أعرفك يا أيوب على دلال مرات خالد الله يرحمه. عن أي دلال تتحدث؟ فكر لعدة ثوانٍ قبل أن يدور بالمقعد ويرى على من تتحدث. يا ليته لم يفعل. رآها تقف بكل براءة على باب الغرفة. ملامح هادئة، ابتسامة خجولة. كيف ومتى فعلت مصيبتها الجديدة؟ اقتربت منه بخطوات مترددة ثم مدت يدها للسلام عليه مردفة: _أهلاً بحضرتك يا باشا. من أين أتى إليه الصبر لا يعلم. شعر للحظات بأن قدمه فقدت قدرتها على الحركة. طال انتظارها لسلامه فشعرت
بالخجل وسحبت كفها مردفة: _أنا عارفة إن حضرتك كنت رافض جوازي من خالد الله يرحمه. طبعاً ده حقك بس أنا وخالد كنا بنحب بعض واتجوزنا. _بتحبوا بعض؟ قالها وكأنه يكتشف الحقيقة للمرة الأولى. الآن فقط دخل عقله بالأمر وقال: "إنها حبيبة وزوجة خالد يا أيوب". نفور عجيب دلف لقلبه من مجرد الفكرة وكأنه طوال الأيام الماضية كان مغيبًا. آتى إليه صوت عمته: _اقعدي يا حبيبتي، اللي فات مات. أنتِ دلوقتي اللي باقية لنا من ريحة الغالي.
باقية من رائحة الغالي؟ ما هذا؟ ما هذا حقًا؟ رآها تجلس فقال بجبروت: _وأنتِ بقى إيه اللي فكرك بينا بعد سنة من موته؟ لتكن صريحة. هي الآن خائفة. وصل ارتجافها لحالة من الرعب. بطرف لسانها أعطت بعض الطراوة لشفتيها. معالم وجهه غامضة لا تبشر بأي خير. ومع ذلك ستكمل طريقها للنهاية، فهي بكل الأحوال خاسرة. حدقت بهما بحزن وقالت: _من أول أسبوع مات فيه خالد جيت هنا، بس حضرتك أمرت الحرس بطردي.
يتذكر هذا اليوم. نعم، أمر بطردها حتى لا يخرج بروحها بيده. أومأ إليها بكبرياء وقال: _وعايزة إيه دلوقتي؟ تدخلت فوزية بالحديث بعتاب مردفة: _فيه إيه يا أيوب؟ يعني إيه عايزة إيه؟ عايزة حقها في جوزها يا ابني، ده شرع ربنا. فتلتت منه ضحكة ساخرة ثم أشار إليها مردفًا: _وهو من امتى الجواز العرفي معترف بيه شرعًا أو قانونًا يا عمتي؟ وبعدين أنتِ صدقتي المدام بناءً على إيه وهي حتى مش معاها ورقة الجواز العرفي؟
للمرة الثانية يفوز عليها. للمرة الثانية يقدر على كسرها أمام نفسها. هو محق. هي تقف أمامه الآن بلا إثبات واحد على حديثها. ترقرقت الدموع بداخل عينيها لتدخل السيدة فوزية للمرة الثانية قائلة:
_لو حد خلاهم يتجوزوا عرفي في السر فده بسبب جبروتك أنت يا أيوب. خالد من كتر حبه فيك ما قدرش يوقع كلمتك الأرض. أما بقى بالنسبة للورقة فهي كانت مع خالد الله يرحمه وأنا مش محتاجاها لأني كنت معاهم على الموبايل وقت جوازهم وعارفة كل حاجة من الأول. ظل ثابتًا مثل الحجر. عينيه متعلقة بها تتابع ردودها. كانت بحالة من الكسرة. بكل يوم يمر تندم على زواجها العرفي من خالد. كانت ومازالت تحبه. إلا أن الحب بمفرده غير كافٍ للزواج.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بهدوء: _أنا مش عايزة ورث. _أمال عايزة إيه؟ _عايزة ورقة تثبت إني أرملة المرحوم خالد واوضته أعيش فيها. هذا كثير جدًا عليه. فلتت منه ضربة قوية على السفرة. غضبه أصبح مليون بعد جملتها الأخيرة. انتفضت بخوف فقالت فوزية:
_أهدي يا حبيبتي. الموضوع سهل. في أقل من يومين هيقدر أيوب يطلع كل الأوراق اللي تثبت جوازك من خالد. ولأزم تعرفي إن اللي ليكي في البيت ده أكتر من أوضة بكتير. ليكي حقك كامل في المرحوم جوزك. المرحوم زوجها؟ جعلته بلحظة واحدة مرحومًا؟ قام من محله ثم قال: _تعالي يا مدام دلال أوصلك بنفسي لأوضة المرحوم. هل ستذهب معه؟ هذا مستحيل. لم يعطِ لها فرصة وذهب. فحدقت بفوزية لعلها تأخذ منها العون. لتقول الأخرى بابتسامة حنونة:
_ما تخافيش يا بنتي. أيوب يبان قاسي وشديد، لكن مفيش في الدنيا دي أطيب منه. مش هيضيع حقك. اطلعي وراه. ده أنتِ في مقام مرات إبنه دلوقتي. كلمات فوزية بثت بداخلها الكثير والكثير من الخوف. أخذت نفسها بصعوبة وقامت لتذهب إليه. رأت يقف أعلى الدرج بانتظار قدومها. صعدت إليه وسارت خلفه حتى وصل بها لباب غرفة خالد. فتح لها الباب وقال: _أوضة المرحوم خالد. اتفضلي. رفعت عينيها إليه منتظرة ردة فعل عنيفة. إلا أنه ظل صامتًا.
فقالت بتوتر: _أدخل؟ أومأ إليها بهدوء وقال: _أدخلي. _عادي كده؟ أجابها بنبرة تسمعها منه للمرة الأولى. ربما كانت تدل على الهزيمة: _النهاردة بس أول مرة أحس إنك أرملة خالد. أرملة خالد وبس يا دلال. معنى حديثه لم يصل إليها. خرجت منه كلمات لا تدل على شيء سوى الضياع. بداخل قلبه مشاعر غريبة ترفض ما يشعر به. دلفت للداخل بخطوات ثقيلة. رنين صوته يضرب برأسها. أغلق الباب عليها ورحل. تركها بمفردها.
مرت عينيها على كل ركن من أركان الغرفة بابتسامة بها الكثير من الحنين. ذهبت إلى التسريحة وجدت عليها كل ما يخصه. رفعت زجاجة عطره لأنفها وهتفت في خفوت: _مش باقي ليا منك إلا قزازة برفان يا خالد. رفعت عينيها للمرآة لتتخيل صورته يبتسم، يضمها، يعترف بحبه لها. ألف خيال وخيال لم يتحقق منهم أي شيء. فقط مجرد أمنيات حفرت بداخلها. أخذت زجاجة العطر معها للفراش وألقت بجسدها عليه. ضمت وسادته
لصدرها تذكرت جملته إليها: "مسيرك يوم تنامي معايا في أوضتي وعلي سريري جوا حضني يا دلال ووقتها هطلع عليكي سنين صبري". ها هي تنام على فراشه بداخل غرفته. ولكن أين حضنه؟ سقطت منها دمعة مقهورة وقالت: _اديتني ألف وعد ما فيش وعد واحد منهم اتحقق. كلهم بقوا ذكريات. بس ذكريات. الله يرحمك يا خالد. ويرحمني. خرج أيوب من قصر رسلان بمشاعر مؤلمة. كأنه كان مغيبًا والآن فقط أفاق لما يدور من حوله.
