تحميل رواية دلال حرمت على قلبك بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
الفصل 21 — رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
أمام يخت عملاق بمدينة الساحل كانت تقف، كبرت دلال عام أخر وتعلمت به الكثير وعانت به أكثر وأكثر، زادت جمال وأصبحت أكثر أنوثة وخبرة بحياة النساء، خلعت ثوب البراءة والآن انطبع عليها إسمها وأخذت منه كل صفاتها. "دلال" إسم على مسمى صاحبة جمال مميز نادر، بشرة سمراء ناعمة بها لمعة الماسية، عيون واسعة تزينها بكحل يتبروز من حولها، عدسات بلون غريب بين الأزرق والأخضر تخفي خلفها لونها البني الداكن، خصلات بنية طويلة مموجة جعلتها مثل أحدي البطلات الكرتونية. خلفها حقيبة متوسطة الحجم بها القليل من الملابس، وبجوار...
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء سعيد
لم ينتظر للصباح، يود أن يراها الآن وينام بين أحضانه. دلف لقسم الشرطة ومنه لغرفة الضابط. سقط قلب العسكري أرضًا أول ما وقعت عيناه على أيوب. وقف أيوب أمام الباب وقبل أن يفتح قال العسكري:
_ رايح فين يا باشا؟
ألقي عليه نظرة تقييمية ثم قال:
_ خليك في حالك.
دلف الغرفة، من هنا وسقط قلبه أرضًا من هنا. أين دلال؟
وجد ضابطًا آخر فقال بغضب:
_ مراتي فين؟
رفع الآخر حاجبه وقال:
_ أنت مين سمحلك تدخل من غير إذن ومراتك مين؟
من زوجته؟ سيأخذ روحه الآن. أقترب منه وسحبه من عنقه بقوة مردفًا:
_ مرات أيوب رسلان فين؟
دلف العسكري وقرر إنقاذ نفسه فقال برعب:
_ حضرة الظابط أول ما دخل طلب مني أدخلها الحجز يا باشا وأنا مقدرتش أقول لأ.
يا الله، للمرة الثانية لم يقدر على حمايتها. جن جنونه فالقي بالضابط بعيدًا عنه ثم قال للعسكري:
_ وديني ليها.
أمام أيوب رسلان لا توجد كلمة لا. أخذه العسكري مثلما أمره. أما الضابط قال بضياع:
_ وديت نفسي في داهية عشان شوية فلوس، الله يخرب بيتك يا جومانة.
بخطوات سريعة بها الكثير والكثير من الخوف وصل أيوب أمام الباب. أشار للعسكري بفتحه ليشعر الآخر بزيادة الكارثة. فتح الباب وفر بالمعني الحرفي للكلمة. فر ليدفع أيوب الباب ويدلف إليها.
دلال على الأرضية وسط دائرة مرعبة من الدماء. لحظة تم بها سحب روحه من جسده بكل قسوة. نزل لمستواها هامسا بضياع:
_ دلال.. أين دلال؟
وجه شاحب بها الكثير والكثير من الضربات والدماء. كفها على بطنها كأنها تعطي لصغيرها العناق الأخير. دمعة واضحة من عينها اليسرى تثبت بها كم معاناتها وما مرت به بمفردها بالساعات الأخيرة. ظهرها يعلن له إنها انتهت وهو انتهى معها. رعب ما يراه الآن رعب. أخر ما كان يتخيله أن يحملها غارقة بدمائها بين يديه ويخرج بها. دقيقة واحدة وتم نقلها للمشفي تحت حراسة مشددة من رجال الشرطة وهو معها.
وصل المشفي وجد مصطفى بانتظاره. كيف أتى أو من أين علم لا يعلم. كانت بين أحضانه أنفاسها ضعيفة. أصبح على يقين أن صغيره رحل عن عالمه قبل أن يراه. وضعها على فراش متحرك ثم وقف أمام الغرفة بضياع. يتمني لو يقدر على البكاء، لكن منذ متي وأيوب رسلان يبكي؟
أختفت من أمامه ليضرب الحائط بجواره بقوة. أقترب منه مصطفى مردفًا:
_ أهدي يا باشا إن شاء الله هتبقى كويسة وكل اللي كان له يد في اللي حصل هيتحاسب.
