نظر حازم إلى الهاتف بصدمة، لأنه رأى نفسه مع فتاة أخرى لا يعرفها في أوضاع سيئة. نظر إليها وأردف متسائلًا: "مين اللي بعت لك الحاجات دي؟ أنزلت سارة الهاتف من أمام وجهه، واتسعت عيناها بدهشة، ثم تمتمت بنبرة يعلوها الذهول: "هو ده كل اللي همك؟ ثم أكملت بحدة: "مش مهم مين اللي بعتهم، المهم إنك تفهمني إيه ده! أنت طلعت بتخوني! حازم بإنكار:
"لأ يا سارة، انتِ فاهمة غلط والله. الصور والفيديوهات دي مش حقيقية صدقيني، أنا أصلاً معرفش البنت اللي في الصور دي تبقى مين! بدأت الدموع تجتمع في عيني سارة وقالت بسخرية لاذعة: "كنت عارفة إنك هتقول كده. عارف يا حازم أنا لما بدأت أديك فرصة وأحبك، قولت أنت أكيد اتغيرت واستحالة ترجع للقرف ده تاني." مسحت دموعها بعنف، وأكملت حديثها بنبرة يكسوها الاشمئزاز:
"بس أنا نسيت إنه ديل الكلب عمره ما يتعدل. أنا مش عايزة أشوف وشك تاني. أنا بكرهك يا حازم، بكررررهك." غادرته بخطوات ثابتة، فيما بقي هو واقفًا في مكانه، تتردد كلماتها الأخيرة في أذنه كوقع الصدمة، عاجزًا عن الحراك، كأنها سلبت منه القدرة على النطق وحتى التفكير. *** في مكان آخر في الجامعة.. كانت تقف على بعد غير بعيد، تراقبهم بنظرات متلذذة، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة نصر خبيثة. ثم قالت بصوت يقطر غرورًا:
"قلت لك قبل كده يا حازم، أنت بتاعي أنا وبس." وظلت تكرر عبارتها تلك مرارًا، فيما كانت ضحكاتها تتعالى بطريقة أقرب إلى الجنون منها إلى الفرح، كأنها وجدت لذتها في احتراق قلب من يجرؤ على الاقتراب من حبيبها. *** في لندن.. كانت الأجواء تتسم بالتركيز والاندماج في العمل، إلى أن قُطع هذا الهدوء بدخول رجل نطق متسائلاً: "دكتورة نور؟ لتتجه إليه أنظار كل من مراد ونور في آن واحد. نظرت إليه نور باستغراب واضح، لترد بسؤال:
"أيوه أنا، مين حضرتك؟ ابتسم الرجل ابتسامة تحمل شيئًا من الاستنكار والمفاجأة، وقال: "أنا دكتور إيهاب، كنت معاكِ في الجامعة، معقول مش فكراني! بدأت نور تدقق النظر في ملامحه، تجول بعينيها باحثة عن أثر من الماضي، ثم انفجرت بدهشة حقيقية: "أيوه افتكرتك أنت إيهاب علي، ده أنت كنت الأول على دفعتي كل سنة." ضحك إيهاب بقوة، وكأن الذكرى أضحكته من القلب، وقال ممازحًا:
"أيوه صح وأنتِ مكنتيش بطيقيني بسبب إنك بتبقى في المركز الثاني وأنا المركز الأول." انطلقت ضحكات نور بدفء صادق، ثم قالت: "عندك حق أنا فعلاً كنت ببقى متضايقة منك جداً." وتنهدت بارتياح وهي تضيف: "بس خلاص بقى دي حاجة بقت في الماضي وكل حاجة اتغيرت دلوقتي، المهم أنا فرحت جداً إني شفتك تاني." نظر إليها إيهاب بابتسامة يملؤها الإعجاب والحنين، وقال: "أنا أكتر والله، أول ما شفتك افتكرت ذكرياتنا في الجامعة.. كانت أيام حلوة."
