الفصل 2 | من 9 فصل

رواية ضد الزمن الفصل الثاني 2 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
23
كلمة
2,600
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

تجمد المشهد المرعب للحظات. وقف أدهم على حافة الحفرة التي ألقى بها ريم وهي مكبلة الأيدي والأقدام، وقد صوب سلاحه الناري إلى رأسها. قال والدموع تنهمر من مقلتيه: "سامحيني يا ريم. أنتي لازم تموتي دلوقتي." في تلك اللحظة، لم يستطع عقل ريم استيعاب ذلك المشهد. فكل ما حدث لها خلال الساعات القليلة الماضية كان أقرب لفيلم هندي ساذج، قام بإخراجه شخص مخمور.

لم تبكِ ريم، ولم تصرخ، أو حتى تنطق حرفًا واحدًا. بل ظلت ساكنة، وهي ترمق أدهم بنظرة حسرة وخذلان. ومضت دقائق عديدة، وما زال ذلك المشهد متجمداً. فأدهم قد أصاب الشلل أصابعه، وكأن قوة خفية جبّارة قد منعته من الضغط على زناد سلاحه وقتل ريم. أما ريم، فقد لاحظت ذلك الحزن والارتباك الواضح على ملامح أدهم، مما ساعدها على التقاط أنفاسها، واستعادة بعضاً من هدوئها.

إلا أن كلاهما لم يكن يعلم بأن الفيلم الهندي الحقيقي، سوف يبدأ بعد لحظات قليلة. *** ذهب أدهم إلى مكان ما في داخل الصحراء الخاوية، على مقربة من مطار القاهرة. ثم قام بحفر تلك الحفرة العميقة، حيث يستقر جسد ريم الآن. بعد ذلك، توجه مسرعاً إلى المطار، ودخل صالة قدوم الرحلات الدولية. ثم بدأ يتفحص عمال المطار، حتى وقع اختياره على أحد العمال المخضرمين. ثم اقترب منه بهدوء، وقال: "صباح الخير يا حاج. ممكن آخد دقيقة من وقتك؟

رد العامل ببشاشة وترحاب: "صباح النور يا أفندم. اتفضل يا سعادة البيه. انت تأمر." ابتسم أدهم في وجه الرجل، ثم أخرج من سترته رزمة كبيرة من المال، وبرفقتها صورة واضحة لريم. وبحركة سريعة قام بدسهم في جيب العامل، وقال: "الأمر لله يا حاج. أنا عاوز منك خدمة بسيطة أوي. محتاجك تساعدني. أعمل مقلب في واحدة قريبتي." رد العامل بحماس شديد وهو يتحسس النقود في جيبه: "تحت أمرك يا بيه. عاوزني أعمل إيه بالظبط؟ أدهم:

"الآنسة اللي في الصورة دي. هتوصل في طيارة بكين بعد ساعة تقريباً. أنا عاوزك تكون منتظرها في صالة وصول الشنط، وتطلعها لحد باب المطار." اندهش العامل وقال: "وهي الخدمة دي تستاهل كل الفلوس دي؟! رد أدهم وهو يربت على كتف العامل العجوز: "لأ طبعاً. أنا عاوزك تحط شنطة إيدها جوا أي شنطة من شنطها، بشرط إن ده يتم بدون ما الكاميرات تلقطك، وأكيد طبعاً... من غير ما هي تاخد بالها. وأنت راجل قديم هنا وعارف الكاميرات محطوطة فين."

بدأ التوتر يظهر على ملامح العامل وهو يقول بارتباك: "طب فرضا هي خدت بالها وعملت مشكلة معايا واتهمتني بالسرقة؟ رد أدهم بهدوء: "وهو أنت سرقت حاجة يا عم الحاج؟ ما الشنطة هتفضل طول الوقت جوا شنطة من بتوعها. ولما تحصل المشكلة، فكل المطلوب منك إنك تاخدها للأمن بتاع المطار."

قبل العامل المهمة، وبالفعل انتظر ريم. واستغل انشغال ريم أثناء عبورها منطقة تفتيش الحقائب. ثم دس حقيبة يدها في إحدى حقائب السفر الكبيرة الخاصة بها، وحدث ما تبع ذلك من أحداث. في نفس الوقت، كان أدهم يراقب ريم منذ أن عبرت صالة الوصول. وتعمد ارتداء قميص أبيض، وأن يتعامل معها داخل الكافيه بالشكل الذي يوحي لها بأنه يعمل كنادل في الكافيه. وقد دس بعضاً من المنوم ذو المفعول التدريجي في كوب العصير الذي شربته.

وتوالت بعد ذلك الأحداث التي تعرفها. نهاية بأن قام بخطفها، ثم اقتادها إلى تلك الحفرة، وهي تحت تأثير المنوم القوي. *** نعود بكم الآن، إلى مشهدنا المتجمد. وقد مر ما يقرب من عشر دقائق، إلى أن حدثت المفاجأة الكبرى. فقد توقف أدهم عن البكاء فجأة، ثم أغمض عينيه وحول فوهة المسدس المصوبة إلى رأس ريم، ووضعها تحت ذقنه. هنا انتفضت ريم من سكونها وصاحت بقوة: "يا نهار أسود! انت هتعمل إيه؟ الله يخرب بيت سنينك! انت كده هتموت كافر!

