كان مراد يرتجف ويبكي بحرقة، بالكاد يقوى على حمل الهاتف بين يديه المرتعشتين. اتصل بباران. رد الآخر بصوت متلهف: ألو، مراد! لماذا لم تعودوا بعد؟ أين أنتم؟ جاءه صوت مراد متقطع، مخنوق بالبكاء: أخي باران؛ ديلان!! ديلان تركتني! هي تموت يا أخي! تجمد باران مكانه، صُعق مما سمع. احمرت عيناه وامتلأت بالدموع، وبصوت متهدج انفجر قائلاً: مــاذاااا تقول؟! ألو! مراد!! ... مراد!!! ...
لكن مراد لم يُجب، إذ سقط الهاتف من يده على الأرض، وجثا بجوار ديلان وهو يبكي ويهتف باسمها بحرقة. *** وفي القصر، اندفع باران خارج مكتبه مسرعاً يُطارد نبضات قلبه. ملامحه شاحبة والنار تشتعل في عينيه. كانت أيتن وليلى جالستين في الصالون، ففزعتا من ملامحه ونهوضه المفاجئ، فسألته أيتن بقلق وهي تركض خلفه: باران! ما بك؟ ماذا حدث؟! لكنه لم يُجب، فقط فتح باب سيارته بعنف، ورد بنبرة مختنقة: لا شيء...
ثم انطلق بسرعة جنونية، كمن تركض الدنيا كلها خلفه. وأثناء القيادة، كان يحاول الاتصال بأي منهم، قلبه يسبق أنفاسه، وعقله لا يتوقف عن نسج أسوأ السيناريوهات. طلب رقم ديلان... لا إجابة. عاود الاتصال بمراد... لا رد. حتى الحارس، لم يُجب هو الآخر. كاد أن يفقد صوابه، يضرب المقود بيده بقوة، وصرخة ألم تمزق صدره: اااااااآاااااااه!!! أخيراً، تذكر السائق، فطلبه على الفور. رد السائق بنبرة متوترة: نعم سيد باران؟ صرخ باران بلهفة:
أين أنتم؟! ماذا حدث؟! ولماذا لم يتصل بي أحد؟! السائق: أعتذر، ظننت أن السيد مراد أخبرك. باران: قُل لي، ماذا حدث؟! بدأ السائق يروي له ما جرى: الحادث، إصابة ديلان والحارس... وأخبره أيضاً باسم المشفى التي نُقلت إليها. أغلق باران المكالمة، وترك الهاتف بجانبه، أنفاسه تتلاحق، قلبه يوشك أن ينفجر، وعيونه غارقة بلون الدم. *** وصل أخيراً إلى المشفى. ترجل من السيارة بسرعة، دفع الباب بقوة وركض نحو الداخل.
رأى السائق جالساً قرب مراد، الذي كان يبكي بحرقة أمام غرفة العمليات. تقدم باران نحوهم، ملامحه لا توصف، وهتف بصوت مرتجف: أين ديلان؟! أين هي؟! نهض مراد، ركض نحوه واحتضنه بقوة وهو يرتعش كطفل مذعور: أخي... لقد أنقذتني، دفعتني بعيد وتأذت هي. لم يُكمل، إذ فُتح باب غرفة العمليات، وخرج الطبيب بخطوات ثقيلة. قال بنبرة حزينة: الحارس... لم نتمكن من إنقاذه. صرخ باران بصدمة: و... ديلان؟!! ماذا عنها؟!! رد الطبيب:
ما زلنا نحاول إنقاذها، حالتها حرجة جداً... ولكننا لم نفقد الأمل بعد. ارتجف جسد باران بشدة، وتسمرت قدماه في الأرض، اتسعت عيناه بذهول، واختنق صوته بين صدمة وألم، ثم تراجع خطوة للخلف واضعاً يده على صدره، شعر بشيء يُمزق قلبه من الداخل. رفع عينيه نحو الطبيب وقد غلبته دموعه، لكنه لم ينطق بشيء. فقط تمتم بصوت مكسور، بالكاد يُسمع: ديلان!
نطق اسمها وكأنه يلفظ آخر أنفاسه. حياته بأكملها مُعلقة بأسمها، كررها من جديد بصوت أضعف، ليشعر بروحه تُغادره معها: ديلان. ثم جلس على مقعد قريب، وضع كفيه على وجهه، وانحنى بجسده وهو يهمس بانكسار: لا، مستحيل. *** لا يزال الجميع واقفاً أمام غرفة العمليات، في حالة من الصدمة والانهيار، والبكاء المرير.
