نزل باران وديلان معاً إلى الحديقة، حيث كانت المائدة مُعدة بعناية. وقد اجتمع أفراد العائلة ينتظرونهما. ما إن ظهرا حتى علت وجوه الجميع الابتسامة ونهضوا لاستقبالهما. اقتربت ليلى من ديلان وضمتها بحب قائلة: حبيبتي، ما أجملك اليوم! ابتسمت ديلان بخجل وردت: وجودكم حولي هو ما يجعلني أشعر بالسعادة الكاملة يا أمي. صافح باران الجميع وجلس إلى جوار زوجته، التي كانت وكأنها لا تزال تعيش في حلم جميل. نظرت إليه والدته بعينين
يغمرهما الحنان وهمست: سعادك يا بني، تظهر بملامحك. أجابها باران وهو ينظر إليها: الحمد لله يا أمي، هذا بفضل دعمك ومحبتك. جلس الجميع يتناولون الفطور وسط أجواء دافئة، امتلأت بالأحاديث الخفيفة والضحكات. لكن في طرف الطاولة؛ جلس عدنان بصمت، يتابع الجميع بعين تائهة. كان فكره مشغولاً بما سمعه في الليلة الماضية. رمق باران بنظرة قلقة، ثم تمتم في نفسه:
علي أن أعثر على ذلك المخزن قبل أن يقع ما لا تحمد عقباه؛ لكن ليس الآن، لا أريد أن أفسد عليهم فرحتهم. *** وخلال ساعات اليوم، باران يجلس بمكتبه، يراجع أوراقاً ورسائل. كان صامتاً، هادئاً أكثر من المعتاد. ابتسمت ديلان التي كانت تجلس بالمقابل له، لكنه اكتفى بنظرة قصيرة، ثم عاد إلى تركيزه. شعرت بشروده، وتساءلت: هل حدث شيء؟ هز باران رأسه نافياً: لا لم يحدث شيء! ***
عدنان بالشركة. وصلت رسالة مجهولة على هاتفه؛ تحمل تحذيراً من البضائع المخزنة. جلس عدنان يتأملها، يشعر بثقل في صدره. هل يجب أن يخبر باران الآن؟ خاطره يعيد له صورة ليلة الزفاف، ويصرخ داخله: لا، ليس الآن. *** بعد مرور أسبوع. وفي صباح هادئ، كان باران يجلس في مكتبه داخل القصر، يتصفح بعض الأوراق حين طُرق الباب. رفع رأسه وقال هاتفاً: تفضل. دخل مراد أخوه الأصغر، بخطى متحمسة، واقترب منه قائلاً: أخي باران!
ابتسم باران فور رؤيته، ورد: تعال يا أسدي، أخبرني ما الأمر؟ قال مراد بحماس طفولي: اليوم دعاني صديقي لحفل ميلاده، وأريد أن أشتري له هدية! أومأ باران موافقاً: جيد، وما المشكلة إذاً؟ رد مراد: أريد من ديلان أن تذهب معي. والدتي مشغولة جداً اليوم، وأنا أحب أن أكون مع أختي ديلان، فهي تتحملني مهما قلت أو فعلت، ولا تغضب مني أبداً مثل والدتي. ابتسم باران لطرافته، وقال: تمام، سأتحدث معها الآن وأخبرها. قال مراد بحماس:
حسناً، سأذهب لأحضر هاتفي من الغرفة وأعود فوراً. غادر مسرعاً، بينما ظل باران يبتسم وهو يتأمل حماس أخيه وحبه لديلان. أمسك هاتفه وأرسل رسالة إليها: ديلان، تعالي إلى المكتب. ديلان أرسلت الرد: هل اشتقت لي يا سيدي العابث؟ باران: هيا يا ديلان، أنتظرك! ديلان: قل إنك اشتقت لي، وسآتي فوراً. باران: أين أنتِ الآن؟ ديلان: في غرفتنا، كنت أرتبها قليلاً. باران: إن كنتِ متفرغة الآن، فمراد يرغب أن ترافقينه لشراء هدية لصديقه. ديلان:
ممم... حسناً، حسناً! أعلم أنك لا، ولن تقولها (تقصد "اشتقت") لذا سأذهب من أجل مراد فقط! أتت ديلان إلى مكتب باران بعد دقائق. نظرت إليه بامتعاض طفولي قائلة: ها أنا قد أتيت يا سيد كارابي! أجابها ببرود مشاكس: سيصل مراد الآن! اقتربت منه بغيظ لطيف وأمسكت عنقه بكلتا يديها الصغيرتين قائلة: ماذا أفعل بك؟! رد بثبات، وهو يحاول كتمان ابتسامته: اهدئي، مراد سيصل في أية لحظة. دخل مراد بعدها بلحظات، نظر إلى ديلان قائلاً بحماس:
هيا بنا يا زوجة أخي! ابتسمت له ديلان برقة وردت: حسناً، فلنذهب. وقبل أن يغادرا، هتف باران بلهجة جادة: انتبها لأنفسكما، وعندما تنتهيان عودا فوراً إلى القصر. سأرسل معكما السائق وأحد الحراس. رفعت ديلان حاجبيها بدهشة وقالت: وما الداعي لكل هذا؟! أجابها بنبرة حانية: أريد فقط أن أكون مطمئناً عليكما أكثر. ابتسمت وقالت: تمام، كما تشاء... هيا إلى اللقاء! سبقها مراد إلى الخارج، وكادت أن تلحق به.
