تأكد... بل تيقن إنها تخفي شيء يخص تلك الحقيرة حينما اهتزت حدقتيها يمينا ويسارا وهي ترد عليه كذباً على نصف سؤاله الأول فقط: لااااه... لااااه... هتكلمني كيف بس... أني مليش صالح بيها... لااه مهتجدرش تحدتني... ولا حتى تهددني بشيء. صفق لحاله إعجاباً وفخراً... فقد فهم ما حدث أو استشفه بمنتهى البساطة. ولكن ما أحزنه هو... مدارَتها عليه... ولكن بعيداً عن العاشق الذي يختلق أعذاراً دائمة لحبيبه... كانت الحكمة هي أساس تفكيره...
لن يغضب منها قبل أن يسمع لما فعلت هذا... يعلم أن أمامه طريقاً طويلاً كي يزيل الخوف الذي زرع بداخلها... ويضع مكانه أمان نابع من ثقتها به. غيَّر مجرى الحديث فجأة حينما بدأت يده تعبث بجسدها وهو يقول ممثلاً الغضب الذي ينافي ما يفعله الآن: المهم دلوقتي... أني زعلان منكي... ومطايجش أطلع في وشك اللي كيه البدر ده... هتصالحيني ولا أبات غضبان والملايكة تلعنك طول الليل... جصدي لحد الضهر. نظرت له بذهول وقالت
بصوت لاهث متأثر بما يفعله: وااااه بعد كده... أمسكت يده لتوقفها عما تفعل وأكملت: واللي لسه هتعمله... طيب كيف؟ رد ببراءة وقحة: جلبي هو اللي كان رايده ومقدرش يمسك حاله عنكي... دلوقتي عجلي زعلان ورايده تصالحيه... راعي إني جاي من سفر وعملت مجهود... دورك بقى تفكيلي جتتي اللي اتخشبت من هرس الأرض ده. خرج معها صباحاً من جناحهما ويدهم متعانقة كعناق فلوبهما العاشقة.
تنير الابتسامة وجهيهما ولكنها اختفت حينما وقفت عائشة فجأة تقطع عليهما الطريق. من نظراتها المعاتبة لام حاله وشعر بتانيب الضمير. أما هي فقد تطلَّعت لهما بغيرة وحقد تملَّك منها وظهر على صوتها جلياً حينما قالت: رايدهك في كلمتين يا واد عمي. هزَّ رأسه بتفهُّم ثم التفت إلى تلك الغيورة وقال برفق: اسبجيني على تحت وأني هحصلك يا رغد... حينما رأى عينيها المشتعلة تركها وهرب سريعاً مع الأخرى...
حتى لا يضعف أمامها ويراضيها قبل الأخرى. بعدما أغلقت الباب... نظرت له بحزن وقالت: هتوجف جدام ربنا نصك مايل يا واد عمي. عثمان: ليه كده... أني جصرت معاكي في شيء يا عيشة؟ عائشة: فيها إيه زيادة عني لجل ما تعشجها وأني لاااه. كاد أن يرد عليها إلا أنها أكملت بغضب: أوعاك تنكر... اطلع لحالك وأنت وياها... شوف عينك عم تبرج برج وهي جدامك... جيت على كتير... مرة اتحرجت وهبات وياها... ومرات كتير تهمل شغلك وتعاود نص الليل ليها...
وأني صابرة وساكتة وأجول يا بت... الغربال الجديد ليه شده... أنتي الأساس... بكرة يزهج منها ويعاود ليكي. بس طلعت كيه الحية... لفت عليك وسحبتك عندها كيف ما عملت جبل سابج ويا خوك. كل ما قالته لها كل الحق فيه... إلا أن تنعَّتها بتلك الصِفَة... وغيرتُه العمياء رفضت أن تذكِّرَه بأخيه الراحل حتى وإن علم الحقيقة. قاطعها صارخاً: لحدت أهينها... ووجفي... أوعاكي تذيدي كلمة تانية... رغد مرتي... مهجبلش تجولي عليها كلمة شينة...
