شاب وسيم، ذو قلب طيب، رغم ملامحه الحادة وطباعه الصارمة، شامخ، وكل من يراه يظنه قاسيًا ومغرورًا، لكنه في الحقيقة عكس ذلك تمامًا. يعيش في منزل العائلة مع والدته "السيدة أيتن" وأخيه الصغير "مراد" البالغ من العمر 13 عامًا. توفي والده، السيد "قدرت" في حادث سير أثناء ذهابه إلى عمله صباحًا، وكان باران وقتها في المرحلة الجامعية الأولى، ولم يتمكن من استكمال دراسته.
وفاة والده ترك أثرًا نفسيًا كبيرًا في نفسه، مما جعله يبدو حازم الملامح، صارم النظرات لمن يراه لأول مرة. كان السيد عدنان، زوج خالته ليلى، شريكًا لوالده في تأسيس الشركة. بنياها معًا، وكبراها بجهدهما حتى أصبحت من أنجح الشركات. وبعد وفاة والد باران، تولى عدنان مسؤولية الشركة بالكامل، ريثما يكمل باران دراسته، ثم ساعده لاحقًا ليتسلم مكان والده، الذي توفي في ظروف غامضة لم تكشف تفاصيلها حتى الآن.
أما خالته ليلى، زوجة عدنان، فكانت محبة جدًا لأختها أيتن، كما كانت تحب باران ومراد كأنهم أولادها تمامًا. كانت العلاقة بين الأسرتين قوية جدًا، يتشاركون الفرح والحزن، ويتزاورون باستمرار كأنهم عائلة واحدة. أما ديلان، ابنة عدنان وليلى، فكانت تكن مشاعر قوية تجاه باران، تراه فارس أحلامها، وتجد فيه كل الصفات التي تتمناها. وبالفعل، كان باران نموذجًا مثاليًا في نظر أي فتاة، لكنه لم يكن يفكر لا في حب ولا ارتباط.
ومع ذلك، كانت ديلان تحمل مكانة خاصة في قلبه، مكانة مختلفة، وإن لم تكن حب، فهي مميزة له عن الجميع. كم كانت أيتن تحب ديلان حبًا خالصًا، وكانت تتمنى من قلبها أن يتوج هذا الحب بزواجها من ابنها باران. علها تكون له تعويضًا صادقًا عما عاناه في السنوات القاسية التي أعقبت رحيل والده، سنوات أثقلت قلبه، وجعلته يبدو أكبر من عمره الحقيقي.
لم تكن ديلان مجرد ابنة أختها، بل كانت في عينيها الزوجة المثالية لابنها، رأت فيها كل ما يسعد رجلًا مثل باران! جمال هادئ، وبراءة عفوية، وصدق ونقاء نادر. كانت تحمل روحًا طفولية محببة، وقلبًا يحب باران بإخلاص، وأيتن كانت تعرف ذلك جيدًا، بل كانت تأمل في أن يبصر قلب ابنها هذا الحب يومًا ما. وفي إحدى الأمسيات، كان باران منشغلًا في مكتبه بين أوراقه، حين طرقت والدته أيتن باب الغرفة بهدوء. قال بصوته الجاد: تفضلي يا أمي.
دخلت وابتسامة خفيفة على وجهها، قالت بتردد: ابني، هل لديك متسع من الوقت؟ أود التحدث معك. أغلق الملفات أمامه وقال: بالطبع، اجلسي، ما الأمر؟ ترددت للحظة ثم قالت: فقط، لا تغضب! أعلم أنك ستنزعج، لكنني أم، ولا أستطيع كتمان ما أشعر به. تنهد باران، ثم قال: تحدثي يا أمي، أنا أسمعك. قالت بنبرة مشوبة بالرجاء: باران، ألا تفكر في الزواج؟ أريد أن أفرح بك، أراك عريسًا، وأحمل أولادك بين يدي.
