الفصل 22 | من 25 فصل

رواية دفء في قلب العاصفة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اشرقت بين السطور

المشاهدات
18
كلمة
1,385
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

ذهب باران إلى الساحل غاضبًا، غاضبًا من نفسه أكثر مما كان غاضبًا منها. وقف يحدق في البحر بشرود، والأمواج تتكسر أمامه كما تتكسر أفكاره في صدره. لم تفارقه صورتها، وهي تبكي وتعاتبه بصوت مرتجف. ترددت كلماتها في أذنيه من جديد: «لقد تعبتُ كثيرًا يا باران… تعبتُ من عدم حديثك معي، ومن عدم مشاركتي ما يخصك. تعبتُ من تصرفاتك التي لم أفهمها حتى الآن، وتعبتُ من شعوري وكأني عبء ثقيل عليك…»

انتفض قلبه ألمًا. مزقت كلمتها روحه، وأغرقت عينيه بالدموع، فلم يستطع منعها. تنهد بعمق، وكأن صدره يضيق أكثر مع كل ذكرى. وعاد صداها يلاحقه: «لماذا تضع هذه الحدود بيننا يا باران؟ تصرفاتك تجعلني أشعر دائمًا وكأنني غريبة عنك. لم أفهمك حتى الآن! مرة أشعر أنك جمرة من نار، ومرة كبحر هائج في عاصفة، وأحيانًا هادئ كهدوء الليل… ومرة لا تبالي، وكأن لا أحد يعنيك… وذلك بسبب تهورك الدائم…» قبض على يده بقوة، وصوته يخرج مكسورًا:

كيف فعلتُ بكِ كل هذا السوء دون أن أدري؟! أغمض عينيه، فداهمته كلماتها الأخيرة كطَعنة لا تُحتمل: «لا أريدك أن تضغط على نفسك أكثر يا باران! إن كنت لا تريدني، أو إن كنت قد تسرعت في زواجنا، فأنا الآن أحررك من أي شيء، وسأحترم قرارك. فلا تُجبر حالك على ما لا تريده…» فتح عينيه فجأة وأنفاسه تتصاعد بعنف، صرخ بصوت اختلط بالألم والرفض: لا، مستحيل!

في الجانب الآخر، أنهى عدنان عمله، واصطحب ديلان بالسيارة عائدين إلى المنزل. كانت ديلان تستند بظهرها إلى المقعد، شاردة وعيناها معلقتان بالفراغ. وخلال الطريق، رن هاتف عدنان فأجاب على الفور. خيم صمت ثقيل لثوانٍ، قبل أن يتغير صوته فجأة، ويقول بصدمة: ماذا تقول؟ ثم أردف بقلق: حسنًا، سآتي حالًا. التفتت ديلان إليه بفزع، وسألته: ماذا حدث يا أبي؟ من كان على الهاتف؟ أجاب عدنان وهو يحاول التماسك: تلقيت اتصال!

أحدهم يقول إن حالة باران سيئة. شهقت ديلان، وصوتها يرتجف: ماذا؟! ماذا تقول يا أبي؟ من اتصل بك؟ وأين هو الآن؟ قال عدنان: هو عند الساحل. اهدئي يا ابنتي، سنذهب إليه الآن. انهمرت دموعها وهي تقول برجاء: كيف لي أن أهدأ يا بابا؟ من فضلك أسرع قليلاً.. وبعد وقت قصير، وصل عدنان إلى المكان الذي وصفه المتصل، لكن السكون كان مخيفًا. لم يكن هناك أحد. ترجلت ديلان مسرعة، وأخذت تلتفت حولها بقلق، ثم نظرت إلى والدها بعينين دامعتين:

أين هو؟ لا يوجد أحد هنا! في تلك اللحظة، اقترب منهما رجل وقال: هل تبحثان عن الشاب المريض؟ أسرعت ديلان تسأله وهي تبكي: نعم، هل رأيته؟ أشار الرجل بيده نحو البحر، وقال: أخذه صاحب ذلك اليخت ليستريح قليلاً… وقال إن أحدًا سيأتي ليأخذه بعد وقت قصير. نظرت ديلان نحو اليخت، وهرولت مسرعة دون أن تنتظر والدها. وما إن صعدت إليه حتى، تحرك مبتعدًا داخل البحر.

هنا، وقف عدنان يراقب المشهد بابتسامة خفيفة، وقد تذكر حديث باران معه حين أخبره برغبته في اصطحاب ديلان في رحلة بحرية ليراضيها. التفتت ديلان حولها بخوف، تنادي بصوت مرتجف: باران! أبي… باران! وفجأة، جاءها صوته من الخلف، ثم أحاطها بذراعيه بقوة: أنا هنا يا روح باران.. استدارت تنظر إليه بذهول: أنت…! كيف حالك؟! أمسك بذراعها برفق محاولًا تهدئتها: أنا بخير، لا يوجد بي شيء. ابتعدت عنه خطوة وقالت باضطراب: كيف؟! وماذا عن الاتصال؟!