كيف ما أني مهجبلش عليكي الهوا. جوليلي ميتة جصرت وياكي... من أول يوم جوازي منها... كل يوم بكون وياكي جبليها... أنتي اللي أخدتي حجها أول... ولما فوجت لحالي... ولجل ما أجفش جدام ربنا نصي مايل كيف ما جولتي... بدأت أعدِّل... يومك ليكي لحالك... ويومها ليها لحالها. لو على مرة ولا تنين بيت وياها في يومك كان لظروف مش بالمزاج... وكت بعوضك بعديها. أوعاكي تكوني مفكرة إني مش واخد بالي من طلباتك اللي كل يوم عم بتذيد...
هاتلي خلجات وأنت معاود من مصر... حاضر... في حتتين دهب عاجبني... حاضر. كنك هتجولي لحالك أطول اللي أقدر عليه... أحسن منه ولا هتاخدي تمن سكوتك على جوازي؟ اهتزَّت عيناها خجلاً لصِحَّة حديثه فأكمل: كنتِ دي مهيفرجش معاي... لكن تتهميني إني ظالم... دي اللي مهجبلها واصل يا عيشة. بكت وهي تقول: عندك حج... بس لو جبتلي الدنيا كلها تحت رجلي... مهيكفنيش يا عثمان... أني رايده جلبك... رايدهك تطلع عليَّ كيف ما بتطلع عليها.
ولأنه رجل... ولأن ما تطلبه ليس بيده... وجب عليه مراضاتها. ضمَّها لصدره بحنان... قبل رأسَها برفق ثم قال: يا بت دانتي بت عمي وأول بختي... وأم عيالي كماني. عائشة بقهر: بس مش حبيبتك يا عثمان. رد عليها كذباً ولاول مرة يشعر بداخله أنه خائن: دانتي الغالية يا عيشة... أنتي خَبَرَانِي مليش في الحديث المزوح ده... بس ليا في الفعل... وأني هثبتلك دلوقتي غلاوتك عندي. وبينما الطبيب المسكين يحاول أن يثبت ما قاله فعلاً...
كانت رغد تغلي كالمرجل بعد أن اشتعلت نار الغيرة داخلها. وقفت داخل المطبخ تقطِّع بعض الخضروات بغلْ... بل كانت تتخيل أنها تقطع يدَيْه التي تلمس غيرَها. نظرت لها نرجس بخبث وقالت: الغيرة واعرة جواكي يا بُوِّي. انتبهت لها بغضب... رفعت السكين أمام وجهها وقالت بجنون: نرجس... متخلينيش أشْجِ بطنك اللي عم تتهز وأنتي كاتمة الضحكة... أني ماشيفاش جدامي... بعدي عني أحْسَلْك.
هنا ولم تتمالك نرجس حالَها إذ أطلقت ضحكاتِها التي كانت تحاول أن تكتمَها... هرولت إلى الخارج بخوف حينما ألْقَتْ عليها تلك المجنونة أحدَ الأواني كي تخرج غضبَها منها. ولسوء حظِّها مالت إلى الأسفل فارتطَمَتْ بكتف طبيبِها الخائن كما نَعْتَتْهُ. عثمان بوجَلْ: وااااه هي الحرب جابت إهْنِيَّة ولا إيه؟ نرجس بضحك: مرتك جنَّت على الآخر يا دكتور حَجَّاها. نظر داخل عيونِها المشتعلة وقال: مرتي ست العاجلين يا مخبِّلَة أنتِ...
غوري من إهْنِيَّة. اقترب منها ممثِّلاً الخوف وهو يقول: مالك يا جلبي فيكي حاجة؟ ستقتلَه... حقاً ستمزِّقُ قلبَه... أم تفصِلُ رأسَه عن جسدِه... لا الأفضل أن تقطعَ يَدَيْه التي مَسَتْ غيرَها. ظلَّتْ تتخيَّلُ ما تريدُ فعلَهُ بهِ ولم تشعرْ إلاَّ وهو يُحَاوِطُها من خصرِها ويقول باعتذار دون مواربة: حَجَّكْ عليَّ يا جلبي. تطلَّعَتْ له بغضبٍ جَمٍّ... دَفَعَتْهُ في صدرِه بقوَّة. صَرَخَتْ بِهِ: جاك وجع في جلبك يا جوز لتنين....
و....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!