دلال كانت حب حياة خالد. كانت زوجة خالد. دلال امرأة رفض من قبل ربط اسمها باسم عائلة رسلان. رفض زوجها من خالد؟ ومن خالد؟ ولده الصغير الذي كان أول يد تحمله قبل يد أبيه. صعد سيارته واتجه للمجهول حتى وصلت به لمقابر العائلة. بخطوات ثقيلة مهزومة سار حتى وصل لمقابر مكتوب عليها بالخط العريض "المرحوم خالد رسلان". سقطت قوته على الأرض وسقط جسده معها. مد كف يده ومرره على اسم ابن شقيقه وقال:
_حقك عليا. عارف إني مقصر معاك من يوم ما شوفتها وأنا ما جيتش زورتك ولا مرة. مكنتش عارف ليه. بس النهاردة عرفت. أنا كنت بهرب يا خالد. بهرب من حقيقة إنها مراتك وحقك. وبهرب من ضميري اللي بيقولي زي ما حرمتها عليه لازم أحرمها على نفسك. كنت بتعامل معاها كأنها ست مفيش أي حاجة بتربطني بيها غير أنها مراتي. النهاردة بس عرفت إنها ما كانتش مراتي. هي كانت مراتك اللي ملحقتش تفرح بيها. واللي أنا السبب إنك ما تقدرش تفرح بيها.
أغرقت عينيه الدموع وهو يرى كم بشاعته. قلبه يحترق من كل اتجاه وهو عاجز. لا يعلم ما بيده فعله ليريح نفسه. مسح عينيه بظهر يده وقال:
_أنت وصتني عليها قبل ما تموت وأنا مكنتش قد الوصية دي. مش عارف إيه اللي فيها زيادة عن كل الستات اللي عرفتها عشان أكتبها على اسمي وأعمل المستحيل عشان تفضل على اسمي. هي حلوة. حلوة أوي يا خالد وعندك تحبها. لكن أنا اللي مليش أي حق أقرب منها ومع ذلك قربت. فكرت في نفسي بس ونسيتك. نسيت ابني اللي اتربى على إيدي وكبر وبقى راجل في حضني. نسيت إنك نايم في تربتك مش مرتاح وأنت شايفها في حضني. طول عمري بسيب حقي عشان الغاليين عندي. لكن في دي أخدت حق مش حقي. عشاني أنا. لأول مرة. زمان اديت جومانة لأخويا وأنا بحبها لأنه بيحبها. مش عارف عملت معاك كده ليه يا خالد. سامحني. سامحني يا ابني.
طلب السماح على ما فعله. وربما على ما سيفعله. بداخله ثقل كبير لم تخففه كلماته. عقل واقف بلحظة رفضه لزواج خالد من دلال. لحظة بها رأى قلب صغيره يسقط ألف قطعة أمام عينيه. ومع ذلك ظل على جبروته. تحدث بثقل وتعب: _البنت دي لعنة. اللي يقرب منها يفضل ملعون بيها لحد روحه ما تطلع. شكل نهايتي هتبقى زي نهايتك يا خالد. شكلنا هنتقابل قريب أوي. بس وقتها مش عارف هتقابلني إزاي وهتشوفني إزاي؟
أكتفى من الحديث. فقام بتعب شديد وذهب. وقف أمام البوابة يلقي على القبر نظرة أخيرة بها الكثير من الاعتذار ورحل. بعد منتصف الليل عاد أيوب لقصر رسلان. وجدها تجلس أمام حمام السباحة تضم قدميها لصدرها وتحدق بالفراغ. طلب منه علقة الدخول وأخذته قدماه لعندها. زفر بضيق من تأثيرها الواضح عليه فقال: _بتهبب إيه هنا؟ أخيرًا انتبهت لوجود أحد معها بقلب المكان. أخذت نفسها بثقل وقالت: _سهرانة. _جيتي تعملي إيه هنا يا دلال؟
سؤال صريح. إلا تنفع إليه إلا إجابة صريحة. رفعت عينيها إليه وجدته مرهقًا. وربما يكون ضائعًا. فقالت: _جيت أخد حقي. رفع حاجبه بتعجب وقال بنبرة ساخرة: _حقك في مين؟ في خالد؟ شكلك ناسيه إنه كان كاتب عليكي بعقد عرفي حتى مش متوثق عند محامي. دلال قدام الحكومة أنتِ مالكيش حق. تعلم ذلك. قامت من محلها ووقفت أمامه ثم قالت بهدوء: _عارفة ومن الأول مطلبتش فلوس. أنا أقصد حقي منك أنت. أشار على نفسه وقال: _مني أنا؟
