بقسم الشرطة.. دلفت لمكتب الضابط بخطوات متعبة، نصف ساعة بالحجز جعلتها لا تود شيئاً إلا الهروب من هذا المكان. وصلت إليها رائحة عطره، فرفعت عينيها بلهفة، وجدته يجلس بانتظارها. هل شعرت الأمان الآن؟ نعم، هذا حدث. وجوده أمامها بث بداخلها الشعور بالراحة. حدقت به بصمت، فأشار للضابط مردفاً: تسلم يا حسين. ابتسم إليه الضابط وقال قبل أن يقوم من محله: إحنا تحت أمرك على طول يا باشا، هديكم مساحتكم وهرجع لكم كمان شوية.
انتظر أيوب خروجه، ثم أخذ نفساً بهدوء مردفاً: ها ناوية تروحي معايا وإلا المكان هنا عاجبك وحابة تقعدي فيه كام يوم كده. أعطى إليها تهديداً صريحاً، وبكل صدق خافت. سألته بتوتر: إنت عايز مني إيه بالظبط؟ عايزك. الكلمة كانت صريحة، وقحة، لها رهبة قوية. رفعت عينيها إليه لتري كم هو قوي وكم هي ضعيفة أمامه. من الواضح إنها استخدمت السلاح الخطأ بالحرب معه. بعيون خائفة قالت: طيب ليه؟ مش اتفقنا خلص.
مفيش بينا اتفاقات، أنا عايزك على طول في حياتي وده كفاية. عايزني عشيق أفضى فيها شبابك وأنسى مشاكلك؟ أنا مش كده ومش هكون. جلس على المقعد المقابل إليها ووضع ساقاً فوق الأخرى بهدوء وقال: مش صعبان عليكي نفسك وإنتِ مرمية ما بين المجرمين والحرامية يا دكتورة؟ حدقت به بقهر وقالت: أرحم ليا من إني أبقى ***** في سريرك. حرك رأسه يميناً ويساراً متأسفاً عليها ثم قال:
كنتي بتبقي مبسوطة يا دلوعة، ومع ذلك طالما ده قرارك إنتِ حرة، خليكي هنا. بكت بخوف من العودة للحجز من جديد. رأته يقوم من مكانه متجه باب المكتب. أهو سيرحل ويتركها بهذا المكان بمفردها؟ الفكرة نفسها بثت الرعب بداخلها. تعلقت بيده مثل الطفلة الصغيرة وقالت: أنا خايفة هنا، بلاش تسيبني وتمشي. بداخله شيء اهتز من نبرتها الضعيفة. دار بوجهه إليها ثم جذب جسدها لتبقى بين ذراعيه مردفاً بنبرة خشنة:
مش إنتِ شايفة المكان ده أرحم من حضني بتجري على حضني ليه؟ الآن هي في أصعب لحظات ضعفها، ضائعة وهو طوق نجاتها الوحيد. أغلقت أصابعها على مقدمة ملابسه وقالت: عشان خايفة، خايفة أوي ومعنديش غيرك أستخبى في ضهره. هل هي الآن بلحظة ضعف؟ نعم. إذاً عليه استغلال لحظتها لصالحه أشد استغلال. مرر يده بنعومة على سلسلة عمودها الفقري مردفاً بنبرة خشنة: يبقى ترجعي لحضني يا دلوعة. بقلة حيلة قالت: موافقة. رسمت على وجهه
ابتسامة نصر وقال بهدوء: موافقة على إيه؟ موافقة أبقى معاك. زي ما أنا عايز يا دلوعة. أومأت إليه بضعف وقالت: زي ما أنت عايز يا باشا. شعور باللذة رائع تغلغل بجميع أنحاء جسده. مال عليها أكثر حتى شعر بنفسها المضطرب على ذقنه وقال: هنطلع من هنا على المحامي عشان تتنازلي عن القضية، اتفقنا يا دلوعة؟ انتصاره عليها يستفزها، ولكن التحلي بالصبر الآن أهم شيء حتى تفوز بالخطوة التالية. أومأ إليه بخضوع تام وقالت:
اللي حضرتك تشوفه أنا هعمله. حضرتي؟ أومأت إليه وقالت ببراءة: باحترامك ومش عايزة أعمل أي حاجة غلط تزعلك مني. يشعر ببوادر خطر. دلال شخصية قوية خطيرة وضعفها هذا أكبر دليل على اقتراب كارثة. مسح وجهه بعنقها ثم همس: مش ناوية تبطلي لعب بقي، كل مرة بتطلعي خسرانة يا دلوعة. دلوعة. كم هي كلمة مستفزة تخرجها عن السيطرة. كتمت غيظها وقالت بضعف: مش بلعب، أنا بس خايفة منك وخايفة تزعل مني. شوف إيه اللي يريح وأنا تحت أمرك.
