الفصل 28 | من 34 فصل

رواية بيت القاسم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ريهام محمود

المشاهدات
24
كلمة
3,411
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

تحبو أجيب اتنين لمون؟ تفغر شفتيها للحظة تحاول استيعاب وجوده، تسعى لنطق أي شيء يبرر موقفها، ولكنه لم يمهلها. يصعد درجات المكتبة البسيطة ويدخل. ناولها الصغيرة بنظرات صامتة مخيفة، فتناولتها من ذراعه بخوف دب في قلبها قبل ارتجافة يدها. يتحرك صوب الآخر بخطورة، وقد تخشب الآخر بمكانه وكأنه تحول لتمثال من حجر، متسع الأعين، فاغر الفاه. يسأله أكرم بفحيح خطر: -ها كمل كلامك... كنت بتقول إيه؟

ولم يتلق الرد. كل ما ناله هو صمت ونظرات متفاجئة. ليتابع هو بجمود ساخر: -إيه القطة كلت لسانك.... اتخرست؟ يستطرد في غضبه، هياجه، ثورته، تهكمه اللاذع: -أكملك أنا.. أنا ياسيدي قاطعت عرض الجواز المغري بتاعك. يشير بأصابعه باحتقار للآخر، يترفع عن مقارنته بآخر أيًا كان: -ده ع أساس إنك بتقارن نفسك بياا؟ وبمستوايا اللي كنت معيشها فيه!

يشعره بالدونية، بمنتهى التعجرف يقف أمامه يعريه أمامها، يشير إلى فقره وضيق حاله أمامها. يقارن الشاب بين نفسه وهو، والأغلبية للآخر بالتأكيد. يلقي نظرة عابرة على قميصه الرث الملطخ بألوان الطلاء وسرواله المهترئ القديم، على عكس أكرم وما يرتديه من قميص أسود وسروال من نفس اللون يحتويان جسده الغاضب. ملابسه منمقة، تناسبه كرجل من طبقة مرفهه على عكسه تمامًا. يزأر بما تبقى لديه من كرامة: -انت شايف نفسك ع ايه... بتكلم كدة ليه؟

يتابع دون أن يلتقط أنفاسه الهادرة: -مين إداك الحق.. وصاحبة الحق معترضتش؟ وصاحبة الحق واقفة بينهما لاحول لها ولا قوة. تهز رأسها برفض. يلتفت أكرم إليها بنظرة غاضبة، حانقة، يستشعر حركة عيناها الرافضة وجسدها المتوتر، ليستدير للأخر. يغمغم بسخرية قاسية: -مش لما تكون صاحبة الحق ليها حق أصلاً! يميل عليه، يمسك ياقة قميصه المتهالك بخشونة، يهدر به: -جاي تخطب مراتي؟

آخر كلام أكرم كان بمثابة صفعة للشاب المتجمد أمامه، صفعة ببداية إفاقة. يهز رأسه بعدم تصديق، ولازالت ياقته بقبضة أكرم: -الشارع كله عارف إنك طلقتها! -انت والشارع كله تحت جزمتي. يزمجر بها أكرم بلا احتمال وقد اسودت ملامحه، ينفض ياقته عنه بامتعاض ثائر. لن يلومه وحده، فزوجته أيضًا مُدانة. لو لم تكن تقف معه وتعطيه وجه، لم يكن ليتجرأ على ما تفوه به معها.

يبتعد عنه خطوات بسيطة، يرمقه من أسفل لأعلى بتقليل، زاد من دونية الآخر. ليخرج أكرم بعد ذلك من جيب بنطاله عدة ورقات مالية لم يهتم بعدّها. يدسها بين يدي الآخر باحتقار: -خد دول أجرتك... والباقي بقشيش عشانك. وزع الشاب نظراته المنكسرة بين أكرم والمال في قبضته بقهر. قهر لم يدم ليتحول لغل وحقد. ثم مالبث أن رمى النقود أرضًا، يعطيهما ظهره ويغادر بهوان. وحين مغادرته التفت أكرم للباهتة وراءه، يُصيح بها: -على فوووق... حالًا.