ثم استطردت وقد بدأت في البكاء: "بالله عليك ما تعمل كده في نفسك. اهدا كده، وأرجوك فهمني إيه اللي بيحصل ده! خارت قوى أدهم، وأفلت المسدس من يده وقال بصوت يحمل كل معاني الأسى والحسرة: "أنا مش هاقدر أشرح لك أي حاجة. وحتى لو شرحت لك، فـأنا مستحيل تفهمي." ردت ريم وقد زاد نحيبها: "مش مهم، مش عاوزة أفهم أي حاجة. بس أكيد في حل للمشكلة اللي أنت فيها، من غير ما تقتلني أو تقتل نفسك." رد أدهم بنفس النبرة:

"صدقيني يا ريم، الموضوع أكبر مني ومنك بكتير. وأنا فكرت كتير، ومش لاقي أي حل." هدأت ريم قليلاً وقالت بصوت متزن: "خلي عندك أمل في ربنا. مفيش مشكلة إلا وليها حل. وأنا معاك، وهاحاول أساعدك، وإن شاء الله هنلاقي طريقة نعالج بيها الموقف ده. صدقني أنا مش هاسيبك." في تلك اللحظة، انتفض أدهم، وكأن عبارة ريم الأخيرة قد ألهمته بمخرج آمن من تلك الورطة. فقال بصوت منفعل: "صح، هو ده الحل. إزاي ما فكرتش في الحل ده من الأول!

وما أن أنهى عبارته، حتى انطلق يعدو مسرعاً، تاركاً ريم مقيدة داخل الحفرة، وهي تصرخ بصوت عالٍ: "يا أدهم... يا أدهم! انت يا متخلف، سبتني ورحت فين! الله يخرب بيت هبلك ده! اختفى أدهم عن أنظار ريم، التي ظلت تحاول فك قيد معصمها دون جدوى. وقد غمر الظلام والسكون أرجاء المكان. مرت الدقائق بطيئة ومخيفة، حتى عاد أدهم وقفز إلى الحفرة وهو يقول: "توعديني يا ريم إنك فعلاً هتساعديني، وإنك هتسمعي كلامي من غير ما تسأليني أنا بعمل إيه؟

وقبل أن ترد ريم، كان أدهم يفك وثاقها. وتلامست أيديهما، ليسري بأعماقها ذلك الشعور الغريب بالأمان، فقالت بحماس: "أوعدك يا أدهم، ها أفضل معاك، وها نفذ كل اللي تطلبه، بدون ما أسألك بتعمل إيه." رد أدهم وهو يلتقط مسدسه ويعطيه لريم: "خلي المسدس معاكي، عشان تكوني مطمنة." ابتسمت ريم وهي تعيد له المسدس: "شوف يا أدهم، برغم إنه واضح جداً إنك مجنون، بس أنا مش عارفة أنا واثقة فيك ليه. وأتمنى إنك تطلع راجل محترم وما تخذلنيش أبداً."

رفع أدهم حاجبًا، وقال بامتعاض: "راجل! إيه راجل دي! رمقته ريم بنظرة حادة وقالت بانفعال: "يا سلاااااام! زعلان ومقهور أوي عشان قلت لك راجل! هو أنت مش واخد بالك، أنت خدرتني، وخطفتني، ومن سِكة كده كنت ناوي تقتلني! انتبه أدهم لكم الحماقات التي ارتكبها، فقام بالقبض على يد ريم بقوة وقال بصوت حنون: "معاكي حق. أنا فعلاً أحمق وغبي. ارجوكي سامحيني يا ريم." وقد غمر ريم بنظرة حانية واستطرد:

"أوعدك إن عمري ما هاخذلك أبداً، وهـيـيجي يوم وتفهمي كل حاجة." قال ذلك وهو يضع كفيه على كتفي ريم، فشعرت ريم بأن العالم كله قد تلاشى من حولها، وتلخص في صورة شخص واحد فقط. هو ذلك الوسيم الأخرق الذي يدعى... أدهم. *** انقضت تلك اللحظة الرومانسية سريعاً. ثم خرج الاثنان من الحفرة، ليقص أدهم على ريم حقيقة ما فعله بالمطار، دون أن يطلعها على مبرراته لكل ما فعله.

