الفصل 12 | من 22 فصل

رواية دكتور نسا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
46
كلمة
1,698
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

الفصل الثاني عشر صباحك بيضحك يا قلب فريدة. بدأت قصة سيدنا يوسف بغيرة إخوته منه، مرورًا بوصوله للموت لما رموه في البير، بعدها اتباع زي العبيد، واتسجن ظلم. في الآخر انتهى برئاسة دولة. قصة طويلة فيها صعود وهبوط لحد ما وصل بكرم ربنا وفضله. إخوته كانوا بيغيروا منه بس ربنا عوضه بحب أبوه. اتباع على إنه عبد، بس عزيز مصر أخذه ورباه زي ابنه. اتسجن ظلم، بس خرج منه يحكم خزائن الأرض.

كل اختبار ربنا بيحطنا فيه ليه حكمة، مش مطلوب مننا نعرفها، كل اللي علينا بس إننا نعمل اللي علينا وجوانا رضى وقناعة بحكمة ربنا وقضائه. ارضي حتى يرضيكي ويجبرك ويعوضك ويبهرك بعطائه. أنا واثقة من كده. وبحبك. حينما يمنحك أحدهم الثقة والأمان، لا تفرط فيهما أبدًا. حينما يمنحك القدر شخصًا يمسك بيديك، تشبث بها جيدًا. حينما يرزقك الله بعاشق، ضعه تاج فوق رأسك، فالكل يحب، ولكن العشق لا يحظى به إلا المميزون.

داخل مكتبه في مشفاه الخاص بالقاهرة، يجلس ليتابع بعض التحاليل لإحدى مريضاته التي سيجري لها عملية ولادة قيصرية. طرق الباب ثم فتح، أطلت منه لمياء والتي ابتسمت له وهي تقول: ممكن آخد من وقتك خمس دقايق ولا هعطلك؟ رد بجدية متعمدة كي يجعلها تلتزم بالحدود الذي رسمها لها: اتفضلي يا دكتورة، لو خمس دقايق مش مشكلة لأن عندي عملية كمان نص ساعة. كتمت غيظها منه بشق الأنفس وتقدمت لتجلس أمام مكتبه وهي تقول: مش هعطلك يا عثمان.

نظر لها باستغراب لرفع الألقاب التي لم يسمح لها فوجدتها تكمل: أنا بس عايزة أعرف أنت مش بتدخلني معاك العمليات ليه. غير إن أي شغل أو متابعة حالة بكون مسؤولة عنها بتخلي دكتور فوزي يتابعني، برغم إنك بتتابع بنفسك كل الدكاترة تقريبًا. ممكن أفهم ده موقف شخصي حضرتك أخده مني، ولا أنا زعلتك في حاجة؟ أحب أعرف. رد عليها بصرامة:

أولًا دكتور فوزي نائب رئيس مجلس الإدارة اللي هو أنا، طبيعي جدًا يكون مسؤول مكاني بحكم عدم تواجدي باستمرار هنا. ثانيًا معتقدش إن علاقة الزمالة اللي بينا كدكاترة بنشتغل في نفس المكان توصل لدرجة إن آخد منك موقف شخصي، لأن أصلًا مفيش حاجة شخصية بيني وبينك، ولا هيبقي. كاد أن يكمل حديثه الجارح بين سطوره كي يجعلها تفيق من هذا الوهم الذي تعيش فيه، إلا أن هاتفه صدح بنغمة خاصة، ابتسم وجهه دون إرادة منه.

