بعد 15 يوم بمنزل أبو الخير. دلفت السيدة زينب غرفة نوم ناصر. الغرفة عبارة عن دخان يخرج من كل اتجاه، مغلقة، مظلمة، ورائحة السجائر مسيطرة على الأجواء. تنهدت بثقل وأغلقت الباب خلفها مردفة: _وبعدين معاك يا ناصر؟ وأين ناصر؟ جالس على الفراش عاري الصدر يأخذ سيجارة وراء الأخرى يخرج بها غضبه. وضع السيجارة بالمطفأة وقال بهدوء: _خير يا حاجة، في حاجة؟ جلست أمامه على الفراش وقالت:
_أنت اللي مالك بالظبط، لما نفسك فيها وعايزها طلقتها ليه بس وسبتها تمشي؟ أقولك على حاجة، روح اتكلم مع أيوب وجيبها وتعالى ريح قلبك وقلبي يا ابني. _يعود بها من جديد؟ يا ليته يقدر. لأول مرة يشعر إنه عاجز عن فعل شيء يرغبه وبشدة. حدق بالشرفة وقال: _مينفعش يا أمي، مينفعش. كده أحسن ليها كتير. قالت بحدة: _هو إيه اللي مينفعش وأحسن ليها؟ البنت بتحبك يا ناصر وأنت كمان بتحبها ولسه في عدتها. إيه اللي يمنع بقى؟ مش هتقدر تاكلها؟
أبتسم بتعب شديد وقال: _أكل إيه بس يا حاجة؟ حنين عايشة حياتها في قصور مش هتقدر تعيش في الحارة هنا كتير. ده غير إني كنت متجوز تلاتة ومعايا عيال وفرق السن اللي بينا والتعليم. كل دي حاجات تبني بيني وبين حنين بدل السور 1000 كده. أحسن لها. _ربما يكون معه حق، لكن الحب دائمًا ما يكسر القواعد. فقالت: _هي لما حبيتك كانت عارفة كل ده وقابله بيه. بلاش تكسر قلبك يا ابني. وبعدين اللي أعرفه بقى إن عمها متجوز بنت صغيرة برضو.
_ظروفهم كانت مختلفة وحياة أيوب مش زي حياتي، مفيش مقارنة. كفاية كلام بقى في الموضوع ده، مش عايز أفتحه تاني. بقلة حيلة أومأت إليه. ناصر إذا قال على شيء أنه انتهى، فهو انتهى. وضعت قبلة حنونة فوق رأسه وقالت: _ماشي يا حاج، المهم عندي إنك تبقى مرتاح.
خرجت من الغرفة لتخرج منه تنهيدة طويلة. أشتاق إليها ولا يستطيع أن ينكر ذلك. وجد يده تخونه وتأخذ الهاتف من فوق الطاولة ثم ضغطت على رقم هاتفها. تعالت دقات قلبه مع سماعه لرنين الهاتف. كلمة واحدة منها ردت به الروح من جديد: _ألو. هل الكلمة بهذا الجمال أم صوتها أعطى إليها هذا الكم من الحلاوة؟ للمرة الثانية تأثر عليه بصوتها: _ناصر. يا الله على ناصر. ناصر مشتاق يا صغيرة، مشتاق وقلبه يحرقه. حمحم بخفة مردفاً: _ازيك يا حنين؟
حالها سئ، سئ جدًا جدًا. إجابته بتعب: _الحمد لله بخير. أنت عامل إيه يا حاج؟ هل وضعت بينهما حدود الآن بطريقة شيك؟ نعم يا حاج ناصر، هذا ما حدث. بلحظة ضعف قال: _وحشتيني يا حنين؟ الكلمة أصبحت بلا معنى بقلبها. أخذت نفسها بهدوء وقالت: _مفيش لازمة للكلام ده يا ناصر، مش هيفيدنا إحنا الاتنين بحاجة. دق قلبه بخوف لأول مرة بحياته وقال: _يعني إيه يا حنين؟