من له يد؟ لو قتل العالم لن تنطفي ناره. عاجز عن قول شيء لا يعلم إذا كان صامتًا برضاه أم الصدمة فقدته صوته. يريد الصراخ الانهيار وغير قادر. جسده يخونه ويعلن قرب سقوطه. شعر به مصطفى فسحب مقعدًا سريعًا وجعله يجلس عليه مردفًا بقلق:
_ أيوب أنت كويس؟
أخيرًا خرج صوت أيوب الضائع:
_ بموت أنا روحي بتطلع.
اعتد على الوقوف بظهر الجميع. دفن والده ورائه زوجته بعدها شقيقه وكان بكل هذا وتد لا يميل. الآن لا يقدر حقًا لا يقدر. أغلق عينيه بتعب يزيد عليه فقال مصطفى:
_ كده غلط. لما الحرس كلمني وقالي حالتك وأنت طالع بيها من القسم أنا مصدقتش. هي بتستقوى بك يا أيوب.
نفى أيوب بثقل وقال:
_ أنا اللي بستقوى بيها يا مصطفى.
خرج الطبيب من غرفتها ليقف بعيدًا خائفًا. لا يود سماع كلمة تحرق قلبه. ضغط على أسنانه بقوة يرقب وصول صوت الطبيب إليه ومع ذلك وصل:
_ للأسف فقدنا الجنين.
يا الله ما أبشع تلك الجملة. حلمه المنتظر انتهى اليوم. ابنته الجميلة رحلت قبل أن يضمها بصدره ويغرقها بحنانه. دلال كيف حال دلال؟ وصل لمرحلة يرفض بها السؤال عنها لن يتحمل أكثر. فقال مصطفى بدلاً منه:
_ ومدام دلال عاملة إيه؟
أجابه الطبيب بهدوء:
_ حالة الرحم مش وحشة، تقدر بعد كده تخلف عادي. لكن هي جسديًا متعرضة لعنف شديد وفقدت دم كتير. إحنا أدينا لها كيس ولسه محتاجين.
مع معرفته بأنها ما زالت على قيد الحياة ردت به الروح. قام من محله مردفًا بلهفة:
_ أنا O سالب. خد مني إللي أنت عايزه المهم إنها تعيش تفضل تتنفس.
بعد مدة كان تم سحب منه نص كيس من الدماء وقالت الممرضة:
_ إحنا هنديها شوية دول على ما تتصرفوا.
_ خدي الباقي مني.
رفضت بهدوء:
_ مينفعش طبعاً يا أستاذ عشان ننقذ مريض أضحي بشخص تاني.
لو أخرج نيرانه عليها سيطلع بروحها الآن. صرخ بغضب مردفًا:
_ خليكي في حالك ونفذي المطلوب منك بس خدي كل الكمية اللي هي محتاجاها ولو عايزاني أمضي لك على أي حاجة همضي.
تعجبت المرأة، منذ متى ورجل يضحي بحاله من أجل امرأة مهما كانت من هي؟ حركت رأسها بهدوء وقالت:
_ وماله أنت حر، هكمل باقي الكيسين من حضرتك.
***
بقصر رسلان.
قالت جومانة عبر الهاتف للضابط:
_ أنت اللي غبي، مين قالك تظهر نفسك في الصورة؟ والعسكري اللي معاك أغبى منك. كل ده ميخصنيش في حاجة طالما سقطت وأنت أخدت فلوسك وزيادة. تنسى رقمي ومترنش عليا تاني ده عايز تفضل قاعد على كرسيك يا حضرة الظابط.
صرخ الآخر بجنون:
_ كرسي إيه؟ هو أنتِ فاكرة إن أيوب رسلان هيسيبني أفضل قاعد على الكرسي؟ أنا مش هقع لوحدي يا مدام جومانة وهتبقي معايا.
مسحت على وجهها بقلق ثم قالت بقليل من الهدوء:
_ وأنت مين اللي قالك يا غبي إن أيوب هيعملك حاجة؟ أنت ظابط جيت لقيت متهمة دخلتها الحجز. لكن لو عرف إنك مرتشي وكنت قاصد تدخلها الحجز مش بس هيقومك من على الكرسي ده هيشيلك من الدنيا كلها.