خضوع مفرط يجعلها بمحل شك كبير، ومع ذلك هو مستمتع لأقصى درجة بنظرات ضعفها أمامه الآن. همس بنبرة متحشرجة: طالما حابة تحت أمري يبقى نروح نتنازل، وإلا إنتِ ليكي رأي تاني؟ لأ طبعاً مفيش رأي بعد رأيك، أروح أتنازل وأرجع لجوزي زي أي ست محترمة خايفة على بيتها. لا، لم يقدر على الصمود أكثر. فلتت منه ضحكة قوية قبل أن يمسح على خصلاتها مردفاً: شاطرة. هنمشي؟ امممم هنمشي. سألته بتعجب: طيب والقضية اللي أنا جاية عشانها هنا؟
غمز إليها بمرح يظهر عليه للمرة الأولى وقال: قضية إيه يا دلوعة؟ مفيش قضية؟ تؤ مفيش. آمال أنا هنا بعمل إيه؟ امممم، إنتِ هنا عشان أنا عايزك تبقي هنا. بكلمة مني تخرجي معايا وبكلمة برضو تفضلي العمر كله، فهمتي يا دلوعة الباشا؟ فهمت يا باشا. *** بمنزل أبو الخير.
فتح ناصر باب المنزل مع موعد واجب الإفطار. رفع حاجبه بتعجب، هو يسمع ضجيج يأتي من المطبخ. منذ سنوات ووالدته لا تدلف للمطبخ وتترك هذه المهمة للخدم. اتجه إلى محل الصوت، السيدة زينب وجدها تجلس وأمامها حنين تنفذ ما تطلبه منها، فقالت: أيوة، اسم الله عليكي، مسكة السكينة بتبقى صعبة شوية أول مرة، بعدها هعلمك كل الأكل. عضت حنين على شفتيها بتوتر وقالت: بس دي ناشفة أوي يا طنط. ضحكت السيدة زينب بحنان وقالت:
إنتِ اللي طرية أوي يا حنين. ببراءة ضحكت وأكملت عملها. براءة جعلت ناصر يود أن يتأمل فقط دون أن يفعل صوتاً، فقط يستمتع برؤيتها. سمعها تقول بتوتر: طنط، هو أبيه ناصر مطلق كل الستات دول وعايشين هنا ليه؟ تنهدت السيدة زينب بتعب وقالت: جواز ناصر ده حكاية طويلة يا بنتي. فضولها تحكم بها، فتركت ما بيدها وقالت: أسمعها أنا، مفيش ورايا حاجة وبحب أسمع القصص اللي زي الروايات دي أوي.
كان بيده الدخول الآن حتى ينهي المناقشة، ومع ذلك ظل مكانه يراقب ردود أفعالها ووالدته تحكي. حدقت بها السيدة زينب وقالت: عايزة تعرفي فضول وإلا في حاجة تانية؟ تغيرت معالم وجه حنين وقالت بتوتر: فضول، ولو حضرتك مش حابة تقولي خلاص. أخذت السيدة زينب نفساً عميقاً وقالت:
طول عمره مظلوم وشايل هم الدنيا فوق رأسه. عزة بنت عمه والحاج عتمان الله يرحمه طلب من ناصر يتجوز بنت أخوه عشان تبقى تحت حمايته. ناصر وافق وبعد كام شهر عرفنا إن عزة مش بتخلف. وقتها الحاج عتمان أمر ناصر يتجوز شامية بنت صاحبه عشان تجيب الوريث، بس شامية جابت بنتين، وفي البنت الأخيرة خلص لها نزيف، شالت الرحم وبرضه مجاش الواد اللي الكل عايزه. فتجوز نسمة وجابت مهران. شافه الحاج عتمان ومات.
