لم ينتظر للصباح، يود أن يراها الآن وينام بين أحضانه. دلف لقسم الشرطة ومنه لغرفة الضابط. سقط قلب العسكري أرضًا أول ما وقعت عيناه على أيوب. وقف أيوب أمام الباب وقبل أن يفتح قال العسكري: _رايح فين يا باشا؟ ألقي عليه نظرة تقييمية ثم قال: _خليك في حالك. دلف الغرفة، من هنا وسقط قلبه أرضًا من هنا. أين دلال؟ وجد ضابطًا آخر فقال بغضب: _مراتي فين؟ رفع الآخر حاجبه وقال: _أنت مين سمحلك تدخل من غير إذن ومراتك مين؟ من زوجته؟
سيأخذ روحه الآن. أقترب منه وسحبه من عنقه بقوة مردفًا: _مرات أيوب رسلان فين؟ دلف العسكري وقرر إنقاذ نفسه فقال برعب: _حضرة الظابط أول ما دخل طلب مني أدخلها الحجز يا باشا وأنا مقدرتش أقول لأ. يا الله، للمرة الثانية لم يقدر على حمايتها. جن جنونه فالقي بالضابط بعيدًا عنه ثم قال للعسكري: _وديني ليها. أمام أيوب رسلان لا توجد كلمة لا. أخذه العسكري مثلما أمره. أما الضابط قال بضياع:
_وديت نفسي في داهية عشان شوية فلوس، الله يخرب بيتك يا جومانة. بخطوات سريعة بها الكثير والكثير من الخوف وصل أيوب أمام الباب. أشار للعسكري بفتحه ليشعر الآخر بزيادة الكارثة. فتح الباب وفر بالمعني الحرفي للكلمة. فر ليدفع أيوب الباب ويدلف إليها. دلال على الأرضية وسط دائرة مرعبة من الدماء. لحظة تم بها سحب روحه من جسده بكل قسوة. نزل لمستواها هامسا بضياع: _دلال.. أين دلال؟
وجه شاحب بها الكثير والكثير من الضربات والدماء. كفها على بطنها كأنها تعطي لصغيرها العناق الأخير. دمعة واضحة من عينها اليسرى تثبت بها كم معاناتها وما مرت به بمفردها بالساعات الأخيرة. ظهرها يعلن له إنها انتهت وهو انتهى معها. رعب ما يراه الآن رعب. أخر ما كان يتخيله أن يحملها غارقة بدمائها بين يديه ويخرج بها. دقيقة واحدة وتم نقلها للمشفي تحت حراسة مشددة من رجال الشرطة وهو معها.
وصل المشفي وجد مصطفى بانتظاره. كيف أتى أو من أين علم لا يعلم. كانت بين أحضانه أنفاسها ضعيفة. أصبح على يقين أن صغيره رحل عن عالمه قبل أن يراه. وضعها على فراش متحرك ثم وقف أمام الغرفة بضياع. يتمني لو يقدر على البكاء، لكن منذ متي وأيوب رسلان يبكي؟ أختفت من أمامه ليضرب الحائط بجواره بقوة. أقترب منه مصطفى مردفًا: _أهدي يا باشا إن شاء الله هتبقى كويسة وكل اللي كان له يد في اللي حصل هيتحاسب. من له يد؟
لو قتل العالم لن تنطفي ناره. عاجز عن قول شيء لا يعلم إذا كان صامتًا برضاه أم الصدمة فقدته صوته. يريد الصراخ الانهيار وغير قادر. جسده يخونه ويعلن قرب سقوطه. شعر به مصطفى فسحب مقعدًا سريعًا وجعله يجلس عليه مردفًا بقلق: _أيوب أنت كويس؟ أخيرًا خرج صوت أيوب الضائع: _بموت أنا روحي بتطلع. اعتد على الوقوف بظهر الجميع. دفن والده ورائه زوجته بعدها شقيقه وكان بكل هذا وتد لا يميل. الآن لا يقدر حقًا لا يقدر. أغلق عينيه
بتعب يزيد عليه فقال مصطفى: _كده غلط. لما الحرس كلمني وقالي حالتك وأنت طالع بيها من القسم أنا مصدقتش. هي بتستقوى بك يا أيوب. نفى أيوب بثقل وقال: _أنا اللي بستقوى بيها يا مصطفى. خرج الطبيب من غرفتها ليقف بعيدًا خائفًا. لا يود سماع كلمة تحرق قلبه. ضغط على أسنانه بقوة يرقب وصول صوت الطبيب إليه ومع ذلك وصل: _للأسف فقدنا الجنين.