دقة خفيفة على باب الغرفة جعلتها تغلق معه الخط سريعًا. فتحت لتري أمامها حنين فقالت بتعجب:
_ حنين رجعتي إمتى؟
هل من كل عقلها كانت تنتظر عناق؟ يا لكِ من حمقاء يا حنين. ابتسمت بسخرية ثم دفعت باب الغرفة قليلاً لتدلف مردفة:
_ من ساعة.
_ ومجيتيش في حضني أول ما وصلتي ليه؟
_ كنتي وقتها بتتكلمي على التليفون سبتك تخططي وتعملي مؤامرات براحتك ودخلت غيرت هدومي ورجعت لك تاني.
عقدت جومانة حاجبيها بتوتر واضح مردفة:
_ أخطط؟
أومأت إليها بتعب وقالت:
_ ليه كده يا مامي؟ ليه دايما عايشة في جو العصبات والتخطيط؟ ليه مفيش في قلبك رحمة ولا حتى خوف إن اللي بتعمليه يترد لك في ولادك؟ بدل ما أنتِ بتضيعي عمرك ووقتك على حاجات فاضية كنتي اهتمي بيا أنا وأخويا يمكن كنا طلعنا لك ذرية صالحة بدل ما ضيعنا إحنا الاتنين.
آخر ما تريده الآن هي المواجهة مع حنين. أخذت نفسها وقالت بحنان:
_ أنا مش فاهمة منك حاجة يا حنين. أنتِ أعصابك تعبانة. من رأيي يا حبيبتي تروحي لدكتور تاني غير آدم.
صرخت حنين بغضب:
_ دكتور تاني غير آدم؟ ويا ترى بقى المرة دي هتخليه يعمل فيا إيه؟ يصورني وينزلني على النت الكل يتفرج وتقسموا انتوا الاتنين الأرباح مع بعض؟
اتسعت عين جومانة بذهول مردفة بغضب:
_ أنتِ بتقولي إيه يا قليلة الأدب. شكلك فعلاً مجنونة ومحتاجة مصحة تعلمك تبطلي تخاريف اللي تطلع منك دي.
فلتت منها ضحكة ساخرة قبل أن تقول:
_ المصحة دي محدش محتاج يعيش الباقي من عمره فيها غيرك. على فكرة يا مامي الأيام اللي فاتت دي اتعلمت فيها حاجات كتير أوي وأولها إنك ست وحشة ممكن تبيعي نفسك عشان الفلوس ده إذا مكنتيش بعتي أصلاً. عايزاكي تحضري نفسك لأن النهاردة هيبقى آخر يوم ليكي في البيت ده. أنا هقول لعمو أيوب كل حاجة قذرة أنتِ عملتيها ووقتها شوفي هيعمل معاكي إيه. زمان كان بيعمل حساب ليا أنا وخالد دلوقتي خالد راح وأنا ليا مزاج أشوفك بتتعذبي زي ما كنتي تتفرجي عليا وأنا بتعذب ومبسوطة.
جن جنون جومانة. لم تتوقع أبدًا أن تصل حنين بيوم من الأيام لتلك الحالة من القوة. يستحيل فهي لعبتها التي تحركها لصالحها كما تشاء. إذا نطقت تلك الفتاة بكلمة واحدة ستنتهي من حياة أيوب إلى الأبد وهذا ما لم تسمح به. بلحظة جنون تحكم بها شيطانها وضعت يديها حول عنق ابنتها مردفة:
_ لسانك لو خرج بره بوقك مش هتردد لحظة واحدة إني أموتك. مش هتكوني أغلى من اللي قتلته قبلك عشان بس أدخل البيت ده.
اتسعت عين حنين برعب من معنى الحديث. قتلت من حتى تدلف لقصر رسلان من جديد؟ زاد شعورها بالاختناق لتغلق عينيها مستسلمة لتلك النهاية. دفعة قوية لباب الغرفة بعدها دخول رجال الشرطة كانت طوق النجاة.
_ مطلوب القبض عليكي يا مدام جومانة.
***
بمنزل دلال.
دقت عليها خلود للمرة المليون دون أي رد. لم تجد أمامها حلولًا إلا الاتصال على مسعد. وكأنه كان منتظر الاتصال ضغط على الزر مردفًا بلهفة:
_ وحشني أسمع صوتك يا خلود.