عينيها ترقرقتا بالدموع على سيرة زوجها الغالي وذكرى وفاته. فقالت حنين بحزن: وطلقهم ليه؟ هنا ضحكت السيدة زينب وقالت: عزة طلبت الطلاق بعد ما عمها مات وناصر وافق وساعدها تكمل تعليم. أما بقى الاتنين التنين، دخل ناصر وشافهم وهما بيترهنوا مين فيهم اللي هتقدر تغريه وينام عندها ليلة طلاق عزة بيحتفلوا يعني، فطلقهم سوا. قصة غريبة عجيبة. قالت حنين بضيق: ابنك ظالم يا طنط. مش عيب لما تقولي على الأكبر منك ظالم يا ست حنين؟
انتفض جسدها على أثر صوته خلفها. حدقت بالسيدة زينب وقالت بخوف: هو ورايا؟ أيوة وراكي. للمرة الثانية تاني الإجابة منه. قامت من فوق المقعد وفرت للخارج بسرعة البرق. توقعت والدته أن يتركها ويدلف إلى المطبخ، إلا أنه سحبها من كفها قبل أن تفر وأخذها لغرفة مكتبه. أغلق الباب عليهما بهدوء فقالت برعب: هو في إيه بالظبط؟ بتجيبي في سيرتي وأنا مش موجود ليه يا حنين؟ عادت خطوة للخلف وقالت بنبرة صوت متقطعة:
مش أنا، دي طنط زينب اللي اتكلمت من نفسها وأنا مالي أساساً، هسأل عليك ليه؟ أشار إليها برأسه وقال ببرود: أنا كنت في القاعدة من أول، طنط هو أبيه ناصر مطلق كل الستات دول وعايشين هنا ليه. كان موجود من البداية. أغلقت عينيها بقوة حتى لا تبكي من كم خجلها وقالت: أنا عايزة أروح لطنط، إنت عايز مني إيه؟ تحدث بهدوء: حياتي كلها ألغاز يا حنين، بلاش الفضول اللي قتل القطة ده، ممكن؟ أومات برأسها سريعاً لعلها تتخلص
من تلك الكارثة وقالت: ممكن طبعاً، ينفع أخرج بقى. ينفع. ركضت للخارج بسرعة البرق لتجد السيدة زينب متجهة للغرفة. دلفت غرفتها وأغلقت الباب عليها. أما زينب دلفت لناصر بجدية قائلة: هي الحكاية إيه بالظبط؟ جلس ناصر على مكتبه وقال بهدوء: حكاية إيه يا ست الكل؟ جلست زينب على المقابل إليه وقالت:
ناصر، أنا مش مرتاحة. البنت ضيفتنا ويبقى عمها أيوب، وغير كده دي عيلة صغيرة وإنت راجل جربت الحريم بدل المرة تلاتة ومعاك عيال. عايزاك تفكر في الموضوع ده بدل المرة ألف عشان ما تخسرش حاجة يا ناصر ولا توقع قلبك في مصيبة هو مش قدها. توتر شيء بقلب ناصر لا يعلم ما هو، فقال بتهرب واضح: إيه الكلام اللي إنتِ بتقوليه ده يا حاجة؟
حنين زيها زي أخواتي البنات بالظبط، ما ينفعش تقعدي قدام الحاج ناصر أبو الخير وتقولي كلام زي ده، هيبقى عيب كبير في حقي وفي حق تربيتك إنتِ كمان. يا ريت كلامك يبقى صح يا ابن بطني. هعمل نفسي مصدقاك وأقول إن عيني أول مرة تكذب. مش هنفطر وإلا إيه يا حاجة؟ هنفطر يلا، ده حتى الفطار النهاردة من إيد حنين. *** بجناح أيوب بالفندق.
دفعها للداخل بخفة ثم أغلق عليهما الباب أخيراً. يشعر وأنه انتصر بحرب كبيرة. أخذ يقترب وهي تعود حتى وصلت للفراش، فالقى بجسدها عليه ثم خلع جاكيت بذلته. أشارت إليه مردفة: إهدي يا باشا، بلاش تقلع مرة واحدة أحسن تأخد برد. ألقى بالجاكيت فوق وجهها وقال: خايفة عليا وإلا على نفسك؟ كان سؤال وقح من الدرجة الأولى. أزاحت الجاكيت بعيداً عنها وقالت: وده سؤال طبعاً، خايفة على نفسي.