أومأت نور موافقة بابتسامة مجاملة، وأضافت: "فعلاً كانت أحلى أيام." ثم التفتت نحو مراد الذي كان يتابع الموقف بصمت قاتل، وعيناه تشيان بثورة داخلية من الغيرة المكبوتة، بادرت نور بالتعريف بينهما قائلة: "نسيت أعرفكم على بعض.. ده البشمهندس مراد الأنصاري.. هو المشرف العام لبناء المستشفى." ابتسم إيهاب بترحيب صادق وقال: "أهلاً بشمهندس مراد.. أنا الدكتور إيهاب علي." قالت نور بابتسامة هادئة:
"طيب أنا هروح أطلب لنا قهوة، تكونوا اتعرفتوا على بعض." تركتهم وذهبت. وهنا، تحول مراد بنظرته إلى إيهاب، وقد طغى الضيق على ملامحه، وقال بابتسامة مصطنعة: "أهلاً وسهلاً." ثم تابع حديثه بتساؤل: "ويا ترى بقى أنت مقيم هنا ولا جاي زيارة وهتمشي قريب؟ أجابه إيهاب بجدية وثقة: "لأ أنا جاي زيارة عمل، أنا مقيم في أمريكا.. وجاي هنا عشان فيه بحث اتطلب مني إني أنفذه في لندن." نظر إليه مراد بضيق أشد، وعبر عن ضيقه داخليًا قائلاً:
"يارب قرب اليوم اللي هيمشي فيه ده بسرعة بقى." لكن إيهاب سمع كلماته، فسأله باستغراب: "بتقول حاجة يا بشمهندس؟ فما كان من مراد إلا أن تدارك الأمر سريعًا وقال بابتسامة زائفة: "بقول زيارة عمل سعيدة إن شاء الله."
بعد قليل، عادت نور حاملة القهوة، وقدمت لكل منهما كوبًا خاصًا، ثم جلست إلى جوار إيهاب، وتركت عملها جانبًا لتغرق في حديث مليء بالضحك والذكريات، حتى تعالت أصوات ضحكاتهما أكثر فأكثر. كل ذلك كان مراد يراقبه بنظرات مشتعلة بالغيرة، يغلي في داخله بنيران لا تهدأ، وكأن شرارة الماضي قد أشعلت في قلبه لهيب الحاضر. *** في الجامعة.. كان يجوب المكان بعينين قَلِقتين، يبحث عنها في كل زاوية، لكن دون جدوى.
وما إن استدار، حتى وقعت عيناه على "حازم" جالسًا بمفرده، شاحب الوجه، تغلّف ملامحه سحابة من الحزن والذهول. تقدّم نحوه بخطوات مترددة، ثم جلس أمامه، ونظر إليه مليًا قبل أن يسأله بنبرة يغلبها القلق: "فين سارة يا حازم؟ ومال شاكلك عامل كده ليه؟ أجابه بصوت خافت، تغلّفه مرارة العجز ووجع الحزن: "أختك اختارت الفراق يا هشام، محاولتش حتى تديني فرصة أشرح لها أي حاجة." أجابه هشام باستعجاب وسخرية: "هي قفشتك بتخونها ولا إيه!