يا الله ما أبشع تلك الجملة. حلمه المنتظر انتهى اليوم. ابنته الجميلة رحلت قبل أن يضمها بصدره ويغرقها بحنانه. دلال كيف حال دلال؟ وصل لمرحلة يرفض بها السؤال عنها لن يتحمل أكثر. فقال مصطفى بدلاً منه: _ومدام دلال عاملة إيه؟ أجابه الطبيب بهدوء: _حالة الرحم مش وحشة، تقدر بعد كده تخلف عادي. لكن هي جسديًا متعرضة لعنف شديد وفقدت دم كتير. إحنا أدينا لها كيس ولسه محتاجين.
مع معرفته بأنها ما زالت على قيد الحياة ردت به الروح. قام من محله مردفًا بلهفة: _أنا O سالب. خد مني إللي أنت عايزه المهم إنها تعيش تفضل تتنفس. بعد مدة كان تم سحب منه نص كيس من الدماء وقالت الممرضة: _إحنا هنديها شوية دول على ما تتصرفوا. _خدي الباقي مني. رفضت بهدوء: _مينفعش طبعاً يا أستاذ عشان ننقذ مريض أضحي بشخص تاني. لو أخرج نيرانه عليها سيطلع بروحها الآن. صرخ بغضب مردفًا:
_خليكي في حالك ونفذي المطلوب منك بس خدي كل الكمية اللي هي محتاجاها ولو عايزاني أمضي لك على أي حاجة همضي. تعجبت المرأة، منذ متى ورجل يضحي بحاله من أجل امرأة مهما كانت من هي؟ حركت رأسها بهدوء وقالت: _وماله أنت حر، هكمل باقي الكيسين من حضرتك. *** بقصر رسلان. قالت جومانة عبر الهاتف للضابط: _أنت اللي غبي، مين قالك تظهر نفسك في الصورة؟
والعسكري اللي معاك أغبى منك. كل ده ميخصنيش في حاجة طالما سقطت وأنت أخدت فلوسك وزيادة. تنسى رقمي ومترنش عليا تاني ده عايز تفضل قاعد على كرسيك يا حضرة الظابط. صرخ الآخر بجنون: _كرسي إيه؟ هو أنتِ فاكرة إن أيوب رسلان هيسيبني أفضل قاعد على الكرسي؟ أنا مش هقع لوحدي يا مدام جومانة وهتبقي معايا. مسحت على وجهها بقلق ثم قالت بقليل من الهدوء: _وأنت مين اللي قالك يا غبي إن أيوب هيعملك حاجة؟
أنت ظابط جيت لقيت متهمة دخلتها الحجز. لكن لو عرف إنك مرتشي وكنت قاصد تدخلها الحجز مش بس هيقومك من على الكرسي ده هيشيلك من الدنيا كلها. دقة خفيفة على باب الغرفة جعلتها تغلق معه الخط سريعًا. فتحت لتري أمامها حنين فقالت بتعجب: _حنين رجعتي إمتى؟ هل من كل عقلها كانت تنتظر عناق؟ يا لكِ من حمقاء يا حنين. ابتسمت بسخرية ثم دفعت باب الغرفة قليلاً لتدلف مردفة: _من ساعة. _ومجيتيش في حضني أول ما وصلتي ليه؟
_كنتي وقتها بتتكلمي على التليفون سبتك تخططي وتعملي مؤامرات براحتك ودخلت غيرت هدومي ورجعت لك تاني. عقدت جومانة حاجبيها بتوتر واضح مردفة: _أخطط؟ أومأت إليها بتعب وقالت: _ليه كده يا مامي؟ ليه دايما عايشة في جو العصبات والتخطيط؟ ليه مفيش في قلبك رحمة ولا حتى خوف إن اللي بتعمليه يترد لك في ولادك؟ بدل ما أنتِ بتضيعي عمرك ووقتك على حاجات فاضية كنتي اهتمي بيا أنا وأخويا يمكن كنا طلعنا لك ذرية صالحة بدل ما ضيعنا إحنا الاتنين.