كأنها بالونة انتفخت حتى وصلت لمرحلة الانفجار. ضربته بصدره بقوة. ارتد على أثرها خطوة للخلف لعدم مقاومة لها. جاءت لتعطي إليه الأخرى. ضم كفيها إليه فقالت بغضب: _أيوه أنت. متفاجئ وعامل نفسك بريء أوي مع إن مشوفتش حد في حياتي كلها ظالم قدك. إنسان نرجسي مش شايف غير نفسك وبس. أنت ومن بعدك الطوفان. فكرت مرة واحدة في حياتك تبص لنفسك في المرايا وتشوف الناس شايفاك إزاي؟
اللي حواليك خايفين منك مش بيحبوك. كل حاجة ماشية زي ما أنت عايز لأنك صاحب سلطة ونفوذ. غير كده أنت متقدرش تعمل حاجة. معالم وجهه طاف بها الألم. صمت وتركها تخرج ما تريد قوله. فأكملت بقهر: _تقدر تقولي رفضت جوازي من خالد ليه؟
أنت حتى ما اديتش لنفسك فرصة تشوفني وتعرف إذا كنت أليق باسم العيلة الكريمة ولا لأ. أخدت قرارك وحكمت على علاقتي بيه بالإعدام. مكانش جواك ذرة رحمة ليا بعد موته. على الأقل دخلني القصر الكريم وأعرف أنا عايزة منك إيه. كل اللي عملته خليت شوية الكلاب بتوعك يرموني في الشارع كاني جاية أشحت منك. مع أنك عارف كويس أوي إن ليا في البيت ده حق. سقطت من عينيها دمعة وراء الأخرى. مع كل كلمة تخرج منها تزيل ثقلًا من على قلبها.
حدقت به بكره واضح وقالت: _دلوقتي ماسك فيا بأيدك وسنانك عايزني أبقى مراتك. دخلت قصاد عينيك قصرك اللي طردتني منه ورحبت بيا. مش عشان خاطر أنت خايف من فوزيه هانم ولا حتى عشان خاطر خالد غالي على قلبك. أنا هنا عشان أنت عايزني. مش دي الحقيقة. يعلم الجميع أن أيوب رسلان جبروت. هزيمته مستحيلة. ليكون صريحًا. كلماتها أصبته بمقتل. جعلته يرى حصاد ما زرعه. إلا أن النهاية واحدة. هو أيوب رسلان. أبتعد عنها وقال:
_كنتي بتحبي خالد يا دلال؟ سؤاله كان عجيبًا. وقبل أن تفتح فمها للإجابة أشار إليها بالصمت وقال: _عمرك ما حبيته. مفيش ست بتحب راجل بتبقى في حضن راجل تاني زي ما أنتِ بتبقي في حضني كده. بسكوتة دايبة في كوباية شاي ومش قادرة تمسك نفسها. مش بقولك كده عشان أحسسك بالضعف. بقولك كده عشان خاطر تطلعي من دور الضحية اللي أنتِ عايشة جوا. اللي بيحب حد مش بياخده في السر بحتة ورقة عرفي. صمت قليلًا ليأخذ بعض الهدنة قبل أن يكمل بقوة:
_المفروض مقامك كان يبقى عنده أكبر من كده بكتير. بس إزاي عايز تبقي غالية عنده وأنتِ مش غالية عند نفسك. لو كنتي عملتي قيمة ليكي مكنتيش سلمتي جسمك لراجل بحتة ورقة. ولا كنتي وصلتي أنك تقفي قدامي الوقفة دي دلوقتي. أنتِ اللي محتاجة تبصي في المرايا. شوفي وقتها حقيقتك وابقي تعالي قوليلي شوفتي إيه. قال ما كانت ترفض قوله لنفسها. كشفها أمامها وجعلها تعلم حقيقة ما فعلته بحقها. رأى عينيها منكسرة. فقال بقوة:
_قولتي الصبح أنك جاية عشان خاطر تثبتي إنك أرملة خالد وعايزة تنامي في أوضته. أوضته عندك فوق. نامي فيها براحتك. بس الورقة اللي أنتِ عايزاها طول ما أنتِ شايلة اسمي مش هينفع تطلع. بخطوات غاضبة دلف لمنزله. أخذت تحدق بالفراغ من حولها وهمست بتعب: _عنده حق. أنا اللي رخصت نفسي من الأول. ومكانش ينفع يبقى ليا نهاية تانية إلا دي. صباح يوم جديد بمنزل أبو الخير. دلف ناصر لغرفة الطعام وجد حنين ووالدته وصغيره مهران بانتظاره.