أما والد ديلان عدنان، فكان يجلس بصمت قاتل، عيناه تائهتان، لا يصدق حتى اللحظة ما جرى لابنته الوحيدة. قلبه كاد أن يتوقف عن النبض من هول الفاجعة. ووالدتها، كانت تحتضن صغيرها 'فجر' بقلب منكسر وهو يبكي في حضنها مردداً: أريد أن أذهب إلى أختي ديلان. كلمته البريئة تلك، خرقت قلب ليلى كسهم، صدرها لم يعد يتسع لحزن جديد. أما مراد، فلا يزال في ركن آخر، يجهش بالبكاء وهو يرتجف بعد أن أفاق من ذاك الكابوس:
لو حدث شيء لزوجة أخي، لن أستطيع العيش بعدها! ضمته والدته أيتن بقوة، تحاول أن تهدئه، بينما هو يقول بين دموعه: أنا السبب! لقد أنقذت حياتي، ماذا إن لم تستيقظ؟! ماذا أفعل؟! كانت تحاول تهدئته، لكن صغر سنه لم يسعفه لاحتواء ما مر به. كان ينهار أمامها، عمره كله سقط في هذه اللحظة. *** وعن باران، باران، بكل هيبته وصلابته، يقف الآن عاجزاً. يوشك على الانهيار. أين ديلان؟ هل ستكون بخير؟ هل ستفتح عينيها من جديد؟
هل ستعود لتعبث معي كما اعتادت؟ قبض على يده بقوة، يحاول أن يتمالك ما تبقى من صموده، وعيناه تمتلئان بالدموع. تاه لوهلة في شروده، وتدفقت الذكريات في رأسه كالسيل. تذكر نظراتها البريئة، صوتها الرقيق، وضحكاتها التي كان يعشقها. تذكر طريقتها في مشاكساته، حركاته الطفولية التي كان يذوب بها. حبيبته التي أحبته بجنون، بكل ذرة فيها. تذكر عناقها، قبلاتها، وحنانها الذي كان يختطفه من كل ما حوله.
تذكر ليلتهما الأولى. تلك الليلة التي حفرت في ذاكرته كأنها عمر كامل، ليلة لا يمكن أن تُنسى. أغمض عينيه بقوة، ودموعه بدأت تنهمر بصمت لا إرادي. شهق بحرقة، وتنهد تنهيدة موجعة، ثم أمسك بهاتفه. فتح آخر محادثة بينهما قبل خروجها. توقف عند عبارتها الأخيرة: قل لي إنك اشتقت، وسأتي فوراً. آخ، هنا تمزق قلبه أشلاء. انحنى برأسه، ودموعه تسابق أنفاسه. كل حرف منها، أصبح وجعاً في صدره. ابتلع غصته بصعوبة، حين تذكر وصيتها
الأخيرة له قبل خروجها: انتبه لحالك جيداً. تنهد تنهيدة ثقيلة، أنفاسه بدأت تخونه. نظر نحو غرفة العمليات، عاجزاً عن الصبر أكثر. اقترب منها صارخاً بانفعال: لماذا لم يخرج أحد بعد؟! ما الذي يفعلونه معها كل هذا الوقت؟! سأفقد عقلي إن لم أسمع شيئاً... إن لم أعرف حالها الآن! كان الجميع في حال من التوتر والانهيار. وبعد لحظاتٍ ثقيلة، خرج الطبيب. انتفضت القلوب، ونهض الجميع نحوه. ليلى، بصوت ملهوف ودموع غزيرة: ابنتي...
أرجوك، كيف حال ابنتي؟! أريد رؤيتها. صمت الطبيب للحظة. باران لم ينطق؛ وكأنه رفض أن يسمع الجواب. خشي من أن ينطق الطبيب بحكم لن تقوى روحه على احتماله. خشي أن تكون الجملة القادمة نهاية أو فراق. تنهد الطبيب وقال بصوت مرهق: لم تكن إصابة السيدة ديلان نتيجة الاصطدام مباشرة، فمن الواضح أنها حاولت تفادي السيارة، ولهذا لم يتضرر جسدها كثيراً. لديها كسر في الذراع وبعض الكدمات المتفرقة في جسدها، ولكن!