آخر ما تريده الآن هي المواجهة مع حنين. أخذت نفسها وقالت بحنان: _أنا مش فاهمة منك حاجة يا حنين. أنتِ أعصابك تعبانة. من رأيي يا حبيبتي تروحي لدكتور تاني غير آدم. صرخت حنين بغضب: _دكتور تاني غير آدم؟ ويا ترى بقى المرة دي هتخليه يعمل فيا إيه؟ يصورني وينزلني على النت الكل يتفرج وتقسموا انتوا الاتنين الأرباح مع بعض؟ اتسعت عين جومانة بذهول مردفة بغضب:
_أنتِ بتقولي إيه يا قليلة الأدب. شكلك فعلاً مجنونة ومحتاجة مصحة تعلمك تبطلي تخاريف اللي تطلع منك دي. فلتت منها ضحكة ساخرة قبل أن تقول:
_المصحة دي محدش محتاج يعيش الباقي من عمره فيها غيرك. على فكرة يا مامي الأيام اللي فاتت دي اتعلمت فيها حاجات كتير أوي وأولها إنك ست وحشة ممكن تبيعي نفسك عشان الفلوس ده إذا مكنتيش بعتي أصلاً. عايزاكي تحضري نفسك لأن النهاردة هيبقى آخر يوم ليكي في البيت ده. أنا هقول لعمو أيوب كل حاجة قذرة أنتِ عملتيها ووقتها شوفي هيعمل معاكي إيه. زمان كان بيعمل حساب ليا أنا وخالد دلوقتي خالد راح وأنا ليا مزاج أشوفك بتتعذبي زي ما كنتي تتفرجي عليا وأنا بتعذب ومبسوطة.
جن جنون جومانة. لم تتوقع أبدًا أن تصل حنين بيوم من الأيام لتلك الحالة من القوة. يستحيل فهي لعبتها التي تحركها لصالحها كما تشاء. إذا نطقت تلك الفتاة بكلمة واحدة ستنتهي من حياة أيوب إلى الأبد وهذا ما لم تسمح به. بلحظة جنون تحكم بها شيطانها وضعت يديها حول عنق ابنتها مردفة: _لسانك لو خرج بره بوقك مش هتردد لحظة واحدة إني أموتك. مش هتكوني أغلى من اللي قتلته قبلك عشان بس أدخل البيت ده.
اتسعت عين حنين برعب من معنى الحديث. قتلت من حتى تدلف لقصر رسلان من جديد؟ زاد شعورها بالاختناق لتغلق عينيها مستسلمة لتلك النهاية. دفعة قوية لباب الغرفة بعدها دخول رجال الشرطة كانت طوق النجاة. _مطلوب القبض عليكي يا مدام جومانة. *** بمنزل دلال. دقت عليها خلود للمرة المليون دون أي رد. لم تجد أمامها حلولًا إلا الاتصال على مسعد. وكأنه كان منتظر الاتصال ضغط على الزر مردفًا بلهفة: _وحشني أسمع صوتك يا خلود.
