بعد أسبوع.... كانت ترتب الملابس على الأرفف بذهن شارد، أعصابها مشدودة منذ أن غادرت منزل أكرم. وما يثير حنقها حزن أمها، دائماً تبكي وكأنها بطلاقها منه سينتهي العالم، حقيقةً لا تعلم لما المبالغة؟! انقلب حالها وتغيرت حياتها، والمفترض أن تشعر بالراحة. فهي ورغم وضعها معه إلا أنها لا تقبل أن يشاركها به أخرى، لازالت تحبه.. لن تنكر! ولكنها فضلت الحفاظ على ما تبقى من كرامة لديها. داعبت ذاكرتها ذكرى أول مرة رأته بها....
كان كالبدر في تمامه بملابسه الكلاسيكية، وساعته الثمينة وعطره النفاذ والذي سرق خافقها فور تنشقه. كانت هيئته عكس المكان الذي يجلس به، فالمنزل جدرانه متهالكة وطلاؤه الجيري متساقط. كان يجلس على أريكة صغيرة منجدة بجوار جده وكأنه ملك.
منذ أن تشابكت نظراتهما معاً أحبته.. أحبته منذ اللحظة الأولى رغم تجهم ملامحه وقتها، إلا أن نظرته حينها كانت دافئة وكأنها تطمئنها، تربت على قلبها. ليتها لم تنساق وراء إحساسها.. فإحساسها كان خاطئ ككل شيء خاطئ حدث من يومها.
ابتسامة متألمة ارتسمت على ثغرها، تنهدت بحزن وهي تمسك بهاتفها بعد أن جلست على الفراش. تريد الاطمئنان على صغيرتها فمنذ رحيلها لم تراها، ولكن تطمئن على أخبارها من جدتها عبر الهاتف. وسماع همهمات الصغيرة وصوتها الطفولي لم يعد يكفيها.. فهي تريد احتضانها.
جاءها رنين وتلك المرة لم يكن الاتصال للجده ولكن لأكرم. زفرت بيأس وقد طال الرنين دون رد، وقبل أن ينتهي أتاها صوته الأجش متمتماً بسلام بسيط. التقطت أنفاسها وقد ارتبكت من نبرته، ويبدو من صوته أنه كان نائم. وكم اشتاقت له ولنبرته ولكل شيء. طال صمتها فقال باهتمام.. أو هكذا خُيّل لها.. "عاملة إيه؟ خفق قلبها بعنف، تمتمت شاكرة وقد اشتعلت خجلاً وكأنها لم تتمرد سابقاً. "الحمد لله." ثم صمتت قليلاً واستطردت بشجاعة مزيفة.
"عايزة ملك.. قصدي عايزة أشوفها." "طب وإيه المشكلة.. تعالي شوفيها." قالها هكذا ببساطة.. وكأن شيئًا لم يكن. "مينفعش أجي.. ينفع تجيبهالي، أسفة؛ قصدي تبعتهالي! ومن تغير نبرته يبدو أنها استفزته وأخرجت المارد. فـ علا صوته وهتف بحدة. "ليه مينفعش تيجي.. هو إحنا خدامين عندك! عايزة بنتك تعالي شوفيها غير كده متحلميش." وردت تجابهه وقد اغتاظت منه ومن أفعاله وغروره. "انت عارف إني مينفعش أجي.. فين المشكلة في إنك تبعتها."
همهم باحباط متعجباً. "مشكلة!! هو انتي طلباني عشان كده؟ "أيوه.. أومال هطلبك ليه تاني! استعاد رباطة جأشه ثم قال بحسم. "تمام.. ملك انتي عارفة مكانها عايزة تشوفيها تعالي. غير كده بنتي مش هتخرج من بيتي." وأغلق الهاتف بوجهها دون سلام. وقد أثارت جنونه ألقى الهاتف على طول ذراعه غاضباً، يطحن ضروسه ببعضها البعض. لا يصدق برودها! هي والتي من نظرة واحدة منه كانت كفيلة باشتعالها. كلمة بسيطة منه كانت كافية لاسعادها أيام.
