الفصل 22 | من 31 فصل

رواية ضحية جاسر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور

المشاهدات
26
كلمة
4,854
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

نبضات القلب العاشق لحوريته تتعالى وتكاد أن تسمع للجميع. عالية تصم الآذان. روحه ردت له بعد عذاب دام دهر بالنسبة له، حتى وإن لم يتخطى الستة أشهر. قست عليه الحياة عندما أبعدت عنه قاتلته الصغيرة. قلبه يتراقص فرحاً، فأخيراً بعد فراق سوف ينعم بلقاء دافئ بين أحضانها. وانتصر القلب بعد أن تحدى القدر.

ترجل من سيارته، يدلف مسرعاً إلى المشفى بعد أن هاتف يوسف وتأكد من وجودها معه. تجاهل مشاعر الغيرة التي تفتك به، ليبقي فقط الشوق والحنين إليها هو سيد الموقف. أصر على عدم ذهاب أي مخلوق معه حتى يراها هو أولاً قبل أي أحد.

فتح أحد الغرف المكتبية الذي علم من أحد العاملين أنها للدكتور يوسف عمران، ليدفع الباب بلهفة شديدة. رآها يوسف عندما رفع نظره إليه يطالع مقتحم مكتبه، ليعلم من فيروزتاه اللامعة أنه الزوج المنتظر. ضيق حاجبيه ليردف مستفسراً: "حضرتك أستاذ جاسر؟ "جاسر بحماس: أيوا أنا جاسر جوز حور." "يوسف بابتسامة مرحبا به: اهلا وسهلا، أنا كنت مستني حضرتك اتفضل." "جاسر بنبرة جادة: أنا مش جاي أقعد، أنا عايز أشوف حور حالا."

ابتسم يوسف ابتسامة جانبية يحادث عقله. نعم، إنه الزوج العاشق والمهووس بحبيبته المفقودة. ليقول بجدية عكسية مستمتعاً بآثاره: "يوسف: أنا آسف بس أنا مش هخليك تشوفها من غير ما تسمعني." أمسك جاسر بلياقة قميصه يجذبه بغضب صارخاً: "قسماً بالله لو ما قلت لي حور فين، لكون دافنك مكانك." حرر يوسف نفسه من بين يديه مردفاً بجدية: "يوسف: يا أستاذ جاسر، أنا لازم أعرفك بحالتها الصحية قبل ما تقابلها." "جاسر بخوف واهتمام: إيه اللي حصلها؟

هي كويسة؟ "يوسف بهدوء: اقعد عشان أشرحلك حالتها بالظبط." "جاسر بنفاد صبر: اتفضل أرجوك، أنا سامعك." "يوسف

بعملية طبيب: المدام حور لما جت المستشفى كانت حالتها خطيرة جداً لدرجة إننا كنا متوقعين إنها مش هتنجو من الحادثة أبداً، بس ربنا كان له رأي تاني وقدرنا ننقذها الحمد لله. بس هي للأسف دخلت في غيبوبة لمدة تلات شهور، وبعد ما فاقت اكتشفت إنها فاقدة الذاكرة تماماً ومتعرفش هي مين. أنا كطبيب كنت متابع حالتها، كنت عارف إن نتيجة زي دي ممكن تحصل، عشان كده طلبت نعمل فحوصات تانية عشان أتأكد من أي مضاعفات تانية. ولما النتيجة طلعت اكتشفت إنها حامل في شهرين...