لكن شيء ما اعترى قلبها فجأة، وكأن غصة سكنت صدرها عند فكرة مغادرته وتركه وحده. توقفت، ونظرت إليه. الابتسامة التي كانت تزين وجهها اختفت؛ وملأ الحزن عينيها. استدارت نحوه ببطء، واقتربت منه. نظرت في عينيه بصمت مؤلم... ثم طبعت قبلة طويلة على خده وهمست بحرارة: انتبه لحالك جيداً. وغادرت، تاركة خلفها أثراً لم يعرف له تفسير. وقف باران في مكانه مذهولاً من تصرفها، وسرعان ما اقترب من النافذة ليراقبها وهي تبتعد.
ظل ينظر إليها حتى اختفت عن ناظريه. عاد إلى مكتبه، غارقاً بين الملفات وأعباء العمل التي لا تنتهي. لكن ذهنه شرد بعيداً، وكل ما تذكره كان همستها الأخيرة قبل مغادرتها: انتبه لحالك جيداً. شعر بانقباض في صدره، فوضع الأوراق جانباً واتكأ بظهره على الكرسي، ثم أمسك بهاتفه واتصل بها. لكنها لم تجب. تسلل القلق إلى قلبه، وراح يُحدق في الهاتف بتوتر. ثم قرر الاتصال بمراد: ألو... مراد؟ مراد: نعم، أخي باران! قال بلهفة:
هل انتهيتم؛ أين ديلان؟ رد مراد بهدوء: نعم، لقد انتهينا. وديلان ذهبت لتأخذ الفاتورة، وسنعود بعد دقائق. أغمض باران عينيه وتنهد بقلق: تمام، سأكون بانتظاركما. انتبها لأنفسكما. *** خرجت ديلان برفقة مراد من المول، يسيران معاً باتجاه السيارة. وفي لحظة خاطفة، ظهرت سيارة مسرعة تتجه نحوهما بجنون! لم يكن هناك وقت للتفكير.
التفتت ديلان بسرعة، فرأت مراد في مسار السيارة مباشرة، ودون تردد دفعتـه بكل قوتها بعيداً؛ لتتلقى هي الصدمة بدلاً عنه! ارتطم جسدها بقوة وسقطت أرضاً، تتلوى من الألم والدماء تنزف بغزارة. وفي ذات اللحظة، كان الحارس يهرع خلفهم، أخرج سلاحه محاولاً إيقاف السيارة المهاجمة بإطلاق النار، لكنها انحرفت وصدمته أيضاً قبل أن تفر هاربة من المكان.
سقط الحارس أرضاً، والسائق الذي كان قد لحق بالسيارة للحاق بها، عاد بسرعة حين لم يستطع الإمساك بها. هرع إلى ديلان والحارس، أمسك بهاتفه واتصل بالإسعاف، وصوته يرتجف من هول المنظر. أما مراد، فقد كان في حالة صدمة. اقترب منها راكضاً، وركع بجانبها وهو ينتحب: أختي ديلان! استيقظي أرجوكِ، لا تتركيني! ماذا حدث لكِ؟!! احتضن جسدها الغارق في دمائه وهو يرتجف، ودموعه تنهمر بحرقة. أخرج هاتفه وهو يرتعش، واتصل بباران.
رد باران بسرعة ولهفة: مراد! لماذا تأخرتم؛ أين أنتم؟! لكن صوت مراد جاء متقطعاً، مختنقاً بالبكاء: أخي... باران... ديلان... ديلان تركتني! إنها تموت يا أخي... إنها تموت! صُعق باران مما سمعه. جحظت عيناه، وتوقف قلبه للحظة، احمرت عيونه وامتلأت بالدموع، ارتجف صوته وهو يصرخ عبر الهاتف: ماذااااااا تقول؟!!! ... مراد!! ألووو!! ... مراد!!! ... أجبني!! ... ألو!!!
لكن الخط انقطع. تساقط الهاتف من يده، ونهض كالمجنون يركض خارج المكتب، قلبه ينهار، وعقله يرفض التصديق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!