أقترب من والدته قبل رأسها ثم جلس على مقعده مردفًا: _صباح الخير يا ست الكل. ابتسمت إليه السيدة زينب بحنان وقالت: _صباح النور يا حبيبي. أقترب مهران من والده وقبل يده ثم قال: _صباح الخير يا حاج. أومأ إليه مهران بهدوء مردفًا: _صباح النور. كمل فطارك وانزل شوف شغلك مع الرجالة تحت. أتسعت عينين حنين بذهول. طفل في السادسة من عمره؟ أي عمل لديه؟ أتت إليها الإجابة الأكثر صدمة من الصغير عندما قال: _حاضر يا حاج. بس ليا عندك طلب.
طلبه يعمله؟ فقال بقوة: _قول يا مهران. _ماما. لم يكمل باقي الجملة بإشارة من أبيه الذي قال: _انزل افطر تحت مع الرجالة وشوف شغلك يا مهران. نفذ الصغير ما قاله ناصر وذهب. فقالت السيدة زينب بعتاب: _مكنش ينفع كدة يا ناصر. مهران عايز أمه تبقى جنبه. ده غير المسكينة اللي قاعدة في شقتها بعيد عن بناتها. كفاية لحد كده عليهم. هما عرفوا غلطهم خلاص. _أنتِ مقامك عالي عندي يا حاجة. بلاش نتكلم في الموضوع ده.
زاد غضب حنين أضعاف خصوصًا بعد رؤيتها لحزن الصغير قبل أن يذهب. فقالت بنبرة حادة: _هو إيه اللي محدش يتكلم في الموضوع ده؟ طنط عندها حق. الولد صغير وعايز مامته تبقى جنبه. ده غير أنك إزاي تخلي طفل زي ده ينزل يشتغل ويفطر مع العمال؟ فاكرة شاب عنده 20 سنة. أغلقت السيدة زينب عينيها بقلة حيلة. صغيرة لا تعلم بالحياة شيئًا. وفتحت على نفسها بابًا من النيران. سألها ناصر بهدوء ما يسبق العاصفة: _مين سمح لك تتكلمي وأنا قاعد؟
زاد جنونها. فهي ابنة رسلان. قامت من فوق مقعدها وقالت بغضب: _يعني إيه مين سمح لي؟ هو أنا خرسا عشان أقعد ساكتة؟ طالما شايفة حاجة غلط يبقى لازم أقول رأيي فيها. انتهى وقت هدوئه وحان وقت غضب ناصر أبو الخير. ضرب على الطاولة بقوة وقال: _رأيك تحتفظي بيه لنفسك. هنا مافيش رأي غير رأيي أنا. ومافيش كلمة غير كلمتي. ادخلي على أوضتك. مش عايز أشوف وشك غير لما أنا أقرر أنك تطلعي منها. حركت رأسها برفض وقالت:
_أوامرك دي على نفسك مش عليا. أنا حنين رسلان. شكلك نسيت أنا أبقى مين. بجد مش قادرة أستوعب إن إنسان جاهل وهامجي زيك بيمشي رأيه على الناس ويفرض قراراته. ولا قادرة أفهم إيه اللي يخلي أهل الستات دول يرضوا بالإهانة دي. وضعت السيدة زينب يدًا على وجهها بذهول ويدها الأخرى على ذراع ناصر تمنعه من الاقتراب من حنين مردفة: _اهدى يا ناصر. دي عيلة صغيرة ومش فاهمة هي بتقول إيه. بلاش تحط عقلك بعقلها يا ابني.