هي الأخرى اشتقت، لكن الاشتياق ليس إليه أي محل بحياتها بعد الآن. مسحت على خصلاتها مردفة بتوتر:
_ مش وقت الكلام ده يا مسعد. أنا بتصل بدلال من امبارح ومش بترد عليا. ممكن تيجي توديني قصر رسلان؟
كانت على يقين أن مع سيرة دلال سينساها وتظهر لهفته على دلال فقط. وهنا كانت المفاجأة عندما قال:
_ طالما هشوفك دقايق وأنا عندك.
لم تتحمل أكثر وأغلقت الهاتف بوجهه. ماذا حدث ليريد رؤيتها؟ فهي ظلت أمام عينيه سنوات ولم يشعر بها؟ أخذت نفسها بتعب وقالت:
_ انسى يا خلود وطلعي كل ده من دماغي. المهم دلوقتي دلال. أنتِ ومسعد هيفضل الباب مقفول بينكم حتى لو روحك فيه.
لم تمر دقائق ووجدت الباب يدق. فتحت بلهفة لعلها تكون دلال. وجدته يقف أمامها بابتسامة مشرقة مردفًا:
_ إيه ده يا خلود؟ أنتِ لسه في هدوم البيت. البسي عشان نمشي.
_ هو أنت جيت في دقيقة كده إزاي؟ كنت واقف تحت البيت؟
ببراءة طفل صغير أشار على باب الشقة المقابل لها مردفًا:
_ لأ طبعاً. وأنا إيه اللي هيخليني واقف في الشارع؟ أنا جيت من الشقة دي.
عقدت حاجبيها بتعجب مردفة:
_ وأنت بتعمل إيه في الشقة دي اللي أعرفه إنها فاضية ملهاش صاحب.
بحب يظهر لها لأول مرة ابتسم وقال:
_ وحشتيني يا خلود. ملقيتش قدامي حلول غير إني أجر الشقة دي وأفضل أبص عليكي من بعيد.
لا والله وهذا منذ متى؟ قبل أن يضعف قلبها أغلقت الباب بوجهه وقالت من خلفه:
_ خليك واقف هنا 10 دقايق وأغير هدومي ونمشي.
***
بالمشفي.
مرت عليه الساعات ببطء قاتل. روحه تنسحب من بين ضلوعه مع كل ثانية. أتت فوزية ومعها حنين مع أحد رجاله بعد القبض على جومانة. اكتفت حنين بالبعد بزاوية بمفردها. أما فوزية اقتربت منه مردفة:
_ إيه الحكاية يا أيوب؟ جومانة عملت إيه لدلال؟
وهل صوتها يصل لأيوب من الأساس؟ لا يرى إلا صورتها ولا يسمع إلا نبرتها المدللة باسمه. يقف أمام الجميع جبل وبداخله طفل صغير منتظر والدته حتى يستطيع البكاء بداخل أحضانها. تدخل مصطفى بالحديث:
_ مش وقت الكلام ده يا طنط. حالة أيوب متسمحش بالكلام خالص. لما الدكتور يطلع من عند دلال وتبقى كويسة هنتكلم.
أومأت إليه فوزية وصمتت دقائق أثقل من السنوات. خرج بعدها الطبيب بهدوء مردفًا:
_ الحمد لله المدام بقت بخير. سيطرنا على النزيف ونضفنا الرحم. بس هتفضل في العناية الـ 24 ساعة الجايين تحسبًا لأي تغيير.
يود أن يراها الآن ولن ينتظر دقيقة أخرى. تحرك أمام الجميع بخطوات غير متزنة ثم قال:
_ عايز أدخل لها.
نفى الطبيب بهدوء مردفًا:
_ مش هينفع دلوقتي يا باشا. لما تتنقل لأوضة عادية هيبقى أحسن لها.
لا وألف لا. حدق بمصطفى بضياع كأنه ينتظر منه المساعدة. منذ متى وأيوب ينتظر المساعدة من أي؟ لا يعلم ولا يهمه الأمر فقط يرغب بضمها. تدخل مصطفى بهدوء مردفًا:
_ الباشا هيدخل يشوف مراته. القيامة مش هتقوم يعني.
كانت نبرة تحذيرية صريحة جعلت الطبيب يحرك رأسه مرغمًا:
_ ماشي يا باشا تقدر تدخل تشوف المدام بس يا ريت تبقوا 10 دقايق مش أكتر.
