الجو صيفي بامتياز، وشمس العصاري تفرض أشعتها. كانت حنين تجلس على كرسي خشبي على سطح البيت المظلل بألواح خشبية مضلعة بتوازي صنعها قاسم، تنظر للحمام أمامها بذهن شارد وملامح باهتة. تجلس بأريحية بفستان ربيعي طويل يكشف نصف الذراعين بلون العسل يتماشى مع لون عينيها. تمسك بكوب عصير ساقع دون أن ترتشف منه، غافلة عمن يقف وراءها، يراقب كل حركة تقوم بها. كم مرة تنهدت، كم مرة لعبت بخصلاتها. اهتمامها الظاهري بحماماته يتمنى أن تهتم به أيضاً مثلهم حتى وإن كان زائف. والاهتمام الزائف بالوقت سيتحول لاهتمام حقيقي. حزينة، ملامحها حزينة وحتى جلستها حزينة، ولا يعلم السبب. سحب شهيقاً طويلاً لصدره، وقد قرر أن يقطع خلوتها.
هتف بصوت أجش: ـ الحلو سرحان ف إيه؟! أجفلت. اعتدلت بجلستها تحت نظراته الفاحصة، وردت بملل: ـ ولا حاجة. بتفرج ع الزغاليل بتاعتي. ـ مش انت بردو قلت إنها بتاعتي؟ ـ كل اللي أودامك بتاعك.
قالها بصدق يشير لما حولها بما فيهم هو دون أن ينطق بها. الكون كله ملكها لو فقط تمنحه الرضا. يدقق بعينيها وكأنه يقرأها، توترت وزاغت نظراتها. تبحث عن طريقة تخبره بها أنها لا تحبه. كلا، هي تحبه ولكن كأخ. كم تمنت أن يعاملها كـ نيرة أو يفهمها كـ يارا، ولكنه يأتي عندها ويتبدل. تذكر ذات مرة وهي في سن أصغر سألته لما لا يعاملها مثل البقية. وكانت
إجابته مختصرة دون عناء: "بأنها ليست مثلهم". هو يقصد شيئًا وهي فهمت شيئًا آخر. دائمًا الشيء وعكسه. هو الثورة وهي الهدوء. هو الفعل المباشر وهي المراوغة. كادت أن تنطق بها صريحةً ولكنها تراجعت. توهان نظرتها وحيرة معالمها جعلته يسأل: ـ عايزة تقولي إيه؟ زفرت بيأس: ـ مفيش. يستجوبها وقد مال واقترب بجزعه منها. نظراته مطمئنة عكس نبرته. ـ مخبية عليا حاجة؟
وإن كان يسأل بشك، فقد تأكد فور أن رأى توترها. حركة حلقها المتشنج وهي تبتلع ريقها بصعوبة أمامه. تجذب خصلاتها بعشوائية بحركة اعتادت فعلتها منذ صغرها حينما تكذب أو تخفي أمرًا وهو يحفظها كاسمه. بـ حلقٍ جاف تمتمت: ـ لأ، مفيش حاجة أصلًا عشان أخبيها. يحذرها بجمود مخيف وقد تعكر المزاج. وبداخله هاجت نبضاته واهتز ثباته. ـ ياريت يا حنين، ياريت ميكونش فيه حاجة. عشان انتي مش قد شري لو عرفت إنك مخبية عليا حاجة. ***
ـ أيوه ياحاج. صدقني اللي حصل ده هو الصح.
هتفت بها والدة زياد عبر الهاتف، حيث أن تلك المكالمة الأسبوعية المعتادة منها. مكالمة بالعادة تكون باردة مثلها. "رباب" ابنة القاسم بـ أوائل الخمسينات من عمرها مستقرة بـ ألمانيا وقد نالت شهادتها أيضًا من هناك بسن متأخر نسبيًا بسبب زواجها والذي أسفر عن زياد وتأجيل دراستها. وما أن أنجبت يارا حتى عاودها حلم إكمال الدراسة والأبحاث. وكم كانت ذكية والجميع يشهد بأنها كانت ستحل مكانة علمية مرموقة، وهي الآن تُدرس بإحدى الجامعات هناك. ومن وجودها وعشرتها الدائمة للألمان اكتسبت برودهم وحلولهم العملية لكل شيء.
