعلم ما به؟ هو لا يعلم لماذا انقبض قلبه من كلامها؟ من المفترض أن يكون مرتاحًا، على الأقل سينفصلان وسيتخلص من عبئها هي وأسرتها. هو لا يعلم لماذا يشعر بأن صدره يضيق عليه. تكلم بهدوء، سيد الموقف. وأكرم لن يقبل بأقل من أن يكون سيد الموقف، والقرار بيده. "تمام.. أنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة.. هسيبك تفكري مع نفسك لبكرة.. وبالليل تقوليلي قرارك النهائي إيه!
وعشان تعرفي إن أنا كريم معاكي، هسيبلك البيت كله النهارده عشان تراجعي نفسك وتعقلي." كادت أن تتكلم. قاطعه بإشارة من كفه، منهيًا: "متتكلميش دلوقتي.. قدامك لبكرة." سلام. ألقاها عليها وغادر. وتركها. ولا يعلم بأنها قررت وانتهى الأمر. *** بالمدرسة الثانوية للبنات. كانت حنين تقف قبالة يارا بحوش المدرسة الواسع. فهما بنفس الصف ونفس المدرسة أيضًا. كان بينهما حوار يدور. يقارب على العشر دقائق، وآخر الحوار كان نبرة يارا
القوية ونظراتها المتحدية: "تمام أوي.. أنا هقول لقاسم إنك كنتي واقفة مع واحد إمبارح ورا المدرسة." ورغم ارتجاف أنفاسها وخافقها، إلا أنها عاندت. استقامت وهددت بسبابتها: "لو قولتي لقاسم.. أنا هقول لزياد إنك بتخرجي قبل الوقت ما يخلص من المدرسة.. ده غير الدروس اللي معتيش بتحضريها." عقدت يارا حاجبيها، وتوترت، ولكنها لم تظهر توترها. قالت بلا مبالاة:
"وماله قوليله.. هيسألني هقوله كنت تعبانة وهو هيصدق والليلة هتعدي.. إنما إنتي.. متخيلة لما قاسم يعرف هيعمل إيه." ابتلعت حنين ريقها بصعوبة. والعرق انتشر على جبينها. لتكمل يارا كلامها: "هيقلب الدنيا. مش بعيد يخليكي متخرجيش تاني.. أنا مش هقوله. بس مش عشانك لأ.. عشانه هو.. أنا مش عايزة أجرحه وأصدمه فيكي.. وآخر مرة هبهملك وأحذرك. لو شفتك بتعملي أي حاجة هتزعل قاسم، أنا اللي هقفلك."
قاسم عند يارا خط أحمر. تحبه كأخيها.. بل أكثر. تكره حبه لحنين، ترى أنه يستحق أفضل من تلك المغرورة. ألقت عليها نظرة ممتعضة قبل أن تفارقها، لتشيعها الأخرى بضيق وغضب. ***
كانت كالثلج وهو كالنار. وبالالتقائهما سينطفئ إحداهما. وبالتأكيد الانطفاء سيكون للأكثر عشقًا. وحيث يكون العشق يبدأ التنازل. والتنازل بداية لسلسلة من التنازلات المتتالية. بدأت بأنها كانت تعلم بخيانته، ولكنها تنازلت من أجل ألا يفترقا. مرورًا بتأخره.. تجاهله.. حتى مشاعره كانت تهديه الكثير، فيمنّ عليها هو بالفتات. من قال أن الأنثى كائن ضعيف؟
فيكفي تحملها لأمور لا يستوعبها أي رجل. أخبروني عن رجل رأى خيانة امرأته وركض ولم يقتلها! يكفي عليها ما تحملته من أجل البقاء معه. ولكنها استكفت. والانفصال بات الحل الوحيد. وبمنطق قاسم "وجع ساعة ولا كل ساعة".