الضربة الأقوى كانت في الرأس، ناتجة عن سقوطها بعنف على الأرض عند دفعها من السيارة. ارتجفت القلوب من كلمته الأخيرة. الطبيب تابع: أجرينا لها جراحة دقيقة في الرأس، وقمنا بكل ما يلزم. والآن، كل ما علينا هو الانتظار حتى تفيق. هنا تنفس الجميع الصعداء، الأرواح التي كانت معلقة بدأت تعود بهدوء إلى أجسادها. لقد بقيت ديلان على قيد الحياة! رغم الألم والخوف، كانت هذه الجملة بمثابة طوق نجاة. باران تقدم خطوة بلهفة وقال:
أريد أن أراها الآن. رد الطبيب: سيتم نقلها إلى غرفة العناية المركزة، لكن لا يمكن لأحد زيارتها حتى تستفيق، علينا أن نمنحها بعض الوقت. *** في صباح اليوم التالي. لا تزال ديلان غائبة عن الوعي، والجميع ينتظرون متى ستفتح عينيها؟ وقفوا خلف الزجاج، يراقبون أنفاسها الهادئة. دخل الطبيب ليفحصها، طلب من مساعدته أن تضيف الدواء إلى المحلول الوريدي، ثم دون ملاحظاته بهدوء، وخرج من الغرفة. تقدم منه باران بلهفة وقلق قائلاً:
دكتور، كيف حالها الآن؟ رد الطبيب بهدوء معتاد: حالتها مستقرة، لا زلنا ننتظر استيقاظها، هذا كل ما نحتاجه الآن. نظر باران نحو ديلان، وعيناه تمطران بالدموع التي لم تتوقف منذ الأمس، ثم عاد بنظره للطبيب قائلاً بصوت متهدج: أريد الدخول إليها. أريد أن أكون بجانبها، فهي بحاجة لي الآن. صمت الطبيب لحظة، ثم تنهد وأومأ برأسه قائلاً: حسناً، ادخل لكن كن هادئاً، ربما وجودك قد يمنحها القوة.
دخل باران إلى غرفتها بخطوات بطيئة، تكاد الأرض تحته تئن من ثقل ألمه. اقترب منها بهدوء وجلس إلى جوارها، ثم مد يده المرتجفة ليمسك بيدها الموضوعة إلى جانبها. غلبه البكاء، وانهمرت دموعه دون توقف، لم يكن يتخيل أنه سيراها بهذا الضعف. تلعثمت الكلمات في حلقه، تمتم بصوت مكسور: ديلان، هيا انهضي أرجوكِ، قولي لي إنكِ بخير. كيف لكِ أن ترحلي بعد أن أضاء حبك قلبي وكل حياتي؟ أنا هنا، باران...
جئت، ولن أبرح مكاني حتى تفتحي عينيكِ وتنظري إلي كما اعتدتِ. لا تتركيني، فأنا لا شيء بدونك. أعلم أن قلبك لا يرضى أن تريني أتألم، فكيف لكِ أن تتركيني هكذا، أعيش وجعي وغيابك؟ انهضي يا ديلان... أرجوكِ، فقط افتحي عينيكِ. أنا أعتذر...
كنتِ تريدينني أن أقول لكِ "اشتقتُ". حبيبتي، أنا الآن أشتاق لدقيقة واحدة فقط معكِ، أشتاق لأن أحتضنك بين ذراعي، بين ضلوعي. هيا، انهضي. فلا وجود لعُمري دون وجودك فيه. هيا يا سيدة قلبي، يا سكني ومأمني. هيا، فكم اشتقتُ لكلماتك ولـ "بحبك" بصوتك وبطريقتك، وباشتياقك ولهفتك. اشتقتُ لسماع اسمي بنبرتك الحنونة، وأنتِ تنادينني "باران". هيا يا روحي، كم اشتقتُ لأن تخبريني تفاصيلك التي لم ولن تخبريها إلا لي فقط. هيا، كم اشتقتُ وأشتاق وسأشتاق لكِ.
ألن تشتاقي لي؟ هل تعاقبيني بتركك لي هكذا؟! ألا تعلمين كم أحبك؟ نعم، وسأظل أحبك حتى أخر أنفاسي. هيا يا قطعة قلبي وروحي، فأنتِ الحبيبة والصديقة. لقد أحببتك بقلب لا يرى نور الصباح ولا جمال الدنيا إلا بين يديك. هيا، فأشعر وكأنني يتيم منذ فراقك. وضع مقدمة رأسه فوق يدها وهو يبكي بحرقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!