نظرات الغدر كانت بعينيه واضحة. يبدو أن ما مرت به أسهل بكثير مما هو قادم. جذبها بقوة لتقف أمامه وقال: لما إنتِ جبانة بتلعبي معايا ليه؟ إسمها بدلعك عليك، ليه. رفع حاجبه بسخرية مردفاً: لأ والله؟ أومأت إليه بدلال مفرط وبدأت يدها باللعب بشعر صدره الظاهر من قميصه مردفة: أه والله، قولي كده بتدلعي عليا ليه يا دلال وأنا أجاوب على طول زي الشاطرة.
أين هو ليقول أو ليفعل، فهو مغيب بالفعل، مغيب لا يشعر ولا يسمع أي شيء من حوله سوى لمساتها المهلكة عليه. فقال: بتدلعي عليا ليه يا دلال؟ ابتسمت بنعومة وقالت: مش أنا دلوعة الباشا، يبقى أدلع براحتي، وإلا إنت رأيك إيه؟ إتعلمتي إمتى قلة الأدب يا دلال، ده إنتِ من كام يوم بس كنتي قطة مغمضة. رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تقول ببراءة: عاشرت يا باشا، مش ده كفاية؟ مرر أحد أصابعه على بشرتها الناعمة وقال: كفاية أوي يا دلوعة الباشا.
من البداية تركها تلعب كما تريد، أما الآن يكفي هذا القدر، جاء دوره ليمسك زمام الأمر. أغلق يديه حول وجهها ثم أخذها إليه. خبير لدرجة تجعلها تتحرك بين يديه متى يشاء وكيف يشاء، وقد كان. انتهى ليضع ظهره على أرضية الغرفة بجوارها. أغلق عينيه حتى يأخذ أكبر قدر من المتعة، ليصل إليه صوت تنهدتها الطويلة. فقال فجأة: خالد قرب منك كام مرة؟
تجمدت بمحلها. ظل عقلها أكثر من خمس ثوانٍ يستوعب إنه سألها هذا السؤال بالفعل. كتمت أنفاسها ومع ذلك ظلت دقات قلبها سريعة. نظرت إليه مردفة: إنت بتقول إيه؟ فتح عينيه التي بها الكثير من التصميم ثم اعتدل بجلسته وعدلها هي الأخرى مردفاً بقوة: بقول اللي سمعتيه ومستني منك رد. خالد لمسك كام مرة؟ سؤال مخجل بشع. جذبت الشرشف من فوق الفراش وغطت به جسدها ثم حاولت القيام إلا أن يده القوية منعتها، مردفاً: دلال.
دلال إيه، بجد عيب اللي إنت بتقوله ده، إزاي تقولي حاجة زي دي؟ قولتك إيه، ده سؤال وإجابته أكيد عارفها، فأخلصي قولي. مستفز، وقح، لعين. لم تجد أمامها أي طريقة للفرار غير الجواب، فقالت وعينيها بالأرض: مرة واحدة. ربما كان يشعر بالإجابة قبل أن تقولها. كان فقط يريد جواباً يؤكد إليه ما يعيشه ويحس به وهي بين يديه. شعور عجيب بالراحة دلف لقلبه. منتشٍ لدرجة عجيبة، فابتسم قائلاً: كنت حاسس وعايز أتأكد. دفعته بعيداً عنها مردفة بغضب:
حاسس بإيه يا قليل الأدب؟ إنت أبعد عني. قرص أنفها بقوة وقال: هااا نحترم نفسنا وإلا شكل نفسك تقعدي يومين تلاتة على البرش. نفت بحركة سريعة من رأسها وقالت: لأ لأ خلاص، هبقى محترمة، بس بلاش السيرة دي. وضع قبلة حنونة أعلى خصلاتها وقال: شطورة، يلا قومي إستحمي وتعالى عشان تعمليلي عشا من إيدك الحلوين دول. لم تقدر على التحكم بنفسها أكثر وقالت: إنت فاكرني خدامة عندك وإلا إيه؟ ما تحترم نفسك بقى. غمز إليها بوقاحة وقال:
والله ما حد عايز يحترم نفسه غيرك، إتلمي يا بت بدل ما أرجع على البرش. حضرتك تحب أعملك غدا إيه؟ صينية بطاطس بالفراخ مع طاجن رز معمر بالقشطة. ها؟ قالتها بذهول غير مصدقة أن أيوب رسلان يطلب مثل ما قاله. فاوما إليها مردفاً: ها إيه؟ مش عارفة تطبخي؟ أجابت بتلقائية: لأ عارفة. ابتسم إليها مردفاً: ما أنا عارف إنك عارفة، يلا مش معاكي إلا ساعة وتكوني خلصتي.
