الفصل 29 | من 34 فصل

رواية بيت القاسم الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ريهام محمود

المشاهدات
23
كلمة
3,578
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

"كيف أخبرك أني مشتاق دون أن أبدو كرجلٍ منهزم؟ جالساً على فراشه، أمامه العديد من الصور الحديثة والباهتة، يبعثرهم أمامه. يمسك بصورة فيبتسم، وأخرى يمسكها بأصابعه فيتجهم، إلى أن استقر على إحدى الصور. يرفعها لمستوى بصره، يبتسم بحنين وقد زاره شوق قديم فتبعثر كالصور المبعثرة أمامه.

كانت الصورة تجمعه مع حنين ونيرة وجده، وقتها كان عيد ميلاده السابع والعشرين. صورة بسيطة ووجوههم كانت رائقة بتلك الليلة، وتلك من أقرب الصور لقلبه، ليس لسبب سوى نظرات حنين له. كانت تقف خلف جدها وخلفه، تنظر له بوله وهيام، تبتسم ابتسامة عريضة جميلة. حتى أنه وقت أن رأى نظراتها، تهكم وبعثر خصلاتها بغلظة وخشونة. بعمره ما كان رومانسيًا أو فارسًا لرواية في خيال فتاة حالمة، ولكنه كان يعجبها وكان يعلم ذلك. وبناءً عليه لم يغير بأسلوبه معها.

تنهد بضيق، يُلقي بالصورة أمامه وقد طال الخصام. هو ببساطة يريد اعتذار، رد اعتبار لكرامته أمام العائلة وهي قبلهم. يريد أن يشعر بأنه رجلها الذي أحبت. اليوم والبارحة يشعر بقبضة تستحكم قلبه. أحلامه منذ يومان ضبابية غريبة، ولكنها بكل كوابيسه تمد يدها إليه تستنجد به فيصحو من نومه مفزوعًا.

بحرصٍ بالغ قام بجمع الصور ووضعها في صندوق خشبي خاص بها. ثم تحرك من مكانه بتثاقل، يضع الصندوق بداخل خزانته. ثم توجه إلى شرفته يقف بها، ينتظر ظهورها والاطمئنان ليس أكثر. يستند بذراعيه على السور ينتظر مجيئها، يتأمل السماء المظلمة أمامه عدا بعض النجوم الصغيرة المتناثرة، والقمر مختفي. وقمره أيضًا مختفي.

نظراته مصوبة للفراغ أمامه، ومن حين لآخر يختلس النظر لشرفتها. ويبدو أنها نامت بهناء، وتركت له عدّ النجوم ومراعاتها، ونبضاته القلقة، وساعات الليل الطويلة. *** منتصف النهار.

كان كمال موجود بالشرفة الكبيرة الخاصة بمنزل والدته، يجلس على كرسي من الخيزران شاردًا باللاشئ، عاقد ذراعيه بصمت. كان مجهدًا، وجهه يظهر عليه الإرهاق والتعب، يتثاءب بين الحين والآخر. عقله في صراع، وقلبه أيضًا. منذ عودتها وهي مختلفة كليًا. اشراقتها في الكلام، وضحكاتها الغنجة الحلوة، مبادرتها بالصلح وطلب بداية.

وآثر الصمت هو، واتخذه كدرعٍ واقٍ أمام إقبالها نحوه. هو بالتأكيد لا يعظم الأمور، ولكن لا يُلدغ مؤمن من جحر مرتين. وسيترك حياتهما للأيام المقبلة، والأيام كفيلة بإظهار النوايا. ولكن هو لن يسعى إليها مجددًا، يكفي استنزافًا لمشاعره وكبرياؤه كرجل. صوت أمه البشوش جذبه من شروده، وهي تدخل عليه تحمل بين كفيها صينية بها قطع كعك وكوب من العناب المثلج. واستقبلها هو بإبتسامة مصطنعة، حيث لا مزاج رائق اليوم.