انفلتت كلماته من بين شفتيه كأنها تنهيدة موجوعة طال احتباسها: "أنت بتقول فيها دي شافت كل حاجة صوت وصورة." ثم تابع بسخرية لاذعة: "أدي الـ AI اللي بقى من السهل يبوظ أي علاقة دلوقتي." علق هشام باستهزاء: "فكرتني صحيح، ما تكلم ChatGPT واحكيله عن اللي مضايقك يمكن يلاقي لك حل لمشاكلك دي! زفر حازم بضيق قائلاً: "تصدق أنت معندكش دم.. يعني أنا فيا اللي مكفيني وأنت قاعد بتهزر وتتريق! تحدث هشام بضيق:
"والله أنت اللي ما عندك دم، ده بدل ما تروح تدور عليها وتشرح لها اللي حصل وإنه مروة هي اللي عملت كل ده، قاعد بتفكر لي في الـ AI! ارتسم على وجهه علامات التعجب وعقّب مندهشاً: "أنا إزاي مجاش في بالي إنه مروة هي اللي عملت كده! أردف هشام بسخرية لاذعة: "لا يا راجل.. يعني أنت عايز تفهمني إنك متعرفش إنه مروة هي اللي عملت العامله المهببه دي.. ولا هي عشان حضنتك امبارح فـ عجبتك وأنت دلوقتي بتحاول تداري عليها! تابع بصدمة قائلاً:
"إيه اللي أنت بتقوله ده يا هشام.. وبعدين هو عشان كده أنت كنت بتكلمني بالطريقة دي امبارح! أجابه هشام بحزم: "أيوه يا حازم أنا شفتكم وانتوا بتتكلموا مع بعض قبل ما أخرج من الجامعة.. وفي الآخر حضنتك، وطبعًا مرضتش أحكي لـ سارة حاجة عشان عارف رد فعلها هيكون إيه! تنهد بإرهاق ثم أردف بجدية قائلاً: "بص يا هشام هي فعلاً حضنتني بس أنا بعدها عنها على طول.. مروة دي واحدة مجنونة، حتى اسأل رامي عنها دي مهووسة بيا." قاطعه
هشام وقال بثقة وصرامة: "أنا عارف كل حاجة مش محتاج أسأل حد، والكلام انتهى لحد هنا يا حازم، أنا بعتبرك صديقي وكل حاجة بس كله إلا أختي يا حازم، يا تتصرف مع اللي اسمها مروة دي وتوقفها عند حدها، يا أما أنت من طريق وسارة من طريق." ثم أضاف كلماته باستهزاء قائلاً: "فـاااهم يا دنجوان الجامعة! تركه هشام ورحل وهو تنهد بتعب وعاد جسمه للوراء بألم وحسرة وظل يفكر ماذا يفعل حتى يثبت براءته أمامها. *** في المدرسة الثانوية…
كانت لينا تجلس في هدوء، تحتسي قهوتها المفضلة، وعيونها غارقة بين أسطر الكتب، تستمتع بالمذاكرة وكأنها في عالم آخر. غير أن هدوء اللحظة تمزق على وقع اهتزاز هاتفها معلنًا وصول رسالة جديدة. مدت يدها بلامبالاة لتقرأها، لكن ما إن انزلقت الكلمات أمام عينيها حتى تغير وجهها، وانقلب مزاجها مائة وثمانين درجة. ومحتوى الرسالة هو:
«إوعي تفتكري إنك خلصتي مني يا لينا، كل اللي عملتيه فيا هردهولك أضعافه، والمرادي مش تهديد وبس لأ ده أنا هنفذ كمان وهثبت لك إنه الأيام الجاية هتبقى من أسوأ أيام حياتك». تجمدت أناملها، واتسعت عيناها في ذهول، وارتفعت يدها المرتجفة لتغطي فمها. الخوف تدفق في أوصالها كتيار جارف، وعقلها بدأ يغرق في دوامة من التساؤلات، ماذا سيفعل؟ *** في منزل عبد الله…
عادت سارة إلى البيت بخطوات مثقلة، تسحب روحها خلف جسدها المرهق. وما إن أوصدت باب غرفتها، حتى ألقت بنفسها على الفراش وكأنها تهرب من العالم بأسره، وانفجرت باكية. أمسكت وسادتها، وضغطتها بقوة على وجهها، ثم أطلقت صرخة مكتومة بكل ما تبقى في صدرها من وجع وخوف. كانت تلك طريقتها الوحيدة لتفريغ الألم، علّها تهدأ ولو قليلًا. في مكان آخر..