الحل الوحيد أمامها الآن الذهاب من أمامه لسببين، الأول حتى لا تمسح به الأرض، والثاني حتى لا يعود بها للسجن. لفت الشرشف حول جسدها وانسحبت بهدوء. ضحك بخفة مستمتعاً ثم ألقى بجسده على الفراش. دقيقة ورن هاتفه برقم عزيز على قلبه. "السيدة فوزية رسلان" عمته الحبيبة، والدته التي تربت على يديها. فتح الخط وقال بابتسامة: فوزية هانم بنفسها بترن عليا، ده إيه الهنا اللي أنا فيه ده؟ أجابته بصوتها الحنون وقالت:
مش هرن عليك بس لأ، ده أنا نازلة لك مصر مخصوص. اعتدل أيوب بجلسته وقال بقلق: في إيه يا عمتي؟ إنتِ كويسة وإلا الحلوف اللي اتجوزتيه على كبر ده عملك حاجة؟ قالت فوزية بصرامة: ولد احترم نفسك، ده عمك عبد الله ده عوض ربنا ليا. بغيظ طفل صغير قال: ولما هو كدة جاية تعملي إيه عند أيوب الشرير؟ طيارتي بكرة الساعة 9، لما أوصل هتعرف جاية ليه يا تربيتي الفاسدة. *** صباح اليوم التالي.
دلف أيوب لمكتبه وجد دلال تجلس على مكتبها. أشار إليها بالقدوم خلفه ثم تابع خطواته للداخل. زفرت بحنق وقامت من فوق مقعدها مردفة: إمتى ييجي اليوم اللي أقدر فيه أديك بالجزمة؟ دلفت خلفه فالقى عليها جاكيت بذلته ثم أشار لها أين تعلقه. نفذت ما أمرها به ثم قالت بهدوء: أجيب لحضرتك القهوة بتاعتك يا فندم؟ إقفلي باب المكتب بالمفتاح وتعالى، والمفتاح في إيدك. بلعت ريقها بخوف وتمنت لو تقدر على الهروب من أمامه، ولكن إلى أين ستذهب؟
مهما فرت سيأتي بها. اللعنة عليها وعلى رأسها التي خططت حتى تقترب منه. أغلقت باب المكتب بالمفتاح فقال: تكة كمان معلش لزيادة الأمان. ارتجف كفها ودارت بالمفتاح تكة مثلما قال ثم سحبت المفتاح واقتربت منه. فمد يده ليأخذه منها ووضع بأحد الأدراج مردفاً: ها قولتي أجيب لحضرتك قهوة مش كده؟ أيوة يا فندم. هو حضرتك كان فطر عشان يشرب قهوة؟ أخذ نفسها بارتياح أخيراً. أهو فعل كل هذا من أجل وجبة الإفطار. رسمت ابتسامة
هادئة على وجهها وقالت: تحت أمرك يا فندم، ثواني والفطار هيكون جاهز. مد يدها لتأخذ المفتاح، فكان الأسبق عندما أزال كل ما فوق المكتب ووضع جسدها محله. شهقت بتوتر ليضع أحد أصابعه أمام شفتيها مردفاً بتحذير: مش عايز أسمع صوت لو أي حد معدي من قدام المكتب يقول علينا بنعمل إيه؟ بلعت ريقها ثم رفعت كفها لتضعه أمام صدره مردفة: إهدي كدة، مالك في إيه؟ حرك رأسه بقلة حيلة وقال:
بقيت متحـرش يا دلال، من وقت ما شوفتك وأنا أكتر حاجة بحبها في حياتي أتحرش بيكي. اتسعت عينيها من وقاحته وقالت: يا فندم اللي حضرتك بتعمله ده غلط، إحنا في مكان شغل. متخافيش يا دلوعة، الباب مقفول ومفيش في الأوضة إلا أنا وإنتِ وقلة الأدب. ما هذا؟ ما هذا حقاً؟ كيف تحول الرجل الوقور إلى هذا المراهق التي تسرح يده هنا وهناك؟ وضعت كفها على يده تمنعه من الحركة وقالت بتوتر: إنت عايز إيه دلوقتي؟ عايز الحقيقة وإلا الكذب.
