الفصل 9 | من 9 فصل

رواية ضد الزمن الفصل التاسع 9 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
19
كلمة
2,311
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

مرت ثلاثة أيام منذ عودة ريم إلى منزلها. المسكينة لا تزال في محبسها، معزولة في غرفتها الأنيقة، لا تعلم أي شيء عن العالم الخارجي وقلبها يكاد ينفطر خوفًا على حبيبها أدهم. وقد أضربت عن الطعام، في محاولة يائسة لاستدرار عطف ناصر بيه، والدها، الذي تعمد أن يتجاهلها تمامًا، بل ومنع أي شخص من التواصل معها، وكأنها إحدى المعتقلات السياسيات في زمن الثورة البلشفية.

وكانت ريم قد خلعت قميص أدهم، مخافة أن تطغى رائحة جسدها على عطر جسده، ووضعته في مكان منعزل بداخل خزانة ملابسها الضخمة. وظلت تتردد عليه ضماً وتقبيلاً، كلما استبد بها الشوق والحنين لأدهم. *** وفي صباح اليوم الرابع، حدثت المعجزة! دخل ناصر غرفة ريم، وهو في حالة ذعر شديد قائلاً: "سامحيني يا بنتي. أنا آسف. كلامك طلع صح! ردت ريم في ذهول: "في إيه يا بابا؟ مالك متوتر كده ليه؟ قصدك إيه بـ 'كلامي طلع صح'؟ ضم ناصر ابنته إلى صدره،

وقال بأسى واضح: "التلفزيون أعلن عن وباء جديد اسمه كورونا! وعلى عكس ما كان متوقعاً، بأن تتقاسم ريم مع أبيها حالة الرعب والفزع، فقد تهللت أساريرها بشكل عجيب، وقالت بنبرة كلها لوم وعتاب: "أنا قلت لك يا بابا إني مش بكذب عليك، وإن الإنسان ده مش مجرد شخص عادي." ثم استطردت بحماس: "أرجوك يا بابا سبني أروح أطمن عليه. وبالله عليك مفيش داعي إن أي حد يعرف حاجة عن موضوع أدهم ده." باغتها ناصر قائلاً: "أدهم مين!

أنتي مش قلتي إن اسمه (نور) كانت المفاجأة قد أفقدت ريم جزءاً كبيراً من تركيزها، فنسيت أنها أخفت اسم أدهم عن والدها، مخافة مطاردته له. فردت ريم: "أنا آسفة يا بابا. أنا خبيت اسمه عشان كنت خايفة عليه منك. خليني أنزل أطمن عليه دلوقتي، أبوس إيدك." رد ناصر بصوت حاسم: "مفيش نزول إلا لما تأكلي، ورجلي على رجلك. أنا مستحيل أسيبك تروحي لوحدك. هنروح سوا ومعانا طقم الحراسة."

هرولت ريم إلى صحن الطعام الذي كان أمامها، وبدأت في الأكل، وهي تقول باستسلام: "حاضر يا بابا. أنا بأكل أهو. بس مش هينفع أي حد ييجي معايا كده سر أدهم هيتفضّح، وده خطر جداً عليه، وحضرتك عارف إن البوليس بيطارده دلوقتي! ناصر بنفس النبرة الحاسمة: "معاكي حق. هنروح أنا وانتي بس. خلصي أكلك والبسي، وأنا هستناكي تحت. وده... آخر... كلام... عندي!

خضعت ريم لشروط أبيها، وأكملت وجبتها على عجل، ثم ارتدت ملابسها في أقل من دقيقة واحدة، ونزلت مسرعة لتقفز داخل سيارة أبيها الفاخرة، متجهين إلى منزل أدهم. *** وصلت ريم إلى منزل أدهم. وقبل أن تهم بفتح باب سيارة أبيها، فوجئت بأبيها يغلق كافة الأبواب أوتوماتيكياً، ثم يتناول هاتفه، ليتأكد من أن إشارة تتبع المواقع لا تزال تعمل بشكل جيد! وقال مخاطباً ريم بلهجة قاسية: "استني هنا مكانك. أنتي رايحة فين؟

غمر الذهول والخوف كل ذرة من كيان ريم، وقالت بصوت مرتعد: "في إيه يا بابا! أنا مش فاهمة أي حاجة! رمقها ناصر بنظرة حادة، وهو يقول: "أنتي فاهمة إنك لما تمنعي الأكل هتخليني أكسر كلامي وأسيبك تمشي على حل شعرك! ثم استطرد: "واضح إن العيل النصاب ده أكل دماغك بشوية الكلام الفارغ اللي قالهولك." ردت ريم بانكسار: "يعني مفيش وباء ظهر، صح! وأنت كنت بتضحك عليا عشان أجيبك هنا وأسلمك أدهم بأيدي.... ليه كده يا بابا، حرام عليك."