صدم القاسم من حديثها قال بشيء من الحدة: ـ خراب بيت ابنك وحفيدتي يارباب صح؟ هو إيه الصح في كده؟ تفند الأسباب أمامه، تقنعه بعملية تمارسها. ـ يابابا، الاتنين مش شبه بعض. متقنعنيش إن نيرة كانت تليق بزياد. احتلت نبرته وخرجت زاعقة: ـ ولما هما مش لايقين على بعض وافقتي يتجوزوا ليه؟ ـ محدش فينا وافق يابابا. انت قررت وعشان ترضيها غصبت على زياد يتجوزها. ـ أنا مغصبتش على زياد يارباب. زياد بيحبها.
هتفت بتأكيد وكأنها تخاطب إحدى طلابها. مستحيل يكون بيحبها، هي غلطة وجه وقت تصليحها. إبني عايز واحدة يتباهى بها قدام الناس، مش ست بيت تستناه كل ليلة عشان تغسله رجله!! جُفل وكأن شيئًا بداخله قد كُسر. ارتعش صوته وبان الوهن جليًا. رمش عدة مرات ثم همس: ـ هي دي قيمة نيرة في نظرك؟ واضح يارباب إنك مش عارفة ابنك عايز إيه. لأن ابنك متمسك بيها ومش راضي يطلق. وبالنسبة ليارا، ياترى بتسألي عنها ولا حالها حال زياد؟ ردت بتكلف
تنهي الموضوع لصالحها: ـ إزاي يابابا، أكيد بكلمها. ده إحنا حتى متفقين إن الويك إند هتيجي تقضيها معايا. بس البركة فيك بردو يابابا. تنهد بمرارة غلفت حلقه. ـ أكيد البركة فيا. مانا بجوزكو عشان تخلفوا عيال وترموهم. ماذا كنتي انتي ولا عماد؟ فأنتم قلبكم أقسى من الحجر. ربنا يهديكم.
ومن دون انتظار ردها كان قد أغلق الهاتف. يتكئ على الجدار المجاور، مكالماتها كانت كفيلة باشعال فتيل إحساس الوحدة الذي بات يزوره مؤخرًا. رغم وجود فاطمة والأحفاد من حوله. يخشي أن يموت دون أن يراها هي وشقيقها. وما يحزنه ويغص قلبه أنها لن تهتم بموته من الأساس. واللعنة كل اللعنة على عقوق الأبناء وجفائهم. ***
أوقف عاصم سيارته السوداء بمكانها المخصص بمرآب الشركة وقبل أن يغادر، قابله زياد بسيارته محدثًا جلبة في المكان، مما استدعى انتباه حارس الأمن ولكنه اكتفى بنظرة وعاود عمله. ترجل زياد من سيارته يغلق بابها بعصبية ليبحلق به عاصم بدهشة وحاجب مرفوع. فهو يعلم كم هو ولّهاً بسيارته بأحاديثهم يطلق عليها المدللة. يعلم بأن حبه لها تخطى حبه للنساء والجونلات الضيقة. اقترب منه وقد استشعر القلق من هيئته وذقنه المهملة. سأله بحذر:
ـ هي مراتك لسه مرجعتش؟ وكأنه ضغط على زر الاشتعال. رد بعصبية يلوح بكفه بالهواء بانفعال: ـ لأ. الهانم مصرة على الطلاق. ـ حقها. همسة بسيطة، مجرد همسة ولكنها وصلت لمسامع المشتعل، فحدجه بغيظ يضغط على أسنانه. ـ حق مين؟ دي مكبرة الموضوع أوي. ـ متبقاش بجح يازياد. هتف بنبرة خطرة وقد طفح الكيل من تلك الصفة التي التصقت به رغماً عنه. ـ صدقوا بالله اللي هيقولي يابجح تاني هديه بضهر إيدي على وشه أعوره.
رفع عاصم كفيه مستسلماً بشقاوة. يحدثه وهو يتحرك بخطى سريعة إلى المصعد. ـ لأ وع إيه الطيب أحسن. بس انت ناوي تعمل إيه؟ وقف بجواره بانتظار المصعد. أكتافه متهدلة بإحباط ونبرته مكتومة. ـ مش عارف. هي مش مديني فرصة حتى نتكلم وتسمعني.
ولمع وصول المصعد دخلا معًا. يرتكن زياد بظهره في إحدى زواياه بإرهاق يضع كفيه بجيبي سرواله الضيق. ووقف عاصم أمام المرآة الموجودة به يعدل من هيئته، قميصه البني يتناسب مع سرواله البيج، فنظر لحاله برضا. يمسد بأنامله خصلاته البنية القصيرة وحاجب مرفوع بعجرفة رجل يعلم جيدًا أنه وسيم. يراقب إحباط صديقه من خلال انعكاسه بالمرآة. فقال ببساطة وكأنه يتكلم عن الطقس. ـ اخطفها. ـ اخطفها؟ ـ آه اخطفها. هو انت هتخطف حد غريب، دي مراتك.