هي الأخرى اشتقت، لكن الاشتياق ليس إليه أي محل بحياتها بعد الآن. مسحت على خصلاتها مردفة بتوتر: _مش وقت الكلام ده يا مسعد. أنا بتصل بدلال من امبارح ومش بترد عليا. ممكن تيجي توديني قصر رسلان؟ كانت على يقين أن مع سيرة دلال سينساها وتظهر لهفته على دلال فقط. وهنا كانت المفاجأة عندما قال: _طالما هشوفك دقايق وأنا عندك. لم تتحمل أكثر وأغلقت الهاتف بوجهه. ماذا حدث ليريد رؤيتها؟ فهي ظلت أمام عينيه سنوات ولم يشعر بها؟
أخذت نفسها بتعب وقالت: _انسى يا خلود وطلعي كل ده من دماغي. المهم دلوقتي دلال. أنتِ ومسعد هيفضل الباب مقفول بينكم حتى لو روحك فيه. لم تمر دقائق ووجدت الباب يدق. فتحت بلهفة لعلها تكون دلال. وجدته يقف أمامها بابتسامة مشرقة مردفًا: _إيه ده يا خلود؟ أنتِ لسه في هدوم البيت. البسي عشان نمشي. _هو أنت جيت في دقيقة كده إزاي؟ كنت واقف تحت البيت؟ ببراءة طفل صغير أشار على باب الشقة المقابل لها مردفًا:
_لأ طبعاً. وأنا إيه اللي هيخليني واقف في الشارع؟ أنا جيت من الشقة دي. عقدت حاجبيها بتعجب مردفة: _وأنت بتعمل إيه في الشقة دي اللي أعرفه إنها فاضية ملهاش صاحب. بحب يظهر لها لأول مرة ابتسم وقال: _وحشتيني يا خلود. ملقيتش قدامي حلول غير إني أجر الشقة دي وأفضل أبص عليكي من بعيد. لا والله وهذا منذ متى؟ قبل أن يضعف قلبها أغلقت الباب بوجهه وقالت من خلفه: _خليك واقف هنا 10 دقايق وأغير هدومي ونمشي. *** بالمشفي.
مرت عليه الساعات ببطء قاتل. روحه تنسحب من بين ضلوعه مع كل ثانية. أتت فوزية ومعها حنين مع أحد رجاله بعد القبض على جومانة. اكتفت حنين بالبعد بزاوية بمفردها. أما فوزية اقتربت منه مردفة: _إيه الحكاية يا أيوب؟ جومانة عملت إيه لدلال؟ وهل صوتها يصل لأيوب من الأساس؟ لا يرى إلا صورتها ولا يسمع إلا نبرتها المدللة باسمه. يقف أمام الجميع جبل وبداخله طفل صغير منتظر والدته حتى يستطيع البكاء بداخل أحضانها. تدخل مصطفى بالحديث:
_مش وقت الكلام ده يا طنط. حالة أيوب متسمحش بالكلام خالص. لما الدكتور يطلع من عند دلال وتبقى كويسة هنتكلم. أومأت إليه فوزية وصمتت دقائق أثقل من السنوات. خرج بعدها الطبيب بهدوء مردفًا: _الحمد لله المدام بقت بخير. سيطرنا على النزيف ونضفنا الرحم. بس هتفضل في العناية الـ 24 ساعة الجايين تحسبًا لأي تغيير. يود أن يراها الآن ولن ينتظر دقيقة أخرى. تحرك أمام الجميع بخطوات غير متزنة ثم قال: _عايز أدخل لها.
نفى الطبيب بهدوء مردفًا: _مش هينفع دلوقتي يا باشا. لما تتنقل لأوضة عادية هيبقى أحسن لها. لا وألف لا. حدق بمصطفى بضياع كأنه ينتظر منه المساعدة. منذ متى وأيوب ينتظر المساعدة من أي؟ لا يعلم ولا يهمه الأمر فقط يرغب بضمها. تدخل مصطفى بهدوء مردفًا: _الباشا هيدخل يشوف مراته. القيامة مش هتقوم يعني. كانت نبرة تحذيرية صريحة جعلت الطبيب يحرك رأسه مرغمًا: _ماشي يا باشا تقدر تدخل تشوف المدام بس يا ريت تبقوا 10 دقايق مش أكتر.
