الفصل 1 | من 9 فصل

رواية ضد الزمن الفصل الأول 1 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
22
كلمة
2,295
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

معبرت "ريم" من بوابة صالة الوصول بمطار القاهرة الدولي، بعد رحلة شاقة ومجهدة تنقلت فيما بين اليابان والصين وألمانيا. أخيراً أنهت تلك الإجراءات الروتينية، وخرجت يتبعها أحد عمال المطار، وهو يجر عربة مكدسة بحقائب السفر حتى خرجا من المبنى. سارت ريم بضع خطوات ذهاباً وإياباً، بحثاً عن عم "إبراهيم"، سائقها الخاص، فلم تجده!!! عادت لعربة الحقائق لتأخذ الهاتف من حقيبتها الشخصية وتتصل به، إلا أنها لم تجد الحقيبة!!! رمقت ريم عامل

المطار بنظرة نارية وقالت: وديت شنطة إيدي فين يا حاج؟ أنا كنت حطاها هنا فوق الشنط!!! ارتبك الرجل وقال بصوت مرعب: الشنط كلها قدام حضرتك أهيه ومكنش فيهم أي شنطة إيد!!! ريم بنبرة منفعلة: صلي على النبي كده يا حاج وطلع الشنطة بالذوق وأنا هأراضيك والله العظيم بدل ما أوديك في ستين داهية إنت ما تعرفش أنا مين وممكن أعمل فيك إيه!!! رد العامل المسكين، وقد جف لعابه من الخوف: يا ست هانم والله العظيم ما خدت أي حاجة

تعالي نبلغ الأمن جوه المطار وهما هيلاقوا شنطتك بإذن الله ما تقلقيش حضرتك المطار كله متراقب بالكاميرات!!! هدأت ريم قليلاً، وعادت مع عامل المطار إلى مكتب الأمن، حيث أبلغت عن فقدان حقيبتها. وكان مجرد ذكر اسم والدها "ناصر الحديدي"، رجل الأعمال الشهير، كافياً بأن ينقلب المطار رأساً على عقب بحثاً عن تلك الحقيبة!!!

وقد حاول قائد أمن المطار أن يستضيفها في مكتبه كنوع من الترحيب، إلا أنها كانت تكره أجواء التملق والحفاوه المبالغة. اعتذرت له، وأخبرته بأنها سوف تنتظر في أحد الكافيهات المتواجدة في مدخل المطار، لحين العثور على حقيبتها. امتثل الرجل لطلب ريم هانم، وودعها بحفاوه، ثم أرسل معها أحد أفراد الأمن، ليجر عربة الحقائب الخاصة بها، وأمره أن يشتري لها مشروباً على نفقة المطار.

وبالفعل جلست ريم في الكافيه، بعد أن طلبت كوباً من الليمون المثلج، لتهدئة أعصابها بعد كل هذا التوتر. وفي أثناء انتظارها للمشروب، دخل عليها فرد الأمن وهو يلهث قائلاً: الحمد لله لقينا الشنطة يا ريم هانم بس عاوزين حضرتك تشرفينا في مكتب الأمن عشان تستلميها وتتأكدي إن مفيش أي حاجة ناقصة فيها!!! تهللت أسارير ريم، وهرولت مسرعة إلى مكتب الأمن، وما إن رأت الحقيبة، حتى قالت بامتعاض: إيه ده!!! دي مش شنطتي حضرتك!!!

تأسف الضابط لريم قائلاً: آسفين يا ريم هانم بس الشنطة دي بنفس مواصفات شنطة حضرتك ومالقيناش جواها أي إثبات شخصية بس مش عاوز حضرتك تقلقي ربع ساعة بالكتير وهنلاقي شنطتك إن شاء الله!!! عادت ريم إلى الكافيه، وجلست تحتسي مشروبها بكل غيظ، وقد استبد بها التعب والضجر والضيق بعد تلك الرحلة المكوكية. وسرعان ما وجدت أحد عمال الكافيه يهرع إليها بطبق فاخر من الحلويات.

وذلك كنوع من الضيافة الترحاب، التي اعتادت عليه ريم، بحكم كونها ابنة الملياردير الشهير "ناصر الحديدي". ابتسمت ريم لذلك الشاب الوسيم، وهي تلتقط قطعة من الحلويات وتقول: تسلم إيدك جه في وقته!!! رد الشاب بابتسامة ودودة قائلاً: بألف هنا وشفا تحبي أجيب لك أي حاجة تاكليها؟ المطعم هنا بيقدم وجبات سخنة وباردة!!! ردت ريم وقد بدأ عليها بعض الضجر من ثرثرة ذلك الشاب: ميرسي أويلو احتجت أي حاجة هبقى أقولك!!! وبعد عدة دقائق...