بالكاد تحركت من فراشها بعد أن غفت لأكثر من نصف يوم. ودت لو أنها تغفو الدهر كله، ولكن ليس كل ما توده ستناله. استقامت بطولها لتجد أنها نامت بملابسها. بخطوات بطيئة منهكة، كمن تجر خيبتها، خرجت من غرفتها لتجد والدتها وكمال وقاسم جالسين سويًا بصالة المنزل، وكأنهم بانتظارها. أو بالفعل كانوا ينتظرونها. تنهيدة مكتومة حبستها بداخل صدرها. والحزن محتل قسماتها. وبهدوء، اقتربت من جلستهم وجاورت شقيقها قاسم. ودون أي مقدمات، قالت لكمال
الجالس أمامها بصوت متهدج: "أنا عايزة أطلق. من فضلك يا كمال خلصني من الموضوع ده كله." وشهقة مسموعة كانت جوابًا لم يعجبها. هتفت أمها تحاول إقناعها: "يا بنتي الطلاق مش سهل زي ما إنتي فاهمة." صاح قاسم بوالدته واحتدت نبرته:
"ولا الخيانة سهلة عشان هي تستحملها يا ماما. وهو رجل الخيانة ليست من شيمه. الرمادية خارج قاموسه ولا يعترف بها. أحبك وأكرهك ليس لهما ثالث. قراره منبعه عقل يابس لا يقبل التفاهم ولا يحبذ التنازل، على الرغم من أن قلبه يتنازل من أجل حبيبة قررت المضي والاستغناء." تجاهل كمال كلاً من أمه وشقيقه الأصغر. وبحكمة تخصه هو وحده، تكلم: "أنا عايزك تهدي وتفكري وتراجعي نفسك مرة واتنين وعشرة. والقرار اللي إنتي هتاخديه أنا هدعمك فيه."
ويبدو أن الصغيرة اتخذت قرارها. ملامح وجهها كانت جامدة كالرخام، ونبرتها كانت حاسمة، تشدد على حروفها جيدًا. "أنا خدت قراري خلاص يا كمال.. مش هقدر أعيش معاه بعد اللي شوفته." والتتمة كانت لقاسم، والذي قام من مكانه وشد من طوله، ليقول منهيًا حوارًا لا داعي لمناقشته بالأساس، على الأقل من وجهة نظره: "خلاص هي قالت اللي عايزاه.. واللي عايزاه أنا اللي هعملهولها.. والواد ده هيطلقها والجزمة فوق رقبته. خلص الكلام."
وغادر بهيمنة، وترك خلفه أمه تندب حظ ابنتها العاثر، وكمال مهدئًا لها، يربت على ظهرها ويعدها بأن الأمور ستكون بخير، رغم أن الوضع لا يعجبه. وأخرى انكمشت بجلستها وبذراعيها احتضنت جسدها تلتمس الدعم من داخلها. *** "إنني أضع حدا لحكايتنا.. هذا عناق عيني وعينكِ وفراق بيني وبينكِ! فإن تدمع.. فقد دمعت عينٌ لي من قبل، لا قميصَ تلقيه عليّ ليعود قلبي..! لا حكاية لنا سوى ما كتبناه الآن... أنت في ودائع الله...