أبعد كف والدته عنه وقام من مكانه ليسحبها إليه بقوة مردفاً: _ما تخافيش يا حاجة. أنا عارف أنها عيلة صغيرة. بس الصغير لازم يتعاقب على الغلط عشان ما يعملهوش تاني. كملي أنتِ فطارك. أخذها لغرفتها بخطوات سريعة. كانت تسير معه بخوف. دلف لقلبها فجأة. دفعها للداخل ثم أغلق الباب عليهما بقوة وقال: _اسمعيني بقى. كنتي بتقولي إيه برة عشان ما كنتش مركز معاكي. أشارت إليه بعدم الاقتراب منها وقالت بنبرة منخفضة:
_كنت بقول إن يعني أقصد إن اللي حضرتك بتعمله ده مش صح. ما ينفعش تسيب طفل من غير مامته. وما ينفعش تحبس ست في شقتها كأن عليها حكم. أنت أصلاً ملكش حكم عليها. هي في بيتك عشان ولادها مش مراتك. وضع أحد أصابعه أمام شفتيها يمنعها من إكمال حديثها ثم نظر لعينيها بقوة أرعبت قلبها وقال: _تعرفي عقاب اللي يدخل في اللي ملوش فيه يا حنين؟ أبتلعت ريقها بتوتر وقالت: _لو سمحت. أنا مش عيلة صغيرة عشان تقولي كده. أنا من حقي أقول رأيي.
_وقولتي رأيك؟ أومات إليه فقال: _خدي رأيك وعلى سريرك واتخمدي يا حنين. والأوضة دي مش هتطلعي منها غير لما أقرر إن عقابك انتهى. عشان بعد كده تتعلمي إنك ما تتكلميش مع حد كبير بقلة ذوق. حركت رأسها برفض وقالت: _لأ طبعاً مش هعمل كده. _وده إزاي يا أستاذة حنين؟ _هتصل بعمو وهو هيعرف شغله معاك. رفع حاجبه إليها بمعنى حقًا. وبعدها أقترب من الطاولة الموضوع عليها الهاتف الأرضي وفصل عنه الحرارة ثم حمله مردفًا بابتسامة باردة:
_ابقي شوفي بقى هتكلمي عنه إزاي. وإياكي يا حنين المح طيفك بره عشان ساعتها ما تعرفيش هعمل إيه. سألته بخوف طفلة صغيرة: _أنا بخاف أقعد لوحدي كتير. أقترب منها ومرر يده على خصلاتها بحنان مردفاً: _معلش يا روحي عشان تتعلمي الأدب. بقصر رسلان. دلف أيوب لغرفة السفرة وجدها تجلس بجوار عمته. ألقى عليها نظرة سريعة ثم جلس على الطاولة بهدوء مردفاً: _صباح الخير. إجابته السيدة فوزية بابتسامة حنونة وقالت:
_صباح الورد يا حبيبي. عايزة أتصل بحنين يا أيوب ترجع من الرحلة دي وتقعد معايا. أخذ نفسه بهدوء ثم نظر لطبقه هاربًا من نظرات عمته وقال: _المكان اللي هي فيه شبكته ضعيفة. سألته فوزية بعتاب: _وأنت من امتى بتسيب حنين تطلع رحلة وتبات برة البيت يا أيوب؟ ده أنت كنت بتمنع نومها عندي؟ ماذا يقول والحقيقة مرة؟ لا يعلم كيف. ولكن أتت النجدة من دلال عندما قالت: _الحمد لله شبعت. بعد إذنك يا طنط هخرج عندي شغل. ترك الشوكة