"وكمان مشبّر.. لأ دانا كده حماتي بتحبني." يقصد كوب العناب. مصمصت شفتيها باستهجان. "ومتحبكش ليه.. هو انت فيه زيك؟ هز رأسه بيأس. ليت الجميع يراه كما تراه فاطمة، أمه. تنهد قبل أن يغمغم بشبه ضيق. "بمناسبة الحموات. ممكن تخفّي ع حنين شوية." تتعجب ثم تجيبه بشيء من عصبية. "أخف عليها.. دي بنت نمرودة وقليلة الأدب." عقد حاجبيه باستنكار. "ياما دي عيلة عندها ١٨ سنة! ردت بالمقابل بلامبالاة. "لا ياخويا ١٩ باين." "فرقت ياما؟!

"مفرقتش." ترفع ذقنها، تعانده. "لا تفرق وأنا أدها كنت متجوزة." حاول أن يلتقط أنفاسه، وقد ثار بداخله من تعنت والدته. استجلب الهدوء وكسى نبرته. "وأنتِ أدها كانت جدتي الله يرحمها معاكي." يتابع، يسأل بتقرير. "هي أمها فين؟ ... أبوها فين... حينها دافعت. "أنا مقصرتش معاها ف حاجة! وبلا احتمال يضرب كمال على المنضدة الخشبية الفاصلة بينهما. "إنتِ مش أمها.. إنتِ قريبتها اللي عمرك ماهتعمليها زي مابتعاملي نيرة أو حد من ولادك....

هي دايماً كانت بتتعامل ف البيت ده درجة تانية." يتابع باستنكار. حدة كلامه كانت كسـكين يبتر مهاجمتها. "هو ليه أمر مسلم بيه إنها لازم تتجوز قاسم.. طالما قاسم عاوز كدة." يتحدى بالنظرة العاتبة، يُرغمها على مواجهته. "عارفه ليه عشان قاسم ابنك.. هي مش بنتك.. لو كانت بنتك.. كنتي هتقولي كبير عليها.. مش مناسبـ..... عارضته أمه بعنف تقطع حديثه، حيث أنها لا ترى سوى مميزات أبنائها وفقط. "عندك... كله إلا قاسم ...

متزعليش منك ياكمال." يبسط ذراعيه، يثبت صحة كلامه. "اللي بتقوليه ده بيثبتلك كلامي... إنها درجة تانية." ولانت نبرته بشبه رجاء. "لو سمحتي ياما، متعمليهاش بالجفا ده... كفاية عليها إنها يتيمة مع إن أبوها وأمها عايشين... لا تجيب، واكتفت باشاحة وجهها بعيدًا عنه، تتجاهله باستياء. كاد أن يهم بالمزيد من الحديث، ولكن رنين جرس الباب قاطعهما. تحرك ينوي أن يفتح هو، ولكنه أشارت له بصمت وملامح مقلوبة بأنها ستذهب هي.

ضحك متنهدًا، فأمه تعلم أنها على خطأ ولكن تكابر. تراجع في مقعده باسترخاء بعد أن كان متحفزًا. استرخاء لم يدم وهو يرى ريم تقبل عليه، تدخل وخلفها أمه بضحكة واسعة. "اتخنقت فوق قولت أجي أقعد معاك." تخصه بالحديث دون الأخرى، تبتسم له بدلال عفوي التقطه على الفور، فقابله بازدراد ريقه الجاف، وتشنج جسده. "ممكن أقعد؟!

بالطبع لا تطلب الإذن، لأنها تحركت. تخطو من أمامه بشبه التصاق ساقيها بركبتيه، تجلس بأريحية وابتسامة حلوة. ومع صمت كمال هتفت فاطمة بمرح ومودة. "دانتي نورتي البيت كله." وتلك المرة الأولى لها بزيارة بيت والدته. فاحمرت وجنتيها من حفاوة استقبالها، تشكرها بملامح ناعمة. "ميرسيه ياماما." "هروح أعملك حاجة حلوة تشربيها." لتهتف ريم والتي جلست بجوار كمال. "شكرًا.. مش عايزة أتعبك." اتسعت ابتسامة فاطمة تغمغم بصدق.