كانت حنان واقفة في المطبخ تُعد الغداء، حين استمعت إلى صوت باب المنزل يُفتح، أعقبه بضع خطوات، ثم صوت باب إحدى الغرف يُغلق. ارتسمت على وجهها ملامح الاستغراب، وراودها الظن أن سارة وهشام قد عادا مبكرًا. تركت ما في يدها، وخرجت لتتأكد. دخلت غرفة هشام، فلم تجده. ثم اتجهت إلى غرفة سارة، وما إن فتحت الباب حتى تجمّدت في مكانها، وقد اعتراها الذهول لما رأته. أسرعت نحوها، وجلست أمامها، وهي تقول بقلق: "مالك يا بنتي؟ بتعيطي ليه؟
فيه حاجة حصلت معاكي؟ وأخوكي مجاش معاكي ليه؟ كانت سارة جالسة تضم قدميها إلى صدرها، ودموعها تتساقط بلا توقف. زاد بكاؤها حين سمعت صوت حنان. تابعت حنان، ترجُوها أن تتكلم، بصوت يختلط فيه الخوف بالشفقة: "يا بنتي متقلقنيش عليكي أكتر من كده، اتكلمي وطمني قلبي." رفعت سارة رأسها بصعوبة، نطقت والدموع تسبق صوتها: "هشام كويس يا ماما… بس أنا مش كويسة خالص." أجابتها حنان بنبرة تحمل الألم والفضول: "إيه اللي حصل يا حبيبتي؟
احكيلي وهترتاحي." بدأت سارة تروي لها كل ما جرى، منذ لحظة تعرفها على حازم، وحتى مواجهتها له في الجامعة. كانت الكلمات تتدفق منها محمّلة بالوجع. ابتسمت حنان ابتسامة دافئة، لكنها سرعان ما تكلمت بجدية، وقد أضاءت الحكمة عينيها: "بصي يا حبيبتي، اللي إنتِ فيه ده طبيعي، أي اتنين بيحبوا بعض بجد هيمروا بمشاكل كبيرة، وممكن المشاكل دي تفرقهم، بس عشان بيحبوا بعض بيواجهوها ويبقوا أقوى منها."
"فكرة بقى إنك من الأول كنتي رافضة تديله فرصة وتعجبي بيه… خلاص فات أوانها، لأنك دلوقتي بتحبيه، والوضع اختلف." "وحسب خبرتي في الحياة، لازم تديله فرصة وتسمعيه، وتتأكدي بنفسك إذا كان صادق ولا لأ. مش معنى إن حصلت مشكلة زي دي تعتبريها إشارة من ربنا إنه شخص مش كويس وإنك مينفعش تكملي معاه." "لو فضّلتي تفكري كده، مش هتعرفي تكملي لا مع حازم ولا مع أي حد تاني، فكري في كلامي وقرري، وربنا يصلح حالك إنتِ وإخواتك يا بنتي."
هدأت سارة كثيرًا، ومسحت دموعها، ثم ابتسمت وهي تقول بحب: "أنا لو أمي الحقيقية لسه عايشة، مكنتش هتعمل معايا اللي حضرتك بتعمليه… حضرتك جميلة وطيبة أوي، بجد أنا ارتحت وأنا بتكلم معاكي ومش ندمانة إني حكيتلك، يا بخت نور وهشام إنهم عندهم أم زيك." ابتسمت حنان بعينين دامعتين وقالت:
"ده أنا اللي يا بختي بيكم إنتو التلاتة.. سارة، إنتِ بنتي بجد، مش معنى إني مجبتكيش من بطني إني مش أمك.. يعلم ربنا إنك إنتِ ونور عندي حاجة واحدة، وعمري ما هفرق بينكم.. لحد آخر يوم في عمري." قاطعتها سارة بسرعة، وهي تقول بمحبة: "بعد الشر عليكي يا حبيبتي… ربنا يديمك لينا وميحرمناش منك أبداً." أجابت حنان بابتسامة دافئة: "ولا يحرمني منكم أبداً يا روح قلبي." *** مساءً.. في لندن..