وقد استدعى كل تركيزه فاستقام بوقفته. واقترب منه وقد نالت الفكرة استحسانه. ـ اخطفها إزاي؟ ـ عادي استناها عند بيت جدك وأول ما تخرج اخطفها زي الأفلام. ابتسم زياد كالأبله واتسعت ابتسامته فأصبحت ضحكة هبلاء، وقد فغر فاهه واتسعت حدقتاه بإعجاب للفكرة. فسأل: ـ وبعد ما اخطفها أعمل إيه؟ مال عاصم بجسده يشاكسه وقد ادعى جدية زائفة. ـ هو إيه اللي تعمل إيه؟ انت تمام يالا؟ هز رأسه بخفة وقد تبدلت حالته. ـ تمام!
إيش حال لو مكنتش ممسوك خيانة. ربت عاصم على كتفه بقوة. ـ خلاص الباقي عليك بقى يا عم. وأمام مكتبه يرافقه زياد. ترمقهم أماني السكرتيرة بنظرة ممعنتة ونصيب الأسد من نظراتها كان زياد. ـ قهوتي بسرعة يا أماني. عندي صداع. وقبل أن يغلق بابه بوجهها، اقتربت منه بملامح غاضبة ونظارة ذات إطار سميك أعلى أنفها جعلتها أكثر شرًا. تشدّد على حروفها. ـ ياريت يا مستر عاصم نحافظ على الألقاب. اسمي مدام أماني.
وولته ظهرها بكبرياء وكأنها من العائلة الملكية. وقد اعتاد هو وسلّم أمره لله. أما زياد فضرب كفًا على الآخر. ـ مدام أماني لو بتقبضك آخر الشهر مش هتسكتلها كده. جلس على كرسيه بارتياح. وجلس زياد بالمقابل. ـ واحدة شاطرة وشايفالي شغلي صح، مش هيجرى حاجة لو فوتيلها. ثم أمسك بهاتفه. يتصفح بتركيز، يدقق باهتمام إلى أن ارتسمت على ثغره بسمة رائقة. جذبت انتباه زياد. ليغمز بمكر وقد فهم. ـ آآآه. الله يسهله يا عم.
ـ أهو نبر أهلك ده. هو اللي مخلي الموضوع مش سالك. ـ ليه؟ هي لسه مجتش؟ اتسعت ابتسامته ولمعت عيناه ببريق عابث. ـ لأ، لسه. بس هتيجي، كله بالحنية بيفك. وساد العبث وطغى على النبرة. ـ وريني هاني. صمت عاصم لثوانٍ دون رد. برغم من أنه يمتلك لهما سويًا عدد لابأس به من الصور السيلفي، إلا أنه نفى ولا يعلم سبب نكرانه. ولكنه لا يريد أن يعرفها. ـ مش معايا صور ليها. رفع زياد حاجبه بمشاكسة. سأله بتوجس.
ـ ممممم. متأكد إنها مصلحة وهتعدي؟ ملامحه أصبحت مبهمة سرعان ما انقلبت لانعقاد حاجبين. ونبرة غريبة لا تحمل أي انفعال. ـ زيها زي غيرها. ***
مطبخ واسع، مائدة مستطيلة تتوسطه. رخامة طويلة بنية اللون يتماشى لونها مع لون سيراميك المطبخ بتدرجاته البيج والبرتقالي. موقد حديث تقف ريم أمامه تضع أصابع البطاطس بالزيت المغلي، تدندن لحنًا قديمًا بنعومة مع تمايل طفيف لخصرها وخصيلاتها. ورائها على المائدة يجلس مراد وعلى فخذيه يجلس زين الصغير يهدهده يتناولان من طبق بطاطس قد وضعته ريم أمامهما منذ دقائق.
يقف منذ مدة يراقبها عن كثب دون ملل أو كلل وقد أوجعه ضميره لما فعله معها. بالأخير هي لا تستحق. يستمع لدندنتها وصوتها يدغدغ شعوره كرجل قد قرر أخذ هدنة، ونسيان ما سمعه أو تجاوزه. خصلاتها ثائرة كطباعها تركتها منسدلة بحرية على ظهرها، ترتدي قميصًا صيفيًا والحمد لله كان طويلاً يصل للكاحل بنصف ظهر مكشوف وكأنها تعوض عن طوله، يظهر نعومة بشرتها. قبض على كفيه تلقائيًا عند تذكره لملمس بشرتها حينما كانت بين يديه.