"ياريت كل التعب يبقى حلو كده." وانصرفت. وكانت محقة بآخر كلامها عن حلاوة التعب المجاور له، والتي تقريبًا تراقبه. رجع ظهره للوراء يلصقه بظهر كرسيه، يناظرها بصمت فتبتسم بالمقابل. وحجابها الهادئ يحدد ملامحها الناعمة. وعلى غير العادة قد ارتدت عباءة زرقاء محتشمة، أرضته كرجل، وكزوج غيور. "مممممـ كنتو بتتكلمو في إيه؟ يهز رأسه نافيًا. "ولا حاجة.. موضوع ملكيش علاقة بيه."

وتجاوزت جفاء الرد، بل تجاهلت. كلامه شئ ونظراته وحركات جسده في وجودها نقيض الشئ. مالت قليلًا بجذعها، تصطدم بجذعه، وكان مرحبًا وأكثر. تتناول كوبه تحت تفحص نظراته، ترفعه لثغرها، ترتشف ببطء منه عدة رشفات قبل أن تعيده مكانه بذات الطريقة. تمط شفتيها بتلذذ. "حلو أوي.. لو بتحبه هبقى أعملهولك فوق." وكانت تلك إشارة واضحة بالبقاء، وصدق نية البداية. ***

كان أكرم يرتدي ساعته وهو يخرج من بوابة البيت الخارجية. كان مزاجه رائق، يبدو ذلك من انفراج عقدة حاجبيه. عدة خطوات رتيبة قبل أن يرفع رأسه ويقابل حنين، والتي بدت بأنها للتو عائدة من الخارج تحمل بموازاة صدرها العديد من الكتب. كانت تتحاشى النظر إليه، تخفض رأسها تتجاوزه بشبه هرولة، فاستوقفها، يسألها بهدوء. "عاملة إيه؟ توقفت عن السير، ولازالت مطأطأة الرأس، تهمس بخفوت بالكاد وصله. "تمام.. الحمد لله."

نظر إلى رأسها المحني قليلًا قبل أن يهتف بصوت واثق. "ارفعي راسك ياحنين.. مش حابب أشوفك كده." حينها رفعت رأسها ببطء. ملامح وجهها كانت باهتة ونظراتها محرجة مليئة بالخزي، وبريق من الدموع. يسألها باهتمام صادق. "مالك؟ تلعثمت، والخوف يحتل قسماتها ويتغذى على روحها الضعيفة. "أنا.. أنا خايفة." ترتجف أمامه، بدت كطفلة مذنبة تخشى العقاب. طمأنها بتأكيد. "متخافيش الموضوع خلاص اتقفل... انتهى خالص."

أزاد وهو يرى عودة الدم لبشرتها الشاحبة رويدًا رويدًا. "كل المطلوب منك ترجعي حنين القديمة.. عايز مجموع يشرف مش إكلام." أومأت برأسها، توعده، قبل أن تغمغم بامتنان. "شكرًا." رفع أكرم رأسه عن مستوى رأسها، ووجد قاسم يقف بالخلفية بانعقاد حاجبين متسائلين، والغيظ يملؤه. ضحك بداخله وقرر إغاظته أكثر. يغمز بعينه. "ع إيه.. أي خدمة." يتابع بتأكيد. "لو عاوزتي أي حاجة.. أي حاجة أنا وقاسم موجودين." يُطيل بوقفته.

"ولو مش عاوزة قاسم يعرف حاجة.. أنا هكون في ضهرك دايمًا." تهز رأسها بمزيد من الشكر، وقد انسابت دمعاتها. تشكره وتتحرك. ترى قاسم فتتجاوزه مُرغمة بعد أن طأطأت رأسها مرة أخرى، وتماسكت ولم تلقِ عليه السلام حتى. كانت نظراته قلقة متسائلة أبعد ما تكون عن الغيرة والغيظ. يرمقها من بين أهدابه ينتظر تفسيرًا ولم يجده منها. تتجاهله، وكأنه هواء. يتهكم بداخله "هل ستجعله شرير الحكاية".