من يده وسألها بسخرية: _شغل إيه اللي عندك؟ مش الدراسة قربت والمفروض تحضري نفسك. نظرت إليه بتعجب. شخص كل دقيقة بحال. أمس جعلها تنام باكية والآن مهتم بالدراسة. رسمت على وجهها ابتسامة ساخرة وقالت: _هحضر كل حاجة. بس شغلي حاليًا أهم. عن إذنكم. عاد لينظر للطعام وقال وهو يقطع قطعة من الجبنة: _اقعدي كلي. وهوصلك شغلك في طريقي. يستحيل أن تجلس بمكان معه بمفردها بعد الآن. حركت رأسها برفض وقالت:
_مفيش داعي حضرتك تتعب نفسك. طريقنا مش واحد والمشوار هيبقى صعب عليك. أرادت إيصال رسالة صريحة إليه ووصلت. رسم على وجهه ابتسامة باردة وقال: _متخافيش عليا. أي حد تحت إيدي بيمشي في طريقي. اقعدي كملي أكلك. جلست بغيظ. فقالت السيدة فوزية لأيوب: _في موضوع عايزة أتكلم معاك فيه يا أيوب. _خير. موضوع إيه ده؟ أخذت نفسها بثقل وقالت:
_من وقت ما المرحومة مراتك ماتت وأنت رافض تتجوز. كانت الأول حجتك إن حنين وخالد ولادك ومش محتاج غيرهم من الدنيا. دلوقتي الوضع اختلف. خالد ما بقاش موجود. وعيلة رسلان ما ينفعش نسلها يتقطع يا أيوب. ترك الشوكة من يده ونظر إليها بضيق مردفاً: _كملي يا عمتي. سامعك. وبعدين؟ _هو إيه اللي وبعدين؟
أنا جبتلك كام عروسة من سيدات المجتمع عشان أنا عارفه إن الموضوع ده بيفرق معاك أوي. حلوين. مراكز عائلتهم عالية. ويناسبوك يا أيوب. عايزة أفرح بيك وأشوف عيالك وأطمن عليك قبل ما أموت. رغم بساطة حديثها إلا أنه سقط على دلال مثل الحجارة. لابد أن يتزوج أيوب من سيدات المجتمع الراقي. أيوب رسلان لا يأخذ إلا امرأة تليق به وبمقامه. إهانة جديدة أخذتها بهذا البيت دون أن تشعر. سقط الطعام من بين يديها فقامت بسرعة وقالت: _بعد إذنكم.
_استني مكانك. قالها بصرامة لتتجمد بمكانها. مسح فمه بالمنديل الخاص بالطعام وقام هو الآخر بهدوء مردفاً: _هوصل دلال وبعدين نبقي نشوف الموضوع ده يا عمتو. خرج من الغرفة وخرجت خلفه. وصلت أمام باب سيارته فقال للسائق: _امشي أنت يا عم منصور. مدام دلال هتسوق بنفسها. أصابت دلال حالة من الهلع وقالت برفض: _لأ لأ مستحيل. رفع حاجبه إليها مردفاً بهدوء: _ليه؟ يكفي ما عاشته ليلة فقدان خالد. حركت رأسها برفض. همست بكذب: _أسوق إزاي؟
أنا مش بعرف أسوق. أومأ إليها بنظرات غامضة ثم جذبها من خصرها لتلتصق به وهمس بنبرة خشنة: _متعرفيش تسوقي خالص؟ شعرت ببعض الحرارة من قربه. فهمست بتوتر: _بعرف أسوق حاجات بسيطة. بس مقدرش أسوق في الزحمة الجامدة ووو. خصرها إليه بكف واحد وقال: _ولما أنتِ ما بتعرفيش تسوقي سوقتي عربية خالد يوم الحادثة ليه وأنتوا راجعين من السفر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!