حانق.. وبشدة، وما يثيره أكثر أنه لا يعلم سبب حنقه. يحدق في اللاشيء بقسمات مكفهرة ونظرات مشتعلة، جسده متشنج. دقائق قليلة كان على حاله، ثم تحرك بآلية وانحنى أرضاً ليمسك بهاتفه. ضغطات بسيطة ورنين قصير قطعته صوت أنثوي. تجاهله هو وكأنه لا يسمعها. قاطعها بنبرة جامدة. "حضري نفسك بالليل عشان هنروح نجيب الدبل والشبكة."
يتبعها بخطوات ثابتة، مدركًا حبها له حتى وإن أنكرت ذلك وتظاهرت بالعكس. وهو أيضًا يحبها ويحتاجها ولا داعي لهدم بيتهما من أجل نزوة. حسناً.. عدة نزوات صغيرة، فهو رجل وله احتياجات لا تستوعبها هي. مالت شفتيه بشبح ابتسامة فور تذكره لحديث أكرم "من أين يأتي بتبجحه".
تسير أمامه بخطي متمهلة وكأنها متعبة، ترتدي سروالًا من الجينز الضيق يعلوه قميص فضفاض يصل لأعلى ركبتيها بقليل بلون زهري يتماشى لونه مع ربطة شعرها والذي جمعت خصلاته بشكل عشوائي أعلى رأسها. تبدو لعينيه أكثر نحافة من ذي قبل، هشة قابلة للكسر بأي لحظة. لوهلة أنبه ضميره لما فعله بها، ولكن هاهو موجود اليوم ليصلح كل شيء. لحق بها ونادى باسمها بلهفة ظهرت جلياً بصوته. "نيرة."
أجفلت من ندائه وكأنه ظهر من العدم. ثوانٍ بسيطة كانت تنظر له ببلاهة وفاه مفتوح غير مدركة وجوده هنا أمامها من الأساس. تخطت صدمتها وقد استفاقت من زهولها سريعًا فولته ظهرها وتابعت سيرها بتوتر دون رد. فـ لحق بها مسرعًا وأمسكها من ذراعها يديرها إليه بتملك. نظراتهما تتقابل معًا، يعلوها بطوله. نظرتها ذابلة كانت تحمل عتابًا تحاول ألا تظهره، ونظرته مليئة بالرجاء. يحدق بها بعينين بنيتين متوسلتين. "استني.. إحنا لازم نتكلم."
زاغت بنظراتها عنه وعن ملامح وجهه والتي كانت تهيم بها عشقًا. كتفت ذراعيها وحاولت أن تكون نبرتها ثابتة عكس ما يجوش بصدرها من تخبط وحيرة. "هنتكلم في إيه.. معتقدش إن لسه فيه كلام بينا يا زياد." "إحنا متكلمناش أصلاً يا نيرة ولا قعدنا مع بعض." ثم تابع بينما يراقب عينيها يحاول التأثير بها كما كان يفعل سابقًا.
"لو كنتي بتحبيني صحيح.. كنتي المفروض تعاتبيني، تسأليني.. إن شاء الله يا ستي تتخانقي معايا. إنما تسيبيني وتمشي وتطلبي الطلاق كده مرة واحدة! رفعت حاجبيها باندهاش حقيقي. هتفت غير مصدقة. "زياد.. انت بجح أوي كده ليه؟ كاد أن يضحك بداخله فيبدو أنه حقًا "بجح" وبشهادة الجميع. ثم أكملت بمرارة كست نبرتها رغماً عنها.
"ولأ يا زياد أنا مطلبتش الطلاق مرة واحدة.. أنا صبرت عليك سنتين.. وكنت حاسة بكل حاجة.. بس كنت بكذب نفسي وبكذب تلقيحات الناس المحيطة بيا عشان بحبك ومش قادرة أبعد عنك. بس خلاص رصيدك في قلبي خلص." مسد جسر أنفه بتعب. وجد أن زمام الأمور بدأت أن تفلت من بين يديه. فقال بهدوء يحاول أن يكسب بعض الوقت. "أنا شايف إن إحنا نروح مكان هادي نتكلم فيه." "تتكلموا في إيه بالظبط، مش قولتلك ملكش كلام معاها وكلامك يبقى مع أخواتها الرجالة."
