في اليوم التالي لاحظ الجميع عدم ظهور الحاجة عفت في الأرجاء. حتى وقت الإفطار لم تكن حاضرة معهم. وحينما سألتها نرجس قالت: "مش قادرة، هنام شوية وأبقى أفطر لما أصحى." عثمان باهتمام: "يعني أمك تعبانة ولا إيه؟ مش عادي تنام لحد دلوقتي." نرجس: "لأ مش تعبانة يا خوي، شكلها زعلانة. ماليها حاصل من يوميتها وهي مسهمة ومرضيتش تتحدت ويا حد واصل." زفر عثمان بهم وقال: "حجها. اللي عرفته مش هين. روحي اجعدي مع رغد وأنا هطلع أطل عليها."
بينما كان في طريقه إلى جناح أمه، قبل تحية. وقفت أمامه تناظره بغيظ، فقال: "خير يا مرت عمي، فيكي حاجة؟ تحية: "اللي فيا كتير يا ولدي، بس أنا مش هكتم خشمي أكتر من كده." نظر لها بشك وقال: "خير، جولي اللي عندك." تحية برعونة: "أنا ما عاجبنيش الحال اللي بتي فيه. بدأت تظهر عليه ملامح الغضب وهو يقول بحسم: "مرت عمي، اللي بيني وبين بتي شيء يخصنا. هي اشتكتلك؟
تحية: "لأه، مش لازم تشتكي. أنا ناظرة بعيني كل شيء. من وقت ما اتجوزت عليها وأنت مهملها. حتى بعد اللي حاصل وأنت لازق لبت العبايدة." نظرت له بخبث وأكملت: "كان المفروض أول ما تعرفي عمايل بت عمها الشينة كنت تطلجيها. إيش دراك إنها متكونيش زييها؟ هنا ولم يتحمل أن يسمع كلمة أخرى، فهي لا تتهمه بالتقصير مع ابنتها فقط، بل تشكك في رغد، أطهر خلق الله كما يقول بداخله.
عثمان بغضب: "لحد هنا ومعايز أسمع كلمة منكِ. أنتِ خابرة معاني حديثك دي." تحية بتبجح: "أيوه خابرة." قاطعها بصياح: "بااااس، ولا كلمة. لو بتك اشتكتلك، ديه شيء تاني. أما أبداً مهجبلش تجول كلمة على مرتي الطاهرة." "لو واحدة مكانها كانت ولعت الدنيا حريقة ومكنتش اتحملت كلت ديه. بدل ما نحطوها فوق روسنا، هنطلع عليها كلام شين." "اسمعي، فكري بس تجيبي سيرتها مع أي مخلوق. هكون دافنك في أرضك، ساااامعة."
حضرت نرجس وعائشة على أثر صياحه. سألت الأخيرة بوجل: "إيه خير يا رب." نظر لها بلوم ثم قال: "مخبرش أنتِ شاكية لمك مني، ولا معجبكيش العيشة وياي." نظرت له بصدمة وقالت مدافعة عن حالها: "وااااه مين جال أكده؟ نظرت لأمها وقالت بغضب مكتوم: "أنا اشتكيت منه ياما، أنا جبت سيرة جوزي. ليه أكده؟ تحية: "مش لازم تشتكي، أنا أمك وأدرى بحالك." عائشة: "لأه، مدرياش ياما."
نظرت له وأكملت بدفاع: "والله يا واد عمي ما نطقت شيء واصل، ويعلم ربي إني حامدة ربي وشكراه. أنت عمرك ما قصرت وياي في حاجة، وبقيت تعاملني أحسن مالأول كمان. ورغد أنا اعتبرتها أختي، وما فيش جواتي ليها شيء واصل غير المحبة." تركهم عثمان دون أن يتفوه بحرف. نظرت نرجس بغضب إلى تحية وقالت: "متخربيش على بتك حرام عليكي." تحية: "أنتِ مالك، بتدخلي ليه؟ كلياتنا ناظرين للي بيعمله خوي يبقي ليه النكد يا مرت عمي."
تحية: "بتي ورايدة مصلحتها وأخوكي عشق بت العبايدة. لو كان ضميره مخليه يعامل بتي زين دلوك، بكرة تلحس عجلة وتخليه يطلقها." صرخت عائشة من بين دموعها التي انهمرت حزناً: "حرام عليكي ياما!
همليني فحالي. راجلي زين ومراعي ربنا فيا، ومقصرش وياي. ولا هو أول و لا آخر واحد يتجوز على مرته، وأنا اللي ليا عنده العدل. اللي هتجولي عليه هيطلقني، كان بايت في فرشتي ياما. همل البت اللي فديته بروحها وجالي لحل ما يراضيني. يعوز إيه أكتر من كده. والبت الغلبانة، المفروض نشيلها فوق روسنا كلياتنا. لولاها كان زمان الدم مالي النجعة، ولولاها بردك كان زماني مترملة بعيد الشر."
