الفصل 8 | من 9 فصل

رواية ضد الزمن الفصل الثامن 8 - بقلم حازم الباشا

المشاهدات
17
كلمة
2,274
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

وصلت ريم بصحبة أبيها إلى المنزل، لتجده قد تحول إلى ثكنة عسكرية. فعلى كل زاوية من أركانه، يقف أحد أفراد الأمن مفتولي العضلات، في مشهد سينمائي. وكأننا نقف أمام أحد قصور أباطرة المافيا في تسعينيات القرن الماضي. لم تكترث ريم لذلك المشهد الغريب، فقد كان ذهنها مشتتاً ما بين خوفها على أدهم، ورغبتها في الاطمئنان عليه من جهة، وبين ذلك الصدام الوشيك بينها وبين أبيها من جهة أخرى. وما إن صعدت ريم إلى غرفتها، حتى لحق بها والدها.

ثم أوصد الباب خلفه بإحكام، وهو يقول بصوت منفعل: "ممكن بقى أفهم أنتِ كنتِ فين؟ "وبتعملي إيه طول الأسبوع ده؟ ردت ريم بصوت مرتعش، وهي تحاول حبس دموعها: "بص يا بابا... أنا هاحكي لك كل حاجة." "واقسم لك بالله أنا ما كنتش عارفة إنك نزلت مصر." "وإن البلد كلها بتدور عليا." ثم اقتربت من أبيها قليلاً وقالت: "أنا كنت عيانة أوي، جالي مرض جديد اسمه (كورونا) "وربنا بعت لي إنسان شهم ومحترم وجدع." "هو اللي أنقذ حياتي."

انبثقت كل علامات التعجب من عيني ناصر، وقال بصوت مرتبك: "إنتي بتقولي إيه؟ "أنا مش فاهم منك أي حاجة." "والكورونا دي يا بنتي نوع شوكولاتة مش مرض! زفرت ريم زفرة طويلة: "طب يا بابا اهدا كده واسمعني." "أنا هاحكي لك الموضوع كله من أوله لأخره." وبدأت ريم تروي كل تفاصيل ما حدث بينها وبين أدهم منذ أن التقيا بالمطار، وحتى اللحظة التي التقت فيها مع أبيها. إلا أن حرصها على سلامة أدهم، جعلها تحذف بعض التفاصيل.

فحذفت كل ما يتعلق بالدكتورة نوران، واستبدلت اسم (أدهم) باسم مستعار هو (نور) ، وذلك لتضليل أبيها في حال محاولته البحث عن أدهم. وما إن انتهت ريم من سردها، حتى انتفض أبوها في موجة عارمة من الغضب، وقال بصوت حاد: "إيه الجنان والتخاريف اللي انتي بتقوليها دي يا ريم! "واضح إنك يا إما عقلك اتلخبط." "يا إما فاكرة إن أبوكي ده أهبل وهيصدق قصة الوباء القاتل دي! انكمشت ريم قليلاً، وقالت بصوت مرتعب:

"أقسم لك بالله يا بابا إني مش بكذب عليك." "وبكرة تشوف بنفسك لما الوباء ده ينتشر في العالم كله." رد ناصر بصوت اهتزت معه جدران الغرفة: "براحتك يا ريم." "واضح إني دلعتك أوي." "وديتك حرية أكتر من اللازم ودي النتيجة." "بس أنا هعرف إزاي أعيد تربيتك من جديد." "هتفضلي محبوسة في أوضتك ومش هتطلعي منها." "لحد ما تقولي كنتِ فين! ومع مين! زمجرت ريم باستياء، لكنها لم تعترض.

فهي تعلم تماماً أنه لا يوجد مخلوق على الأرض يستطيع الوقوف في وجه ناصر الحديدي أثناء ثورته. فانتظرت لحظة حتى هدأ ناصر، وقالت بصوت منكسر: "اللي نشوفه يا بابا." "احبسني براحتك." "بس لو سمحت أنا عاوزة موبايلي." ناصر وهو يخرج من الغرفة: "ولا حتى هتلمسي الموبايل يا ريم." "وهتفضلي معزولة عن العالم كله لحد ما أشوف آخرتها معاكي." ثم أغلق الباب بعنف، وصاح على أحد الحراس بلهجة حازمة: "ريم هانم ما تخرجش من أوضتها."