انتفضا على زعيق قاسم والذي أشبه بطلقة نارية اخترقت وقفتهم. مسح صفحة وجهه بحده وغضب ولم يكن هذا وقته بالأساس. صرخ به وقد طفح الكيل منه ومن تدخله. "إنت مالك إنت يابني آدم.. واحد ومراته وواقفين سوا بيتنيلوا بيتكلموا سوا.. تتدخل بينهم ليه! اقترب قاسم من وقفتهم وفصل بينهما بعرض جسده بالمنتصف، يجابهه بطوله وحدة نظراته وخشونة نبرته. "أتدخل ونص وتلت تربع.. هي سمحالي.. وبصراحة كده أنا مبقبلكش.. ويللا بقي من هنا."
فارت دماء الآخر من الغيظ، فدفعه بكفيه هادرًا. "انت بتطردني من الشارع انت عبيط يلا! "عندك حق.. إحنا اللي هنمشي ونسيبهولك، يللا يا نونا." أنهى قاسم كلامه وهو يسحب كف أخته بين كفه بقوة تاركًا الآخر يسب ويلعن وقد ضاعت منه الفرصة!!!
بعد قليل على الدرج الرخامي للبيت. كانت نيرة تجلس على إحدى درجاته يعلوها قاسم بدرجتين. يراقب ظهرها، حركاتها الخرقاء لمداراة ضعفها وتوترها. تمسد خصلاتها بلا اهتمام حقيقي في محاولة فاشلة منها أن تتجنب مواجهته. قرر قطع الصمت الثقيل بينهما فحمحم بخشونة وتساءل بمكر. "لسه بتحبيه؟! تنهدت بضيق واكتفت بالتحديق في اللاشيء أمامها. فتابع هو يزم شفتيه يجيب بدلاً عنها. لطالما عرف كم كانت مدللة بحبه. "يبقي لسه بتحبيه." "بكرة تنسيه."
ضحكت نيرة ضحكة خفيفة تحاول إخفاء سخرية واضحة. "ياريته كانت بالسهولة دي يا قاسم." "الغريبة إن دائمًا كنا بنسألك بتحبيه؟ بس عمرنا ماسألنا هو بيحبك ولا لأ." ثم تابع بحاجب مرفوع متسائلاً. "هو بيحبك؟ ارتج قلبها بداخله. فأمسكت برباط شعرها تزيحه فانسدلت خصلاتها السوداء على كتفيها بنعومة. لم تلتفت له بل تحدثت. "الأمور مبتتاخدش كده يا قاسم.. حسابات القلب غير العقل خالص. انت بس عشان مجربتش فمش حاسس بيا."
هتف دون أن يشعر وكأنه يحدث نفسه بمرارة. "مجربتش!! هو أنا في حاجة جيبالي الكافيه غير قلبي." دارت بوجهها تحدق بعينيه. ويبدو أنها تولت المهمة وأصبحت مكانه. "هسألك نفس السؤال.. بس ليك المرة دي. دايما بتقولي انت بتحب حنين.. بس عمرك ماسألت حنين بتحبك ولا لأ.. وبنفس نبرته السابقة وذات الحاجب المرفوع سألت تتحداه بنظرتها. "ها.. حنين بتحبك؟!
بهتت ملامحه في لحظة وتبدل مزاجه بوضوح. ساد صمت قصير بينهما يقطعه أنفاسهما ولكنه قال بنبرة جافة. "أكيد بتحبني.. المفروض إنها تكون بتحبني.. مين يلاقي حد بيحبه ومحافظ عليه زيي وميحبوش؟! هزت رأسها وقد أصابت الهدف. "طالما قولت المفروض يبقي شكيت. عرفت إن حسابات القلب بتختلف." رد بعناد يجابهها علها تستفيق. هو رجل ذات مبدأ لا يحبذ الرمادية ولا تستهويه.
"بس وضعك غير.. كل شيء في الحب ممكن الواحد يتغاضى عنه عشان المركب تمشي إلا الخيانة." وتابع بيقين ونبرة جامدة يشدد على حروفه. "الخيانة بتكسر أي حاجة حلوة ممكن أكون مخزنها في قلبي. الخيانة بتهد وبتجيب الآخر." ثم أكمل وقد قست نبرته. "أنا لو مكانك عمري ما أسامح." مالت برأسها. تنظر له نظرة خاوية لامرأة مجروحة، قالت بابتسامة متألمة. "بلاش تبقى مكاني.. محبش أبداً يا قاسم إنك تكون مكاني."