وأنا في مهب النسيان... "نيرة"
خلاص يا زياد.. حياتكو مع بعض انتهت لحد كده. قالها الجد بحزن. رأسه منحنية للأسفل، يستند بيداه على ذراع كرسيه. يجاوره قاسم، مغضن جبينه عاقد حاجبيه، والشرر يتطاير من نظراته. وكمال، والذي رغم هدوئه الظاهر، إلا أنه يكظم غيظه وغضبه. هز رأسه رفضًا، يستنكر الموقف كله. دقات قلبه تضرب أضلعه بعنف. حاول وسيحاول لآخر نفس. لن يدافع عن نفسه، فهو مذنب ومخطئ وحقير، وكل ما سيقولوه عنه صحيح وسيقبل وسيرضي. المهم أن ترضي عنه هي وتعود. يكاد يجن من غيابها. ولأول مرة منذ زواجهما، ينام بمفرده على الفراش دونها. برجاء متعب،
أردف: "خليني أتكلم معاها يا جدي.. أنا محتاج أتكلم معاها." وقاسم ضاق ذرعه من حديثهم الممل. ما الصعب في أنها تريد الطلاق؟ فليحترموا رغبتها. تحدث بغضب هادرًا: "بقولك هي خلاص مش عايزك.. إنت إيه مبتفهمش." فانفلتت أعصابه وهدر به: "وإنت مالك إنت يا أخي.. هو أنا وجهتلك كلام!؟ أمسك كمال بذراع قاسم الذي تحرك من مكانه كي يضربه. كظم غيظه وقال باقتضاب:
"نيرة مش عايزك يا زياد خلاااص.. وأنا وقاسم بنقولك كده لأن إحنا أخواتها وهي بلغتنا بكده." تجاهلهم زياد ووجه حديثه لجده وحده. قال متوسلًا: "كلمها إنت يا جدي.. إنت لو كلمتها هتسمع كلامك." وزعقة الجد كانت بمنتهى الحدة: "مش هغصب عليها عشانك." لم يستطع كبح جماح لسانه. سأله بانفعال: "اشمعني غصبت عليا أنا وأكرم..؟ وبسؤاله الوقح، أثار غضب الجد وإشعال ثورته. هدر به:
"لأ.. أنا غصبت على أكرم بس، إنما إنت كنت ميال.. ملكش حق ولو بسيط إنك تقول مغصوب. محدش ضربك ع إيدك ولا حد قالك علقها بيك وشاغلها.. ولا إنت مفكرنا نايمين ع ودانا ومش فاهمين..!! وكلمة واحدة نطقها بحروف مشددة: "طلقها." دمعة هاربة من مقلتيه، ونظرة رجاء امتزجت برفض وندم صادق. "مش هطلقها." ***
سيقولون الحب جنة، سيغرونك على دخولها. سيتلاعبون بك وستخسر أنت. ستحترق بنار الفراق وألم الفقد. ستموت كمداً وأنت ترى ذبولك يومًا بعد يوم.
كعادة لم يتخل عنها. يوميًا وقت الغروب، يقف على سطح المنزل بجوار حماماته. يمسك بيده العلم الأحمر يلوح به وصافرته المرتفعة تجذبهم إليه من كل صوب. يقف مستندًا بجسده على السور. يضع بأذنيه سماعتي هاتفه، يدندن بلحن ما. وكأنه بعالم آخر. لم ينتبه على تلك التي أتت وتحدثه منذ مدة. بأصبعها طرقت على كتفه بخفة. ليلتفت لها متفاجئًا. نزع إحدى السماعات عن أذنيه وظلت واحدة معلقة بأذنه. باستغراب سألها: "حنين!! .. بتعملي إيه هنا؟
زفر بملل ثم قال وهو يتلاعب بخصلاتها بلا اهتمام: "بقالي مدة بناديلك وبسألك على فكرة.. بس إنت مش هنا." زوى بين حاجبيه أكثر، مستفهمًا، متجاهلًا لخصلاتها التي استطالت والتي يتوق للمسها والتلاعب بها بشدة. "بتسأليني ع إيه؟ .. وبعدين مش إحنا متخاصمين أصلًا." قوست شفتيها بحزن، وعبست ملامحها كالأطفال. "خلاص بقى يا قاسم متبقاش قفوش." ارتفع حاجباه بدهشة وهو يردد كلمة "قفوش". وتجاوزت هي وسألته بضيق شاب نبرتها:
"زياد عملتو معاه إيه.. أنا زعلانة عشانه أوي! كالعادة تثير غضبه وجنونه. هتف بحدة غير مستوعب لما قالته: "زعلانة عشانه ومش زعلانة ع نيرة؟! عارضته بطريقة أثارت تعجبه. "أيوة زعلانة عشانه.. نيرة كفاية عليها زعلكوا عشانها.. إنما زياد ملوش حد." كز على أسنانه غيظًا، وبفظاظته المعتادة رد عليها بما تستحقه: "إنتي يابت إنتي معتوهة.. ولا حد ضربك على دماغك وطلعالي..؟ أخفي من وشي أحسنلك."