عند تلك النقطة توقف الوقت. ودقت أجراس قلبه بعنف. هل ما سمعه صحيح؟ تلك الحورية تحمل طفله في أحشائها؟ طفله؟ نتيجة عشقهم الخالد سوف يأتي قريباً. يا الله! كم هذا تعويض رائع عن فقدانها طول تلك الفترة. ولكن مهلاً، هل قال إنها لا تتذكره؟ لا تعرف من هو؟ نسيت حبهم وذكرياتهم؟ بالطبع لا، فحوريته يجب أن تتذكر بأي شكل من الأشكال، وسوف يعمل جاهداً حتى تسترجع ذاكراتها. "يوسف: أستاذ جاسر، أنت معايا؟ انتبه إليه وقال في توهان:

"أيوا معاك، بس أنا عايز أشوفها." "يوسف: أكيد طبعاً، هي دلوقتي معايا في البيت." نظر له بشر وأردف قائلاً بشراسة: "وهي قاعدة معاك في بيت واحد ليه؟ ابتسم يوسف على غيرته المفرطة عليها، فقال مهدئاً له: "اهدأ بس، أنا مش عايش لوحدي ومعايا أختي، وأنا بعتبر مدام حور زي أختي بالظبط، عشان كده ما تقلقش من ناحيتي يا عم العاشق."

لا ينكر أنه قد راق له حديث هذا الطبيب الوسيم ذو الأعين الزرقاء، ولكن لا يستطيع أن يتقبل فكرة وجودها مع رجل غيره. فابتسم له ابتسامة متكلفة، مردفاً: "أنا بشكرك على كل اللي عملته معاها، وأنا تحت أمرك في أي حاجة تطلبها." "يوسف بانفعال وجدية: أنا عملت كده عشان واجبي مش أكتر، وأي حد في مكاني كان عمل كده. وأنا مش مستني مقابل عشان أعمل خير لأي حد." "جاسر: أنا آسف وبشكرك مرة تانية، بس ممكن بقى أروح أشوفها؟ "يوسف

بخبث: وأنت مستعجل ليه؟ أنا لسه ورايا شغل." "جاسر بحدة: بتقول إيه؟ "يوسف: يلا، أنا بهزر معاك. وتابع بجدية: بس يا ريت تسبني أوضح لها الموضوع الأول. أولاً، وثانياً لما تقابلها، أرجوك بلاش تضغط عليها عشان تفتكر أي حاجة، عشان ده مش كويس ليها. وهي أكيد أول ما تشوف عيلتها وترجع لحياتها القديمة، هترجع تفتكر." "جاسر بغيظ من ذلك الذي بدا قريباً منها بدرجة كبيرة: حاضر، ممكن نمشي؟ "يوسف: اتفضل."

طوال الطريق وعضلة قلبه لا تنفك عن النبض. صوت تنفسه أصبح ثقيلاً، شارد في عالم آخر. حتى أفاق على صوت يوسف يحثه على النزول. ليذهب ورائه، يسابق درجات السلم الواصل إلى شقته بلهفة وسرعة شديدة. رحب به وأدخله إلى أحد الغرف الخاصة بالضيوف، يخبره أن ينتظر دقائق حتى يمهد لها ويشرح الوضع. ليوافق على مضض مردفاً بحنق: "طيب." عدلت حور من وضع حجابها عندما سمعت طرقات باب الغرفة، لتقول بصوت ناعم: "ادخلي." "يوسف

بمرح: حبيبة أخوها، عاملة إيه النهاردة؟ "حور: يوسف وحشتني، تعالى شوف جبت إيه." ليزنجلس يوسف بجانبها ينظر لتلك الملابس الخاصة بالأطفال حديثي الولادة. تقلبهم بين يديها بفرح وحماس مع ابتسامة ساحرة تشق شفتيها. رأى تلك السعادة التي تغمرها بوجود طفلها. لتأخذ أحد القطع تضعها على بطنها المنتفخ، مردفة بفرح: "شفت شكله فرح بيهم أوي، لأنه حسيت بحركته في بطني." "يوسف بابتسامة: أكيد طبعاً، بس أنا عندي مفاجأة ليكي." "حور

بحماس: إيه هي؟ يسحب شهيقاً عميقاً يملئ رئتيه بالهواء، قبل أن يلقي قنبلته في وجهها مردفاً: "جوزك معايا بره." "حور ببلاهة: بره فين؟ "يوسف بمرح: في الصالة." "حور بغباء: صالة إيه؟ "يوسف: صالة بيتنا ده." "حور بغباء أكبر: بيت مين؟ "يوسف: جرى إيه يا حور، ما تصحصحي معايا." "حور بصدمة: أنت بتتكلم بجد؟ "يوسف: والله بجد، هو قرأ الجريدة وعرف إنك موجودة عندي، وجه زي المجنون يسألني عندك." "حور بصدمة: لا مش ممكن."