في قلب لندن، حيث الأضواء تنعكس على أرصفة الشوارع المبتلة بعد مطر خفيف، كان المطعم الفاخر ينبض بأصوات الموسيقى الناعمة ورائحة الأطباق الشهية. جلس إيهاب أمامها، عيناه تحملان مزيجًا من الحنين والفرح، وكأن هذه اللحظة تحديدًا كان ينتظرها منذ زمن بعيد. قال وهو يبتسم ابتسامة صادقة: "حقيقي أنا مش عارف أشكرك إزاي على إنك قبلتي عزومتي على العشاء." رفعت حاجبيها بابتسامة مجاملة وأجابت:
"متشكرنيش يا إيهاب… طبيعي إني أقبل. إحنا كنا مع بعض في الجامعة ونعرف بعض كويس، وكمان اتقابلنا تاني بعد 4 سنين… إيه اللي هيخليني أرفض؟ ثم أمالت رأسها قليلًا وسألت بفضول: "صحيح!! إنت ليه سبت الجامعة في آخر سنتين؟ انخفضت ابتسامته فجأة، وتبدلت ملامحه إلى شيء أكثر جدية، قبل أن يتنهد بهدوء ويقول:
"هحكيلك… وقتها أمي كان عندها كانسر في الدم. وهي كانت كل عيلتي… وزي ما إنتِ عارفة أنا معنديش إخوات وبابايا متوفي من زمان. أمي كانت حياتي كلها. أول ما عرفت إنها تعبانة، روحت معاها للدكتور… قال إن حالتها متأخرة، بس هنبدأ جلسات الكيماوي، وإن شاء الله تتحسن." أطرق لحظة، ثم تابع بصوت متأثر:
"ابتدينا الجلسات، وهي كانت بتحاول عشان خاطري. كنت شايفها بتضعف يوم عن يوم، وأنا متمسك بالأمل… لحد ما في يوم، كان المفروض تروح الجلسة، لكنها رفضت وبصت لي بابتسامة هادية وقالت لي: يا حبيبي، أنا تعبت خلاص… ومش عايزة أشوفك بتتوجع أكتر من كده عشاني، أنا حاسة إني مش باقي لي كتير عشان أعيشه، إوعدني يا إيهاب إنك تكمل حياتك… وتبقى قوي من بعد فراقي عنك." "بصيت لها بصدمة وبدأت أعيط وأترجاها إنها تكمل الجلسات بس موافقتش."
أخفض بصره قليلًا، وكأن الصور تعود أمام عينيه بكل تفاصيلها، ثم قال: "بعدها بأسبوع… فارقت الحياة.. وكنت لوحدي في البيت، حسيت الدنيا كلها قفلت عليّ، مفيش صوت غير صوت ساعات الحيطة وهي بتعد الثواني، وكأنها بتعلن بداية حياة جديدة من غير ما تبقى موجودة معايا." نظرت إليه نور بعينين دامعتين، وأردفت بهدوء: "أنا آسفة يا إيهاب… ما كنتش أعرف إنك مريت بكل ده.. الله يرحم والدتك وهي أكيد في مكان أحسن من هنا بكتير."
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال: "عشان كده اختفيت… سبت الجامعة، وسافرت، وحاولت أبدأ من جديد وحققت أمنيتها وهي إنها كان نفسها تشوفني دكتور ناجح ونجحت بالفعل، لكن الحقيقة إن ذكرياتها كانت بتسبقني في كل مكان." ثم مال قليلًا للأمام، وصوته أصبح أكثر دفئًا: "بس الليلة دي… حسيت إني مش وحيد، وجودك قدامي دلوقتي، فكرني إن لسه فيه حاجات حلوة ممكن أعيش عشانها."
نور كانت تحدق فيه بعينين يتناوبهما الارتباك والذهول، وقد تسلل صوته الأخير إلى أعماقها كنبض مفاجئ أربك أنفاسها. دخل النادل بخطوات هادئة، يحمل بين يديه أطباق العشاء المزينة بعناية، فوضعها أمامهما برفق وانسحب في صمت، تاركًا الطاولة غارقة في مزيج من العطر الدافئ للطعام وحرارة النظرات المتبادلة.
بدأا يتناولان الطعام ببطء؛ إيهاب يراقبها بإعجاب صريح يطل من عينيه، ونور ترد عليه بنظرات مترددة، يكسوها الخجل الذي لا يخفيه إلا انشغالها بتقطيع لقيماتها الصغيرة. *** في فيلا الأنصاري.. كانوا يجلسون على مائدة العشاء، يتناولون الطعام في سكون يقطعه صرير أدوات المائدة بين الحين والآخر، وكلٌ منهم غارق في أفكاره الخاصة. الجو كان هادئًا حتى بادر طارق بقطع هذا الصمت، وقد اتجه بنظره نحو ابنته قائلًا بنبرة ودودة:
"عاملة إيه في دراستك يا لي لي؟ أجابته لينا بابتسامة باهتة، وكأن في داخلها شيئًا يخفي حماسها: "بخير الحمد لله يا بابي، كله تمام." قال طارق بنبرة دعم وتشجيع: "أنا عرفت إن الامتحانات قربت، شدي حيلك.. أنا واثق إنك هترفعي راسي." أومأت بنفس ابتسامتها الهادئة وأردفت: "حاضر يا بابي، هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أفرح حضرتك ومامي." بادرتها سوزان بفخر وحنان: "إنتِ مفرحانا من ساعة ما اتولدتي أصلاً يا لي لي."