قطع خلوتهما صوت حنين والتي عادت منذ قليل واستمعت لمعظم حديثهما معاً، ولكن فضلت عدم الظهور، فحديث قاسم عن الخيانة أزعجها. أزعجها لدرجة انقباض قلبها. ولا تعلم السبب. "هاي." "هاي ورحمة الله يا أختي.. إيه هاي دي الناس بتقول سلام عليكم."
رد عليها متهكماً. يرمقها بغير رضا بسبب ما ترتديه من بنطال شديد الضيق وبلوزة تحتوي جزعها وتظهر معالم أنوثتها بترحيب للناظرين. ولكنه تغاضى وقد هان الأمر وستصبح في عصمته قريبًا وكلمته ستسري عليها سواء كانت راضية أم لا. تأففت في وقفتها بملل. وقلبت وجهها وقبل أن تنطق. هتفت نيرة وهي تقف، تعدل من ثيابها والتي انثنت بفضل جلستها. قالت مبتسمة بوجهها. "أنا هطلع أنا قبل ما تبدأوا بـ وصلة الخناق بتاعكم."
ثم استدارت ونظرت لقاسم نظرة ذات مغزى وهي تشدد على معصمه تهمس له دون الأخرى. "بالراحة عليها.. ده لمصلحتك قبلها." تراجع في ضيقه قليلاً. ولانت ملامحه. سألها بهدوء. "كنتي فين؟ ارتبكت قليلاً. ازدردت لعابها ثم قالت. "هكون فين يعني.. كنت في الدرس." قال بضيق واضح في نبرته. "مش ملاحظة إن دروسك كترت وبقيتي بتخرجي وتتأخري كتير؟
وزعت نظراتها هنا وهناك بعيدًا عن نظراته المثبتة عليها. كان يراقب كل خلجة بها. يعلم متى تكذب ومتى تكون صادقة. ودون انتظار ردها. أكمل بتحذير. "جدول الدروس بتاعتك يكون عندي بالليل.. مفهوم! هتفت باعتراض واضح والضيق ينضح من قسماتها. "ليه بقي إن شاء الله.. مين خلاك ولي أمري! هنا فقد آخر ذرة من هدوئه وهو يصيح بها. "ماتظبطي يابت بدل ما أظبطك.. ردودك كلها مستفزة وأنا مش هصبر أكتر من كده."
زفرت بضيق. وتجاوزته تتخطاه. فتحرك من جلسته يمسك بمعصمها قبل أن تتركه. كان غاضباً منها، بداخله شعور لا يعرف كنهه ولكنه شعور قبيح مقبض. سيتغاضى عنه للأسف من أجل حسابات القلب سيتغاضى عن أي شعور قد يهز ثقته بها. ثبت عينيه على نظراتها المستاءة. ملامحها متوجعة من مسكته القاسية لمعصمها، قال ونبرته تغيرت للجدية. "أبوكي هييجي آخر الشهر ده." دب القلق بصدرها وظهر في عينيها. فسألته بضعف تلقائياً. "ليه؟
وكانت إجابته أكثر تلقائية ونبرته كانت ثابتة وقوية على عكسها. "انتي عارفه ليه! نفض ذراعها عنه بعنف مثلما أمسك به. تركها تصعد تحت ناظريه بخطي مترنحة غاضبة. تركته متصلبًا مكانه والحيرة تأكل قلبه، وعقله يهتف بألف سؤال وسؤال.
وفي غرفتها وأمام مرآتها. كانت تراقب انعكاسها. دموع عينيها والتي بدأت بالتساقط، وقد استاءت من ضعفها. فأمسكت بهاتفها وقد قررت تغيير واقعها وعليهم احترام ما تريده. وعدة ضغطات على الهاتف ثم رفعته على أذنها ليأتيها الرد وتجيب هي بـ "ماما".