بعد دقائق قليلة، كانت تقف بمنتصف صالة بيتها أمام أكرم كمذنبة، وقد خلعت عن رأسها حجابها بعد أن أحست باختناق أصابها، ترتجف ذعرًا من نظراته المخيفة لها. وقد تركت ملك على الأريكة بجوارهما، تلك الصغيرة التي كانت تتابع شجاراتهما الدائمة بتصفيق طفولي وكأنها تشاهد عرض مسرحي. -اهدا... هفهمك. تتوسله، تطلب ما لا يستطيع تنفيذه بالوقت الحالي، تثير جنونه ومن ثم تطلب هدوئه. يا للبجاحة! -أهدا! بعد اللي سمعته عيزاني ابقى هادي؟

صاح فيها بلا احتمال. اتسعت عيناها، لتقول بصوت مختنق: -أنا كنت هوقفه عند حده. بغضب وصل للحد الأقصى صرخ بها: -وليه... ليه أصلًا خلتيه يتجرأ ويتكلم معاكي كدة! تصرخ هي بالمقابل بشبه بكاء، وقد اختنقت أنفاسها بصدرها: -متزعقليش... أنا اتفاجأت بكلامه. رأى لمعان الدمع بمقلتيها، فجز على ضروسه بقوة، يطحنهما بغضب. أعطاها جانب وجهه يمسحه بكفٍ غاضب يحاول تحجيم انفعالاته. بما أتى! وما صارت إليه الأمور!

ضاعت خططه سُدى، وصبره الذي طال، اشتياقه، وتنازل أقل من شأنه. سحب نفسًا طويلًا لصدره، ليغمغم: -تمام مش هزعق... بس خلاص الوضع ده معتش مناسبني. سألته دون فهم: -يعني ايه؟ يُجيب بحزم وملامح صارمة: -يعني مش هتقعدي هنا ساعة واحدة بعد اللي شوفته... هترجعي ع البيت. ترفض بملامح شاحبة: -أنا مش عايزة. يقتب منها، يتنفس بعنف، يقبض على ذراعها بقبضته: -مش بمزاجك... خلاااص مبقاش بمزاجك. يتابع بأنفاس ثائرة ونبرة قاتمة:

-طوّلت بالي عليكي وفي الآخر خليتي زبالة زي ده يتجرأ عليا أنا! وبغباء وليد اللحظة أردفت: -لو إنت شايفه زبالة فأنا من نفس البيئة ز... يسكتها بسبابته وقد وضعها على ثغرها يمنعها عن تكملة هرتلتها. يشدد من حروفه، يزرع كلماته داخل مخها الضيق بملكية يرى أنه أحق بها ولا تجوز لغيره: -إنتِ مراتي... أم بنتي.. ملكي برضاكي أو غصب عنك.

كان هائج، غاضب، ولكن مشتاق. يصارع بداخله رغبة تقبيلها، عناقها، تكسير عظامها لأنها تستحق العقاب. يُقال أن الأعين فضّاحة، إن سكنهما شوقًا لن يخفي سرهما على أي مخلوق. مالها لا ترى شوقه، عاطفته الصادقة، وتغيره!

ينزع أصبعه من فوق شفتيها ليميل برأسه يبتلع ثورتها الوليدة بقبلة كانت في بدايتها إثبات لملكيته لها وأحقيته فيها. صاحبت قبلته لمسة ناعمة من يده لعنقها، واليد الأخرى تتلمس خصلاتها الناعمة. يتعمق بقبلته رغم رفضها الواهن، وقد ضرب بكل شيء عرض الحائط. وبالقبلة تذكر أيامها السابقة معه كانت أكثر من سعيدة معه، راغبة مثله وأكثر. يتعمق وينهال من شفتيها المزيد برغبة.