قول أي حاجة بس قومني من هنا، أعصابي باظت. ابتعد عنها قليلاً وقال بعتاب: الكذب إني صحيت من النوم لقيت مراتي مش في حضني، نزلت حتى من غير ما تحضر ليا الفطار. أما الحقيقة بقى، إني من وقت ما جربت الأرض مبارح هموت وأجرب المكتب ده. اتسعت عينيها بذهول، ذهول انتفض جسدها على أثره قبل أن تقول: إنت فاكرني إيه بالظبط يا قليل الأدب يا سافل. إيه يا بت إنتِ مراتي، إظبطي نفسك كدة وتعالى في حضني يلا.
ده بعينك، لو قربت مني خطوة كمان هصوت وهلم عليك كل الموظفين وقال المدير بيحاول يغتصبني. رفع حاجبه بمعنى حقاً، ثم اعتدل قائلاً ببرود: وماله، شكلك حابة تنامي على البرش النهاردة. تعلقت بيده قبل أن يتحرك وقالت برجاء: لأ لأ استنى بس نتفاهم، مالك خلقك ضيق وبتتعصب بسرعة كدة ليه؟ ابتسم إليها بسخرية مردفاً: إرغي. يا أيوب باشا، حضرتك راجل محترم وليك مكانتك في البلد، مينفعش كل شوية تهدد المدام بتاعتك بالبوليس، ده مش أسلوب.
رد عليها بهدوء: ما أنا قولتلك من الأول بلاش ندخل الحكومة بينا وإنتِ اللي صممتي يا دلوعة، أنا ذنبي إيه؟ بقلة حيلة قالت: حقك عليا، عيلة صغيرة وغلطت. ابتسم إليها مردفاً: ماشي خلاص، المسامح كريم، تعالي بقي. جذبها بقوة لتقول: يا جدع أهمد بقي فرهدتني. إنتِ اللي بتفرهدي نفسك وأنا كده كده اللي في دماغي هعمله. وهل لديها خيار سوى الاستسلام؟ لا والله، هذا خيارها الوحيد. بعد فترة ابتعد عنها مردفاً:
يخرب بيتك، لعنة، كل ما أقرب منك بزيد جنون مش برتاح. طرق أحد على باب المكتب لتنفض برعب مردفة: يا لهوي، روحت في داهية. نظر إليها بغضب: داهية إيه يا مجنونة، هو أنا مصاحبك؟ قومي البسي هدومك عادي. رد على الطارق بهدوء: مش فاضي دلوقتي، غور روح شوف شغلك. ارتدت ملابسها وهي لا تصدق ما تعيشه على يده، ليغمز إليها مردفاً: حلوة الأجواء مش كده؟ الصمت أفضل الحلول الآن. انتهى من ارتداء ملابسه وعاد بقل من ثانية لأيوب رسلان مردفاً:
ألغِ لي كل مواعيدي النهاردة، عندي حاجة أهم دلوقتي. قالها وسحب المفتاح من على الأرض ثم فتح باب المكتب وذهب. حركت رأسها بتعب وقالت: إيه المصيبة اللي أنا وقعت نفسي فيها دي؟ كان عقلي فين وأنا بفكر إن بني آدم زي ده ممكن يقع فيا وأقدر آخد حقي منه؟ بجد مني لله. *** بحديقة المشفي. اقترب مصطفى من محل جلوس زوجة آدم. حمحم بهدوء وقال: ممكن نتكلم شوية يا مدام جهاد؟ رفضت النظر إليه وقالت:
إيه الكلام اللي ممكن يبقى بينا يا أستاذ مصطفى؟ تنهد بتعب وقال: أنا عارف إن حضرتك دلوقتي مش عارفة تفكري صح، خصوصاً إنك ما كنتيش متوقعة من جوزك حاجة زي اللي عملها. حنين مش أول ضحية يا مدام جهاد، هي الأخيرة مش أكتر. تود البكاء ولكنها عاجزة عنه. أخذت نفسها بثقل وقالت: بتقولي الكلام ده ليه؟ القضية دي أنا مش هقدر أفيدكم فيها بحاجة. لازم آدم هو اللي يفوق ويقول قراره، يعني الكلام معايا مش مهم.