داخل سرايا العبيدة، كان الحزن والغضب مسيطران على الأجواء. وكما يوجد من يحاول تهدئة الأوضاع، يوجد أيضاً من يحاول إشعال النار فيها. أنصاف بحقد: "أنا مقدرش أصدج، بجي رغد كانت تعرف مكان الفاجرة دي ودارت علينا. كأنها مش سهلة زي ما قلت." شادية بغضب: "والله ما في حد ما سهل غيرك. بدل ما تزعلي على خيتك واللي اتحملته تجولي أكده."
أنصاف بخبث: "مانتي شريكة وياها. أكيد خبرتك كلت ديه وأنتِ داريتِ علينا. لبستينا العمة كلياتنا. شايفه الكل عم يدور عليها وأنتِ قاعدة كأنك مش ويانا." يونس بغضب: "حديث خيتك صحيح. لو كنتِ جلتيلنا مكانش حصل كلت ديه." قبل أن ترد مدافعة عن حالها، كان أبوها يسبقها ويقول بحكمة: "لو جالت كان زمان واحد ولا اتنين منيكم مدفون في جبرة يا ولدي. اللي عملته خيتك هو الصحيح." يونس: "طب ادينا اتفضحنا. هنعملوا إيه دلوك؟
وهدان: "مفيش حد يعرف سبب اللي حصل يا خوي. الكل مفكر إنها مشكلة بين رغد وجوزها وإحنا اتحمدنا عليه. منه لله سمير الكلب هو اللي شعللها نار." أنصاف بمكر: "واهو ديه كماني كسر رجبة للعبايدة. كيف تهملو السوهاجية تاخد ولد عمنا ومعارفينش موطرحه لحدت دلوك. ولا الفاجرة التانية بردك مهملينها عندهم من غير ما تغسلوا عاركم." أبوها بغضب: "بكفياكي نفخ في النار يا واكلة ناسك. محدش له صالح بكلت ديه. أنا هحله بالعجل."
أخيه بحزن: "هنعمل إيه في سحر يا خوي؟ عبد الحكيم: "المفروض تنجتل. ديه حلها الوحيد. لكن بكفيانا دم." وهدان: "ناوي على إيه يا بوي؟ عبد الحكيم: "اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا ولدي." شادية بحزن: "أنا رايدة أروح لخيتي يا بوي. جلت نهملهم يومين. وأهم عدوا. جلبي واكلني عليها." رد عليها أبوها بارتياح: "جوزها حاططتها جوه حبايب عينه يا بتي. أنا جلت نصبر أشوي وأدينا بنطمن عليها بالتليفون."
أنصاف بغل: "معناته إيه الحديث ده يا بوي. يعني مش هتخليه يطلقها؟ بعد أن قبل جبينها، جلس جوارها وقال بحنو منافٍ لغضبه الداخلي: "مالك يا أم الدكتور. ليه حابسة حالك؟ تطلعت له بحزن ثم بكت رغماً عنها وقالت: "مقهورة يا ولدي. حاسة حالي انكسرت." ردت عليها بلهفة: "لأه... أوماكي تجولي أكده يا أمي. دنتي وتد. ما عاش ولا كان اللي يكسرك."
عفت ببكاء: "خيك جهرني وكسرني يا ولدي. الله يرحمه ويساهمه. أنا هتجن. كيف جدر يضحك علينا كلياتنا. كيف هان عليه البنية الغلبانة. مفكرش في أهله. مفكرش في ولده. رحيم يا جلبي. هيضل مكتوب باسم غير أمه. طب لما يكبر هيعمل إيه؟ عثمان: "اطمني يا أمي أنا هحل كلت ديه. من الأساس كنت هحله من غير ما حد يحس. لولا ابن الكلب اللي فضح الدنيا وشعللها نار."
عفت: "هتعمل إيه وياه يا ولدي. أدبه وخد حقك منه. بس بلاش تتوسخ يدك بدمه. بكفيانا يا ولدي." عثمان بتعقل: "اطمني يا حاجة، كل حاجة هتتحل إن شاء الله من غير نقطة دم واحدة. أنتِ صح يا أمي. بكفيانا." بعد أن اطمأن على أمه وطمأنها، اتجه إلى رغد.
"دنياي وآخرتي كما يقول. اشتاقها حد اللعنة. منذ الصباح الباكر وهو مشغول عنها. يرتب ما ينوي فعله كي يكمل حياته في هدوء. وأيضاً تابع بعض الأعمال المتراكمة عليه. يكفي هذا. يحتاج إلى جرعة من عشقها كي يعيد شحن طاقته من جديد." دلف إلى الغرفة وجدها تجلس فوق الفراش كما تركها وتصاحبها نرجس كما وصاها. ابتسم بحنو ثم قال: "كيفك دلوك؟ الجرح شادد عليكي؟ في حاجة وجعاكي؟ نظرت له بعتاب خفي وقالت: "لأه، زينة الحمد لله."