زفر طويلاً وقد يأس من تنبيهها مرارًا بشأن ملابسها أمام الأولاد. وأمامه أيضًا قبلهم. والأخيرة هتف بها ساخرًا بداخله. واللعنة عليها تضرب بكلامه عرض الحائط، وكأنها تتعمد ذلك. حمحم بخشونة نبرته وقرر قطع مراقبته للوضع أمامه. ـ ريم محتاج مساعدتك. لم تنتفض أو تلتفت. كانت بالأساس تعرف بوجوده. ولم تهتم ولن تهتم. وقد قررت تجاهله ككل شيء حدث ضد إرادتها.
لحظات طويلة دون رد منها، وصبر منه. أمسكت بملعقة خشبية تقلب البطاطس بها ثم سحبتها ووضعتها بطبق. أغلقت الموقد بهدوء يتنافى مع ما يحدث بداخلها. ثم استدارت إليه تتحاشى النظر إليه. خطوة خطوتان، وثلاث، وكانت تقف على مقربة منه. ـ خيير! ـ تعالي ورايا.
قالها بنبرة طبيعية وقد عاد كمال القديم. وولاها ظهره واتجه لغرفته والمطلوب منها اتباعه. اغتاظت من بروده زفرت نارًا من غيظها. ولكنها تغاضت وذهبت خلفه. ودون استئذان كانت بمنتصف غرفته أمام المرآة عاقدة ذراعيها أسفل صدرها. تتابع ما يفعله حيث كان يقف أمام دولاب ملابسه في حيرة ينتقي ثيابًا ويضعها بشكل عشوائي على الفراش. قطع هو الصمت وقد لاحظ تأففها. ـ ورايا فرح مهم بالليل. ومش عارف ألبس إيه. ممكن تساعديني؟
وكأن شيئًا لم يكن، فكت ذراعيها وسارت للفراش تقف أمام ملابسه تنتقي وتختار وقد نجح فيما أراده. ابتعد عنها قليلاً يلاحظ تركيزها. كم ستكون الحياة معها رائعة وكم ستنعم بالدفء وهي معهم كأسرة حقيقية. مسد جسر أنفه بتعب قبل أن يقول متنهدًا بتوتر: ـ أنا عارف إن الوضع كله مش سهل عليكي. ولا عليا.
استدارت بجسدها توليه اهتمامها. وقد أصاب "صعوبة الوضع". ترفع حاجبًا وتحني الآخر فانتظار باقي الحديث. ليقترب هو وقد هدأ قليلاً وخف توتره. فتابع بصوت أجش يعانق نظرتها بعينيه. ـ كنت على الأقل أتكلم معاكي قبل كتب الكتاب. أشوفك مرتاحة ولا لأ. أعرف ناقصك إيه. زفر بضيق وقد قرر المواجهة من أجل بداية نظيفة. ـ أعرف على الأقل كنتي بتحبي حد أصلًا ولا لأ.
وقد توقع الإنكار. وبإنكارها ستنتهي الأزمة ولكنها فاجئته ككل مرة تفاجئه بها. رفعة حاجبيها تتحداه. نظرتها بها شيء غريب وكأنه تشفي؟ ـ ولو كنت عرفت إني بحب حد كنت هتسبني؟ أرادت رد الصاع صاعين. كما أهانها ستهينه. احتدت نبرته وبريق عيناه ازداد سوادًا. ـ كنتي بتحبي مين؟ ضحكت بخفوت. وأجابت ببرود تجيده. ـ مش ملاحظ إن السؤال متأخر أوي يا كمال؟ وبرودها أشعل النيران بقلبه. رمقه بنظرات حارقة.
ـ إحنا فيها. عايز أعرف مين. وآخرك كان إيه. هزت رأسها اعتراضًا من تلميحه. استطالت قليلاً حتى توازيه طولاً، ترفع سبابتها بوجهه تحذره وقد انفعلت. ـ كمال. الزم حدودك. أنا مسمحلكش.