وقد احترمت ريم رغبة أدهم في التكتم على دوافعه، فلم تسأله عن أي تفاصيل. فقد كان من الواضح أن كلاهما يسطران أولى الصفحات لقصة حب أسطورية. *** بدأ أدهم وريم في فتح حقائب السفر، بحثاً عن حقيبة يد ريم، حتى وجداها. وهمت ريم بفتح هاتفها، لكي تطمئن أهلها، فقد مر أكثر من 5 ساعات منذ وصولها للقاهرة، ولا أحد يعلم عنها شيئاً. هنا أوقفها أدهم قائلاً:

"إحنا اتفقنا إنك هتساعديني، وأنا عارف إن أهلك كلهم لسه في ألمانيا، يعني مفيش حد هيقلق عليكي. فـأرجوكي ما تفتحيش تليفونك لحد ما نتفق هنعمل إيه." ردت ريم باستسلام: "حااااااضر يا أدهم. بس فهمني عاوزني أعمل إيه، وأساعدك إزاي، وأنا هنفذ من غير ما أسأل." أجابها أدهم بنبرة حاسمة: "من اللحظة دي يا ريم، حاولي تنفذي كل اللي هاطلبه منك، مهما كان طلبي مش منطقي، أو تصرفاتي تبان غريبة. بس لازم تفهمي حقيقة واحدة...

إن حياتك وحياتي وحياة ناس كتير تانية متوقفة على اللي هتعمليه الأيام الجاية! ومن تلك اللحظة، بدأ أدهم يضع خطة غامضة، لتحقيق هدف أكثر غموضاً. فطلب من ريم أن تتصل بأهلها في ألمانيا لتطمئنهم أنها بخير. ثم طلب منها أن تتصل بعم إبراهيم السائق الخاص بها وتخبره بأن يعطي كافة الخدم إجازة مفتوحة، لأنها تريد أن تكون وحدها بالفيلا. وبعد ذلك انطلقا بالسيارة، وقد لاحظت ريم أنهم يسيرون في اتجاه مخالف لاتجاه منزلها.

اندهشت ريم وقالت بتعجب: "هو أنت تايه يا ابني، ولا أنت مش عارف أصلاً أنا ساكنة فين؟ رفع أدهم حاجبه مجدداً، وقال بامتعاض: "هو يا أما عيل، يا أما ابني! يا ريم أنا كنت طالب محترم في ابتدائي، في الوقت اللي كنتي حضرتك بتلبسي فيه بامبرز مقاس أربعة أو خمسة بالكتير." تغاضت ريم عن سخرية أدهم السمجة، وقالت: "برضوا ما جاوبتنيش، أنت موديني على فين؟ أنت مش ساحب معزة في إيدك، لو سمحت فهمني، إحنا رايحين فين؟ رد أدهم وهو مبتسم:

"تعرفي إن دمك خفيف بجد، وطيبة أوي من جواكي، وجدعة ومتواضعة جداً، برغم إنه يبان العكس إنك مغرورة وسخيفة." تحول لون بشرة ريم من الأبيض الناصع إلى الوردي الفاتح، وقالت بخجل: "ميرسي على الكلام الحلو ده. بس ياريتك كنت اتخرست قبل ما تعك الدنيا في الآخر. وبرضوا ما قولتليش إحنا رايحين فين؟ انفجرت ضحكة عالية من أدهم قبل أن يقول: "دمك شربات، ونبيهة جداً، ما شاء الله عليكي. وخدتي بالك إني مش عاوز أقول لك إحنا رايحين فين.

فـأرجوكي بطلي زن. لأني فعلاً مش هقدر أقول لك أي تفاصيل." وقبل أن ترد ريم، كان أدهم قد أوقف سيارته أمام جراج خاص بأحد المصانع الكبرى في إحدى الضواحي القديمة بالقاهرة. اندهشت ريم وقالت: "إيه المكان الغريب ده؟ ليه يا أدهم؟ أوعى تكون غيرت رأيك وناوي تقتلني في الحتة المقطوعة دي! رد أدهم بصوت غاضب: "من أولها كده يا ريم! إحنا اتفقنا إنك مش هتسأليني عن أي حاجة لحد ما ييجي الوقت المناسب وأشرح لك كل حاجة."

ريم وهي تضع يدها على فمها: "حاااااضر يا أدهم، أديني اتكتمت." رد أدهم وهو يغادر السيارة، وقد وضع كاتماً للصوت في فوهة سلاحه: "استني هنا في العربية، وأوعي تتحركي منها لحد ما أرجع لك." شعرت ريم بذعر شديد، فأومأت برأسها دون أن تنطق، ولكن الفضول والخوف دفعاها لأن تتسلل خلف أدهم دون أن يشعر بها.

وهنا حدثت مفاجأة مرعبة. فأدهم الذي كان منذ ساعات بسيطة يبكي كالطفال، وهو عاجز عن قتلها، قد باغَت اثنين من أفراد الأمن وأرداهما قتيلين بدم بارد. ثم دخل إلى ساحة الجراج وأشعل فيه النار. وظل يشاهد السنة اللهب التي تصاعدت للسماء، وهو يبتسم ابتسامة شيطانية. انخلع قلب ريم من ذلك المشهد المرعب. وجرت أقدامها المرتعدة حتى عادت إلى سيارة أدهم، وقد تيقنت أنها قد منحت قلبها لوحش دموي مختل عقلياً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...