ارتسم توتر على ملامحه، فعدل من جلسته، وشبك يديه بتوتر قائلًا: أمي، عدتِ لنفس الموضوع مجددًا؟! أنتِ تعلمين أن هذا أبعد ما يكون عن تفكيري الآن، كل ما يشغلني هو أن أكون معكم، وأن أنجح في عملي. ردت بحزن: ولكن إلى متى يا بني؟! أنت تهتم بالجميع، إلا نفسك، ألا تستحق بعض الراحة؟ بعض السعادة؟! خفض باران عينيه وقال بهدوء حاسم: لا أعلم، لكنني حقًا لا أرغب في الزواج حاليًا، وأتمنى منكِ ألا تضغطي علي في هذا الأمر، أرجوكِ يا أمي.
أطرقت أيتن رأسها بأسى، وقالت بصوت خافت: حسنًا يا بني، كما تريد. سأصمت، لكن قلبي لا يستطيع التوقف عن الدعاء لك بالسعادة. ما إن خرجت أيتن من الغرفة، حتى ألقى باران جسده بثقل إلى الخلف، واستند على ظهر الكرسي، ثم أغلق عينيه ببطء، كأنما يحاول حجب وجع قديم يعاوده مع كل لحظة صمت. في ظلمة الجفن، عاد به الزمن إلى ذلك اليوم، "يوم الحادث" يوم غابت فيه ملامح والده تحت أنقاض الألم، وبدأت رحلة الوجع التي لم تنتهِ. همس
لنفسه بصوت مشوب بالغضب: كيف لي أن أمضي وكأن شيئًا لم يكن؟! كيف أمرر ما حدث وكأنه قدر عابر؟! ثم فتح عينيه، وحدق إلى باب الغرفة الذي خرجت منه والدته، وتابع بصوت مثقل بالحقيقة التي يخفيها عنها: كيف أخبركِ يا أمي، أن ما حدث لم يكن مجرد حادث؟! كان مدبرًا، نعم، هناك من أراد اختفاء أبي، وهناك من فعلها بدم بارد! سامحيني، لكن لا زواجي ولا راحتي تعني شيئًا الآن، قبل أن أجد ذلك الحقير، وأنتزع الحقيقة من بين أنيابه.
وبعد دقائق، دق أحدهم باب الغرفة بهدوء، فرفع باران رأسه قائلًا: تفضل. انفتح الباب قليلًا، وظهرت من خلفه وجه مألوف بابتسامة طفولية مشرقة، كانت ديلان، ابنة خالته: هل يمكنني الدخول سيدي الجاد؟! قالتها بدلال وهي تحني رأسها قليلًا بخفة. ابتسم باران رغمًا عنه، وهز رأسه قائلًا: تفضلي يا ديلان. دخلت بخطى مرحة واقتربت منه قائلة بمزاح: كيف حالك يا سيد العابث؟! تغيرت ملامحه بجدية مصطنعة ورد وهو يرفع حاجبه:
ألن تتوقفي عن هذا اللقب؟! ضحكت برقة قائلة: وهل كذبت؟! إنه يليق بك تمامًا. باران: حسنًا، حسنًا، لا رغبة لي في جدالكِ اليوم! هيا أخبريني، كيف حالك؟ وكيف تسير دراستك؟ تنهدت وقالت: بخير الحمد لله، الدراسة تسير كما يجب، لكن الامتحانات تقترب، والضغط يزداد. ابتسم باران وقال يطمئنها: ستمر على خير، فقط اجتهدي واطمئني. ديلان: آمل إن شاء الله. نظرت إليه قليلًا بصمت، ثم تنهدت، وكأن في قلبها ما لا يقال.
رن هاتفها، كانت صديقتها المتصلة، فاستأذنت باران لترد. أخذت هاتفها واقتربت من النافذة، تتحدث بهمس، بينما عاد باران لتصفح البريد بين يديه. وبعد أن أنهت مكالمتها، التفتت لتجده ما زال منشغلًا، تبسمت بخفة، وبدأت تعبث ببعض الأشياء فوق مكتبه، تارة تقلب في الكتب على الأرفف، وتارة تحرك قلمًا هنا أو ورقة هناك، كطفلة تبحث عن لفت الانتباه. أخذت كتابًا وجلست على الكرسي المقابل له، وأخذت تراقبه بعينين لامعتين.