كان حازم شاردًا، يسبح في أفكاره، لكنه التقط آخر جملة، فابتسم بسخرية تحمل غيرة مصطنعة، وقال: "ما أنتم لو كنتوا بتعملوا معايا اللي بتعملوه معاها، مكنتش زماني جبت لكم 75%." نظر إليه طارق بغيظ وقال: "إنت بالذات اسكت خالص.. ده أنا لو كنت اتبرعت بالفلوس اللي صرفتها عليك أيام الثانوية العامة، كان هيبقى بالنسبة لي أحسن، أهو أخد ثواب، إنما إنت عملت إيه في الآخر! غير إنك كنت هتجلطني بمجموعك ده! قالت سوزان باستعجاب، محاولة
التخفيف من حدة النقاش: "ما هو في الآخر دخل هندسة أهو يا طارق، عايز إيه تاني! رد طارق بضيق: "مش عايز حاجة." ثم مال قليلًا للأمام وأكمل بتساؤل: "صحيح، إنتوا ما بتسألوش على أخوكم ليه؟ أنا اتصلت اطمنت عليه أنا ومامتكم من شوية، وكان عايز يكلمكم، بس قلت له هيبقوا يكلموك من عندهم." أجابه حازم بهدوء: "هنخلص أكل ونطلع نكلمه يا بابا."
مرت دقائق حتى انتهوا من العشاء، ولينا وحازم في طريقهما للصعود إلى غرفتيهما، لكن لينا توقفت فجأة عند وصول رسالة على هاتفها. فتحتها بسرعة، وإذا بها من هشام: «لينا، أنا قدام الفيلا بتاعتكم، اخرجي لي فوراً». التفتت إلى حازم الذي كان يترقب سبب وقوفها، وحين أخبرته بأنها تريد الخروج لكنها لا تعرف كيف، نظر إليها مطمئنًا وقال: "اخرجي إنتِ، وأنا هتصرف." ابتسمت له بامتنان، وبالفعل استطاعت الخروج دون أن يلاحظ أحد.
عند البوابة، رأته واقفًا مسندًا ظهره إلى سيارته، وعيناه تتفحصان الطريق في انتظارها. تقدّمت نحوه بخطوات هادئة حتى وقفت أمامه، وعلى شفتيها ابتسامة خجولة. قال هشام بصوت هادئ ولين، محاولًا أن يفتح لها المجال للكلام: "بصي يا لينا، إحنا اتفقنا ما نخبيش حاجة عن بعض، مش كده؟ أومأت برأسها موافقة. تابع هشام بنبرة تحمل التساؤل: "طيب ممكن بقى تعرفيني إيه اللي حصل النهاردة، وامبارح موبايلك كان مقفول ليه؟ نظرت إليه بارتباك
شديد وقالت بتلعثم وخوف: "هقولك كل حاجة، بس ما تزعلش ولا تزعل مني.. اتفقنا؟ قال هشام بوعد حازم: "اتفقنا.. أوعدك مش هزعلك ولا هضايقك." تنفست لينا الصعداء، وكادت تشرع في الحديث، لكن هاتفها اهتز مجددًا بوصول رسالة أخرى، لتقطع عليها بداية البوح. فتحتها سريعًا، وقرأت: «لو فكرتي تحكي لحبيب القلب أي حاجة من اللي حصلت، هتزعلي عليه أوي، ومش بعيد تخسريه للأبد. إلى اللقاء يا حلوة».
تجمدت ملامحها، واتسعت عيناها في صدمة صامتة، و... يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!