لينفصل ولازالت جبهته تستند على جبهتها مغمضًا عيناه بأنفاسٍ حارة، غائب بوعيه عن العالم المحيط بهما. وحالتها لا تقل عن حالته انشغالًا. صوت فتح الباب جعلهما يبتعدان في لحظة، كلاهما مرتبكان وخطاهما كانت متعثرة. والآتي كان مجد شقيقها لتوه عاد من الخارج وقد انتهى من مباراة بالشارع. يوزع نظرات متسائلة، يرمق حالتهما بتعجب: -في إيه؟ وكان أكرم هو أول من آفاق، وتدارك الموقف يأمر مجد بلطف:

-روح جهز هدومك يامجد.. عشان هتيجي معانا. "بغرفة كمال" كان يشمر كمي قميصه الأصفر بتروٍ، لون القميص بهت على ملامحه المرهقة، أسفل جفنيه حالك وبشرة وجهه شاحبة والسبب ليس مرضه، فهو تم شفاؤه وبالأمس نزع اللاصق للعملية وتوقف عن تناول المسكنات والأدوية. ولكن السبب الرئيسي هو رجوعها، وقد عادت وعاد معها الأرق والسُهاد.

خطواته بطيئة، يشعر بمراقبتها النافذة له، تنتظره، تسأله بعينيها عتاب، تريد أن ترمي اللوم على عاتقيه. يسير، يقف أمام المرآة يمشط خصلاته القصيرة بأصابعه دون أن يلتفت إليها. ولكن لمح ما ترتديه، فستان خفيف صيفي له رسوم الشجر وحبات الفراولة بربع كم يظهر بشرة ذراعها البيضاء بسخاء، وجيدها الملفوف. يتحرك، ينوي الخروج وقد ملّ من الجلوس في المنزل، لتستوقفه بنفاذ صبر وقد وقفت أمامه: -متهيألي احنا لازم نتكلم.

يزفر بضيق، يبتعد، وحالة الوهن تسيطر عليه، يوليها ظهره دون رد. فتقول هي: -قولتلك لما تبقى كويس هنتعاتب. وتزيد: -وانت بتتهرب مني! يلتفت لها بحاجب مرفوع، يتمتم: -أنا مبتهربش... أنا تعبت من الكلام والمحايلة فيكي. يؤكد: -لو كنت بتهرب.. مكنتش هدخلك بيتي بعد اللي حصل بينا. تخفض رأسها، تعض على ثغرها، لحظة، ثم تعاتب برقة: -إنت ضربتني بالألم.

تأتي بآخر المشهد، تُذكره بخطأه هو فقط، أما هي، فلا هي ملاك لا تخطأ ولا عليها إثم. غضب، استنكار، وشعور الإهانة يحرق دواخله. يغمغم بحدة: -بعد ما أهنتيني وقللتي من رجولتي! يستعيد كلامها، قسوة حديثها، تبجحها وقتها: -أحمد ربنا إني وافقت أتجوزك.. واحدة غيري كانت المفروض تبقى في حضن إلى بتحبه... مش اللي مفروض عليها. يتابع بقسوة تمزقه قبل أن تصل إليها: -مش ده كلامك!

أغمضت عيناها بشدة، بداخلها شعور مختلط بين ندم، وحسرة لعلمها أنها جرحت كرامته بحدة كلامها، ولكن لها العذر، فهو لم يتقرب إلا من أجل راحته كزوج. تهدج صوتها، تضع يدها فوق صدرها الهادر: -إنت زعلتني لما شكيت فيا.. لما سألتني كنت بحب مين؟ ، لسه بفكر فيه ولا لأ.. وإذا كنت كلمته أصلا ولا لأ! تفند الأسباب أمامه. قال بجمود وهو يجلس على كرسي بالغرفة بتعب: -مبقاش يجي منه عتاب ياريم.. انا وإنتِ بقينا ع مفترق طرق دلوقتي.