يقترب من أكرم، والذي بدوره كان يفتح باب سيارته ينوي الدخول، ولكنه استوقفه يسأله بقلق ظاهر. "في حاجة؟ يتعمد المناورة، يسأله بالمقابل. "حاجة زي إيه؟ جاء بها صريحة، هو لا يهوى التلاعب. "حنين فيها حاجة؟! يخبره أكرم باطمئنان. "كنت بطمن عليها عادي." يزيد بشقاوة مرحة يُغطي على كذبه، غامزًا. "متخافش مش هخطفها منك."

وتركه واقفًا بصمت. ينحني بجسده ليدلف سيارته، ثم بعدها أغلق بابها. لينحني قاسم بجزعه يستند بساعديه على نافذة سيارة أكرم، يعيد سؤاله، يريد الصدق. "حنين عندها مشكلة ياأكرم؟ " شقيقه ويعلمه جيدًا لن يهدأ له بال إلا حين يعرف الحقيقة كاملة، وخاصةً وأن الموضوع خاص بحنين. هتف أكرم بنظرة واثقة، يؤكد بكلامه. "مفيش حاجة والله يابني.. كنت بطمن عليها وبحاول أخليها تفك شوية." ثم أزاد. "لو عايز تتأكد صالحها واسألها." ***

ليلًا، بشقة كمال. عبست ريم وهي تنظر إليه، يوليها ظهره. يجلس بعصبية أمام مباراة تلفزيونية لفريقه المفضل، كانت مباراة بالدوري الإسباني هكذا قال المعلق، وذلك جانب لم تكن تعلم به. حيث أنه شغوف بالكرة الإسبانية على وجه الخصوص، عدا طبعًا معرفتها بأنه أهلاوي قلبًا وقالبًا. جسده متحفز، وبعض سباب يطلقه بخفوت، فـ البارسا بتلك الليلة غير موفقة. لعنات يصبها على الحكم والكثير على اللاعبين.

جلست بجواره، تزفر بضيق، وملل، وهو لا يهتم، فقط نظراته مركزة على أقدام اللاعبين والكرة. قررت معاندته، فسحبت جهاز التحكم من جواره وغيرت القناة دون مبالاة لمن ذُهل بجوارها. تُقلب بين القنوات، فزعق بها. "إنتِ مش شايفاني بتفرج ع الماتش! تهز كتفيها. "وانت مش شايف ان أنا اتخنقت." يتجاهل، يصيح بها بلا احتمال. "هاتي الريموت." "لأ." ردت بعناد فصاح بها مرة أخرى. "قولتلك هاتيه." واقترب يأخذه، فابتعدت بجسدها، تُخفيه خلف ظهرها.

فيقترب، لم يهتم، ولكنها تأثرت، تخضبت وجنتيها وكستها حمرة قانية، وأنفاسه الساخنة تضرب جانب بشرتها. وزاد من استيائها وغضبها اهتمامه بالمباراة عنها. ألقت بجهاز التحكم على الطاولة بعنف، وتركته ودخلت غرفة نومهما بعد أن صفقت الباب بغضب وقوة. وأيضًا لم يهتم.

عدا عن لمحة سريعة لكاحلها وقد خطفه خلخال فضي يداعب أعلى قدمها. يمسك بجهاز التحكم، يعيد القناة الخاصة بالمباراة. يزفر بضيق وغيظ، وقد فعلتها الريال وأدخلت جول تبعته بآخر سريعًا في شباك فريقه. وقد فقد الشغف، والمشاهدة لم تكن على المستوى المطلوب. حانت منه نظرة خاطفة لباب غرفتهما، وتخيلها بانتظاره، هي والخلخال. "هو رجل التخيلات بجدارة."

أغلق التلفاز بفتور، ينوي الذهاب لها ومراضاتها، مرضاة تليق بها. واحتمال وارد بإن الأمور قد تتجاوز المرضاة بقليل. قليلاً يتجاوز المسموح به. ***

