ساد الصمت بعد آخر رسالة. صمت ثقيل، وأقسى من البعد نفسه. أغلقت ديلان الهاتف، وضمت ركبتيها إلى صدرها، تشعر بأن قلبها ينكمش مع كل نفس. لم تكن قوية كما حاولت أن تبدو، ولا ثابتة كما أرادت. كانت فقط… موجوعة. همست بصوت مرتجف، وكأنها تخاطب روحه: اشتقت لك، لكنني تعبت من الشعور أني وحدي. مررت أصابعها على شاشة الهاتف، تبحث عن تفاصيله بين كلماته. وبعد لحظات، أطفأت الشاشة ودفنت وجهها في الوسادة، لتترك دموعها تنساب بلا مقاومة.
في القصر. فتح باران عينيه ببطء، وكأن النوم قد خانه هو الآخر. حدق في الفراغ أمامه، وكل شيء حوله يذكره بها. وسادتها، خطواتها، وحتى الليل صار يشبهها. قال بصوت مبحوح، خرج من أعماقه: لم أكن أعلم أن صمتِ قد يجرح إلى هذا الحد يا ديلان. نهض من مقعده واقترب من النافذة، يتأمل ظلمة المساء، يبحث عنها بين العتمة. كان يعلم أنه أخطأ، لأنه لم يعرف كيف يُظهر حبه. وفي صباح اليوم التالي.
استيقظت ديلان على طرق خفيف على باب غرفتها. دخلت والدتها بابتسامة دافئة تخفي قلقها عليها وقالت: صباح الخير يا روحي، كيف حالكِ؟ أجابت ديلان بهدوء مصطنع: بخير يا أمي. لكن ليلى رأت ما خلف الإجابة، فاقتربت منها وربتت على شعرها بحنان قائلة: أحيانًا يا ابنتي، نبتعد لنحمي أنفسنا. لكن لا تجعلي البعد جدارًا بينك وبين من يحبكِ. لم تجب ديلان، فقط أطرقت برأسها، وقلبها يخوض معركة لا صوت لها. وفي الجهة الأخرى.
كان باران يقف أمام المرآة، ينظر إلى نفسه وكأنه لا يعرفها. قال بحزن: لن أترككِ تضيعين مني، حتى لو كان الطريق إليكِ صعب. أمسك مفاتيحه، وقد اتخذ قرارًا. قرار قد يقلب كل شيء. باران وعدنان في الشركة. يعملون على مشروع جديد. لاحظ عدنان أن حالته ليست جيدة؛ كان شاردًا وأحيانًا يمسك بمقدمة رأسه وكأنها تؤلمه. نظر عدنان إليه قائلًا: ما بك يا بني؟ تبدو مريضًا، حتى لم تشاركنا برأيك أثناء الاجتماع!
أجاب باران بصوت منخفض: لا شيء يا عمي، فقط صداع وسيزول. عدنان: أعلم أن ذهنك مشتت بسبب غياب زوجتك؛ ولكن صدقني، إنها مسألة وقت فقط. باران: وكيف؟ هي لا تريد أن تحكي معي حتى! تنهد عدنان وقال: ليس معك فقط؛ حتى معي! عندما حاولت التحدث معها، قالت: أرجوك يا بابا، لا أريد أن أحكي بهذا الأمر. تنهد باران وقال: أريد أن أذهب يا عمي، لم أكن بحالة جيدة. سأرتاح قليلاً. عدنان: هناك عميل مهم سيأتي، نريد مقابلته معًا يا بني.
باران: تمام، سأذهب فيما بعد. ذهب عدنان لمكتبه، وأجرى مكالمة مع ليلى زوجته. عدنان: سأتأخر اليوم قليلاً. ليلى: لماذا؟ لأن لم ينتهِ اجتماعك؟ عدنان: انتهى يا حبيبتي، ولكن سيأتي عميل مهم بعد قليل، ونحن ننتظره. صمت قليلاً وتابع قائلًا: باران، يبدو أنه مريض! ليلى بلهفة: باران! ما به باران؟ كانت ديلان تجلس بالقرب من والدتها. ارتجف قلبها، لكنها حاولت الصمود. نظرت لوالدتها وقالت ببرود مصطنع: لماذا لم يأتِ والدي حتى الآن؟
قالت ليلى ما دار بينها وبين عدنان وعن حالة باران. توترت ديلان، فشعرت ليلى بذلك! أردفت لها قائلة: اتركي نفسك يا ابنتي، لماذا تضغطين على قلبك هكذا؟! أعطيه فرصة. أليس باران يستحق فرصة واحدة منك؟ ديلان: أمي، أريد أن أخرج الآن. ليلى: إلى أين؟ ديلان: أشعر بالملل، أتمشى قليلاً. ليلى: تمام، لكن انتبهي على حالك ولن تتأخري. خرجت ديلان، وطلبت من السائق أن يقلها إلى شركة والدها.
طوال الطريق، كانت شاردة، تحدق عبر النافذة بلا تركيز، تتصارع في صدرها أسئلة لم تجد لها إجابة، ماذا حدث معه! قلبها يخفق بقلق لم تهدأ حدته بعد. وبعد مسافة من الطريق. وصلت إلى هناك. مرت أمام مكتب باران بخطوات مترددة، قبل أن تتوقف أمام النافذة المطلة على الممر. رأته من خلف الزجاج يجلس مع إحدى العميلات. تسللت غصة خفية إلى حلقها، واشتعلت غيرتها دون إرادة منها، لكن تلك الغصة ما لبثت أن لانت حين رأت ملامحه.