بإحدى محلات الصاغة الشهيرة والتي اعتادت عائلته التعامل معه. كان أكرم يجاور جيلان في وقفتها. يختاران معًا خواتم الخطبة كما وعدها. بريق الذهب أمامها خطف أنظارها رغم أنها ابنة وحيدة لأب ميسور الحال لم يقصر معها بشيء إلا أنها كانت دائمًا تريد المزيد والمزيد. أحلامها وطلباتها لا تنضب. في روايات من عرفوها وعاشروها يقولون عنها طامعة ذات أعين فارغة لا يملئها سوى التراب. ولكنها في روايتها هي طموحة ولا ضير في ذلك. وهي الآن
تعيش أكثر أحلامها روعة وجمالاً. معها أكرم الذي يحبها ستجعله كالخاتم بإصبعها سيلبي طلبها قبل أن تأمر به. هي ليست حمقاء كي لا تشعر بتغيره وجفائه وتجهم قسماته. ولكن كل شيء يهون، مع الوقت ستعيده أكرم القديم. أكرم الذي رسب لعامين بالجامعة كي يظل معها وأمام ناظريه.
أفاقت من تخيلاتها الوردية على صوت الصائغ. "دي أحدث وأجمل خواتم موجودة في المحل يا أكرم. نقي منها وعلى ضمانتي." عيناها لا تتوقفان عن انبهارهما وهما تتجولان على كل قطعة أمامها. ابتسمت برقة وأعين منبهرة توجه حديثها لقاسم وهي تشير على خاتم ماسي. "إيه رأيك في ده؟! خطفني أول ما شفته." يبادلها الابتسام بنظرة لا تفهمها. بالأصح تتغاضى عنها. يدقق باختيارها دون تركيز. "جميل."
قالها ببرود. غير مهتم وكأنه مجرد صديق ذهب معها ليعرض رأيه فقط. استاءت من بروده معها. بلحظة تلاشت الابتسامة الرقيقة وحلت مكانها تكشيرة مصرية أصيلة. تعلم أنه لا يحب رؤية أحد حزين. وقد أصابت فقد خلع عنه قناع البرود. قال باهتمام. "جميل بجد.. حقيقي يعني.. طالما عجبك أوكي ناخده." تمتمت بخفوت كي لا يسمعها من يقف أمامهما. "مش المفروض نختار سوا.. هو أنا غصبتك على حاجة يا أكرم؟
"لا مش كده أكيد.. أنا بس بالي مشغول بالوضع في البيت عندي وكده." عادت بنظراتها للخواتم أمامها تختار وتقارن بعقلها ونظرتها، تسأله وقد رقت نبرتها واصطنعت براءة لا تناسبها. "طب وأنا ذنبي إيه يا أكرم.. هو أنا اللي لخبطتلك الدنيا كده! حقاً عجز عن الرد. بماذا يجيب!
هو الآن بأسوأ فتراته. بل تلك الفترة هي الأسوأ بحياته. تنحنح، يمسح على لحيته الخفيفة بأنامله يخفي تيهه، واعتبرت سكوته انتصارًا لها. فابتسمت بوداعة وتابعا ما جاءوا لأجله. مبتسم بطريقة غريبة، وكأنه مسيّر أو مغيب، أو مضروب على رأسه. مبتسم بذبول. وكأنه.. وكأنه رجلٌ بورطة.
أنهت ريم رص أطباق الطعام على المائدة. وقد قررت اليوم أن يكون العشاء خفيفًا وبمفردهما من أجل تهدئة الأمور بينها وبين كمال. وقد غفا زين الصغير قبل قليل بأعجوبة، ومراد وحاتم بغرفتهما يستذكران دروسهما. ابتسامة رضا زينت ثغرها وهي تنظر للطاولة في الوقت ذاته دخل كمال ممسكًا هاتفه مدققًا به يكتب ويرسل أشياء تقريبًا لها علاقة بعمله. تجاهلها كعادته تلك الفترة وجلس مكانه دون أن يحيد بنظره عن الهاتف.
سحبت كرسيها وجلست تجاوره ومازالت ابتسامتها موجودة وملامحها هادئة لاتريد سوى أن تعود الحياة بينهما مثلما كانت. ملأت له كوبًا من الماء ووضعته أمامه فتناوله دون شكر. وأخيرًا ترك الهاتف ووضعه أمامه على الطاولة، فانتبه أنهما بمفردهما دون أبنائه. فسأل. "الولاد فين؟ "زين نام، ومراد وحاتم اتعشوا سندوتشات ودخلوا يذاكروا."