بلهفة طفلة صغيرة وافق. ذهب مع الممرضة بخطوات سريعة يعد حاله للدخول وبعدها دلف. أغلقت الممرضة الباب عليهما. تقدم يقترب منها بخطوات ثقيلة. دلوعته نائمة لا حول لها ولا قوة. أسلاك متعلقة بجسدها هنا وهناك. محلول متصل بيدها. جر قدميه جرا ليقف أمامها. شاحبة تتألم حتى وهي نائمة. رفع كفه المترجف على خصلاتها وقال: _أنا آسف.
نطق بها من هنا وانفجر بالبكاء من هنا. سقط قناع الجمود وحان وقت الضعف. وضع رأسه فوق كفها الخالي من الأسلاك وظل يبكي. ارتفعت شهقاته وزادت دقات قلبه. أنفاسه تخرج منه بصعوبة وكأنها لحظته الأخيرة بالحياة. تعب ليرفع وجهه إليها. حدق بها بعينيه الحمراء مردفًا:
_أنا فاشل يا دلال. مقدرتش أحميكي ولا أحمي بنتي، ولا قدرت أحمي خالد وحنين قبل كده. أنا صورة فاضية مفيهاش أي حاجة غير شوية فلوس بيتحركوا. أنتِ خسارة فيا عشان أنا مش الراجل اللي تستحقيه يا دلال. اللي حصلك النهاردة بسببي واللي حصلك زمان بسببي. طول ما أنتِ معايا بتخسري. حبي ليكي لعنة محدش طالع منه خسران وكل حاجة غيرك. افتحي عيونك يا حبيبتي رجعي فيا الروح من تاني. أنا تعبان وخايف لوحدي.
نعم خائف. يشعر إنه طفل صغير ضائع يسير بطرق مجهولة والنهاية واحدة ضياع. وضع قبلة حنونة على كفها وقال:
_تعرفي أنا اتعودت أدفن كل اللي بحبهم، بس النهاردة كنت هأدفن نفسي. أرحم ليا بكتير من إني أسمع عنك كلمة مش هقدر أسمعها. الحاجة اللي كانت بتربط بيني وبينك راحت. راحت من قبل ما أشيلها وأبوسها. أنا عشت عمري كله وحيد اتعودت على الوحدة لحد ما جيتي أنتِ. مليتي عليا حياتي ورجعتي لي شبابي. لما عرفت إنك حامل فكرت الدنيا ضحكت لي أخيراً بس في اللحظة اللي أنا بكلمك فيها دي عرفت إنها ضحكت عليا ضحكة العمر كله.
شعر بخطوات تقترب فمسح دموعه سريعًا بظهر يده ثم وضع قبلة أخيرة فوق رأسها مردفًا: _هتوحشيني يا دلوعة. دلت الممرضة وقبل أن تطلب منه الخروج أومأ إليها مردفًا: _خدي بالك منها. خرج من الغرفة بقوته المعتادة. وقف أمام مصطفى وقال بقسوة: _خليك هنا في المستشفى عايز عينك تبقى في نص راسك. فاهمني يا مصطفى. _كل اللي أنت عايزه هعمله بس أنت رايح فين؟ _أجيب حق مراتي قبل ما تفتح عينيها. _مش هسيبك لوحدك.