عاد الشاب مجدداً، حاملاً كوباً آخر من نفس العصير، ثم جلس على طاولة ريم، وبدأ يتقاسم معها طبق الحلويات في صمت!!! اندهشت ريم من تصرف الشاب، ورمقته بنظرة غاضبة وصاحت: إيه السخافة دي!!! إنت سايب شغلك وقاعد تعمل إيه هنا؟ قوم يا ابني شوف شغلك وبطل قلة ذوق!!! الشاب بصوت هادئ وهو يبتسم: واضح إن في سوء تفاهم أنا مش شغال هنا!!! أدارت ريم عينيها في المكان لتكتشف أن كل العاملين فيه يرتدون زي موحد.

وأن كل رواد الكافيه يقومون باستلام مشروباتهم بأنفسهم. فزاد حنقها وهي تقول بانفعال واضح: إيه البجاحة دي!!! طالما حضرتك مش شغال هنامين بس فهمك إني قابلة إنك تعزمني على أي حاجة ولا أنا مكتوب على وشي "مرحباً بالسادة الزائرين"!!! رد الشاب بكل تهذب، ومازالت الابتسامة تزين ملامحه الوسيمة: ومين بس قال إني عزمت حضرتك على أي حاجة!!! أنا طلبت عصير وقمت أجيب طبق حلويات ولما رجعت لقيت حضرتك بتشربي العصير بتاعي فحطيت الطبق

ورحت أطلب عصير تاني ورجعت قعدت أشربه ده كل اللي حصل!!! هنا استوعبت ريم حقيقة الأمر... !!! فلقد قام المطعم بإلغاء مشروبها بعد أن غادرت مع فرد الأمن. ثم دخل ذلك الشاب للكافيه، وطلب نفس العصير، وبالمصادفة وضعه على نفس الطاولة التي كانت تجلس عليها ريم منذ قليل، ثم حدث ما تبع ذلك من تطورات. في تلك اللحظة تمنت ريم أن تنشق أرضية الكافيه وتبتلعها.

فكم الحرج والإحساس بالحماقة وتأنيب الضمير الذي اعتراها، لم يكن بالشيء القليل!!! فلقد قابلت تصرف ذلك الشاب المهذب معها، بمنتهى الغباء والوقاحة. وحاولت ريم تدارك الموقف سريعاً وقالت: أنا آسفة جداً جداً لحضرتك أنا فهمت اللي حصل وهاشرح لحضرتك الموضوع... أصل أنا كتير بتعرض لسخافات ومعاكسات بسبب... قاطعها الشاب بابتسامته المعتادة: مفيش أي داعي للشرح أنا فاهم كويس وواحدة في جمال حضرتك أكيد هتتعرض ل....

قاطعته ريم وهي تداعب خصلات شعرها الذهبية، وقد احمرت وجنتيها ليتحول وجهها شاهق البياض إلى اللون الوردي، وقالت بصوت رقيق: لا يا أستاذ... أنا مكنش قصدي إن المعاكسات دي بسبب شكلي أنا قصدت عشان أنا بنت.... ومجدداً قاطعها الشاب بلطف: أدهم اسمي أدهم دكتور أدهم!!! تنفست ريم الصعداء، وقالت بصوت رقيق: اتشرفنا دكتور أدهم أنا ريم وارجوك اسمح لي أعزمك على طبق حلويات بدل اللي أنا خلصته وأهو أكفر عن ذنبي وعن العك اللي عكيته!!!

حاول أدهم أن يمنعها، إلا أنها أصرت، وقامت مسرعة باتجاه الكاشير. وما إن وقفت أمام عامل الكاشير، حتى انتبهت إلى أن كل النقود وبطاقات الائتمان الخاصة بها، موجودة في تلك الشنطة المفقودة. ومجدداً تمنت ريم أن تنشق أرض القاهرة كلها وتبتلعها. فعدت بخطوات متثاقلة نحو الشاب، وجلست، ثم قالت بحرج شديد: أنا آسفة يا دكتور أدهم مش هقدر أعزم حضرتك لأن شنطتي ضاعت وفيها كل فلوسي وتليفوني و.......