أومأ برأسه متفهماً. وبدأ بطعامه عاقدًا حاجبيه. ساد الصمت بينهما عدا عن أصوات أدوات الطعام. وقد ملت منه ومن صمته. فقررت قطع سكون اللحظة، أجلت حلقها وسألت بخفوت. "كمال ممكن أعرف انت متغير معايا ليه." تستلهم، تحاول فك شفرته، تجابهه بنظرتها ونعومة ملامحها. زفر بحدة وقد تجهمت ملامحه وازداد مزاجه سوءً، أجاب بجمود. "مفيش حاجة.. معاملتي ليكي طبيعية جدًا." صاحت به بانهيار.
"هو إيه اللي طبيعي.. انت يا إما زعيق يا إما مبتكلمنيش أصلاً." هدر بها وقد تضاعف غضبه بسبب صوتها المرتفع. "صوتك ميعلاش أحسنلك." صمت لحظة وتعمد جرحها فهتف بلؤم لا يشبهه. "وبعدين إيه اللي مضايقك.. ولا انتي عايزة حاجة تانية؟ فـ غرت فمها تنظر إليه بصدمة منه ومن وقاحته، انعقد حاجبيها الرقيقين بشدة وهي تهتف مدافعة. "أنا.. أنااااا.... أنا أكيد مقصدش."
ولم يقوى لسانها على التكملة، فنهضت واقفة من مكانها بعصبية تنوي المغادرة بعد أن ألقت بوجهه أنه عديم الاحترام. باللحظة ذاتها كان هو أيضًا يقف أمامها رأسه برأسها. وما بين خجل وعتاب.. غضب وحيرة.. رغبة يريد وأدها وبراءة تزيد من إغوائها. وتقول عنه عديم الاحترام إذاً فليريها ما أهانته بها.
كانت الغلبة لجسده بعد أن حاوطها بذراعيه مستندًا على ظهر كرسيها. جذعه الخشن مقابل نعومتها، أغمضت عينيها بشدة. تشعر بتشنج جسده، انحبست أنفاسها بصدرها وجسدها كله يشتعل خوفًا. وخجلًا. كان يراقبها.. صدرها يعلو ويهبط بذعر. ملامحها الناعمة وخصلاتها الثائرة تأسرانه. هي كلها ملك يمينه ولكن لا يريد. لحظات وفتحت عينيها ببطء. ليتبادلا النظرات الصامتة واقتراب الأنفاس. كانا بعالم آخر. همست اسمه بنعومة تذيب الأعصاب. "كمال."
وبنطقها لاسمه استفاق وانتفض بداخله، سارع بكسر السحر النابض بعينيها وتظاهر بالقسوة واللامبالاة. تابعت وقد تحول لون وجهها للأحمر القاني. "أنا بس عايزك تديني وقت." رد متعمد إحراجها بضحكة هازئة. "تديكي وقت لأيه؟! ثم تابع بصوت أجش ومازالت ابتسامته هازئة. "آه.. لأ أنا مش عايزك.. الرفض المرادي مني أنا! ثم تغيرت نبرته أصبحت أكثر سوداوية. يهتف من بين أسنانه بشراسة.
"انتي هنا زي ما انتي قولتي قبل كده للولاد والخدمة وبس.. متتعشميش بأكتر من كده يا ريم. وبالنسبالي لو هفني مزاجي على الجواز.. هتجوز يا ريم." قطبت مابين حاجبيها، واستقامت بوقفتها رغم أنها مازالت بين الكرسي وذراعيه. صاحت بوجهه. "اللي بتقوله ده في أي شرع بقى إن شاء الله؟! أجاب بجمود. "اللي بقوله ده لا شرع ولا قانون.. اللي بقوله ده كان قرارك هنا في البيت ده اللي متغيرش.. خليكي قد قرارك ولو مرة واحدة يا ريم."
همست بصوت متحشرج. "انت كده بتظلمني." أردف بقسوة. "انتِ اللي ظلمتي نفسك." وخلال ثانية كان يبتعد عنها حانقًا، دخل غرفته سحب مفاتيحه... وتحرك. مغادرًا كإعصار. صافق الباب خلفه بكل قوة. ومع خروجه هوت بطولها أرضًا ترتجف، تدفن وجهها بين كفيها تبكي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!