عارف إنك مش بإيدك حاجة في القضية، أنا بتكلم معاكي عشان شايف إن محدش من أهلك موافق يقف جنبك خصوصاً بعد اللي عمله جوزك، ومع ذلك إنتِ مصممة تفضلي واقفة جنبه لحد ما يفوق. يمكن جواكي شك وعايزة تتأكدي منه، ويمكن حاجات كتير أنا ما أعرفهاش. لكن اللي حابب أقوله لك إن وقتك وعمرك بيضيعوا مع الراجل ده على الفاضي وإنه ما يستاهلش ست زيك. رفضت سماع المزيد، قامت من مكانها وقالت: عن إذنك. ذهبت وتركتنه، فمسح على خصلاته بضيق مردفاً:
وبعدين بقى، شكل دماغها ناشفة ومش هعرف أدخل لها بالساهل. *** بقصر رسلان. دلف أيوب بخطوات سريعة فقالت إليه الخادمة دون أن يسأل: فوزية هانم في أوضة السفرة مستنية حضرتك. أومأ إليها وذهب لغرفة الطعام. وجدها تجلس على المقعد المجاور لمقعده، فاقترب منها مردفاً بقلق: بقي إسمه كلام؟ أروح المطار في الميعاد المتفقين عليه سوا أعرف إنك مشيتي. جيتي لوحدك ليه؟ ضمته إليها بشوق كبير لتبادله العناق بنفس الاشتياق، حتى ابتعدت عنه مردفة:
إيه قلة الذوق اللي إنت فيها دي؟ بقى هي دي حمد الله على السلامة يا عمتو؟ بعدين أنا مش جاية لوحدي، أنا معايا مرات الغالي. جلس أمامها بتعجب وقال: مرات الغالي مين؟ أوعي تقولي إنه اتجوز عليكي، أنا قولت لك من الأول ده واطي ما رضيش تسمعي كلامي. احترم نفسك يا قليل الأدب، أنا جوزي سيد الرجالة وراح يقعد يومين عند أهله في الصعيد. اللي معايا مرات الغالي اللي اتخطف من غير ما أخده في حضني. مين دي؟
قالها بشك انتهى باليقين بنفس اللحظة عندما قالت فوزية بصوت عالٍ: تعالي يا دلال. بكل براءة الدنيا دلفت دلال لتقول فوزية: أعرفك يا أيوب على دلال مرات خالد الله يرحمه. *** أستغفروا الله لعلها تكون ساعة استجابة ♥️ *** أنا شوفتك بعيني معاها على سريري. أومأ إليها بخفة وخرجت نبرته قوية: مهو سريري أنا كمان يا زينب، من حقي أستضيف عليه أي حد. هذا الرجل يقودها للجنون، مشاعره جافة وقلبه من حجر. ارتجف جسدها يبلغها بقدوم دموعها،
لتصرخ بقوة: بطل استفزاز، اللي عملته ده اسمه خيانة وأنا لا يمكن أسمح بيها. حك مقدمة عنقه ثم اقترب من الفراش ليأخذ بنطلونه الأسود يرتديه وهو يجيبها: أخص عليا بجد خنتك، خلاص خليكي أحسن مني وعديها المرة دي وخذيها وعد مني المرة الجاية هدخل بيها في أوضتي القديمة يا ستي. لأزم تعرفي إن أنا أهم حاجة عندي مشاعرك يا زينب. يعني بالنسبة لك المشكلة في المكان، الوضع نفسه عادي؟
ما هو إنتي عارفه إني بتاع ستات وقبلتي بيا، عمالة تجري ورايا في كل حتة وأنا قولت يا واد اديها فرصة يمكن تعجبك، لكن مش قادر، القبول ده من عند ربنا. رفعت رأسها إليه بالكثير من الثقة وقالت: وهي فين الفرصة دي؟ جبرت بخاطر كل الستات اللي تعرفها، حتى الخدم، وأنا مش موافق تقرب مني. تحدثت إليه بملامح بريئة وعينيها بهما الكثير من الرجاء. للحظة ضرب حديثاً بعقله، لما يقترب من أي امرأة إلا هي؟
رفع وجهها إليه بأحد أصابعه وعينيه للمرة الأولى تتأمل ملامحها، يشعر بحلاوتها، فهمس بنبرة خشنة: تفتكري لو لمستك هبقى مبسوط وحاسس بحاجة مختلفة؟ لا يعلم إذا كان يوجه هذا السؤال لنفسه أم لها، إلا أنها تعلقت بعنقه وقالت ببراءة: أيوة والله العظيم صدقني، أنا خبرة. إنت إيه؟ خبرة. وبتقوليها تاني؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!