_إحنا الاتنين دلوقتي مطلقين، تجربة وعدت وكل واحد فينا رجع لحياته. هيبقى أحسن لو متصلتش بيا تاني. اهتز بقوة وكأنه علم الآن فقط أنه بمرحلة الهزيمة. سألها بترقب: _أنتِ شايفة كده؟ من أين أتت إليها القوة لا تعلم، لكنها قالت بثقة: _ومش شايفة غير كده. _وحبك ليا؟ بصدق قالت:
_أنا معرفش يعني إيه حب يا ناصر. تقدر تقول عشت حياتي كلها بدور على الأمان، وكل ما لقيت الأمان في مكان أحب صاحب المكان. لكن الحب اللي في دماغك أنا معرفهوش ولا عمري جربته. رفض عقله بقوة معنى حديثها. فقام من فوق الفراش بجنون مردفاً: _أنا عايز أقابلك يا حنين، لازم نتكلم. بتعب قالت:
_عمو منعني من الخروج، ما بقاش بيثق فيا وبصراحة عنده حق. أنا معملتش أي حاجة عشان أستحق ثقته فيا. لو عايز تقابلني تقدر تيجي القصر نتكلم براحتنا وفي وجود الكل. أغلقت الهاتف بوجهه بتعب نفسي شديد. لابد أن تنتهي تلك الصفحة من حياتها إلى الأبد بكل ما فيها. دارت بوجهها، رأت مصطفى يقف خلفها. فقالت بتعجب: _في حاجة يا مصطفى؟ أبتسم إليها بحنان: _مبسوط بيكي يا حنين. _وده ليه؟ _بقيتي ناضجة وقوية. ابتسمت إليه بسخرية وقالت:
_بصراحة، لو مبقيتش ناضجة وقوية بعد كل اللي حصل لي ده، هبقى غبية. عن إذنك. خطت خطوتين وسمعته يقول: _حنين استني. دارت بوجهها إليه، فقال بتوتر: _هو أنتِ ناوية ترجعي لناصر؟ آخر من تريد الحديث معه هو أنت يا مصطفى. مسحت فوق خصلاتها بهدوء وقالت: _مش هرجع. أي حاجة كانت في الماضي مش هرجع لها. مش ناصر بس يا مصطفى. في حاجة تانية عايز تعرفها؟ كانت رسالتها صريحة بعدم العودة لحبه هو الآخر من جديد. ابتسم إليها وقال:
_وطبعًا أنا من ضمن الماضي اللي مش ناوية ترجعي له، مش كده يا حنين؟ أومأت إليه بهدوء وقالت: _كده يا مصطفى. بمكتب أيوب بالفندق. دون سابق إذن فتحت عليه باب المكتب ثم دلفت بخطوات رشيقة وأغلقت الباب خلفها. رفع عينيه عن الورق الموضوع أمامه بتعجب ليري من تجرأ ودلف عليه دون إذن منه. وجدها هي. ليبتسم إليها بحب قبل أن يخلع نظارته الطبية عنه مردفاً: _مش معقول دلال هانم بنفسها عندنا؟
أومأت إليه بكبرياء ثم جلست على المقعد المقابل إليه واضعة ساق فوق الأخرى مردفة: _اطلبلي واحد شاي باللبن لو سمحت. ضحك بخفة ثم رفع سماعة هاتفه مردفاً بهدوء: _واحد شاي بلبن بسرعة يا دعاء. أغلق الهاتف ثم قال: _هااا، إيه سبب الزيارة الكريمة؟ أشارت بكل أصابع يديها مردفة ببراءة: _أسباب، مش بسبب واحد. قام من مكانه ليأخذ، تجلس بجواره على الأريكة الكبيرة وقال بحنان: _كلي آذان صاغية. ابتسمت بحب وقالت:
_بص، عشان مواضيع كتير شوية مش عارفة أبدا منين. أنت رأيك أبدا منين؟ _ابدئي من الحتة اللي تعجبك، المهم تتكلمي. أومأت إليه بإبتسامة واسعة وقالت: _شوف يا أيوب باشا، أنا دلوقتي بقيت سيدة صاحبة مال زي زيك بالظبط. فقعدت أفكر وأقول: يا بنت يا دلال، إيه الحاجة اللي ممكن تستثمري فلوسك فيها؟ لحد ما وصلت إني هعمل فندق لنفسي صغنن كده. وبعدين لما يكبر هبقى أنافسك، رأيك إيه؟ عقد حاجبه بتعجب مردفاً:
_داخلة على طمع أنتِ يا دلوعة، مش كدة؟ أومأت إليه ويدها تلعب بخصلاته مردفة: _أنا دلوعة الباشا، يعني أعمل كل اللي على مزاجي. أومأ إليها بهدوء وقال: _ماشي يا دلوعة الباشا، وعشان دلوعة الباشا لأزم تبدأ كبيرة. هتبقي صاحبة أكبر فندق في مصر. رفضت مردفة: _لأ يا أيوب، أنا عايزة أكبر لوحدي. قرص أنفها بالقليل من القوة وقال: _ما أنتِ هتكبري لوحدك. شكلك ناسية مهرك يا عروسة؟ _مهر؟
_أخص عليا بجد، شكلي نسيت أقولك إن فرحنا الخميس الجاي، يعني كمان خمس أيام. باقي فلوس الفندق مهرك، ها؟ طلبك التاني إيه؟ سعادتها معه لا توصف. ألقت بنفسها على صدره وقالت: _أنا بحبك أوي يا أيوب. استقبلها بصدر رحب وضمها لصدر بقوة مغلقًا ذراعيه عليها ليأخذ أكبر قدر من رائحة عطرها العاشق إليها، ثم همس بنبرة خشنة: _وأنا مغرم يا دلال. عارفة يعني إيه مغرم؟ يا الله ما أجمله وما أجمل الحياة بين يديه. ابتعدت عنه قليلاً
وقالت بتوتر: _امممم، عارفة يعني إيه مغرم. وعشان كده هيبقى عندي الشجاعة عشان أطلب منك الطلب التاني. وارجوك يا أيوب، متكسرليش خاطر. عقد حاجبه بقلق وقال: _قولي في إيه؟ أخذت نفسها بعمق حتى تستجمع قوتها وقالت: _إحنا لما طلعنا عمرة، طلعنا عشان ربنا يسامحنا على كل اللي فات ونبدأ حياتنا من جديد بشكل صح، مش كده؟ مع كثرة المط، بدأت تفلت أعصابه، فقال بحدة: _دلال، ادخلي في الموضوع على طول. ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
_ليه من يوم ما رجعنا مجيتش القصر؟ ماما فوزية مقهورة وأنت بعيد عنها يا أيوب. ده غير حنين يا حبيبتي، كل يوم بتدبل عن اليوم اللي قبله. البنت بتموت بالبطيء يا أيوب. كفاية اللي حصل لها وكفاية إنها خسرت مامتها وباباها وأخوها. المفروض إنك تبقى في ضهرها مش تزود همومها. وفي الآخر ترجع تقول: أصلها غلطت عشان مفيش حد جنبها ووو. معها حق. هو الآخر اشتاق لحنين. قلبه وعمته التي كانت بالنسبة إليه والدته. أخذ نفسه بتعب وقال:
_عارف كل اللي أنتِ بتقوليه ده يا دلال، بس مش قادر. أنا بني آدم وطول عمري مبعرفش أسامح، خصوصًا الناس اللي بحبهم. هدوءه بالحديث أعطى إليها مساحة تقول ما تود قوله، فقالت:
_ماما فوزية عملت كده عشاني أنا اللي اتحايلت عليها عشان أمشي. عارفة إننا الاتنين غلطنا، بس أنت سامحتني. سامحها هي كمان وخلي قلبك أبيض. وبعدين، حنين تعتبر طفلة في سن المراهقة، محتاجة اللي يعلمها الصح من الغلط، مش اللي يبعد عنها. ومن غير زعل يا أيوب، أنت مكنتش الشخص المثالي في حياة حنين بعد وفاة باباها. كل حاجة أوامر وكل حاجة مرفوضة، مع أنك بتعمل اللي على مزاجك واللي أنت عايزه. أنا مقصدش أفتح في اللي فات، بس نفسي نقفله. ارجوك.