"ولا تلمس موبايل." "ولا حد يدخل لها إلا بأمر مني." "فاهمين كلكم! رد طاقم الحراسة: "أوامرك يا ناصر بيه." استطرد ناصر بغضب واضح: "مفيش حاجة تعدي من الباب ده غير الأكل والشرب." "ولو حد كسر كلامي ده ما يلومش إلا نفسه." ارتعد ذلك الحارس مفتول العضلات، وكأنه فأر مذعور في مواجهة قط بري شرس، وقال بصوت مرتعب: "أوامرك يا ناصر بيه." شعرت ريم بأن العالم كله ينهار فوق رأسها، فقد تبدد أي أمل بداخلها أن ترى أدهم، أو حتى تطمئن عليه.

فكان عزاؤها الوحيد أن ملابسه لا تزال تحتضن جسدها، حاملة معه عطر جسده، الذي منحها بعض السكينة. *** وعلى جانب آخر، في نفس التوقيت. كانت الدكتورة نوران قد نجحت في تطهير جرح أدهم، الذي بدأ يستعيد وعيه تدريجياً. بينما كان يقتلها القلق لاختفاء ريم غير المفهوم. وكان الوقت قد تأخر، وانتصف الليل، فقررت نوران أن تنتظر حتى يستفيق أدهم. ولم تفعل نوران ذلك إرضاءً لريم، أو خوفاً من بطشها.

ولكن لأنها كانت طبيبة بمعنى الكلمة، لا يمكن أن تتخلى عن شخص مصاب يحتاج إليها. وجاءت اللحظة الحاسمة. واستفاق أدهم، ليصعق بوجود الدكتورة نوران جالسة على كرسي مجاور لسريره، وقد هزمها النوم. فاعتدل ببطء معانداً ألم جرحه الشديد، وقال هامساً، وهو يتحسس يد نوران برفق: "دكتورة نوران... دكتورة نوران." انتفضت نوران مستيقظة وقالت: "حمد الله على سلامتك يا دكتور أدهم." ثم استطردت بصوت مرتبك: "هو حضرتك عرفت اسمي إزاي؟

فرد عليها أدهم بصوت أكثر ارتباكاً وقال: "وحضرتك عرفتي اسمي إزاي؟ "وإزاي دخلتي هنا؟ ردت نوران: "أستاذة ريم اتصلت بيا عشان حضرتك دخلت في حالة إغماء." "وحرارتك كانت مرتفعة بسبب تلوث الجرح." "وأنا جيت وعملت كل اللازم." "والحمد لله حضرتك أخيراً فوقت." أدهم مقاطعاً: "وريم اتصلت بيكي إزاي؟ "وهي فين دلوقتي؟ ردت نوران: "هي نزلت الشارع ودورت على تليفون وكلمتني منه." "وبعد كده قالت لي: أنا هنزل ١٠ دقايق أرجع التليفون لصاحبه."

قاطعها أدهم مجدداً: "الكلام ده حصل إمتى؟ ردت نوران: "الكلام ده بقاله أكتر من ساعتين." "ولحد دلوقتي ما رجعتش." "وأنا فعلاً قلقانة عليها جداً." رد أدهم بصوت مرعب، وقد لاحظ وجود دفتر مذكراته بجوار نوران: "هو حضرتك فتشتي في دولابي وقريتي المذكرات دي؟ ردت نوران بنبرة غاضبة: "لأ يا أفندم." "مش من أخلاقي إني أتجسس على أي حد." "ومذكرات حضرتك دي لا تعنيني في أي شيء! استشعر أدهم الحرج، وقال بصوت رقيق: "أنا آسف يا دكتورة."

"أكيد ريم هي اللي قرت المذكرات." "وأرجوكي تسامحيني على... قاطعته نوران بحدة: "حصل خير يا دكتور." "أنا لولا إن ريم قعدت تتوسل ليا إني أجي وأسعفك." "مكنتش هحط نفسي أبداً في موقف زي ده." "ولعلم حضرتك... أنا فضلت قاعدة لحد دلوقتي عشان خايفة على حياتك مش أكتر! رد أدهم بحماس: "اللي حضرتك ما تعرفيهوش إن حياتك إنتي أهم مني." "وأهم من حياة ريم ألف مرة! اندهشت نوران من رد أدهم وقالت بنبرة ساخرة: "اشمعنى يعني!

التقط أدهم دفتر مذكراته، وفتح إحدى صفحاته، التي كانت تحوي أرقاماً وكلمات غير مفهومة. ثم ألقى نظرة على ساعة معلقة في جدار الغرفة، وقال بصوت صارم: "أنا مش هعرف أشرح لحضرتك أي حاجة دلوقتي." "بس كل اللي هطلبه منك إنك تثقي فيا." "وتعملي اللي هطلبه منك بمنتهى الدقة." لم تدري نوران ما هو سبب ارتياحها الغريب لأدهم. فقد وجدت نفسها ترد دون أي تردد: "حاضر يا دكتور." "أنا هثق فيك وهنفذ كل اللي تطلبه مني."