انفجرت دموع ريم، وانشق قلبها نصفين، خوفاً على أدهم! وكادت أن يغشى عليها، لولا أن سمعت طرقات حادة على زجاج الباب المجاور لمقعدها. فالتفتت لتجد... الرائد هشام عبدالرحيم، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة، وقال مخاطباً ناصر: "اطمن يا ناصر بيه. القوة هاتطلع تجيب الكلب ده من قفاه حالاً." رد ناصر: "ربنا معاكوا يا رجالة." وقبل أن يصعد هشام لمنزل أدهم، أخرج من جيبه قالب شوكولاتة، ثم ناولها إلى ريم، وهو يقول بنبرة ساخرة:

"دقائق يا ريم هانم، وهاجيبلك الكلب ده راكع تحت رجليكي، واخليه يعترف قدامك إنه عيل نصاب وما يستهلش دمعة واحدة من عنيكي." اعتصرت ريم قالب الشوكولاتة بغضب، فقد كانت تحمل اسم تلك الماركة المصرية الشهيرة... ( كورونا) *** مرت الدقائق ثقيلة... حتى عاد هشام وجنوده مطأطئين رؤوسهم، بينما ردت الروح إلى ريم، وهي تشاهد ذلك المشهد الذي يحمل عنواناً واضحاً ((خيبة الأمل راكبة جمل)

فكما توقعت يا عزيزي المشاهد، لم يجد هشام وجنوده أدنى أثر لأدهم. فقد عاد ذلك المنزل إلى سيرته الأولى... مجرد منزل فارغ تحت الإنشاء! تهللت أسارير ريم، وهي تخاطب هشام بكل استهزاء: "مالك يا بطل؟ نازل مدلدل راسك كدا ليه؟ وفين النصاب اللي وعدتني إنك هتجيبه راكع ده؟ رد هشام بصوت منكسر: "مسيره هيقع يا ريم هانم، وبشرفي لأجيبه من قفاه." ضحكت ريم بصوت عالٍ، وهي تناوله قالب الشوكولاتة قائلة:

"طب خد بقى الشوكولاتة دي، خليها تذكار للوكسة الكبيرة بتاعت النهارده." التقط هشام قالب الشوكولاتة من يد ريم، وبدأ في تناوله بنهم شديد. ثم رفع يده، وكأنه ينوي صفع ريم، وقال وهو يبتسم ابتسامة صفراء: "بصي يا ريم هاااانم. في كف إيدي ده... وافتكريه كويس... لأن في قصة حب طويلة هتبدأ قريب جداً بين كف إيدي وقفا الكلب... اللي اسمه أدهم." ردت ريم باستهزاء واضح:

"اللي أنا شايفاه بوضوح إن في قصة حب بدأت النهارده بين كف أدهم وقفا حضرتك! وكالعادة... امتص هشام الإهانة في صمت، فقد حال نفوذ ناصر بيه، بينه وبين تهشيم رأس تلك المغرورة... ريم. أما ناصر بيه... فقد كان صامتاً شارداً، لدرجة أنه لم يلحظ ذلك الحوار المطول بين ابنته والرائد هشام. فمنذ لحظات كان ناصر بيه، قد تلقى رسالة مرعبة، من مكتبه في الصين. وكان محتوى تلك الرسالة...

[أن وباءً قاتلاً اجتاح عدة مقاطعات صينية، وقد تسبب ذلك الوباء في قتل العشرات... !!! وقد أطلقت منظمة الصحة العالمية على هذا الوباء اسم... ((فيروس كورونا) ) !!! !!! *** وفي نفس تلك اللحظة، وعلى بعد ٣٠٠ كيلومتر، في إحدى القرى المتاخمة لمدينة المنصورة، كان أدهم يطرق باب منزل عائلة الدكتورة/ نوران عزمي. فتحت نوران الباب، واستقبلت أدهم بحفاوة بالغة وقالت: "أهلاً وسهلاً. اتفضل يا دكتور أدهم. المنصورة كلها نورت."