وضعت أمامه مرايا الحقيقة وتركته بمفرده. هو السبب الرئيسي بما حدث مع حنين، هو من جعلها تصل لتلك النهاية. جذبها ليضع رأسه على صدرها مردفاً بتعب: _خليكي في حضني كده على طول. لما بشم ريحتك برتاح. ضمته إليها بحب وقالت: _أنا في حضنك لحد آخر نفس فيا. بما إن فرحنا كمان خمس أيام، فلازم نفرح كلنا مع بعض. أنا مليش حد غيرك، أنت وعيلتك بقوا عيلتي. عايزة أفرح وسطكم، ناوي تفرحني مش كده؟
طلبها أحب من على قلبه. أخذ نفس عميق ثم وضع قبلة حنونة على رأسها مردفاً بقوة: _هفرحك يا دلال. قامت من مكانها بحماس مردفة: _طيب يلا. _على فين؟ _هنروح الأول القصر نصالح حنين وماما فوزية، وبعدين هنروح كلنا نختار فساتين الفرح. عندك مانع؟ _مفيش كلام بعد كلام الدلوعة. دلفت لغرفة المعيشة بإبتسامة مشرقة ثم اقتربت من السيدة فوزية ووضعت قبلة فوق رأسها مردفة: _الحلو مكشر ليه؟ بحزن قالت:
_أيوب وحشني أوي يا دلال، أول مرة يقسى عليا بالشكل ده. أومأت إليها دلال ووجهت نظرها على حنين الشاردة وقالت: _الأستاذة حنين مكشرة ليه؟ تنهدت بضيق مردفة: _عمو أيوب وحشني أوي يا دلال. أنا عارفة إني غلطت وعارفة إنه لما يعرف الحقيقة هيزعل مني أكتر، بس والله وحشني. بنفس اللحظة دلف أيوب للغرفة بهيبته المعتادة وبقوة سألها: _مخبية إيه تاني يا حنين؟ تجمد جسد حنين بخوف، فتدخلت دلال سريعًا مردفة:
_بصراحة، حنين مخبية مصيبة كمان صغنونة خالص. صالح ماما فوزية وأدخل أنت وهي أوضة المكتب وتكلموا براحتكم. ظلت عينه متعلقة بحنين للحظات، ثم اقترب من فوزية مردفاً بهدوء: _أخبارك إيه يا فوزية؟ بعتاب حزين نظرت إليه وقالت: _بقى كده يا أيوب؟ وأنا اللي قولت إن مليش في الدنيا دي كلها غيرك. يجي اليوم اللي قلبك يقسى عليا بالشكل ده وتحرمني حتى أشوفك. إزاي هنت عليك تعمل فيا كده؟
فتح ذراعيه إليها لتلقي بنفسها داخل صدره باكية. تألم وقلبه عاتبه بقسوة. أغلق يده عليها وقال: _حقك عليا يا عمتي، أنا معنديش أغلى منك في الدنيا. ابتعدت عنه وقالت: _معندكش أغلى مني، بس قسيت عليا يا أيوب. ابتسم نصف ابتسامة ثم مسح على خصلاتها بحنان مردفاً: _أنتِ كمان معندكيش أغلى مني وقسيتي عليا يا فوزية. _عملتلك إيه إن شاء الله؟ حدق بدلال المبتسمة، ثم انحنى ليصل لأذن عمته وهمس:
_حرمتيني من حاجة روحي فيها وفضلت أدور عليها زي المجنون. فقررت إني أحرمك من حاجة بتحبيها وأنا عارف إني أغلى حاجة عندك، عشان تعرفي بعد الغاليين بيعملوا إيه. ضربته بصدره بغضب مردفة: _يعني البنت اللي هناك دي أغلى حاجة عندك؟ رفع حاجبه بقوة، ثم نظر لدلال وقال: _عايزة الصراحة يا فوزية؟ _قول الصراحة، يا بخت فوزية المايل. _البت دي عندي إدمان. شهقت فوزية وفلتت ضحكة من دلال. فحمحم بقوة ثم سحب حنين من كفها مردفاً:
_قدامي على المكتب. بغرفة المكتب. انتهى وقت المرح وعاد لجبروت أيوب رسلان. أغلق باب المكتب عليهما وجلس على الأريكة وأشار إليها بالجلوس بجواره. جلست برعب يسير بأعماق قلبها، فقال: _عملتي إيه تاني يا حنين؟ سامعك. ماذا تقول أو من أين تبدأ الحديث؟ نظرة أمان واحدة منه جعلتها تغلق عينيها وتتحدث، قالت الحقيقة كاملة. اتسعت عينه بذهول لا يصدق. كانت تكذب من أجل الزواج من ناصر؟ جعلته يقترب منها، وبعدها عادت إلى هنا؟
بكت منتظرة صفعة جديدة منه، إلا أنها تفاجأت به يجذبها بداخل أحضانه. يتمنى لو يقدر على البكاء معها، لعله يخفف من ألم قلبه. مسح على ظهرها وشهقاتها تعلو. بعد فترة ابتعد عنها مردفاً: _أنا آسف يا حنين. قالت من بين شهقاتها: _أنا اللي نزلت راسك وأنا اللي المفروض أعتذر. موتي مش هيغفر لي اللي عملته يا عمو. ضم وجهها إليه وقال: _خلاص يا حنين، مش عايز أسمع أي حاجة في المواضيع دي تاني. كل حاجة خلصت وأنتِ دلوقتي جوا حضني.
سألته ببراءة: _بجد يا عمو؟ يعني حضرتك سامحتني ومش زعلان مني؟ مسح دموعها من على وجهها الناعم، ثم وضع قبلة حنونة فوق رأسها مردفاً بحنان: _سامحتك يا حنين، بس عشان مأكذبش عليكي، زعلان وأوي كمان. زعلان لأني وصلتك لهنا وخليتك تايهة وضايعة بتدوري على أي حاجة تحسي بنفسك فيها. سبتك لأم مريضة وأنا بدور على نفسي وعامل فيها الكبير. أنتِ اللي سامحيني يا حنين، يمكن أقدر أرتاح. ابتسمت بسعادة وألقت بنفسها على صدره وقالت بحب:
_أنا بحبك قوي يا عمو، وأوعدك إني مش هعمل أي حاجة وحشة تاني. _واثق فيكي يا بنت الغالي. ابتعدت عنه بتوتر وقالت: _في حاجة كمان عايزة أقولها لك. عقد حاجبه بقلق وقال: _حاجة إيه دي؟ _أنا اتكلمت مع مامي وقالت لي إنها قتلت حد غالي عليها عشان ترجع البيت ده. هي تقصد مين يا عمو؟ اتسعت عينه برعب من معنى الحديث، لكنه قال بهدوء:
_سيبك منها يا حنين، جومانة مجنونة وبتقول أي كلام. روحي يلا البسيه وخلي فوزية تلبس، هنجيب فستان الفرح لدلال وفساتين ليكم. أومأت إليه بإبتسامة واسعة وخرجت. فمسح على خصلاته بغضب وقال: _لو اللي في دماغي صح يا جومانة، حتى الموت مش هيرحمك مني. رفع هاتفه وقام بالاتصال على مصطفى وقال: _مصطفى، عايزك تجيب لي الملف بتاع قضية موت خالد بالتفصيل. تعجب مصطفى مردفاً: _ليه يا أيوب؟ في إيه؟