وللتتمة يستعيد جزء من كلامها مرة أخرى بأنفاس محترقة: -أكيد مش هرضالك تعيشي مع واحد زيي.. أكبر منك ب١٣ سنة! هرعت إليه دون تردد، تنحني بجسدها، تجثو على ركبتيها أمام قدميه، وعيناه المتفاجئتين بذهول. تمسك كفيه بيديها الناعمة تحتويهما: -خلينا نبدأ من جديد.. أنا وانت محتاجين الفرصة دي. "بيت أكرم"

الآن تقف بالصالة الواسعة، بعد أن جذبها قسرًا لسيارته، وبالطبع مجد لم يحتاج مجهود لإقناعه، ففور أن أخبره أكرم بتحضير حقيبته وكان وقتها يقفز فرحًا، متحمسًا وبشدة لحياته الجديدة. نظرة حنين، تردد، رجوع، ألم، خذلان، بكاء. تلك الجدران شهدت على كل ما مرت به بمنزله، وهي الآن ببيته، بيتها سابقًا، بيتهما معًا. تشعر وكأنها عادت لنقطة الصفر من جديد. أكرم غير مضمون، حتى وإن صدق تغيره وحسن نيته. ولكن هل سيأمن لها شر تقلبه؟

وهل سيجنبها معايرته؟ وزادت من الشعر بيت وشقيقها معها! تميل، تمسح بأصبعها المائدة بجوارها. كانت نظيفة لا غبار عليها، وكأنها للتو مسحت. قاطع شرودها، يقترب بخيلاء، يقول ببساطة: -أكيد مش جايبك عشان تروقيلي... البيت كله نضيف، أنت عارف أنا مستحيل أقعد في مكان مش نضيف. ماما كانت بتبعت ست كدة تنضف البيت وأنا برة. يقترب أكثر، يتابع وهو يدور حولها: -طبعاً ماعدا أوضة نومي.. إنتِ عارفة مبحبش حد يلمس حاجتي الشخصية.

سألته بحنق، وقد أغاظها أنه نال ما أراد وعادت معه: -وانت جايبني أروقهالك؟ يرد بتأكيد، يثبت نظرته بخاصتها: -جايبك بيتك. تخبره، تعاتب بنظرة: -غصب عني. مال عليها مردفًا بهمسٍ مسيطر: -عيني في عينك كدة... إنتِ مجبورة! ازدردت ريقها بتوتر. نقطة بداخلها كانت تريد الرجوع، تعبت من الاشتياق والنبذ بعيدًا. نقطة لا تكذب ما يفعله، ترى بشكلٍ ملحوظ نظراته، ابتسامته وقت رؤيتها. تطأطأ برأسها، تغمغم:

-حاسة إني برجع تاني من الأول.. برجع لنقطة الصفر معاك. رفع حاجبيه متهكمًا: -نقطة الصفر!! المكتبة خلت كلامك عميق. يبسط ذراعيه، ومازال على الاقتراب دون ملامسة، يردف بنبرة صادقة: -عمومًا.. لو عايزة تبدأي من نقطة الصفر وأنا معاكي.. فأنا يعني أكون شاكر جمايل حضرتك. وآخر كلامه كان يغمز بعبث، وتلك غريبة عليه. يتلاعب بها فتتشتت من جديد، تتلعثم: -أكرم أنا... يستوقفها وهو يهمس بصوت راغب، قرر البتر، وغلق الأبواب المواربة:

-أنا فاهم.. ومقدّر، ومستني... ومحتاجك.

الخطأ فعل نقع به جميعًا دون استثناء سواءً كان بإرادتنا أو سهوًا. ولك فرصة الرجوع عنه إن أردت ذلك. لك فرصة استجماع محاولاتك للصواب. تكرار الخطأ ذلك أشبه بحفرة تسقط أنت بها بكامل إرادتك. وقد خُيرت بين الانجراف والعودة. الأمر أشبه بمذاق التفاحة المحرمة، القضمة الأولى أصابتك بسُكر الخطيئة، والثانية بلذة المعصية، لتقضم ما تبقّى وتخسر جنّتك. وما بين الانجراف والعودة، كانت عالقة بالمنتصف رغم توبة صادقة إلا أن خطأها لن يتركها بسهولة كما كانت تتوقع.