فتح الخط دون أن يعير من تراقبه بغل أدنى اهتمام، بل من الأساس نسيها بمجرد أن رأى اسم معشوقته. الذي رد عليها سريعًا وهو يقول: حبيبي. ابتسمت على الطرف الآخر ولكن للأسف قبل أن ترد عليه سمعت صوت تلك الخبيثة يقول بتعمد وهي تتجه للخارج: خلص بسرعة يا عثمان ومتتأخرش، هستناك بره. فقط، هرولت سريعًا إلى الخارج دون أن ترى غضبه الذي تصاعد. أما الأخرى، اصفر وجهها ثم اشتعل بنار الغيرة مما جعلها تقول دون تفكير:

روح لها يا عثمان، مش معقول تهملها. فقط، أغلقت الهاتف دون أن تعطيه حق الرد. أما هو، جن جنونه، ظل يهاتفها كثيرًا ولكنها لم تعيره أي اهتمام كما يظن. لا يعلم أنها جلست تبكي بانهيار، فقد كانت تهاتفه كي تشجع حالها لتقص عليه ما فعلته أو طلبته منها تلك الحية، ولكن ما حدث، مجرد أن سمعت صوت أنثى تذكر اسمه مجردًا من أي ألقاب وبتلك الطريقة التي أوصلت لها مدى تقاربها. جعل نار الغيرة تنهش صدرها، وهنا اختفى العقل، وصمت الأذن.

طرق فوق مكتبه غضبًا جمًا حينما لم يتلقَ ردًا منها، ألقى هاتفه فوقه حتى كاد أن يكسر ثم هرول للخارج بحثًا عن تلك الخبيثة التي تعمدت فعل ذلك. سأل إحدى الممرضات عليها فدلته على مكانها. دلف إلى الحجرة الخاصة بتجمع الأطباء، وبمنتهى التجبر قال لها أمام الجميع: حالًا تكوني عند دكتور فوزي يعملك إخلاء طرف من المستشفى. نظر لها بغضب ثم أكمل بمغزى فهمته جيدًا: وإكرامًا مني، هخليه يسلمك شهادة خبرة مختومة باسم مستشفى السوهاجي.

أعتقد تقدري تشتغلي بيها في أي مكان، لأنك مبقاش ليكي مكان هنا. فقط تركها وسط الكثير من التساؤلات من رفاقها والتي لم تجد ردًا عليها سوى الهروب ودموعها جعلتها لا ترى أمامها. لن يقوى على المبيت في القاهرة وهي ما زالت لا ترد عليه، بل أغلقت هاتفها نهائيًا. ولم يرد أن يحادثها عن طريق أخته أو أمه كي لا يثير التساؤلات. اعتذر عن الحالات التي كان سيتولى فحصها وتركها لإحدى الأطباء.

ثم اتجه بعد منتصف الليل إلى مطار القاهرة ليستقل الطائرة المتجهة إلى مدينته. وصل قبيل الفجر وكل خلية داخله تغلي غضبًا، سيربيها من جديد حتى تعلم من هو عثمان، سيعاقبها على عنادها ورأسها اليابس كما يقول دائمًا. توعد وأقسم ونوى. وكل هذا ذهب أدراج الرياح حينما وجدها تجلس أرضًا، واضعة رأسها بين قدميها، شهقاتها ملأت الأركان. ضاع الغضب في تلك اللحظة، تنحى العقل جانبًا كي يفسح مجالًا لذلك القلب الذي اعتصر ألمًا وقلقًا عليها.

هي، انتفضت بجزع حينما أفاقها صوت الباب من تلك الأفكار السوداء التي غرقت بها منذ ساعات. هو، انتفض رعبًا على مظهرها الذي مزق طيات قلبه. لن يفكر مرتين، بل اتجه سريعًا نحوها. ركع أمامها ثم كوب وجهها الباكي بحنان وقال: ليه كل ده؟ عم تبكي من وقتها يا قلب عثمان؟ أعقب قوله بالجلوس أرضًا وسحبها رغمًا عنها ليحتويها بين ذراعيه. زادت شهقاتها المقهورة حينما وجدته يملس على شعرها برفق ويقول: ليه كل ده؟