_شكلها ما كانتش قضاء وقدر. وبما إنك ظابط قديم، عايزك تحط لي كل خبرتك في الملف ده وتقولي إيه الحكاية بالظبط. _ماشي. _هاخد معاك قد إيه؟ _الموضوع مش سهل يا باشا، أقل حاجة 15 يوم. _كتير. أنا عايزك تتصرف بسرعة. _هحاول يا باشا. بعد ساعة عن أكبر مصممة أزياء بالقاهرة. كان يتابع حيرتها بين التصميمات ومعها إبنة أخيه وعمته بمتعة. لأول مرة بحياته يعيش جو أسري دافئ به محبة والكثير من المرح. ابتسم بخفة على معالم
وجهها الطفولية وهي تقول: _هو حلو بس أيوب مش هيوافق عشان قصير. أومأت إليها حنين وقالت: _عندك حق، بصراحة ملفت أوي واحنا عايزين نعدي اليوم من غير ضحايا. ضحكت دلال بمرح، وقالت ثم قالت بغرور: _مش موضوع ضحايا، أنا كده كده حلوة في القصير وفي الطويل. بس أنا حاليًا في مقام حاجة، ومينفعش أعمل كده. ابتسمت إليها فوزية وقالت: _شوفي من فساتين المحجبات ومتلبسيش طرحة. ضربت الجملة برأسه، فتدخل أخيراً بعدما أخد دور المشاهد
لأكثر من ساعة وقال: _ومتلبسش طرحة ليه بقى؟ رفعت عينيها إليه بتعجب وقالت: _أنت عايزني أتحجب يا أيوب؟ نعم، يرغب أن لا يقف أمام الله يحاسب عليها. يرغب أن لا يراها أحد غيره. فقال بهدوء: _لو قولتلك عايزك تتحجبي يا دلال، هيبقى رأيك إيه؟ ابتلعت ريقها بصعوبة. لأول مرة تقف بموقف مثل هذا. أخذت نفسها ونظرت لمن حولها، وجدت بعينيهم انتظار الرد. فعادت بنظرها إليه لتري بعينيه نظرة رجاء واضحة. ابتسمت وقالت:
_ماشي، بس من هنا ورايح الكل يحترم رأيي وكلمتي. ما أنا هبقى الحاجة دلال. ضحك بسعادة ثم اقترب مقبلاً رأسها مردفاً: _ماشي يا حاجة دلال، نبقى ناخد برأيك بعد كدة. شعرت حنين بالغيرة رغماً عنها، فأقتربت من أيوب مردفة: _بوس رأسي أنا كمان يا عمو. قهقه أيوب ووضع قبلة فوق رأسها مردفاً: _عنينا يا حنون. _وأنا كمان، اشمعنا هما؟ حدق بعمته ثم قال بغيظ: _مش عندك جوزك المستفز ده؟ بوسي فيه براحتك بعيد عننا. ردت عليه فوزية بغضب:
_الراجل غلبان يا أيوب، حرام عليك المعاملة دي. بغيرة طفل على والدته قال أيوب: _ده غلبان ده؟ صرخت الحماس من دلال جعلته يحدق بها، فقالت: _أنا عايزة الفستان ده يا أيوب، بليزز. هل لو قبلها الآن بمنتصف المكان بعد هذا الدلال سيحدث شيء؟ لا والله لم يحدث. مال عليها هامساً: _دلال، أنا عايزك دلوقتي. اتصرفي. اتسعت عينيها بذهول وهمست: _أنت بتقول إيه يا قليل الأدب؟ إحنا وسط الناس.