بلهفة طفلة صغيرة وافق. ذهب مع الممرضة بخطوات سريعة يعد حاله للدخول وبعدها دلف. أغلقت الممرضة الباب عليهما. تقدم يقترب منها بخطوات ثقيلة. دلوعته نائمة لا حول لها ولا قوة. أسلاك متعلقة بجسدها هنا وهناك. محلول متصل بيدها. جر قدميه جرا ليقف أمامها.
شاحبة تتألم حتى وهي نائمة. رفع كفه المترجف على خصلاتها وقال:
_ أنا آسف.
نطق بها من هنا وانفجر بالبكاء من هنا. سقط قناع الجمود وحان وقت الضعف. وضع رأسه فوق كفها الخالي من الأسلاك وظل يبكي. ارتفعت شهقاته وزادت دقات قلبه. أنفاسه تخرج منه بصعوبة وكأنها لحظته الأخيرة بالحياة. تعب ليرفع وجهه إليها. حدق بها بعينيه الحمراء مردفًا:
_ أنا فاشل يا دلال. مقدرتش أحميكي ولا أحمي بنتي، ولا قدرت أحمي خالد وحنين قبل كده. أنا صورة فاضية مفيهاش أي حاجة غير شوية فلوس بيتحركوا. أنتِ خسارة فيا عشان أنا مش الراجل اللي تستحقيه يا دلال. اللي حصلك النهاردة بسببي واللي حصلك زمان بسببي. طول ما أنتِ معايا بتخسري. حبي ليكي لعنة محدش طالع منه خسران وكل حاجة غيرك. افتحي عيونك يا حبيبتي رجعي فيا الروح من تاني. أنا تعبان وخايف لوحدي.
نعم خائف. يشعر إنه طفل صغير ضائع يسير بطرق مجهولة والنهاية واحدة ضياع. وضع قبلة حنونة على كفها وقال:
_ تعرفي أنا اتعودت أدفن كل اللي بحبهم، بس النهاردة كنت هأدفن نفسي. أرحم ليا بكتير من إني أسمع عنك كلمة مش هقدر أسمعها. الحاجة اللي كانت بتربط بيني وبينك راحت. راحت من قبل ما أشيلها وأبوسها. أنا عشت عمري كله وحيد اتعودت على الوحدة لحد ما جيتي أنتِ. مليتي عليا حياتي ورجعتي لي شبابي. لما عرفت إنك حامل فكرت الدنيا ضحكت لي أخيراً بس في اللحظة اللي أنا بكلمك فيها دي عرفت إنها ضحكت عليا ضحكة العمر كله.
شعر بخطوات تقترب فمسح دموعه سريعًا بظهر يده ثم وضع قبلة أخيرة فوق رأسها مردفًا:
_ هتوحشيني يا دلوعة.
دلت الممرضة وقبل أن تطلب منه الخروج أومأ إليها مردفًا:
_ خدي بالك منها.
خرج من الغرفة بقوته المعتادة. وقف أمام مصطفى وقال بقسوة:
_ خليك هنا في المستشفى عايز عينك تبقى في نص راسك. فاهمني يا مصطفى.
_ كل اللي أنت عايزه هعمله بس أنت رايح فين؟
_ أجيب حق مراتي قبل ما تفتح عينيها.
_ مش هسيبك لوحدك.
_ خليك هنا أنا هبقى مطمن وأنت معاها.
_ ماشي يا أيوب خد بالك من نفسك وخلي دايماً موبايلك مفتوح.
_ أكيد هيبقى مفتوح عايز أطمن عليها لحظة بلحظة.
***
بقسم الشرطة.
دلف أيوب لمكتب سيادة اللواء محمد عادل. وقف السيد محمد من محله مرحبًا بوجود السيد أيوب رسلان. مد يده للسلام عليه مردفًا:
_ نورت المكتب يا أيوب باشا.
مد أيوب يده إليه وقال:
_ أنا زعلان وجدًا يا سيادة اللوا ودي حاجة مش حلوة.
حمحم الرجل بهدوء وقال:
_ مين إللي قدر يزعلك وأنا أشيله من على وش الأرض.
جلس أيوب بوقار على المقعد المقابل لمكتب السيد محمد وقال:
_ ظابط عندك هنا اسمه طارق أحمد.