"يوسف: ومش ممكن ليه؟ ده باين عليه بيحبك جداً، وكان هيرفع من الغيرة لما عرف إنك عايشة معانا." "حور بضياع: أنا مش عارفة أقول إيه، أنا متلخبطة أوي." "يوسف بابتسامة: لا متقلقيش، كل حاجة هتبقى كويسة. أنتِ خلاص على الأقل هترجعي لأهلك." وتابع بنبرة حزينة: "... وهتسبينا يا حور؟ "أسرعت

قائلة باندفاع: أنا لا يمكن أسيبكم أبداً، أنتُ بقيتوا عيلتي التانية. أنا عمري ما أنسى فضلك عليا بعد ربنا يا يوسف، أنت وعلياء. ولولاكم كان زماني تايهة ومش عارفة أعمل إيه، بس ربنا عوضني بيكم. أنا لا يمكن أنساكم في حياتي." لتدمع عينيها الزيتونية وتنهمر دموعها كالشلال.

"يوسف: أنا مبسوط أوي إني عرفت واحدة زيك يا حور." ليمسك يدها مربتاً عليها بحنان أخوي متابعاً: "أنا هفضل أخوكي دايماً، ولو احتجتي أي حاجة لازم تقوليلي، مفهوم؟ هزت رأسها موافقة، ليردف: "يلا تعالي معايا عشان شكله خلص بره ومش بعيد يقتلنا." لتضحك برقة وتذهب معه بمشاعر فوضوية غريبة تغزو عضلة قلبها الصغير الذي تتعالى دقاته بسخاء بالغ. تتساءل هل ما تتمناه يحصل؟

واضحكت لها الحياة لتقابل والد طفلها المجهول. لتسير بجانب يوسف كالمغيبة، تكتشف هوية زوجها أو لنقل معشوقها المجنون. عند جاسر، مرت عليه دقائق الانتظار كأنها سنوات. فلم يستطع المكوث أكثر، فقرر النهوض ليرى ما يحدث. وما لبث حتى وقف جامداً، لا يقوى على الحركة. صمت... صمت... صمت...

وهدوء. إنها أمامه تماماً كما هي، بجمالها الخلاب ووجهها الملائكي الذي يغزوه الحمرة التي طالما كانت السبب بإغرائه وإصابته بأزمة قلبية. تلك العضلة القابعة في الجزء الأيسر من صدره لا تتوقف عن النبض فرحاً، رغم حزنه الطفيف بأنها لا تذكره. نفض غبار ذلك الحزن سريعاً، ليمرر فيروزتاه على كل شبر منها، بداية من رأسها الذي تغطي خصلاته بحجاب طويل. ليزفر براحة شديدة عند رؤيتها بذلك الحجاب، فهذا يعني أن ذلك اليوسف لم ير خصلاتها التي

دائماً ما تسحره بلمعانها وسوادها المهلك. جسدها الممشوق مازال كما هو، إلا ذلك الخصر النحيل الذي امتلئ بطفله المزروع في أحشائها. رسم ابتسامة واسعة لرؤيته بطنها المتكور الدال على وجود ثمرة عشقهم داخل رحمها. اقترب منها حتى يضمها إليه، ليرى انكماش قسمات وجهها خوفاً منه. هل أصبحت تخشاه؟

يا الله، هذا ابتلاء آخر. صك على أسنانه بقوة حتى أحدثت صوتاً ملفتاً. عندما رأى يدها تلتف بذراع ذلك اليوسف الذي ود لو يحطم وجهه بإحدى لكماته القاتلة. أخيراً كسر الصمت بصوته الخشن المشتاق: "ما تخافيش، أنا جاسر يا حور، أنا حبيبك جاسر." "حور وما زالت على حالها ترد بتلعثم: أنا معرفكش."