_ما أنا بوشوشك بصوت واطي أهو. اتصرفي بقى قبل ما تبقى فضيحة عامة قدام كل الناس. دقيقة واحدة ومش هبقى ملزوم باللي هيحصل. كانت الرغبة بعينيه ظاهرة مثل الشمس. فجذبت حنين وذهبت إلى غرفة القياس بخطوات سريعة، ليقول لنفسه: _بقيت مراهق يا أيوب. بيوم الحناء. _أنت متأكد إنك عايز تعمل كدة يا باشا؟ سأله مصطفى بذهول من طلبه، فقال أيوب بغضب: _ما تخلص بقى يا مصطفى، إيه الصعب في اللي بطلبه منك؟ فلتت منه ضحكة ساخرة قبل أن يقول:
_كل طلباتك غريبة والله يا باشا. عايزني أعملك حبل يطلعك لأوضة نومك من البلكونة؟ طيب ما تدخل من الباب وخلاص. أجابه أيوب بسخرية: _تصدق، المعلومة المهمة دي كانت غايبة عني. ما أنا مش عارف أدخل يا بني آدم. فوزية قافلة الباب من برة بتقول: دي حنة بنات، مينفعش أدخل. ولو دخلت وشوفت العروسة يبقى فال وحش. أخلص يا مصطفى، عايز أدخل في ورق مهم جوا. غمز إليه مصطفى بمكر مردفاً:
_يعني أنت عايز تفهمني إنك هتقل من نفسك وتطلع على الحبل ده عشان خاطر شوية ورق؟ ما تقول إن الهانم وحشاك وعايز تشوفها. على شفتيه من الغيظ وقال: _معاك خمس دقايق تتصرف فيهم وتطلعني فوق، بدل ما أتصرف أنا وأطلعك عند اللي خلقك. تلك المرة كان جاد، ومصطفى يعلم جبروت أيوب، فأومأ إليه مردفاً: _دقيقتين وهتبقى في جناحك يا باشا. ذهب مصطفى دقيقة وتم تنفيذ الخطة بنجاح وتمدد أيوب على فراشه، ثم أخرج هاتفه وقام بإرسال
رسالة لدلال عبر الواتساب: _أطلعي الجناح بتاعي دلوقتي حالا. بالأسفل. كانت تتمايل مع أغاني المهرجانات وتغني معها. صوت هاتفها جعلها تنظر إليه، ثم أرسلت له مردفة: _أعمل إيه في جناحك؟ أنا برقص مش فاضية. وبعدين هو أنت فين أصلاً؟ مش ماما فوزية قالت لك مش عايزة تشوف وشك غير بكرة في الفندق. _ترقص يومك بلون خصلات شعرك يا دلال. أمرها بغضب شعرت به من مجرد كلمات:
_ده أنتِ ليلتك طين على دماغك. أطلعي يا بت الجناح بدل ما أنزل أفضح الليلة دي. خافت من تنفيذه لما قال، فقالت لفوزية بتوتر: _هطلع أوضتي خمس دقايق وجاية يا ماما. _أطلعي يا حبيبتي، بس ما تتأخريش. دقيقة وكانت تقف أمامه مردفة بتوتر: _في إيه أيوب؟ مالك متعصب كده ليه ودخلت هنا إزاي؟ سحبها ليسقط جسدها فوقه، ثم قال بغيرة: _أربط أيدي في إيدك عشان أبقى مرتاح، بدل دمي اللي محروق بسببك طول النهار ده؟ همست بنعومة: _ليه الأذية طيب؟
هو أنا كنت عملت إيه لكل ده؟ _جننتيني ووحشتيني وخليتيني زي عيل مراهق بنط من الشبابيك عشان بس آخدك في حضني ثواني. لعبت بيدها على ذقنه وقالت: _طيب ما أنت كمان جننتني وخليتني مدمنة لريحتك، مبقتش أقدر يعدي عليا يوم من غير ما أشمها. إلى هنا وكفى. أخذ شفتيها بين شفتيه بلهفة، وهي بكل حب استقبلت قبلته بنفس شوقه وجنونه. رفع يده ليزيل عنها فستانها و... _هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ وأنت بتعمل إيه يا ولا.