وقبل أن تتم عباراتها، كان أدهم قد التقط محفظته، وأخرج منها مبلغاً كبيراً من المال، ودسه من تحت الطاولة لريم. في مشهد أقرب إلى طريقة تقديم الصدقة المخفية!!! في تلك اللحظة.... شعرت ريم بأنه لا يوجد أي شق في العالم يمكنه أن يستوعب حجم الحرج والمهانة الذي تشعر بهما. فـقالت بصوت مختنق وقد ترقرق عيناها بالدموع من شدة الحرج: حضرتك فهمتني غلط جداً أنا مش عاملة تمثيلية عشان أشحت منك أنا بنت ناصر ال......

وبكل رشاقة، مد أدهم يده، وامسك بيد ريم، وهو يقول بنبرة حنونة جدا: إيه اللي انتي بتقوليه ده يا أستاذة ريم أنا مش شايفك متسولة أنا شايفك أخت ليا اتعرضت لموقف سخيف!!! اندهشت ريم من تصرف أدهم، حين وضع يده فوق يدها بكل جراءة!!! ولكن دهشتها الكبرى كانت من ردة فعلها هي!!! فهي لم تسحب يدها من بين كفيه، بالعكس... قد شعرت ريم بارتياح عجيب!!!

تلاشت معه كل مشاعر الضيق والغضب والإحساس بالحرج الذي اعتراها، منذ أن وطأت قدماها أرض مطار القاهرة. وتجمد المشهد للحظات... قبل أن تسحب ريم يدها برفق شديد، وكأنها تتمنى لو أنه يقبض على يدها ولا يفلتها، ثم قالت بصوت عذب: حصل خير يا أدهم قصدي... يا دكتور أدهم هو إنت كنت مسافر فين؟ رد أدهم: أنا مكنتش مسافر أنا كنت بوصل دكتور زميلي مسافر ألمانيا ولقيت نفسي جعان قـفلت آكل أي حاجة وبعد كده أروح يمكن ربنا أراد ده يحصل

عشان أقابلك يا أستاذة ريم قصدي... يا ريم!!! كانت لمسة يد أدهم لأصابع ريم، قد صنعت ما تعجز عنه أي كلمات. فكلاهما شعر بارتياح شديد للآخر، وكأن تلك اللمسة لم تتوقف عند أصابعهما فقط!!! بل امتدت وتعمقت... لتصل بين قلبيهما. ومضى الوقت سريعاً ولطيفاً... وقد بدأت ريم بتقديم نفسها إلى أدهم. ثم قصت عليه ما حدث لها منذ أن وصلت للمطار. فما كان من أدهم إلا أن عرض عليها أن يقوم بتوصيلها إلى المنزل.

حيث وافقت ريم دون تردد، فقد كان التعب والنعاس قد استبد بها، وكانت قد يأست من أن يجد الأمن حقيبتها المفقودة. فخرج الاثنان من المطار، واستقلا سيارة أدهم الفاخرة. وانطلقا صوب فيلا ناصر الحديدي بمدينة الشيخ زايد. وبعد أقل من عشر دقائق.... كانت ريم تغط في نوم عميق، بينما أدهم يقود سيارته، وهو يراقب ملامحها الطفولية الجميلة. *** وأثناء نوم ريم، رأت حلماً جميلاً... (( رأت نفسها تحضر الغذاء في فناء منزل كبير بينما

يساعدها أدهم وهو يسألها: يا ترى يا روح قلبي بتحبيني أنا أكتر ولا نور ابننا؟ ردت ريم، وهي تبتسم بدلال واضح: بحب نور ابننا طبعاً. فاغتاظ أدهم وقام بحملها من الأرض، وظل يدور بها وهما يضحكان بصوت مرتفع، حتى اختل توازنهما ووقعا على الأرض. وانتهى الحلم... *** بدأت ريم تفتح عيناها بصعوبة وتستيقظ تدريجياً. لتجد أن حلمها الجميل... قد تحول إلى كابوس مرعب!!!

فقد وجدت ريم نفسها مكبلة اليدين والقدمين، ترقد حافية، داخل حفرة في وسط الصحراء. بينما يقف أدهم على حافة الحفرة، والدموع تنهمر من عينيه بغزارة، ويقول بصوت يملاءه الأسى: سامحيني يا ريم أنتي لازم تموتي دلوقتي!!! ثم أشهر مسدساً ضخماً، وصوبه باتجاه رأس ريم، استعداداً لقتلها...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...