"تنهد بقوة قائلاً: أنا هعرفك أنا مين، بس اديني فرصة. تعالي بس." مد يده لها حتى تمسك بها. نظرت ليوسف تستمد منه القوة، ليومأ لها بابتسامة دالة على موافقته. لتمسك بيده مترددة، شاعرة بكفه الكبير يقبض على يدها كأنه لا يصدق أنها تلامسه. ليجلسها على أحد الأرائك قابعاً بجانبها. ليستأذن يوسف حتى يترك لهم مساحة للتحدث. رفع رأسه يطالعها بنظرات ترجمتها إلى شوق... عشق... حب...

اشتياق حارق. تسارعت أنفاسها عندما وضع كفه على بطنها يتحسسها بحب بالغ، تسبقه دموعه وهي تتساقط على وجنتيه. لتشعر بأنها تريد أن تمسح على وجهه الوسيم تزيلها. نعم، صدقت أنه زوجها ووالد طفلها، فتلك الدموع والشوق الذي تراه في عينيه أكدت لها بأنها كانت معه من قبل. غير نبضات قلبها التي لا تأبى بالتوقف تخبرها بأنها... تحبه في ماضيها... وما زالت. ركلة...

نعم، ركلة صغيرة من جنينها شعروا بها الاثنان. وها هو صغيرها يشعر بقرب والده. نظروا لبعضهم البعض تحت صمت رهيب، وتركوا الأعين تتحدث. طالت الفترة ليقطعها بصوته العاشق المغلف بالحنان: "حتى هو حاسس إني جنبه ومش هسيبه أبداً."

وتابع بشجن: "أنا كنت زي الضايع لما بعدتي عني، كل الدنيا صدقت إنك متي، ما عدا أنا. كنت متأكد إنك عايشة وهترجعي لي في يوم، لأن حبي ليكي ما كانش عادي، ده كان عشق مجنون. كنتي انتي أسيرته وضحيتُه. أنا لما فوقت في المستشفى وملقتكيش جنبي اتجننت. دورت عليكي في كل حتة، لأني كان عندي إيمان بربنا وبحبي ليكي إنك هترجعي، واتحديت الكل وكنت براهن على رجوعك. وأنتِ اهو قدامي وربنا عوضني بيكم، أنتِ وابني."

نظرات حائرة وعاشقة في آن واحد تجمعت في مقلتيها. لامست الصدق في كل حرف نطقه. إنها تصدقه لأنها واثقة أنه هو من كان يزور أحلامها. لتردف بنعومة غير واعية: "هو أنا كنت بحبك صح؟ "قال بهدوء فرح: أنتِ شايفة إيه؟ خجلت بشدة من كلماته، لتردف: "مش عارفة، بس حاسة إني أعرفك وإني كنت معاك وفي حضنك." وضعت كفها على فمها، تخفض رأسها بحياء مما تفوهت بوجه أحمر خجول. ليضحك عليها قائلاً بوقاحته المعتادة:

"أكيد كنتي في حضني، وابني اللي في بطنك أكبر دليل." شهقت بشدة على وقاحة هذا الزوج، لتردف بخجل. انقطعتها قائلاً بفخر واستمتاع: "عارف قليل الأدب والسافل ده اللي متعود أسمعه منك." ليتابع جاسر بحنان: "أنا بحبك أوي يا حور." ليمسك يدها طابعاً قبلة عليها، جعلت القشعريرة تسير بجسدها. لتشعر بملمس شفتيه على كفها الناعم، كأنها اختبرت هذا الإحساس من قبل. "جاسر بجدية: يلا خلينا نروح على بيتنا، جدي مستني وأنا وكلهم عايزين يشوفوكي."