تفتح باب سيارته، بعد اتصال سريع وقبول واهن استقبله هو بحفاوة شيطانية. اتفقا على المقابلة، وانتظرها ولم تخيب ظنه. وهاهي تجلس بجواره، منكمشة بمقعدها، ترتدي ثيابها الواسعة مؤخرًا. يضحك باتساع يقترب بغمرة عاطفته المحرمة: -كنت عارف إنك مش هتغلبيني معاكي ياحنين. يتابع بذات القرب وعطره الثقيل يلتصق بجلدها مخترقًا ملابسها: -كنت مراهن ع ذكائك.

ثم ومن دون مقدمات يُفتح باب سيارته المجاور لها وقد كانت شبه ملتصقة به. يأتي رجلٌ لا يعرفه يسحبها من مرفقها بقوة للخارج، وكان ذلك زياد. يهدر بها: -انزلي إنتِ خلااص.

ولم يأخذ فرصته للتساؤل، مذهول ولم يتجاوز مفاجأته، ليفتح بابه هو الآخر ورجل آخر يسحبه بعنف. ونظرًا لصدمته لم يستطع المقاومة، وعنف قبضة الآخر وتجهم ملامحه أنبأه بالخطر ولا مجال للتراجع، فكان الآخر المتجهم يضربه بقوة على رأسه، ضربة جعلته يترنح قليلًا قبل أن يسقط فاقدًا للوعي. ليهتف به زياد سريعًا: -يللا ياأكرم.. حطه في الكرسي اللي ورا.

ليفتح أكرم باب السيارة الخلفي، يجره من قميصه بغضب، يُلقيه بإهمال على المقعد الخلفي، ويصفق الباب بعنف. يتابع زياد وهو يتكلم مع حنين، وكانت منهارة ترتجف أمامه كعصفورٍ تاه عن عش أمه. فيقترب، ينبه: -روحي ع البيت علطول... إنتِ متعرفيش حاجة وملكيش دعوة بحاجة.

هزت رأسها ودموعها تتسابق على وجنتيها، خائفة والموقف أكبر من عمرها بمراحل. تترك ساقيها للرياح تُسرع بخطاها، الأمر كان أشبه بهرولة. دون مزيد من الكلام كان أكرم يجلس أمام المقود وبالجوار زياد، وبالخلف جسد رامي المسجى بغفوته الثقيلة. يربت بخشونة على كتفه: -يللا ع المخزن.

وبعد وقت لا يعلم أن كان طويل أو قصير، عاد لوعيه، بشبه استفاقة، رأسه يؤلمه بشدة، والرؤية أمامه ضباب، مشوشة. يحاول رفع بصره دون جدوى، يقاوم رغم اختناق أنفاسه وكأنه يدفن حيّ! يرفع رأسه وذاكرته تخبره بما حدث اليوم، وما سبب الألم الذي أصاب رأسه. يحاول النهوض ولكن شيئًا ما يمنعه. يحني بصره يفاجأ، يصدم بأن قدميه وذراعيه مكبلتان بمقبض حديدي. يجلس على كرسي خشبي دون راحة. يعود ببصره للأمام، المكان غريب عليه، إضاءة خافتة جدًا.

يثبت نظراته التائهة على من ضربه وقد تذكره: -هيييي.. انت بتعمل ايه. كان أكرم مستندًا بظهره على جدار المخزن، يمسك بهاتف رامي، يُدقق، يُقلب في الصور، يتنقل بين الفيديوهات والرسائل وملامح الاشمئزاز والقرف تملأ وجهه. يسأله زياد بنبرة قلقة: -ها تمام. فيجيبه باطمئنان، يزفر أنفاسه براحة: -اطمن ملهاش أي حاجة هنا.