نظر لأخته وقال بوقاحة: "روحي شوفي حالك يا نرجس." نظرت له بصدمة، فأكمل ببرود: "هغير عالجرح." اتجهت نحو الباب وهي تقول بغيظ: "يا أمي يا نرجس، طول اليوم اجعدي يا نرجس، اطلعي بره يا نرجس. يا مرارك الطافح يا نرجس." مع آخر كلمة كانت تغلق الباب بغيظ. لم يهتم لها كثيراً، بل اتجه إليها بلهفة. "ضم وجهها ونظر لها بعيون تلمع عشقاً ثم قال: "المخبولة متعرفش إن أخوها عاشق. وما في العَاشِق حرج."
تطلعت له بلوم ثم قالت: "والعاشق يهمل حبيبته طول اليوم؟ كيف ديه؟ "التقم شفتيها في قبلة أودع فيها اشتياقه لها ثم فصلها وقال: "غصبن عني وأنتِ خابرة زين. وحشتيني يا رغدي. رايدك يا بت العبايدة. سبحان من يصبرني لحدت ما تطيبين." نظرت له بعشق وقالت: "وأنا كماني اتوحشتك جوي يا عثمان." "هل يترك حبيبته تشتاقه؟ لا والله. فليبثها بعضاً من شوقه لها، ويروي عطش اشتياقها له. حتى وإن كان عن طريق بعض القبل الجامحة."
"بل الكثير منها والتي لم تطفيء نارهم، بل أشعلتها أكثر وأكثر." "ابتعد عنها بشق الأنفس ثم وضع جبهته على خاصتها وقال بعشق خالص: "عشقك هو اللي روى أرضي البور. خلاها تطرح ورد وخضار ماله أول من آخر. مبقتش أقدر على بعدك. رايد أضل وياكي ليل ويا نهار. لو أقدر كنت خدتك بعيد عن كل الدنيا. أضل أنا وأنتي لحالنا. بس بصبر جلبي وأجول: حضنها هيعوضك. جلبها هيساعدك. الطَّلَّة جوه عينيها هتنسيك هم الدنيا." "ملست
على ذقنه الخشنة وقالت: "أنا مبعرفش أجول حديث كيف ما بتجول. أمسكت يده ثم وضعتها فوق خافقها وأكملت: "لكن خابرة زين إنك حاسس باللي جواتي. وأنك نور عيني اللي بشوف بيها. ربنا يديمك نعمة في حياتي ويرزقني منك بالخلف الصالح." ابتسم بحلاوة بعد تلك الدعوة التي جعلته يشعر بفرحة عارمة، بل تخيل أطفاله منها. "ملس على شعرها وقال: "نفسي في بت شبهك. تاخد سواد ليلك، ونور بدرك اللي نور عتمتيه. نسميها جمر. جمر ليلي اللي نور حياتي."
ضحكت بدلال ثم قالت: "وااه رايد بت وكمان اخترت اسمها." "قبلها بسطحية ثم قال بتملك: "أنتِ بالذات مريدش منك ولد. هغار عليكي منهم. يبقي نقصر الشر وتعملي حسابك خلفتك تبجي كلها بنيته وبس." نظرت له بزهول ثم انطلقت منها ضحكات مرحة وهي تقول من بينها: "حاضر هتصل باللي هيبيعها وأنجيبهم كلياتهم بنيته. حلو أكده." نظر لها بغيظ ثم قال: "هتتمجلتي علي يا بت العبايدة."
في لحظة، وعلى غفلة منها، كان يقضم شفتيها بأسنانه عقاباً لها على عدم تقديرها لغيرته المجنونة عليها. وياللعجب... لم تصرخ أو تتألم، بل بادلته بجموح ألهب حواسه وجعله يريد المزيد. ولكن مهما كان ما يشعر به، ومهما كانت رغبته بها التي لا يعلم كيف سيتحكم بها. تظل راحتها هي الأهم بالنسبة له. فصل قبلته سريعاً ثم انتفض من مجلسه. هرول تجاه المرحاض وهو يقول بغل وغيظ: "مهينفعش يا بجرة أنتِ."
أعقب قوله بفتح صنبور المياه وقام بوضع رأسه أسفله على ما يهدأ قليلاً. ضحكت بحب على عدم تحكمه في نفسه معها. وطار قلبها فرحاً بعدما وجدته يحرم نفسه مما يتمنى لأجلها. فقط تركها ترتاح قليلاً بعد أن أعطاها جرعة الدواء الذي يجعلها تنام بعمق. جلس داخل مكتبه يدخن سيجارة وهو يفكر بعمق. "يجب إنهاء كل ما حدث دون خسائر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!