"حور بتلعثم: هو... هو يعني أنا عندي عيلة؟ "جاسر برقة: أكيد يا حبيبتي، أنا ابقى ابن عمك وعندنا جدنا وأصحابي، وأنتِ عندك أصحابك، هعرفك عليهم كلهم لما نوصل." "حور: طب وماما وبابا؟ أنت مجبتش سيرتهم." "أردف بحزن مربتاً على يدها: مامتك وباباكي توفوا في حادث، وأنا كمان زيك." تجمعت الدموع في مقلتيها، لتردف بحزن بالغ:

"الله يرحمهم." فقد تمنت أن يكون والداها معها، ولكن قدر الله وما شاء فعل. شعرت بأصابعه تمسح دموعها بلطف، لتبتسم له بخجل. "جاسر: يلا يا حبيبتي لمي حاجتك خلينا نروح." "حور بأطاعة: حاضر." لتنهض خارجة إلى غرفتها، تتبعها نظراته العاشقة الغير مصدقة بقربها. ليحمد ربه على عودة روحه مع هدية رائعة الجمال، ألا وهي طفله. مسح على رأسه يفكر بعمق برد فعلهم عند علمهم بحملها. خاصة جده، يا إلهي!

بتأكيد سوف يدفنه حياً لا محالة. أرجع خصلاته الناعمة إلى الوراء بتوتر، ليدعو الله أن تمر تلك المقابلة على خير. في فيلا الدمنهوري.

استعد الجميع لاستقبالها، السعادة تغمرهم. أما عن سليم، فكانت الدموع لا تحف من وجنتيه المجعدة فرحاً بقدوم حفيدته الغائبة. نعم، لقد صدق قول جاسر برجوعها بعد أن فقد الجميع الأمل. ليكن هو الوحيد المؤمن بعودتها، ليتحقق إيمانه أخيراً. وها هي سوف تصل بعد قليل. ولكن ما أحزن الكل هو فقدانها للذاكرة، فقد أبلغهم جاسر بالهاتف عن حالتها الصحية، فحزنوا كثيراً بسبب هذا الخبر.

وقفت السيارة في باحة قصر الدمنهوري، ليترجل جاسر أولاً حاملاً حقيبتها. ليقترب ممسكاً بيدها يساعدها على النزول، دالفا بها إلى القصر تحت نظراتها المتوترة. لكن هناك إحساس غريب يراودها ويخبرها بأنها دخلت هذا المنزل من قبل.

دخلت حور ومعها جاسر الذي كان يضغط على كفها يبث فيها الطمأنينة، مبتسمة له بتوتر وخجل. وقف الجميع يطالعهم بنظرات شوق وحنين وفرح بقدومها. سليم.. أنعام.. دنيا.. رعد.. حازم.. منى.. نغم.. مازن.. بسمة.. الجميع هنا لاستقبالها بابتسامة تزين شفاههم. لكنها، وللأسف، لا تتذكر أي منهم.

ظهرت من وراء جاسر، فقد كانت تختبئ وراءه وتمسك بذراعيه تستمد منه القوة. ليفرغ الجميع أفواههم بصدمة. رآتها بأعينهم، استغربتها كثيراً، فبظهورها اتضحت ملامحها كاملة، ليروا بروز بطنها المنتفخ مما دل على وجود خطأ ما. "قال حازم ببلاهة: إيه اللي بيحصل؟ "ليرد رعد بمرح لا يصح في هذا الوضع: إيه اللي أنا شايفه ده؟ "ليردفوا بصوت واحد مضحك: إحنا اتقرطسنا."

وقف سليم يطالع جاسر بنظرات غريبة نارية، متوعدة كانت تخترق جاسر. ليتفاداها بتوتر بالغ. اقترب سليم من حور وقال لها بهدوء وحنان عكس ما بداخله من نيران مشتعلة: "تعالي يا حبيبتي، أنا جدك." جز على أسنانه بقوة وتابع جاسر: "قلنا على كل حاجة، ما تعرفيش إحنا كنا عايشين إزاي لما بعدتي عننا، بس ربنا رحيم بعباده والحمد لله رجعتي بالسلامة."