_ عمل لك إيه يا باشا؟
ماذا فعل به؟ كسره وأخذ منه روحه. أبتلع أيوب المرارة بصعوبة وقال:
_ دخل مراتي الحجز واتفق مع كام واحدة جوا فضلوا يضربوا فيها لحد ما سقطت. لو عايز نفضل صاحب، يا سيادة اللواء الكلب ده يلزمني.
حديثه كان به تهديد صريح. وهل أحد يقدر على الوقوف أمام رجل مثله؟ رفع السيد محمد سماعة الهاتف الأرضي وقال:
_ حضرة الظابط طارق أحمد يكون عندي.
أغلق الهاتف وقال:
_ تؤمر بإيه يا باشا وأحنا معاك؟
ابتسم إليه بقوة وقال:
_ إللي أمر بيه هقوله لما يوصل. معايا دلوقتي واحدة ست عايزة تدخل الحجز خمس دقايق.
_ ليه يا باشا؟
_ هتعمل الواجب مع إللي قربوا من مراتي.
أومأ إليه السيد محمد بهدوء ونفذ ما طلبه منه، فأخرج أيوب هاتف وفلاشة ياسمين مردفًا:
_ دول بقي يا سيادة اللواء واجب مني ليك.
دلف طارق بخطوات مرعبة. أول ما وقعت عيناه على أيوب كاد أن يسقط أرضاً. أخذ نفسه بصعوبة وقال:
_ أمرك يا فندم.
تحدث أيوب بقوة:
_ ولا حاجة يا حضرة الظابط، كل الموضوع إنك مفصول عن العمل وتحول للتحقيق.
رغم رغبته قال بغضب:
_ وده بتهمة إيه بقي؟
_ رشوة صح يا سيادة اللوا وإلا أنا برمي عليه تهم بالباطل؟
شعر اللواء بالقليل من الشفقة على طارق إلا أنه يستحق، فهو يعلم جيدًا أن هذا بداية الطريق فقط مع أيوب رسلان. قال:
_ صح يا باشا.
_ عايز أقابل مدام جومانة بعد ما أخدت واجبها في الحجز.
اختفى طارق من أمامه ودقيقة ودلفت جومانة مع العسكري وبيدها الكلبشات. قام اللواء محمد من محله مردفًا:
_ هسيبك معاها براحتك يا باشا.
خرج وعينيه متعلق بها. يشعر بالانتشاء من معالم وجهها المختفية بالدماء أبشع من مظهر دلوعته بكثير ومع ذلك لم يرتاح. يود أن يراها تتألم بنفسه، لا هو يريد أخذ ثأره بيده. اقتربت منه بخوف مردفة:
_ خدني من هنا يا أيوب.
دفعها بأحد قدميه بمنتصف بطنها، ثم قام من مكانه ووضع قدمه على بطنها بقوة مردفًا:
_ كل ضربة كنتي قاصدة بيها تموتي بنتي خليكي تدفعي تمنها أضعاف هنا يا جومانة. عمري إللي راح بسببك زمان حاجة واللي خسرته النهاردة حاجة تانية.
ضغطه عليها كاد أن يأخذ روحها. حاولت أخذ نفسها بصعوبة مردفة:
_ عملت كدة عشان بحبك عشان تبقي ليا ونخلف زي ما كنا بنحلم زمان.
جن جنونه ووضع قدمه على عنقها بنفس اللحظة دلف اللواء مردفًا:
_ أهدي يا باشا.
ابتعد عنها وقال بجبروت:
_ عايزها تبقي لوحدها وهي والكلبة بتاعها إللي مدت أيدها على مراتي يا سيادة اللواء. خليهم الأتنين يعيشوا أجواء أمن الدولة.
أومأ إليه اللواء مردفًا:
_ كل إللي أنت عايزه هنعمل ده حقك بعد التقصير إللي حصل مننا كلنا في حق مدام دلال.
أخذ أيوب نفسه بتعب وقال:
_ وأنا سبت حقي أمانة في رقبتك يا سيادة اللواء. أدهالي مش كدة؟
_ طبعاً يا باشا ده أنت غالي عندي ما أيام أبوك الله يرحمه.
_ الله يرحمه.
***
بمساء اليوم التالي.