"بس اوعدني إنك مش هتخذلني ولا هاتعمل أي حاجة تأذيني." أمسك أدهم يد نوران برفق، وقال بصوت حاسم: "أوعدك يا دكتورة." "أنا عمري ما هأذيكي." "وصدقيني لو قلت لك أنا على استعداد إني أفدي حضرتك بحياتي." شعرت نوران بأن جسدها بدأ ينتفض من شدة الخجل، وقد ازدادت دقات قلبها، الذي اجتاحه سعادة غريبة. وقالت بصوت رقيق جداً: "أنا هصدق كلامك يا دكتور أدهم." "رغم إني مش فاهمة سبب اهتمامك بيا." "ولا حتى فاهمة سبب ثقتي فيك."

رد أدهم بصوت حنون: "ثقتك دي في محلها يا دكتورة." "وبكرة الأيام هتثبت لك ده." "بس إنتي لازم تنزلي دلوقتي حالا من هنا." "وتسافري لأهلك في المنصورة." "وتختفي هناك كام يوم لحد ما أجيلك وأحكيلك على كل حاجة." ثم استطرد قائلاً: "في حاجة مهمة جداً قبل ما تروحي البيت." "ضروري تشتري سرنجة وحقنة أنسولين." اندهشت نوران لمعرفة أدهم بتفاصيل عن منزل أسرتها، وقالت باندهاش: "بس أنا الحمد لله معنديش سكر."

"ولا أي حد من أهلي عنده مرض السكر." "إيه لازمة الأنسولين ده! رد أدهم بنبرة حاسمة: "أرجوكي ثقي فيا." "الوقت مش في صالحنا." "لازم تنزلي حالا." صافح الاثنان بود، وودع كل منهما الآخر، وقد لاح في الأفق أن قصة طويلة، قد بدأت أول سطورها اليوم، لتجمع بين أدهم ونوران. *** وقبل بزوغ فجر اليوم التالي. كانت نوران قد وصلت إلى أعتاب منزل أسرتها، في إحدى القرى الصغيرة بضواحي مدينة المنصورة.

دقت نوران جرس المنزل مراراً وتكراراً، ولكن دون جدوى، فاستخرجت مفتاحها ودخلت، لتجد جسد والدها ممدداً على الأرض في منتصف الردهة. شهقت نوران وهي تهرول باتجاه أبيها، وهي تصرخ: "بابا... بابا... فوق يا بابا ورد عليا." ولكن الأخير كان في حالة إغماء تام، والعرق يتصبب منه بغزارة، بينما كانت أطرافه باردة كالجليد. لم يكن من الصعب على طبيبة ماهرة مثل نوران، أن تكتشف أن حالة الحاج عزمي والدها، ليست إلا... غيبوبة سكر.

أسرعت نوران بالتقاط أنبوبة الأنسولين من حقيبتها، وحقنت والدها بجرعة بسيطة منه، وقد كانت كل ذرة من جسدها ترتجف بشدة. مرت الدقائق بطيئة ومرعبة. حتى استفاق الحاج عزمي. وأخبر ابنته أن أمها وأختها كانا قد سافرا مساء الليلة المنصرمة، إلى بلدة مجاورة، لحضور زفاف إحدى بنات أخوالها. وقد كان مخططاً أن يلحق هو بهما بعد انتهاء عمله اليوم، إلا أنه قد شعر بإرهاق شديد، فآثر أن يعتذر عن الحضور.

وبرغم استفاقة الحاج عزمي وتعافيه، إلا أن حالة الفزع التي أصابت نوران لم تهدأ. فلم يكن قلقها على أبيها هو سبب خوفها الوحيد. بل كان خوفها الأعظم هو... كيف علم أدهم بما أصاب والدها قبل ساعات من حدوثه! وهنا لمعت عبارة ريم في عقل نوران، عندما أخبرتها... (أن أدهم ليس مجرد بشر عادي) اختلطت مشاعر الخوف والارتباك داخل قلب نوران، مع إحساس غريب بالفرح والزهو. ولما لا!

فذلك الشخص الأسطوري المدعو أدهم، كان قد أخبرها من سويعات قليلة... أن حياتها هي... أغلى عنده من حياته. بل وأغلى من حياة ريم نفسها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...