رد أدهم بابتسامة رقيقة: "ألف شكر. ده من ذوق حضرتك يا دكتورة. طمنيني أولاً عن صحة الوالد؟ نوران بحماس كبير: "ألف حمد وشكر لك يا رب. لولا اللي أنت عملته، كان زمان بابا راح فيها. بعد الشر عليه يا رب." ثم استطردت: "جميلك ده دين في رقبتي، وأنا عمري ما هانساه أبداً. بس أنا هاتجنن! أنت إزاي عرفت إن بابا هيتعب؟ رد أدهم بهدوئه المعتاد:

"جميل إيه بس يا دكتورة. ده أنتي اللي أنقذتي حياتي. وأنا جاي النهارده عشان أشكرك أولاً، وعشان أشرح لك كل حاجة زي ما اتفقنا." نوران بخجل واضح: "طيب الأول خليني أعرفك بأهلي ونتغدى عشان يبقى عيش وملح، وترتاح شوية من السفر. وبعد كده نطلع نقعد في أي مكان ونتكلم براحتنا." وبالفعل تم ذلك... ثم خرج أدهم ونوران ليجلسا في أحد الكافيهات الهادئة.

وبدأ أدهم حواره، بأن طلب من نوران أن تقطع عهداً على نفسها، بأن لا تجادله فيما يطلبه منها، ولا تسأله عن أي تفاصيل تتعلق بكيفية معرفته لمجريات أحداث المستقبل. وكانت نوران حاسمة في ردها، بأن تحترم ذلك العهد. فثقتها الآن في أدهم، كانت أكبر من ثقتها في أهل الأرض مجتمعين!!! فقد نبت في أعماقها شعور جارف، بأن أدهم هو أكثر شخص بالعالم يمكن أن تأتمنه على نفسها!!!

وبدأ أدهم في سرد كل ما سيحدث بالعالم من جراء وباء كورونا، وشرح لها تركيبة البروتوكول الذي باستطاعته هزيمة ذلك المرض اللعين. شعرت نوران بكثير من الفزع، بسبب ما ألقاه أدهم على مسامعها، من ويلات وكوارث تنتظر العالم!!! إلا أن هذا الفزع كان ممزوجاً ببعض الحزن!!! لأنها للأسف قد أدركت أن اهتمام أدهم بحياتها، لم يكن لميزة تخصها شخصياً، ولكن لدورها، كطبيبة سوف تساهم في إنقاذ حياة الكثير من الأبرياء. أنهت حوارها مع أدهم،

وهي تقول بصوت يصبغه الحزن: "بعد اللي حضرتك قلته ده، أعتقد إن ده هيكون آخر لقاء بينا يا دكتور أدهم." رد أدهم بتعجب: "ليه بتقولي كده يا دكتورة؟ نوران بنفس نبرة الحزن: "لأن حضرتك خلاص شرحتلي كل حاجة، وأديتني تركيبة البروتوكول العلاجي، ومعدش فيه أي سبب يخليك محتاج تتواصل معايا تاني." رد أدهم بصوت هادئ: "لأ طبعاً يا دكتورة. إحنا هنفضل أصدقاء، والتواصل بينا مش هينقطع بإذن الله. ولي عندك طلب أخير." ثم استطرد

وقد غمر ملامحه حزن واضح: "ياريت ريم متعرفش أي حاجة عن مقابلتنا النهارده. أنتي هتقولي لها إنك أسعفتيني واتأكدتي إني بقيت بخير، وبعد كده نزلتي ورحتي لأهلك في المنصورة!!! ثم أخرج مظروفاً مغلقاً من جيبه، وناوله لنوران وهو يقول: "الظرف ده هتديه لريم في حالة واحدة بس... لما يجيلك خبر وفاتي!!! شهقت نوران بصوت حاد: "بعد الشر عليك يا أدهم.... أقصد يا دكتور أدهم. ربنا يحفظك ويديك الصحة وطولة العمر." أدهم بنبرة إيمانية واضحة:

"لقاء ربنا عمره ما كان شر يا دكتورة نوران." ردت نوران بصوت تغمره السكينة: "ونعم بالله." كانت تلك هي آخر جملة في حوارهما، وعلى أثرها قاما، ثم تصافحا بكل ود، وذهب كل منهما في طريقه. إلا أن نوران لم تدرك السبب الحقيقي وراء تمسك أدهم بصداقتها... فحتى هذه اللحظة.... لم يكن الله قد أذن لأدهم بأن يخبر نوران.... بأنها بعد سنوات قليلة من الآن، سوف يخرج من أحشائها طفل ما، كانت تنتظره الإنسانية كلها!!!

فعلى يد ذلك الطفل، سوف تسترد الأمة العربية والإسلامية شرفها المهدر، وكبريائها الجريح، وسوف يحمل ابنها لقباً خالداً وهو... ((محرر القدس) ) !!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...