ضمها إلى صدره، لتتشبث به تشعر بحنان أبوي افتقدته منذ زمن، لتهطل دموعها بقوة. مسح على حجابها برقة مردفاً: "معلش يا قلب جدك، إن شاء الله هتفتكري كل حاجة." "حور بخفوت: إن شاء الله." "سليم: طب يلا أعرفك على باقي العيلة." وقفوا أمامها جميعاً يبتسمون بوداعة، ليردف سليم بابتسامة مشيراً لأنعام: "دي دادة أنعام، هي اللي ربت جاسر." أومأت له ببسمة، لتحتضنها أنعام بشوق قائلة: "حمد الله على سلامتك يا بنتي." "حور بخجل: الله يسلمك."

انتقل إلى رعد وحازم، ليردف بغيظ مكتوم، فاكيد هم على علم بحمل حور من قبل، فجاسر لا يخفى عنهم شيئاً: "ودول أصحاب جاسر وإخواته." تقدم من منى ونغم اللتان قفزا يضمانها بقوة، والدموع تنسال من أعينهم بشوق حارق. بادلتهم شوقهم بدفء، وابتسمت مرحبة بهم بعد أن علمت أنهم أصدقائها المقربين. جاء دور بسمة ومازن، الذي ترقرقت الدموع في مقلتيه لرؤيتها. فأخته وابنته المدللة عادت إليه مرة أخرى. ليردف سليم:

"ده بقى مازن أخوكي في الرضاعة، واللي كنتِ عايشة معاه قبل ما تيجي عندنا." وأشار إلى بسمة بحنان: "والأمورة دي أخته بسمة." ضمها مازن إلى صدره مردفاً: "حمد لله على السلامة يا حور، وحشتيني أوي." "حور بخجل: الله يسلمك." لتقوم بسمة بضمها هي الأخرى قائلة: "وحشتينا أوي يا حور، الحمد لله إنك رجعتي."

ابتسمت للجميع برقة ورحبت بهم، فقد أحست بشعور رائع بجانبهم، وأيقنت أنها عائلتها التي كانت تتمنى لقاءهم وقد جمعها القدر بهم، فشكرت ربها سراً على هذه النعمة. لتتعرف على دنيا أيضاً، لتجدها فتاة رقيقة وحنونة كباقي العائلة.

بعد فترة من المشاكسات والحديث المازح بينهم، حاول فيها الجميع إدخال السعادة في قلبها وجعلها تتأقلم معهم ومع حياتها الجديدة بالنسبة إليها. ليروق لها الجلوس بينهم وتبث روح الطمأنينة في قلبها. لتبتسم بفرح وحب لعائلتها اللطيفة. قاطعتهم أنعام مردفة: "ألف مبروك يا حبيبتي على الحمل."

صمت الجميع كأن على رؤوسهم الطير. وتنحنح جاسر حرجا من جده تحت نظرات وابتسامات رعد وحازم الخبيثة، يقابلها خجل نغم ومنى. كل هذا يقابله غضب سليم الحارق. "حور بخجل: الله يبارك فيكي يا دادة." "أنعام متسائلة: أنتِ في الشهر الكام يا حور؟ "حور: في الشهر السادس." "أنعام بحنان: ربنا يكملك على خير يا حبيبتي." "حور بأمل: يارب." انتصب سليم واقفاً ليقول بهدوء مخيف:

"تعالى يا جاسر، عايزك في المكتب." ليلتفت إلى رعد وحازم قائلاً: "وأنتم كمان." "حازم بخوف: طب واحنا مالنا؟ "رعد بخوف مماثل: أيوا صح، وإحنا مالنا." "سليم: يلا من غير كلام." ليتوجه إلى أنعام مردفاً: "أنعام خدي حور على أوضتها ترتاح." لتومأ له موافقة ورافقة حور إلى غرفتها، تتبعها نغم ومنى ودنيا بعد أن ذهب بسمة ومازن إلى منزلهم. في حجرة المكتب.