كانت نورهان واقفة أمام الحوض تغسل الأطباق بذهنٍ شارد، وأفكار متشابكة. أكرم ذلك معضلة حياتها. لن تفهمه حتى وإن عاشرته فوق القرن قرنًا آخر. اهتمامه الزائد بأمورها، تفهمه، صبره عليها. حسنًا هو لم يعترف بخطئه. هو لديه مشكلة بالاعتراف بالخطأ والإصرار على موقفه، حيث كل أموره صواب. بات شخصًا أكثر تفهمًا وهدوءًا. وهذا ما يثير قلقها، يجعلها دائمًا متحفزة، تنتظر أدنى خطأ منه. كي تهرب بشقيقها وتعود للبيت القديم المتهالك. شقيقها الخائن، الجاحد، الذي تركها والتصق بأكرم يتتبعه بكل مكان وأي خطوة. وقد اشترك له أكرم بالنادي القريب مع أبناء كمال، وأحضر له حاسوب وهاتف جديدان دون طلب، ليصبح أكرم بنظره "سوبر هيرو" وهي زوجة الأب.

وعلى باب المطبخ كان يقف هو، يراقب.

يقيم بنظرات رجولية جسدها الملتف بقميص صيفي قصير لركبتيها. خصلاتها منسابة على كتفها وغرة تزين جبهتها أسقطتها بعشوائية لذيذة دون مجهود. وعلى الرغم من ضآلة جسدها إلا أنها مغرية بالفطرة. منذ اليوم الأول لهما وهو يلاحظ ذلك. بالأول كان ذلك يغيظه، يثير غضبه خاصةً مع قراره بالانفصال. ولكن بمرور الوقت عجبه الأمر. جاء على هواه حيث أنه رجل كسائر الرجال وهي زوجته. هو لا يعلم تحديدًا متى أحبها وتعلق بها هكذا. كل ما يعرفه أنه اكتفى بها عن الجميع.

يغمض عيناه. يعلم أنها تفكر به. وضعها معه غير مريح. هي لن تعطيه الأمان. رغم نظراتها العاشقة. يقطع على نفسه المراقبة وروعة التأمل وهو يقترب بخفة. يلتصق بها من الخلف. يده مرفوعة لأعلى يحضر كوبًا من فوق رأسها. أجفلت فور أن شعرت بوجوده وانتفضت تلتفت له بالمقابل بجسدها كله ليصبح رأسها مقابل رأسه. ونظراتهما متعانقة. كانت متفاجئة وخجلة. احتقان بشرة وجهها يعزز غروره ويدرك مدى تأثيره عليها. تهمس بتوتر: -في إيه؟

يحني ذراعيه لأسفل وبيده كوب زجاجي. يرد ببراءة مصطنعة: -بجيب كوباية عشان أشرب. ردت ببطء تشير بعينيها للمبرد: -طب ماتروح تشرب. يتمتم ببديهية: -هشرب من غير ما أغسل الكوباية... يرضيكي!! يتلكأ بوقفته. يزيد من جرأة نظرته. رجفت شفتاها رغمًا عنها تعض عليهما بخجل واستياء. ذراعيه محيطان بها يستند بهما على الرخامة خلفها. وقوفه هكذا واقترابه بهذا الشكل ذكرها بتلك القبلة بمنزل أهلها. أنزلت رأسها تطلب بخفوت ونبرة متحشرجة:

-طيب أبعد شوية. كان ذائبًا بوجودها. يزفر أنفاسًا حارة. يهمس بصوت مختنق: -مش قادر أبعد! لهفته تصلها. لن يستطيع الابتعاد. فماذا عنها؟ إن كان يحرقه الشوق قيراطًا، فيحرقها قربه أضعافًا. ازدردت ريقها. تحاول أن تبتعد. تهمس برجاء: -أرجوك...

تنهيدة محترقة خرجت من صدره. يغمض عيناه بشدة قبل أن يبتعد مجبرًا. يشد من جسده وكأنه يحاول التحكم. بضع لحظات وهو يعطيها ظهره. ومن ثم استدار. يقترب دون تلامس ولكن أنفاسه الهائجة تضرب وجهها بقوة. يميل عليها يحاصرها مرة أخرى. يغمغم بخفوت حاد: -المرادي ليكي. المرة الجاية لو عملتي إيه مش هوقف...