_خليك هنا أنا هبقى مطمن وأنت معاها. _ماشي يا أيوب خد بالك من نفسك وخلي دايماً موبايلك مفتوح. _أكيد هيبقى مفتوح عايز أطمن عليها لحظة بلحظة. *** بقسم الشرطة. دلف أيوب لمكتب سيادة اللواء محمد عادل. وقف السيد محمد من محله مرحبًا بوجود السيد أيوب رسلان. مد يده للسلام عليه مردفًا: _نورت المكتب يا أيوب باشا. مد أيوب يده إليه وقال: _أنا زعلان وجدًا يا سيادة اللوا ودي حاجة مش حلوة. حمحم الرجل بهدوء وقال:
_مين إللي قدر يزعلك وأنا أشيله من على وش الأرض. جلس أيوب بوقار على المقعد المقابل لمكتب السيد محمد وقال: _ظابط عندك هنا اسمه طارق أحمد. _عمل لك إيه يا باشا؟ ماذا فعل به؟ كسره وأخذ منه روحه. أبتلع أيوب المرارة بصعوبة وقال: _دخل مراتي الحجز واتفق مع كام واحدة جوا فضلوا يضربوا فيها لحد ما سقطت. لو عايز نفضل صاحب، يا سيادة اللواء الكلب ده يلزمني. حديثه كان به تهديد صريح. وهل أحد يقدر على الوقوف أمام رجل مثله؟
رفع السيد محمد سماعة الهاتف الأرضي وقال: _حضرة الظابط طارق أحمد يكون عندي. أغلق الهاتف وقال: _تؤمر بإيه يا باشا وأحنا معاك؟ ابتسم إليه بقوة وقال: _إللي أمر بيه هقوله لما يوصل. معايا دلوقتي واحدة ست عايزة تدخل الحجز خمس دقايق. _ليه يا باشا؟ _هتعمل الواجب مع إللي قربوا من مراتي. أومأ إليه السيد محمد بهدوء ونفذ ما طلبه منه، فأخرج أيوب هاتف وفلاشة ياسمين مردفًا: _دول بقي يا سيادة اللواء واجب مني ليك.
دلف طارق بخطوات مرعبة. أول ما وقعت عيناه على أيوب كاد أن يسقط أرضاً. أخذ نفسه بصعوبة وقال: _أمرك يا فندم. تحدث أيوب بقوة: _ولا حاجة يا حضرة الظابط، كل الموضوع إنك مفصول عن العمل وتحول للتحقيق. رغم رغبته قال بغضب: _وده بتهمة إيه بقي؟ _رشوة صح يا سيادة اللوا وإلا أنا برمي عليه تهم بالباطل؟ شعر اللواء بالقليل من الشفقة على طارق إلا أنه يستحق، فهو يعلم جيدًا أن هذا بداية الطريق فقط مع أيوب رسلان. قال: _صح يا باشا.
_عايز أقابل مدام جومانة بعد ما أخدت واجبها في الحجز. اختفى طارق من أمامه ودقيقة ودلفت جومانة مع العسكري وبيدها الكلبشات. قام اللواء محمد من محله مردفًا: _هسيبك معاها براحتك يا باشا. خرج وعينيه متعلق بها. يشعر بالانتشاء من معالم وجهها المختفية بالدماء أبشع من مظهر دلوعته بكثير ومع ذلك لم يرتاح. يود أن يراها تتألم بنفسه، لا هو يريد أخذ ثأره بيده. اقتربت منه بخوف مردفة: _خدني من هنا يا أيوب.
دفعها بأحد قدميه بمنتصف بطنها، ثم قام من مكانه ووضع قدمه على بطنها بقوة مردفًا: _كل ضربة كنتي قاصدة بيها تموتي بنتي خليكي تدفعي تمنها أضعاف هنا يا جومانة. عمري إللي راح بسببك زمان حاجة واللي خسرته النهاردة حاجة تانية. ضغطه عليها كاد أن يأخذ روحها. حاولت أخذ نفسها بصعوبة مردفة: _عملت كدة عشان بحبك عشان تبقي ليا ونخلف زي ما كنا بنحلم زمان. جن جنونه ووضع قدمه على عنقها بنفس اللحظة دلف اللواء مردفًا: _أهدي يا باشا.