حاول سليم أن يمسك بهم، ولكن لا فائدة، فقد تبعثروا في أنحاء الغرفة حتى لا يستطيع إمساكهم. ليردف صارخاً بغضب: "بقى أنا اتقرطسني يا سافل يا تربية الشوارع! "جاسر: يا جدي اهدى بس عشان نتفاهم، وبعدين ما أنا تربيتك يا سليم." قذفه بأحد الأدوات المكتبية ليتفادها بمهارة فائقة. "سليم بصراخ: نتفاهم؟ هي دي فيها تفاهم؟ كنت عاملني كيس جوافة يا جاسر؟ أقسم بالله لأربيك يا كلب." "جاسر بحنق: قلت لك ميت مرة يا سليم، دي مراتي." "سليم

بغضب: ميت عفريت لما يركبوك يا حيوان يا سافل." ليلتفت إلى حازم ورعد قائلاً: "وإكيد ولاد الكلب دول عارفين." "حازم بذعر: أعدم عم عبده البواب لو كنت أعرف، وأنت عارف هو غالي عندي قد إيه يا سلومة." "رعد: وحياتك ما أعرف يا سليم، ده كان مقرب لك طول الفترة اللي فاتت ولا عامل لك حساب." "جاسر بصراخ: أنت بتولعها يا حيوان، حسابك معايا بعدين." "حازم: أنت تخرس خالص، دي حامل في السادس، يعني أنت حرامي قديم."

"التفت سليم إليه قائلاً: وأنت يا خويا، مراتك حامل في الكام؟ "حازم بخوف: أقسم بالله ما خد غير بوسة وكام حضن." "رعد بعصبية: أنت بتقول إيه يا حيوان؟ "سليم بانفعال: وأنا هستنى إيه من صيع زيكم؟ كنت بلمهم من الشوارع والكباريهات." "حازم بحنق: ده كانت أيام وراحت لحالها، وبعدين إحنا تبنا وبقى آخرنا ديسكو أو بار." "رعد بهمس: الله يخرب بيتك يا حازم." "جاسر: اتفضحنا، الله يخرب بيتكم."

"سليم: ماشي، والله لأكون مربيكم يا كلاب، ويكون في معلومك انت وهو، مفيش جواز غير لما أصفى من ناحيتكم." ليخرج صافعاً الباب ورائه بقوة. زفر الجميع براحة، وارتمى كل واحد منهم على مقعد يأخذ نفسه اللاهث. "حازم بندب: يا مصيبتي يا حازم، يا خراب بيتي يا حازم، ده بيقول لك لما أصفى من ناحيتكم يعني هنعنس. منك لله يا جاسر، أشوف فيك يوم، حسبي الله ونعم الوكيل." "جاسر براحة: نفدت الحمد لله." "رعد

بغضب: أنت تخرس بقى، تلبسنا كلنا العمة، وفي النهاية يجيلنا عيل يقول لنا يا عمو؟ يا بجاحتك." "جاسر بغضب مكتوم: دي مراتي يا حيوان." "حازم بصراخ: شوف برضه بيقولي مراتي، هو البعيد إيه جبلة ما بيحس؟ "رعد بغضب: وإحنا ذنبنا إيه منك لله يا جاسر." "جاسر ببرود: هو دا اللي عندي، أنا معلمتش حاجة غلط." "رعد: الطم ولا أجيب لطامة." "حازم: بذمتك منظركوا إيه وأنتم قادمنا كدا؟ مش مكسوف من نفسك؟

طب بلاش أنت عشان طول عمرك بجح. ذنبها إيه المسكينة دي قدام سليم لما ترجع لها الذاكرة؟ دا أنت هتتعلق." "رعد بغيظ: سافل بصحيح." "جاسر بحدة: كل واحد يخليه في حاله، دي مشكلتي أنا." وأكمل ببرود: "وبعدين فيها إيه يعني لما تأجلوا الفرح شوية؟ "رعد بغيظ: طب أبشر بقى، سليم بعد اللي أنت عملته ده مش هيخليك تشوفها أبداً." "جاسر بتوجس: يعني إيه؟ "رعد: أقصد يعني هيعاقبك أكيد."