تنهدت، ليطمئن قلبها لكونه بخير. جاء عدنان بعد أن كان قد توجه إلى مكتبه لجلب أحد الملفات. وفي تلك الأثناء، كانت ليلى قد هاتفته لتخبره بأن ديلان خرجت، وأنها تركتها تذهب لأنها تعلم أنها ستقصد الشركة للاطمئنان على باران. خاصة بعد أن علمت من والدتها بتعبه أثناء الاجتماع. وحين رآها عدنان، طمأن ليلى قائلًا: أن ديلان أتت إليه الآن، وأن الأمور بخير. استدارت ديلان بهدوء محاولة المغادرة قبل أن يلاحظها أحد.
لكن صوت والدها أوقفها: ديلان. التفتت إليه، فسألها بدهشة: إلى أين؟ تلعثمت ديلان وقالت بتوتر: أنا… أنا فقط كنت قريبة من هنا، وقلت إن كنت قد أنهيت عملك، نعود معًا إلى المنزل. ابتسم عدنان وقال: نعم يا ابنتي، أوشكت على الانتهاء. يمكنكِ انتظاري قليلاً. وبينما كان الحديث يدور بينهما، وقعت عينا باران عليهم. نهض على الفور، وفتح باب المكتب مسرعًا، ثم خرج إليهم ولهفة الاشتياق واضحة في صوته: ديلان، أنتِ هنا؟
ازداد توترها، ولم تستطع الرد. فتدخل عدنان قائلًا: نعم يا بني، كانت قريبة من هنا، فأتت لنعود معًا. نظر باران إليها بعينين لا تخفيان شوقه، ثم قال بنبرة دافئة: هيا، تعالي معي. أمسك بيدها ودخل بها إلى المكتب، ثم التفت إلى العميلة قائلًا باعتذار مهذب: عفوًا، السيد عدنان سيكمل معكِ الاجتماع في مكتبه. نظرت العميلة إليه مبتسمة وقالت: لا بأس يا سيد باران، يبدو أن لديك ما هو أهم. أجابها باران بهدوء: إنها زوجتي ديلان.
اتسعت عينا العميلة دهشة، ثم نظرت إلى ديلان قائلة: حقًا؟ تدخل عدنان بابتسامة: نعم، وهي ابنتي أيضًا. ردت العميلة بلطف: تشرفت بمعرفتكِ يا سيدة ديلان. وبعد أن اصطحب عدنان السيدة إلى مكتبه، خلا المكان لهما. اقترب باران من زوجته وهمس بصوت قلق: كيف حالكِ يا حبيبتي؟ ولماذا خرجتِ وأنتِ بهذه الحالة؟ لم تجرؤ ديلان على النظر في عينيه، خشية أن تخونها دموعها، فاكتفت بالقول: أنا بخير. اقترب منها أكثر، وأمسك بكلتا يديها، محدقًا
في وجهها: ديلان، دعنا نتحدث قليلاً. حاولت الإفلات منه قائلة باضطراب: اتركني، أريد أن أذهب. لكنه لم يسمح، بل جذبها إليه قائلًا: لن أترككِ قبل أن نتحدث، لقد اشتقتُ لكِ كثيرًا. رفعت عينيها إليه، والحزن يفيض منهما، وقالت: وماذا تريد أن نتحدث عنه؟ قال بصوت منخفض: أريد أن أعتذر منكِ. لم أقصد إيذاءكِ بإخفائي عنكِ. فقط أردتُ أن تكوني بخير، وألا تعيشي في قلق إن علمتِ بذهابي في ذلك الوقت. انفجرت
ديلان بالبكاء وهي تقول: لكنه لم يكن هذا فقط يا باران. لقد تعبت. تعبت من صمتك، من عدم مشاركتي ما يخصك، من تصرفاتك التي لم أفهمها حتى الآن! تعبت من شعوري وكأنني عبء ثقيل عليك. ثم أضافت بانكسار: لماذا تضع هذه الحدود بيننا؟ تصرفاتك تجعلني أشعر وكأنني غريبة عنك. أحيانًا تكون كالجمر. وأحيانًا كموج البحر وقت العاصفة. ومرة هادئ كليل ساكن. ومرة لا تبالي وكأن لا أحد يعنيك، بتهورك الدائم. اقتربت منه أكثر،
وهمست بصوت مرتجف: لا أريدك أن تضغط على نفسك أكثر! إن كنت لا تريدني، أو إن كنت قد تسرعت في زواجنا، فأنا الأن أحررك من أي شيء. وسأحترم قرارك. لذلك، لا تجبر حالك على ما لا تريده. صدم باران مما سمع. ابتلع ريقه بصعوبة، ولم ينطق بحرف. لمعت عيناه بالدموع، وجلس قابضًا على يده بكل ما أوتي من قوة. لم يصدق أن حبيبته كانت تحمل كل هذا الألم في صدرها تجاهه. وحين لاحظت ديلان حالته، نادت بصوت حانٍ: باران!
نهض مسرعًا ليغادر، لكن من شدة اضطرابه تعثرت قدمه. هرعت إليه ديلان وأمسكت يده بلهفة: باران، هل أنت بخير؟ نظر إليها بحسرة، وسحب يده منها قائلًا ببرود موجع: بخير. ثم تركها وغادر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!