تنهد باستياء، بينما أشاح بوجهه عنها في غلظة تستحقها. واقترب مرة أخرى من حافة السور وأطلق صافرة عالية أخرج بها القليل من كبته. قطعت هي الصمت بسؤال استدعى انتباهه: "هو إنت ليه مبتعاملنيش زي نيرة ويارا؟! حدق بها وقد ذهب غضبه أدراج الرياح. لم يجيبها بل ظل على وقفته وتحديقه بها دقيقة كاملة. أسرها بنظراته، خجلت هي من تحديقه بها فأخفضت وجهها. بالأخير آتاها صوته الأجش بنبرة تظهر عشقه:
"عشان إنتي مش زي نيرة ولا زي يارا.. إنتي مش زي أي حد." تمتم باسمها وقلبه يخفق. "حنين..!! وبهدوء ردت: "نعم." أمسك بكفها، وتلك تعتبر سابقة من نوعها. وسحبها وراءه بلطف لا يشبهه. "تعالى عايز أوريكي حاجة." واقترب من أحد الخزائن الخشبية المخصصة للحمام وأشار بسبابته على اثنتين من الحمام الصغير. "شايفة الزغاليل دي." والتمعت عيناه، وابتسم بعذوبة. قال بتقرير عاشق: "بتاعتك."
وقفت أمامه منتصف ظهرها ملتصقًا بصدره العريض تتأملهم بفرحة. قالت بجزل: "الله.. شكلهم حلو أوي بس أنا بخاف منهم."
ولأول مرة منذ بلغت هي وكبرت، تكون بذلك القرب منه. لأول مرة منذ سنوات يرى ملامحها الهادئة وضحكتها الجميلة. وكأنها عادت تلك الفتاة ذات الأربعة عشر عامًا بجديلتها الطويلة دون عناد أو تمرد. والقرب يهلكه وهو الذي صام عن كل شيء عداها. دقات قلبه كانت تدوي كطبول المعارك. ترك لمخيلته العنان وهو يحتضنها ومال قليلًا بطوله واقترب بأنفه يشتم عطر خصلاتها الناعمة. قال بوله خالط أنفاسه الثائرة:
"هعلمك وهعودك.. هخليكي متخافيش منهم تاني.. هخليكي متخافيش من أي حاجة أبدًا." استدارت بوجهها وسألته بنظرتها قبل ثغرها: "ولا منك؟! واتسعت ابتسامته الحلوة. ومزاجه كان في أعلى مراحل السعادة، فالحلوة قد عادت. هتف مهددًا يداعبها: "لأ.. خافي مني.. عشان أنا لو شفت منك غلطة واحدة هطير رقبتك." وضحكت هي الأخرى، رغم أنها توترت من مزحه. غيرت مجرى الحديث وهي تجذب سماعة أذنه الغير معلقة وتركت له واحدة ما تزال عالقة بأذنه.
"بتسمع إيه.. سمعني كده!! مد يده بجيب سرواله الرياضي وأخرج هاتفه. ضغط ضغطتين تقريبًا وقال: "ثواني هشغلها لك م الأول." طالعها بنظرات عاشقة وتبادله هي بصمت وابتسامة وفقط. ثوانٍ وهتفت فرحة: "الله.. منير.. أغنية تجنن." ومابين نظرات لفّت عاشق حتى النخاع، مهووس للحد الذي لا حد له. ورغم أنه ينكر ورغم أنه لا يعترف، إلا أن النظرات تصرخ بالعشق الخالص وألحان منير تصدح بآذانهما بأغنية وكأنها كتبت لأجل تلك اللحظة.
"سمع بكايا الحجر.. نهنه وقال مالك.. مالك.. فتفت جلبي وأنا ببكي على حالك.. حالك.. فيه حاجة غالية عليك ياشتب ضيعالك.. ضيعالك..... أنا جولت ضاع الأمل مني ومش قايل.. يا حمام بتنوح ليييه.. فكرت عليا الحبايب.. يا حمام ضاع منك إيه.. دوبتني كده فوق مانا دايب."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!