"كم يبدو وسيمًا وهو غارق في تركيزه" هكذا همست في نفسها، ثم نطقت مبتسمة: باران، أراك منشغلًا! إن كان وجودي يزعجك، سأخرج الآن! رفع رأسه بدهشة وقال: من أين جاءك هذا؟! أنا فقط أراجع البريد، لا أكثر. وقبل أن ترد، فتح الباب ودخلت ليلى، خالته بابتسامتها الحنونة وقالت: ابني باران، كيف حالك؟ رد هو قائلًا: بخير يا خالتي، وأنتِ، كيف حالك؟ ليلى: بخير الحمد لله، والآن هيا، العشاء جاهز! ثم نظرت إلى ديلان ورفعت حاجبها مازحة:
ديلان، انهضي أمامي، واذهبي لتحضير الطاولة بدلًا من الهروب من المطبخ إلى هنا! ردت ديلان بامتِعاض طفولي: أمي! لم أهرب، فقط لم أجد ما أفعله هناك، فقلت أزور باران قليلًا. ابتسم باران وهو يهز رأسه لطفولتها، بينما ضحكت ليلى وقالت: تمام، هيا الآن، والدك في الطريق.
خرجت ديلان مع والدتها لتحضير الطاولة، وكم كانت بارعة في ترتيب الأطباق وتنسيق التفاصيل بدقة تشبه طبعها الهادئ المدقق، لم تمضِ دقائق حتى دخل والدها، وتجمعت العائلة بكاملها حول مائدة العشاء. جلس باران إلى جانب عدنان (والد ديلان) يتبادلان الحديث حول بعض شؤون العمل، بينما انشغلت السيدتان أيتن وليلى بأحاديث جانبية يتخللها الضحك الخافت. أما ديلان، فقد جلست بين أخيها الصغير فجر، تطعمه بحنان، تتابع نظراته البريئة بحب غامر.
وفي تلك اللحظة، خاطبها مراد –شقيق باران الصغير –بنبرة حماس طفولي: ديلان، ما رأيكِ أن نخرج للحديقة بعد العشاء ونلعب بالطابة؟ أنا وأنتِ وفجر! اتسعت عيناها بحماس، وابتسمت قائلة: تمام، أنا موافقة! ضحك فجر وصفق بيديه الصغيرتين بفرح، فابتسم الجميع.
وبعد انتهاء العشاء، أخذت ديلان أخاها فجر ومراد وخرجوا إلى الحديقة، يلعبون معًا ويملؤون الأجواء بضحكات طفولية بريئة. أما الباقون، فجلسوا في الصالون يتناولون الشاي، يراقبون المشهد من خلف النافذة الكبيرة. نظر عدنان إلى ديلان وهي تركض وراء الكرة، ابتسم وقال بنبرة دافئة: آه يا ابنتي، كم تملكين من طاقة جميلة، كلما نظرت إليكِ، أراكِ طفلة لم تكبر أبدًا. ثم التفت إلى زوجته ليلى، وباران وأيتن، وقال بنبرة أكثر جدية:
أريد أن أخبركم بأمر مهم! نظر إليه باران متسائلًا: تفضل يا عمي، هل يخص العمل؟ هز عدنان رأسه نافيًا: لا يا بني، الموضوع يخص ديلان. بدأت علامات الدهشة على وجه ليلى، فقالت بلهفة: ما الذي يخص ابنتي؟! تنهد عدنان وقال: جاء السيد صفوت اليوم إلى مكتبي في الشركة، ثم التفت إلى باران، وأكمل: تعرفه، أليس كذلك يا باران؟ أجابه باران: نعم، أعرفه جيدًا. لكن، لماذا جاء؟ قال عدنان:
جاء ليحدد موعدًا لزيارتنا، هو يريد أن يطلب يد ديلان لابنه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!