ليمسك بسبابتها يثنيها بأصابعه الغليظة. كان قاب قوسين أو أدنى من كسره. يحرقها بنظراته الغاضبة وقد احتدت قسماته. وبأسوأ خيالاتها لم تكن تريد أن ترى هيئته تلك. تأوهت متوجعة وهي تحاول تخليص إصبعها من بين أصابعه. ودت الاعتذار والركض من أمامه خوفًا. إلا أنه نفضها عنه وكأنها خرقة بالية يرمقها باشمئزاز. يهز رأسه بغضب وأخيرًا نالت الإذن بالهروب فور أن سمعته آمرًا. ـ اطلعي برة. ***
"بيت شهريار" وليس قصر. فـ شهريار هنا رجل عادي يقطن بإحدى المجمعات السكنية الراقية. حيث أن معظم سكانه ذات طبقته الاجتماعية. شقة واسعة بحديقة خارجية واضح اهتمامه بها. نظام أشبه بفيلا صغيرة. كانت الثامنة مساءً وقت أن تطلع على ساعته. وقبل أن يرفع بصره كان جرس الباب يعلن عن وصول المنتظرة.
بلهفة تحرك من مكانه وقف أمام مرآة طويلة بجوار الباب يعدل من هيئته. يتأكد بأن كل شيء به وحوله مضبوط لا ينقصه شيء. وبابتسامة رجولية تميزه هو فقط فتح لها. يستقبلها بحفاوة. اقترب منها يصافحها بحرارة. وهي أيضًا بابتسامتها اللطيفة ونظرتها البريئة. لها نظرة بريئة عكس ما تدعيه من جرأة أمامه!
تعلقت نظرتها به بإعجاب لم يخفى عليه وهي بالأساس لم تسعى لإخفائه. قميص أبيض مفتوح أزراره العلوية لتكشف عن صدر قوي وبنطال كلاسيك أسود وكأنه سيأخذها لحفلة ما. وساعته الثمينة تزين ساعده.
خطوات معدودة وكانت بداخل عرينه. تقف بمنتصف الصالة تتطلع إلى منزله بانبهار وأعين حالمة تلمعان ببريق الذهب. أول ما جذب نظرها كان المطبخ المصمم على النظام الأمريكي يفصله عن الصالة الواسعة بار محاوط بكراسي طويلة من المعدن. وماكينة قهوة حديثة. قطع تأملها يقول بلهفة بانت بنبرته وقد نال بعد أن صبر. ـ وأخيرًا نورتيني. وانتبه لما تحمله بين ذراعيها. باقة من الورود الحمراء قدمتها هي له على استحياء. ليأخذها منها يسأل باستغراب.
ـ ورد؟ جاية تزوري راجل عازب ف بيته جايباله ورد؟ قوست حاجبيها. وتوجست. هتفت بنبرة طفلة أخطأت التصرف. ـ طب كنت المفروض أجيب إيه؟ معرفش والله. ورده كان تهكم وهو يضع الباقة جانباً. يتذكر آخر تذكار جاءه من صديقة ألمانية زارته عدة مرات وبكل مرة قميص نوم مختلف!! ـ ورد. المفروض تجيبي ورد. التفتت حولها تدور بعينيها هنا وهناك. ثم هتفت بعفوية. ـ بيتك حلو أوي. ماشاء الله يعني.
ضحك بانطلاق. وبالفعل كان مسرورًا بوجودها ببيته. تأملها مليًا. يحب النظر بعينيها وكأنها تعيده أعوامًا كثيرة للوراء. خصلاتها متجمعة بجديلة فرنسية على كتفها الأيسر ببراءة لا تناسب الوضع ولا خيالاته. وفستانها رقيق من الدانتيل الزهري يتجاوز الركبة ببنشات قليلة. كانت لطيفة، حلوة تشبه حلوى القطن الوردية باحمرار وجنتيها. هتف بالمقابل بمشاكسة يقلدها، عيناه تسير على كل إنش بجسدها و التمهل عند المنحنيات.
ـ انتي اللي حلوة أوي. ماشاء الله يعني. ورغم مكر النبرة إلا أنها ضحكت فضحك هو الآخر ملء شدقيه. ثم أمسك بكفها الصغير يحتويه بكفه يسحبها بلطف إلى مائدة الطعام. لتقف أمامها وقد سحب كرسيًا لها وبمنتهى اللطافة أجلسها ثم سحب كرسي بالمقابل وجلس عليه. عديد من الأطباق الإيطالية، ولم تندهش فمن خلال مراقبتها له علمت بحبه للمأكلات الإيطالية. وكأس بجوارها به مشروب أبيض. أزاحته هي جانبًا. ليقول وقد ارتدى قناع اللطف.