والمقصود بكلامه "حنين". يتلاعب بالهاتف أمام المتذمر المقيد أمامه يستفزه، يصيبه القرف، الغثيان. الهاتف ملئ بالعديد والعديد من الفيديوهات القذرة له ولغيره من الفتيات الصغيرات، وفيديوهات مشتركة تجمعه مع المزيد، دون أن يظهر وجهه. والمزيد من الصور الماجنة والرسائل الفاحشة. يصيح فيهما، يضرب الأرض بقدمه المقيدة بعجز: -إنت اتجننت.. إنت متعرفش انا مين! يقترب زياد، بملامح شر، يميل برأسه يتفحص هيأته: -لأ اطمن عرفنا إنت ابن مين.

يستفيض بالاستهزاء: -بس الغريبة يعني سيادت النائب مكنش عنده تلت أربع ساعات فاضيين يربيك فيهم بدل مايرمي القسم ف البرلمان! ليصرخ رامي بلا احتمال، والألم يداهم جسده كله وبالأخص رأسه: -إنت مش عارف أنا بابا ممكن يعمل فيكو ايه! يتهكم: -بابا... صدق خوفتني. يلتفت لأكرم: -خاف ياأكرم. فيجيبه أكرم بلا مبالاة حقيقية، يعبث بالهاتف: -خوفت جدًا. يصرخ بـ أكرم بانفعال: -إنت بتعمل إيه ف الموبايل.. سيبه. يُخفض نبرته، يهادن:

-سيبه.. وهديك اللي إنت عايزه.. أي مبلغ تطلبه. وكأن رامي كان يحدث نفسه، يتكلم مع الهواء، ففور أن انتهى أكرم من تفقد الهاتف والبحث فيه، انتصب بطوله يتقدم ببطء والهاتف بين يده. يرفع يده الأخرى ويقوم بثني الهاتف، يلتوي بين أصابعه خشونة وصوت طرقعته تصل لمسامعه. ثم يرميه أرضًا عند حذائه، يدهسه بقدميه بغل وغضب. يقترب، حتمية موته واجبة ومفروضة، بحقارته كتب شهادة وفاته. يهدر به:

-فهمّني إيه المتعة ف إنك تبتز بنات صغيرة بالصور والفيديوهات دي! يرمقه من أخمص قدميه لخصلاته بازدراء: -رغم المفروض إنك ابن ناس... ليه بتأذي بنات صغيرة بالشكل ده! واخر كلامه كان بصراخ هادر منفعل، يتخيل أسوأ الأمور لابنة عمه الصغيرة. ليهجم عليه بلكمة فاجأته، جعلته يترنح بكرسيه، ثم يلكمه بلكمة أخرى أقوى من الأولى. ف يبعده زياد بعد أن جذبه من قميصه، ليبصق رامي بعض دماء من فمه، يتحدث من بين أنفاسه المرتعشة:

-أنا عرفت إنت مين.. إنت قاسم صح.. قاسم ابن عم حنين. يضحك أكرم، صدقًا يضحك، يتخيل قاسم هنا، بموقفه ومكانه. يغمغم من بين ضحكه الساخر: -صدقني لو كنت أنا قاسم.. كان زمانهم بيحطو على قبرك ورد دلوقتي. يتابع، يشير على صدره وزياد: -من حسن حظك إنك وقعت فينا احنا الاتنين. يدرك حجم المصيبة التي أوقع حاله بها، يستنجد، يتوسل من بين لهاثه المتوجع: -سيبيني وهديك اللي إنت عايزه. وقف أكرم أمامه بسيطرة، يثني كمي قميصه ببطء، يقول:

-هسيبك... بس بعد قرصة ودن صغننة أد كدة. ارتجافة جسده أمامه أشعرته بالنشوى، منظره الهائج خوفًا هكذا أثلج صدره وكأنه يأخذ بثأر من غدر بهن. ودون انتظار رده، أو الاهتمام بنظراته المرتعبة المتسائلة، كان يرفع هاتفه يُشغل خاصية الفيديو، وقد غامت عيناه بنظرة لم يستطع فهمها. يصيح بـ زياد بالتواء ثغره: -قلّعه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...