اهدي يا قلبي، بكفاياكي بكي، عينك ورمت يابوي. ابتعدت قليلًا لتنظر له بحزن وتقول كلمات غير مترابطة ولكنها كانت تذبحها وقت خروجها. رغد: هي دكتورة صوح، حلوة، هتلبس على الموضة، أنا جاهلة، مليش بالدكتور، غدرتني غصب صوح، كنت رايح فين وياها؟ قلبي مقهور، توي عرفت مقامي، آآآه. أسكتها بقبلة ساحقة كي يمنع ذلك الجنون الذي احتلها. فصلها وقال بقوة: كنك اتخبلتي يا رغد؟ مين دي اللي أطلع عليها وأنا قلبي ماشفش غيرك؟

أنا شوفتك بقلبي، وعشقتك بروحي، أنتِ مقامك عالي عندي، بكفاية إنك دونًا عن حريم الدنيا اللي قدرتي تهزي قلب الدكتور. مرت عليّ نسوان أشكال وألوان، ولا واحدة لمست قلبي يا رغد، إنما أنتِ، هزتيه، خلعتيه من مطرحه وطمعتي فيه لحالك. برغم تلك النبرة الصادقة التي يتحدث بها، إلا أنها لن تصدقه. ما مرت به جعل داخلها ندوبًا لم تشفَ بعد، ورغم كبريائها المزعوم وعنادها، إلا أنها حقًا فقدت الثقة في نفسها، ولِمَ لا ما مرت به ليس بهين.

وطبيبنا كان يمتلك من الخبرة والحكمة ما يجعله يعلم ذلك ويشعر به داخل عينيها المهتزة بعدم تصديق. أكمل بيقين: لو على الجمال، شوفت كتير، ولو على العلم شوفت أكتر. بس بياض قلبك وروحك الطيبة ماشوفتش ولا هشوف. أنا عشقتك في وقت ماكنتش طايقك فيه، لما كنت أتوعدك جواتي بأيام لون سواد شعرك. أول ما أطلع في عنيكي، ألاقي قلبي عم ينخلع مني، حاولت أمسكه، أتثبت فيها لأجل ما يضل مكانه، بس كنتي أقوى مني.

خدتيه وطمعتي فيه لحالك، البصة في وشك بالدنيا وما فيها. مهما سافرت وروحت وجيت، ما بقيتش ألاقي حالي إلا جوات حضنك يا رغد. لو بعد كل ده لساتك هتشكي فيّ، يبقى متستاهليش عشقي ليكي. ردت عليه شاكية: حاسة حالي قليلة قوي عليك، أنت دكتور وراجل وكبير عيلة، والألف مين تتمناك، وأنا شوفت بنات مصر وحلاوتهم، وخلجاتهم. النهاردة بس افتكرت إني جاهلة، مكملتش علامي. بكت بقهر نابع من غيرتها عليه وخوفها من تلك الخبيثة: أنا خايفة.

خايفة في يوم تزهق مني، أو يحصل شيء يبعدك عني، أنا ماقدرش أبعد عنيك صدقني، والله ما هقدر. ضم وجهها بحنان وقال: وإيه اللي يخليكي تبعدي بس، ربنا ما يجيبش بعاد. رغد: الدنيا واعرَة قوي، خايفة تفرّقنا، تبقى قاعد وراضي بحالك، تلاقي اللي ييجي ينغّص عليك عيشتك ويستكترها عليك. شعر بداخله أن حديثها وراءه شيئًا ما، لن يسألها، بل سيتركها تقص له ما حدث بإرادتها، وبأسلوبه معها. أراد أن يخرجها من تلك الحالة فقال ممثلًا الغضب المازح:

بعيدًا عن كل اللي عم تقوليه ده، أنا أهملت شغلي وكنت جاي أطربق الدنيا فوق نافوخك اليابس ده، قلبتي الترابيزة عليّ وبقيت أنا اللي عم أراضيكي، ينفع كده؟ اشتعلت داخلها الغيرة مرة أخرى فقالت بجنون: أهملت شغلك، ولا الغندورة المصراوية؟ ضحك بصخب وهو يرد بمزاح وفرحة: واااه يابوي! ده أنتِ غيرتك واعرة قوي! تطلع لها بعشق ثم أكمل: هتغيري عليّ صوح يا رغد؟ ردت بصدق:

من الخلجات اللي عم تلبسها، من كلت الناس اللي حواليك، ربي يعلم الليلة اللي بتقضيها ويا عيشة بيكون حالي إيه. بحاول أصبر نفسي وأقول حقها، أنتِ اللي خدتيه منيها، بكرة هيكون جوات حضنك وتشبعي منه وتعوضي غيابه. وييجي بكرة، ولا بقدر أشبع، ولا بقدر أنسى إنك بكرة عم تكون في حضن غيري. بموووت من القهر، بس بردك لازمن أتحمل، لما عم تغيب، بتاخد قلبي وياك، ألاقي روحي فاضية مالهاش معنى، لحدت ما تعاود تاني.

وقتها بقول لحالي، توك قلبك عاود مطرحه يا بت العبايدة. ما أحلى حديثًا يخرج من القلب ليصل بكل صدق إلى قلبٍ آخر متلهف شوقًا لسماع المزيد. حاوطها بقلبه قبل ذراعيه، احتواها بروحه قبل ضلوعه، طمأنها بجموحه لا بمجرد حروف. ولكن، رغمًا عنه حروفًا من نور خرجت منه وهو يعزف معها أجمل أنغام العشق، جعلت منهما تناغمًا رائعًا مثل فريق موسيقي يعزف خلف مغنٍ صوته عذب. وبعدما انتهيا معًا، وبمنتهى الغباء، في وقتٍ لا ينفع فيه هذا السؤال.

كان يحاوطها تحت ذراعه وهو ما زال متمددًا معها فوق الأرض إذ إنه لن يجد لديه حتى الوقت ليتحرك تجاه الفراش، كان جموحه أكبر من أن يضيع لحظة واحدة. تصلبت يده التي تعبث في خصلاتها المشعثة حينما سمعها تقول: هو ورثي وورث رحيم قد إيه؟ هنا، تيقن مغزى حديثها منذ قليل، أحيي نفسي بل أرفع لها القبعة على ذكائي بل الأهم، شعوري بها فهمها بسهولة. سحب جسده للخلف كي يستند على الفراش، سحبها معه، وضعها فوق ساقه.

تطلع داخل عينيها التي اهتزت قلقًا ورعبًا وهي تلعن لسانها المنفلت. ولكنها تفاجأت به يقول بطريقة خرجت منه طبيعية: كتير، وقوي كمان. أكمل بخبث لم تلاحظه: لساتني كنت عم أتحدد ويا المحامي لأجل ما يجهز الوصايا على رحيم، وأحسب نصيبك قد إيه وأحطهولك في البنك. رغد بذهول: أنت عملت كل ده من غير ما أطلب منك؟ يعني ما زعلانش مني؟ عثمان بمهادنة كي يصل لمبتغاه: واااه، هو الحق بيزعل يا بنت الناس؟ أنا لقيتك مش سائلة قلت أتصرف أنا.

بس المشكلة في رحيم. رغد بعدم فهم: كيف ده؟ عثمان بمكر: رحيم مش ولدك يا رغد، وأنا عمه اللي هبقى وصي عليه، خايف الخاينة دي تظهر في أي وقت، وتقول الحقيقة لأجل ما تاخد الواد. ارتعبت حقًا بداخلها وقالت دون تفكير: لااااه، ده ولدي، أنا اللي ربيته وتعبت وياه من أول ساعة اتولد فيها، وهي أكيد مش هتفكر تاخده، هي بس هتطمع في حقه، تغور بيه بس تسيب الواد. ها هو اقترب بحنكة لمراده. سألها بهدوء: وإيش خبرك أنتِ؟

هي كلمتك ولا أنتِ بتجري الغيب إياك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...