ابتعد عنها وقال بجبروت: _عايزها تبقي لوحدها وهي والكلبة بتاعها إللي مدت أيدها على مراتي يا سيادة اللواء. خليهم الأتنين يعيشوا أجواء أمن الدولة. أومأ إليه اللواء مردفًا: _كل إللي أنت عايزه هنعمل ده حقك بعد التقصير إللي حصل مننا كلنا في حق مدام دلال. أخذ أيوب نفسه بتعب وقال: _وأنا سبت حقي أمانة في رقبتك يا سيادة اللواء. أدهالي مش كدة؟ _طبعاً يا باشا ده أنت غالي عندي ما أيام أبوك الله يرحمه. _الله يرحمه. ***
بمساء اليوم التالي. تم نقل دلال لغرفة عادية. كانت فوزية بجوارها تقرأ بعض آيات القرآن وحنين تحدق بالشرفة الخارجية للمكان. همهمة بسيطة خرجت منها جعلت فوزية تأخذ نفسها براحة أخيرًا. اقتربت منها حنين مردفة: _حاسة بإيه؟ لا تشعر بشيء حقًا لا تشعر. ربما فقدت حاسة الإحساس أو الألم أكبر من قدرتها على الشعور به. همست بتعب: _أيوب. أغلقت فوزية المصحف ثم قالت بحنان: _شوية وهيكون موجود يا حبيبتي ارتاحي أنتِ. سيأتي؟
هل هو تركها بمفردها؟ لا هو وعدها بالبقاء معها وعدها أن تظل بداخل أحضانه. ابتلعت ريقها الجاف بمرارة وقالت: _البيبي كويس صح؟ من حظه الأسود إنه وصل لباب الغرفة على سؤالها. وقف عاجز غير قادر على المواجهة. كيف يقف أمامها وماذا يقول؟ فتح الباب بهدوء ثم قال: _عايز أبقي معاها لوحدنا. هدوءه بحد ذاته مرعب خصوصًا بعد اختفائه من أمس. انسحبت حنين بلا كلمة أما فوزية وقفت أمامه مردفة بقلق: _بيبي إيه إللي هي بتتكلم عنه يا أيوب؟
لا المكان ولا الزمان يسمح بهذا السؤال. أشار لعمته على باب الغرفة: _بعدين يا عمتو بعدين نبقي نتكلم. خرجت فأقترب منها بخطوات ثقيلة ثم جلس بالمقابل إليها على الفراش مردفًا: _حمد لله على سلامتك. نبرته عجيبة نظراته غريبة تشعر بشيء مريب قاسي ولا تعلم ما هو. حاولت الاعتدال فقام بمساعدتها ثم قال: _هااا مرتاحة كدة؟ أومأت إليه بترقب مردفة: _الحمد لله مرتاحة. _طيب الحمد لله. _أيوب هو في إيه أنا خايفة. حرك
رأسه بابتسامة هادئة وقال: _لأ متخافيش كل حاجة خلصت وكل اللي أذاكي حتى لو بكلمة دفعت التمن أضعاف. أنتِ دلوقتي في أمان يا دلال. به شيء يجعل قلبها يشعر بالخوف يزيد أضعاف. وضعت كفها على بطنها وقالت بأمل: _البيبي كويس صح؟ أنا فضلت طول الوقت حاطه إيدي عليه عشان مفيش أي ضربة تنزل عليه حميته وأنا متأكدة إنه في أمان مش كدة؟ لا يوجد لديه ما يريح قلبها لذلك أقترب منها أكثر ومسح على خصلاتها بحنان مردفًا: _ضربوكي جامد؟
ها هي الآن أمامه مثلما تمنت. فتحت ذراعيها إليه وعينيها متعلق بها الدموع. فهمها فأقترب منها أكثر ووضع رأسها على صدره. بكت بحرقة تخرج كل ما عاشته من خوف مردفة: _بعد ما الظابط الطيب مشي جه ظابط تاني شرير وصمم ينزلني الحجز. كنت خايفة أوي يا أيوب وأول ما دخلت لقيت ناس شكلهم غريب قربوا عليا وشتموني ولما جيت أتكلم راحوا ضربوني. الضرب كان بيوجعني جامد فضلت أنادي عليك بس أنت مسمعتنيش ولا جيت. كنت خايفة أوي من غيرك يا أيوب.
يا الله كم يود البكاء الآن ولكنه بكل أسف لم يقدر. وضع عدة قبلات معتذرة فوق رأسها مردفًا: _اشششش خلاص كل ده خلص وأنتِ دلوقتي في حضني وفي أمان. ابتعد عنه قليلاً وقالت بابتسامة متعبة: _مش مشكلة طالما ابننا بخير أنا مش زعلانة. ضم وجهها بين يديه مردفًا بحنان: _ابننا بخير يا دلال بس مش هيبقى معانا. _آمال هيبقى فين؟ _عند ربنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!