"حازم: وشوف بقى سليم ممكن يعمل إيه، ده مش بعيد يخليك تنام في الشركة." "جاسر بتفكير: تفتكر؟ "حازم بخبث: أه، أفتكر، ده أنا أفتكر ونص كمان." رجع رعد رأسه وأراحها إلى الخلف مردفاً: "استلقى وعدك بقى يا حلو، مش عامل فيها شقي؟ "حازم: أنا هروح أشوف نغم عشان أوصلها وأترجاها تستناني ييجي 15 سنة كده لحد ما أشوف سليم هيصفى إمتى." "قام معه رعد مردفاً: وأنا جاي معاك."

خرجوا تاركين جاسر يفكر ما الذي يمكن أن يفعله جده حتى يعاقبه، ليزفر بضيق، ليخرج متوجهاً إلى حرويته التي اشتاق إليها حد الجنون. في غرفة حور.

كانت تقلب نظرها بالغرفة وتتلمس محتوياتها بشغف. فاتحة أحد الأدراج لترى ألبوم من الصور. أخذته لترى مجموعة من الصور لها بثوب زفاف رائع الجمال، وبجانبها يقطن ذلك الوسيم ذو الأعين الفيروزية بوضعيات رومانسية مختلفة. لفت انتباهها إحدى الصور وهو يقربها إليه بشدة، حاضناً خصرها بتملك. كانت نظراتهم تشع بالحب والعشق المدفون في أعماق كلاهما. لتشق ابتسامة ساحرة شفتيها. شعرت بيد تحيط خصرها وأنفاس ساخنة تلهب بشرة عنقها، لتلتفت شاهقة بقوة عند رؤية ذلك المدعو زوجها بابتسامته الدافئة. طالعته بأعين مشتاقة وحائرة، متسائلة كيف له أن يشعرها بكل تلك العواطف التي تغزو صدرها، لتهتف

برقة مغيبة عن الواقع: "وحشتني يا جاسر."

كان رده قبلة رقيقة وشغوفة، يبث فيها اشتياقه الذي كوى قلبه ببعدها. يتذوق رحيق شفتيها الرائع الذي حُرم منه لأشهر عديدة، شاعراً بها تبادله بحب وعشق جارف حقيقي، كأنها لم تفقد ذاكرتها. كان يضمها إليه يريد إدخالها بين ضلوعه، غير عابئ بانتفاخ بطنها المعترض. أما هي، فكانت في عالم الأحلام، عاشقة لكل لمسة منه على جسدها. تعيش أجمل لحظاتها معه، حبيبها ومعذبها الذي شعرت بقربه بعد غياب طويل. قلبها النابض بحبه يخبرها بأنها اختبرت

تلك اللمسات الحميمية من قبل، لتتجاوب معه تبادله شغفه. لم تهتم بركلات جنينها التي تضرب رحمها بعنف. لتستجيب له بكل ذرة في جسدها عندما شعرت بيده تجرد ملابسها بشوق وحب مغري. تغوص معه في بحور العشق الخالد الذي لا يبالي بذاكرتها المفقودة، ولا ينتهي أبداً.

بعد فترة لا بأس بها، جذبها إلى صدره العاري، لتشعر بدقات قلبه العالية بشوق تحت رأسها، وأصوات أنفاسهم اللاهثة تجتاح الغرفة. اقترب بشفتيه يقبل خصلاتها برقة حانية، مغمضاً عينيه باستمتاع رائع ونشوة تسير في كل ذرة من جسده المشتاق لقربها الذي أخيراً روى شوقه بها بعد أن نهل من نعيمها المهلك. ساحباً ذلك الشرشف يغطى أجسادهما، لينعم كل واحد منهما بنوم ممتع بلذة رائعة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...