تلك الحكاية لا تحمل بين طياتها الاكتمال. تكرار الخطأ في حالته أشبه بمصيبة يفعلها عن طيب خاطر. حيث من الغباء أن تنتهي من علاقة وتدخل بأخرى. تلك حماقة! الحياة عبث في عبث. فوضى. وحياته عبث وكان يريد تغييرها معها.

يقف أمام منزل زياد ينتظر مجيئها. سيتوسل، يطلب سماحها، يعيد حبها له من جديد. هو عاصم النجار وما زال لديه القدرة على التلاعب بالقلوب وتحريكها كيفما يشاء. ينتظر وطال انتظاره. يترجل من سيارته. يستند على بابها ويشعل سيجارة ينفث دخانها بالأرجاء علها تهديه الراحة. يتخيل عودتها من بين ضباب تبغه وآخر معها. ولم تكن تخيلات. كانت حقيقة. هي أمامه تقف مع رجل طويل ذو بنية ضخمة ولم يتبين ملامحه.

يقترب بشبه صدمة وملامح تنبأ بالشر. ابتسامتها الهائمة ونظراتها الولهة لذلك الرجل. كانت له سابقًا. كانت تتلاعب. يقترب أكثر بخطوات غاضبة، والصورة باتت أوضح. ذلك حبيبها. وصار هو على الهامش بحكايتها. اقترب فتوسعت عيناها فور رؤيته. شهقت بصدمة وهو يجذبها نحوه يهدر بها: -بقى هو ده اللي إنتِ فضلتيه عليا! يشير على الآخر، يزيد بألم يحرق صدره: -كل ده بتلعبي بياا! يضحك بالأرجاء ساخرًا: -بتلعبي بينا احنا الاتنين.

وأفاق أحمد من صدمته. وتذكر. ذلك نفس الشخص الذي حاول التحرش بها بحفلة نجاحها. يقترب أحمد من عاصم وقد أعماه الغضب: -انت بتخرف بتقول إيه! يجذبه من ياقة قميصه دون مقاومة من الآخر: -انت مش هتبطل تضايقها. تعالت ضحكات عاصم يرمق يارا بصدمة. عيناه متسعتان بذهول غاضب. يتهكم بمرارة: -أضايقها! ينفض يداه عنه بعنف. يسألها بلهث محترق وهو يمسك بمعصمها بعنف: -أنا بضايقك!

وقبل أن يصرخ بها. يهاجم أو حتى يدافع عن دوره. فاجأه زياد يقف أمامه. ملامح وجهه مغضنة. يسأل بنظراته وقد ترجمتها شفتاه: -عاصم.. إنت بتعمل ايه هنا! ثم نظر لقبضته المحكمة على مرفق أخته فدفعه عنها هادرًا: -ماسك يارا كدة ليه. وحين وصول زياد ابتعد أحمد. يراقب. وقد تشابكت الأمور ببعضها، وتشوشت الرؤية لديه. ملامح يارا المرتعبة توحي بوجود شيء مع هذا الشخص. علا صراخ زياد بعاصم يلكمه دون أن يمهله فرصة الرد:

-فهمني.. انت ازاي تجيلك الجرأة تقرب من أختي كدة! حاول عاصم التوازن. ينتصب بطوله وقد أصاب جسده وهن إثر صدمته. يقترب من يارا. يغرز أنامله بلحم ذراعها يقربها من زياد المصعوق من هيئتها. يقول بغضب جامح: -فاكر أمنية... يتابع بفحيح. وقد ضغط على زناد تهوره وقضى الأمر: -أمنية هي يارا أختك. ترك ذراعها بحدة. يواجه زياد: -أنا ويارا على علاقة ببعض.

يثور بداخله. ينعى تاريخه العابث على يد مراهقة استغفلته. يتهور بالمزيد. يعلم أنه سيندم. ولكن لا وجود للتراجع بحكايته. -أنا ويارا على علاقة تامة. الرؤية أمامها صارت ضباب. كل شيء أمامها يدعو للانهيار. تريد البكاء. ولكن عيناها أبت. بهتت الرؤية شيئًا فشيئًا. تترنح بطولها بنصف وعي متأرجح بين الوعي واللاوعي. وأخيرًا تركت جسدها للانهيار. ومرحبًا بالسقوط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...