تم نقل دلال لغرفة عادية. كانت فوزية بجوارها تقرأ بعض آيات القرآن وحنين تحدق بالشرفة الخارجية للمكان. همهمة بسيطة خرجت منها جعلت فوزية تأخذ نفسها براحة أخيرًا. اقتربت منها حنين مردفة:
_ حاسة بإيه؟
لا تشعر بشيء حقًا لا تشعر. ربما فقدت حاسة الإحساس أو الألم أكبر من قدرتها على الشعور به. همست بتعب:
_ أيوب.
أغلقت فوزية المصحف ثم قالت بحنان:
_ شوية وهيكون موجود يا حبيبتي ارتاحي أنتِ.
سيأتي؟ هل هو تركها بمفردها؟ لا هو وعدها بالبقاء معها وعدها أن تظل بداخل أحضانه. ابتلعت ريقها الجاف بمرارة وقالت:
_ البيبي كويس صح؟
من حظه الأسود إنه وصل لباب الغرفة على سؤالها. وقف عاجز غير قادر على المواجهة. كيف يقف أمامها وماذا يقول؟ فتح الباب بهدوء ثم قال:
_ عايز أبقي معاها لوحدنا.
هدوءه بحد ذاته مرعب خصوصًا بعد اختفائه من أمس. انسحبت حنين بلا كلمة أما فوزية وقفت أمامه مردفة بقلق:
_ بيبي إيه إللي هي بتتكلم عنه يا أيوب؟
لا المكان ولا الزمان يسمح بهذا السؤال. أشار لعمته على باب الغرفة:
_ بعدين يا عمتو بعدين نبقي نتكلم.
خرجت فأقترب منها بخطوات ثقيلة ثم جلس بالمقابل إليها على الفراش مردفًا:
_ حمد لله على سلامتك.
نبرته عجيبة نظراته غريبة تشعر بشيء مريب قاسي ولا تعلم ما هو. حاولت الاعتدال فقام بمساعدتها ثم قال:
_ هااا مرتاحة كدة؟
أومأت إليه بترقب مردفة:
_ الحمد لله مرتاحة.
_ طيب الحمد لله.
_ أيوب هو في إيه أنا خايفة.
حرك رأسه بابتسامة هادئة وقال:
_ لأ متخافيش كل حاجة خلصت وكل اللي أذاكي حتى لو بكلمة دفعت التمن أضعاف. أنتِ دلوقتي في أمان يا دلال.
به شيء يجعل قلبها يشعر بالخوف يزيد أضعاف. وضعت كفها على بطنها وقالت بأمل:
_ البيبي كويس صح؟ أنا فضلت طول الوقت حاطه إيدي عليه عشان مفيش أي ضربة تنزل عليه حميته وأنا متأكدة إنه في أمان مش كدة؟
لا يوجد لديه ما يريح قلبها لذلك أقترب منها أكثر ومسح على خصلاتها بحنان مردفًا:
_ ضربوكي جامد؟
ها هي الآن أمامه مثلما تمنت. فتحت ذراعيها إليه وعينيها متعلق بها الدموع. فهمها فأقترب منها أكثر ووضع رأسها على صدره. بكت بحرقة تخرج كل ما عاشته من خوف مردفة:
_ بعد ما الظابط الطيب مشي جه ظابط تاني شرير وصمم ينزلني الحجز. كنت خايفة أوي يا أيوب وأول ما دخلت لقيت ناس شكلهم غريب قربوا عليا وشتموني ولما جيت أتكلم راحوا ضربوني. الضرب كان بيوجعني جامد فضلت أنادي عليك بس أنت مسمعتنيش ولا جيت. كنت خايفة أوي من غيرك يا أيوب.
يا الله كم يود البكاء الآن ولكنه بكل أسف لم يقدر. وضع عدة قبلات معتذرة فوق رأسها مردفًا:
_ اشششش خلاص كل ده خلص وأنتِ دلوقتي في حضني وفي أمان.
ابتعد عنه قليلاً وقالت بابتسامة متعبة:
_ مش مشكلة طالما ابننا بخير أنا مش زعلانة.
ضم وجهها بين يديه مردفًا بحنان:
_ ابننا بخير يا دلال بس مش هيبقى معانا.
_ آمال هيبقى فين؟
_ عند ربنا.