قال بهدوء موجع: أنا من اتصلت. صرخت ديلان، وصوتها يختلط بالبكاء: هل خدعتني؟! كيف فعلتما بي هذا؟! أنا أريد أن أذهب من هنا! قال باران برجاء: لن تذهبي إلى أي مكان قبل أن تسمعيني. هزت رأسها رافضة: لا أريد أن أسمع شيئًا، ولا أريد أن أبقى معك. أمسك بكلتا يديها، وعيناه تلمعان بضعف: ألم تشتاقي لي؟ ثم همس بصوت أكثر انكسارًا: ألم تشتاقي لنا يا ديلان؟ أصاب قلبها وجع وهي ترى ضعفه، لكنها تماسكت وقالت ببرود: لم أشتاق.

كرر سؤاله أكثر من مرة، وفي كل مرة كان جوابها ذاته: لم أشتاق. انهمرت دموعه وهو يقول بصوت مكسور: اشتقتِ يا ديلان لا تكابري. قالت بثبات متصنع وهي تُهرِّب عينيها: لم أشتاق. هز رأسه وهو يقترب أكثر: اشتقتِ.! أعادت بصوت خافت: لم أشتاق. اقترب منها حتى كاد يلامس أنفاسها، وقال بألم: أعلم أنكِ اشتقتِ لي. نظرت في عينيه طويلًا… ثم انهار صمودها وقالت بصوت مرتجف: نعم، اشتقت. وتابعت والدموع تسبق كلماتها: اشتقت، اشتقت كثيرًا.

سحبها إلى صدره بقوة، وعيناه تفيضان بالدموع: أنا أعتذر. أعتذر على كل ما جعلتكِ تعيشينه بسببي. حدث ذلك رغمًا عني يا حبيبتي. صدقيني، لم أرد أن أحزنكِ أو أجرحكِ. عانقته بقوة وهمست: وأنا أعتذر عما قلته لك، لقد قسوت عليك أيضًا. ابتعد عنها قليلًا، ونظر إليها بغصة قائلًا: طوال السنوات الماضية، كنت أظن أن والدي شريك مع هؤلاء! عشت داخل دائرة لم أستطع الخروج منها يا ديلان، ولم أستطع مشاركتها مع أحد. صمت لحظة،

ثم تابع بصوت منخفض: ماذا لو كان والدي كذلك فعلًا..؟ هل تعلمين؟ … حينها لم أكن لأجرؤ حتى على النظر في وجوه أحد. رفعت ديلان يدها، واحتوت خده بكفها الصغير قائلة بحنو: لقد مضى، لا تفكر به بعد الآن يا حبيبي. قبل مقدمة رأسها وهمس: نعم، مضى هذا الكابوس. التفتت ديلان حولها بابتسامة وقالت: هيا، لنعد. ابتسم باران بمكر لطيف وقال: ما زال الوقت مبكرًا.! نظرت إليه بدهشة وقالت: ولكن صاحب اليخت سينتظرنا! قال وهو يبتسم أكثر:

إنه هنا معي.! ابتعدت ديلان عنه قليلًا، وأخذت تنظر حولها بفضول، ثم همست قائلة: هل هو هنا؟ أين؟ لم أره!! قربها باران إليه، وقال بابتسامة دافئة: إنه لكِ. لم تصدق ديلان ما قاله؛ فنظرت إليه بدهشة وانبهار: لي أنا؟! هل هذا لي؟ قبل باران يدها برفق وقال: نعم يا نور باران. ثم أضاف بنبرة تحمل مفاجأة أخرى: وليس هذا فقط. لف ذراعه حول كتفيها، وأشار بعيدًا… حيث كان هناك بيت جميل، هادئ، تحيطه الطبيعة. نظر إليها وقال بهمس:

هناك… سنكمل ما تركناه ناقصًا. أومأت برأسها بخجل، وهمست: ماذا…؟ أزاح خصلات شعرها برفق وقال: ألا تتذكرين؟ وعدتكِ أن أعوضكِ!! ثم ابتسم وهو يتابع: يوم ألغينا الحجز الذي حجزه لنا والدك… وها قد حان وقته. احمرت وجنتاها خجلًا، ونظرت إليه باستحياء صامت. تلك النظرة… كانت كفيلة بأن تجذبه إليها أكثر، فاحتواها بين ذراعيه، وقرب شفتيه منها، ليأخذهما في قبلة طويلة… قبلة عاشق أذابه الشوق لحبيبته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...