ـ دي فودكا. متخافيش ملهاش تأثير. واجابتها بسيطة حد اللاحد. ـ مبشربش الحاجات دي. ممكن لو فيه عصير فريش يبقى أحسن. ابتسم على مضض. وبالفعل نهض ودخل مطبخه. يضع عصارة برتقال يدوية على الرخامة وبعض من حبات البرتقال قد أحضرها من المبرد بسرعة وبايدي خفيفة يعصره لها تحت أنظارها المعجبة الغبية ثم وضعه بكوب وقدمه لها.
والجلسة كانت خفيفة لطيفة تستهويها وقد شعرت بالأمان واطمأنت كثيرًا رغم القلق الذي انتابها وهي تراه ينهي كأسًا ويصب آخر. أحاديث بسيطة وثناء عن الأكل وشكر على إعداده ولتعلم كم هي غالية فهو الذي أعده بنفسه لها. وعند الانتهاء وقفت حائرة. لا تعلم ماذا تفعل. قطع خجلها وحيرتها وهو يسحبها لـ كنبة عريضة بالصالة الأخرى أمامها شاشة عالية الوضوح. ـ نكمل السهرة هنا بقى واحنا بنتفرج على movie. ـ بس أنا كده أخاف أتأخر.
ونبرتها كانت قلقة وبالفعل هي تأخرت. وكانت تنوي زيارة عادية تثبت أنها تثق به وتحبه. جلست واستسلمت فجلس هو بدوره يجاورها غير ملتصق. والفيلم بدايته هادئة رومانسية وبطل مافيا ونوع من الأفلام الذي تحبه ولكنها لم تسمع به. قليلاً والرومانسي أصبح أكثر جرأة والتصنيف تحت بند "إباحي". اشتعلت بشرة وجهها وانكمشت على نفسها بجلستها تضم ساقيها وقد التصق بها. ثارت أنفاسها والمشهد بات أكثر سخونة ولا يناسبها.
يراقب انفعالاتها وتغيرها بعين فهد تلمع بـ شر. وما شربه من فوديكا جعله يفسر خجلها بشكل خاطئ. وضع كفه على ركبتها يتلمسها بنعومة. اختض جسدها أثر لمسته واقترابه بهذا الشكل. فانتفضت واقفة وقد نوت المغادرة بعد أن تسلل الخوف لقلبها. ـ أنا همشي. نهض بالمقابل يمسك بذراعها. ـ تمشي إيه؟ دي لسه السهرة في أولها. ـ لأ، قلت همشي. جذبت ذراعها منه بقوة دون أن تنتبه على عضلاته المستنفرة ولا ملامحه التي سادها الغضب.
وبالفعل خطوات وكانت قريبة من الباب. ولكنه بخطى هائجة لحق بها يجذبها إليه بعنف. يصرخ بها منفعلًا. ـ أومال انتي مفكرة هتجيلي البيت نعمل إيه؟ نلعب كوتشينة. ـ خلاص أنا غلطانة. مش هعمل كدة تاني. سيبني أمشي. وقد علا صوت نحيبها. تتوسله وقد شعرت بأن الخطر قريب منها بل تأكدت بأن عاصم هو الخطر ذاته. أتاها صوته لاهثًا هاتفًا بجنون تلبسه. ـ أنا صبرت عليكي كتير وخلاص مش قادر أصبر أكتر من كدة.
ترجته من بين شهقاتها ببكاء عنيف بأن يتركها ولكنه لم يستجب وقد حضر شيطانه وانتصر. ألقاها بعنف على الكنبة واعتلاها غير مكترث ببكائها أو دفعاتها الواهنة له. قرر شيئًا وسيكمله للأخير. قبلاته محمومة حارة تحرق بشرتها يوزعها بأي مكان يطاله بسبب رفضها وتشنجها. وبالرغم من أنه الأقوى إلا أنها كانت تقاومه ولن تيأس. ابتعدت بعينيها تبحث عن أي شيء يساعدها. إلى أن وجدت مزهرية من الفخار الملون على طاولة جانبية قريبة منها. أمسكت بها
وقد تأوهت من ثقلها وثانية واحدة وكانت مهشمة فوق رأسه بكل قوة وغل. حتى أن شظاياها طالتها وجرحت بشرتها. تصلب جسده وهو فوقها وقد اتسعت حدقتاه ثم مال بجسده ببطء حتى وقع أرضًا فاقدًا للوعي والنفس. وسائل أحمر تسلل من أعلى رأسه يغطي السجادة الفاتحة بلونٍ قاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!