ابتعدت عنه دلال بفزع، أم هو ضغط على شفتيه بغضب شديد وقال: _هو في إيه يا فوزية؟ أهلك ما علموكوش وأنتم صغيرين إن الباب ده اتعمل عشان نخبط عليه؟ قطعتي لي الخلف. بسخرية قالت: _كان علموك أنت الأول تحترم نفسك يا قليل الأدب يا سافل يا بجح. بتستفرد بالبنت الغلبانة وأنت عارف إنها متقدرش تقول لك لأ. رفع حاجبه بتعجب مردفاً: _أنتِ بتقولي إيه؟ دي مراتي وكله بمزاجها، صح يا بت؟ انطقي. نظرت لفوزية بخوف مردفة:
_لأ يا ماما، مش صدقيني، هو غصبني. ردد الكلمة بذهول: _غصبتك؟ جذبتها فوزية خلف ظهرها، ثم أشارت إليه بتحذير مردفة: _أيوة غصبتها، آمال أنت فاكر إيه؟ أنا بنتي متربية أحسن تربية ومتسلمش نفسها كده بالساهل. يلا يا بنت قدامي على بره، وانت عايزاك تختفي من البيت ده لحد بكره، بدل ما ألغي الجوازة دي خالص. لا يود أن دلاله لهما فاق الحد ونسوا من هو أيوب رسلان. فقال بغضب:
_لأ، هي شكلها هبت منكم انتوا الاتنين على الآخر ونسيتوا مين هو أيوب رسلان. طب قسماً بالله العظيم لهتنامي يا دلال في حضني الليلة. وكلمة كمان مش هيبقى نوم بس. قالت بخوف: _بس... _مفيش بس. على السرير يلا. بصباح ليلة الزفاف. وجد حاله يسير بخطوات ثقيلة لغرفة ابنه الروحي "خالد". أغلق على نفسه باب الغرفة وفتح غرفة الملابس، أخذ ثوبًا من عنده ووضع على أنفه مردفاً: _آه يا خالد، محدش في الدنيا دي قدر يكسر ضهري غيرك.
عاد لغرفة النوم وجلس على الفراش. مد يده لصورته المجاورة للفراش. مرر أصابعه عليها باشتقياق. عقله يذكره بكل لحظاتهما الماضية معا منذ ولادته وحتى يوم موته. بخجل شديد قال: _النهاردة فرحي على دلال. أنا عارف إنك كنت بتحبها، بس أنا كمان بقيت عاشق ليها. هبقى أناني المرة دي، هخليها بتاعتي دنيا وآخرة. سامحني يا خالد، لأني مش هقدر أضحي عشانك. سقطت من عينيه دمعة ألم. رفع الصورة لشفتيه ثم قبلها مردفاً: _سامحني.
أخذ نفسه بتعب ثم فتح أحد الأدراج ليضع الصورة. وجد الأشياء التي خرجت من سيارته بعد الحادث. تعلقت عيناه بفلاشة معلق بها ميدالية مكتوب عليها "دلال". انقبض قلبه وشعر بشيء بداخله يمنعه من فتحها. ومع ذلك، أخذها وخرج بها لجناحه. جلس أمام اللاب توب الخاص به بتوتر، ووضعها. اتسعت عيناه من اسم الملف "الليلة الأولى مع دلال". يستحيل أن يكون ما دلف لعقله حقيقي. فتحها ويا ليته لم يفعل. لم يتخيل بأبشع كوابيسه إن يري زوجته بعلاقة حميمية عارية بأحضان رجل
آخر وتردد بلذة مستمتعة: _خالد...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!