ضمتها ياسمين لصدرها وهي تراها تبكي بصمت، كفها يقيد بطنها وعينيها متعلقة بلا شيء. عقلها يردد جملة لم تتوقع أن تسمعها أبدًا: "أنتِ حامل". حامل؟ لماذا الآن؟ هل هي قادرة على تحمل ما يتبع تلك الجملة الصغيرة؟ تخلصت من عائلة رسلان بمعجزة، وتعلم جيدًا أن أيوب يرغب بهذا الطفل. قالها لها صراحة من قبل، يريد فتاة تشبهها. أغلقت عينيها بتعب فقالت ياسمين: _زعلانة عشان في حاجة هتربط بينك وبينه؟
لا تعلم حقًا، لا تعلم. انكمشت على حالها بين أحضان ياسمين أكثر مردفة: _مش عارفة. _من كلامك شكله بيحبك يا دلال. راجل زي أيوب رسلان لما يكتب على ست رسمي كبيرة قوي، لما يطلب طفل منك يبقى بيحبك. نصيحة مني روحي له وقولي له إنك حامل، خليه يرجعك قدام الناس وعيشي حياتك. أنتِ تستحقي حياة كويسة يا دودو.
خسرت. نعم خسرت حربًا وعدت نفسها بالفوز بها. من البداية كانت لعبتها حرق أيوب بنيران الحب دون أن تقترب منها. نفذت وعدها، لكنها بكل أسف احترقت معه. أبتعدت عن ياسمين بجسد متعب، ثم ألقت برأسها على الوسادة مردفة برجاء: _معلش يا ياسمين، ممكن أنام هنا شوية وبعدين هقوم أكمل شغلي. حدقت بها ياسمين بعتاب ثم هتفت: _إيه الكلام الفارغ ده؟ نامي طبعًا بابا بعد ما عرف قال إنك كده كده إجازة النهاردة. أغلقت عينيها بثقل شديد هامسة:
_شكرًا يا ياسمين. _العفو يا ستي. أروح أكمل حشو ضرس الراجل اللي سبته من الخضة عليكي ده. لم ترد. بالحقيقة لم يصل إليها الحديث لترد عليه. ضمت الوسادة لصدرها، وعقلها مصمم على الهروب الآن. هرب من الواقع ليذهب بها لعالم الخيال. رأت هناك خالد يبكي. أقتربت منه بخطوات مترددة، خائفة، حتى وصلت أمامه ثم همست: _مالك يا خالد؟ فيك إيه؟
ببريق من الأمل رفع عينيه إليها. قام من محله ليمسك كفها المرتجف بلهفة شديدة، وكأنه كان يبحث عنها من سنوات طويلة. حدق بها بنظرات يفوح منها الندم ثم قال: _أنا آسف. بتعجب قالت: _على إيه؟ _إني مكنتش الراجل اللي يليق بيكي. أي حاجة غلط وصلت لها النهاردة أنا السبب فيها يا دلال، سامحيني يمكن أقدر أرتاح. طلب منها الغفران وبعدها اختفى، حتى لم يسمع نتيجة طلبه. دارت حول نفسها بخوف قائلة: _أنت فين يا خالد؟ أين خالد؟ وأين هي؟
فتحت عينيها بتعب لتجد نفسها بغرفة المشفى. أخذت نفسها بالقليل من الراحة ثم قالت: _مسامحك يا خالد. *** بمنزل أبو الخير. للمرة الأولى يجلس جميع أفراد العائلة على طاولة الطعام. الحاج ناصر، السيدة زينب، نسمة، شامية، عزة والأطفال. وبالنهاية، على الطاولة، تجلس حنين. تشعر بالغربة بمكان لا تعرف به أحدًا. اشتاقت لحياتها القديمة، لعمها وبيتها، وحنان شقيقها. بلعت مرارة الشعور بحلقها ثم قالت برجاء: _ناصر.
خرجت شهقة قوية من الثلاث نساء، ومع ذلك لم تقدر واحدة بهن على إخراج كلمة. إلا نسمة التي قالت بسخرية: _إيه يا حبيبتي؟ أنتِ متعرفيش فرق السن والمقامات وإلا إيه؟ اسمه الحاج ناصر، ولكِ أنتِ بيبقى عمو الحاج كمان يا صغنن. ضرب ناصر على الطاولة، فحلت الصمت بأركان الغرفة. أشار لنسمة على طبقها ثم قال: _النهاردة الجمعة، بحب أفطر وسط عيالي. لو ناوية تعملي مشاكل، أطلعي شقتك يا نسمة. ردت بسرعة:
_مقصدتش حاجة يا حاج، والله أنا بس بقولها الصح فين والغلط فين. _خليكي في اللي ليكي بس. الباقي أنا ملزوم بيه. يلا يا حنين، خلصي أكل وورانا مشوار. تركت قطعة العيش من بين أصابعها ثم قالت بتوتر: _فين؟ _لما نوصل هتعرفي. _أنا شبعت. _طيب يلا. *** بقصر رسلان. سقطت جملة أيوب على رأس السيدة فوزية مثل النيران. حنين فعلت كل هذا؟ طفلتها الصغيرة شبه سلمت نفسها لرجل؟ شعر أيوب بضعف جسدها فساعدها على الجلوس على أقرب مقعد مردفًا بحنان:
_متخافيش، أنا مش هسيبها. سألته بتوهان: _مخافش؟ عايزني بعد كل اللي أنت قلته ده مخافش؟ طيب إزاي؟ دي البنت ضاعت يا أيوب. كل واحد فينا كان عايش حياته وسايب عيلة مراهقة في الدنيا لوحدها لحد ما حيوان زي ده لاعب في دماغها وضحك عليها. _فوزية، أنا جايبك هنا عشان تشوفي حنين. بلاش تبقي قاسية عليها الفترة دي، كفاية اللي بتعيشه.
أزالت دموعها بكف يدها ثم أومأت إليه بهدوء. دقائق وكانت سيارة الحاج ناصر تقف بمنتصف الصحراء. أشار إليها بعينيه مردفًا: _انزلي. أيوب ومدام فوزية برة، عايزين يشوفوكي. اتكلمي معاهم براحتك. ولما تخلصي، أنا مستنيكي هنا. علقت يدها بكفه بحركة تلقائية ثم همست برجاء: _أنزل معايا، أنا مش عايزة أبقى لوحدي. هي تري به أمانًا لتلك الدرجة؟ هل قلبه يود منه ضمها لصدره والعودة بها لمنزله حتى يبعدها عن الجميع؟
نعم. عند تلك النقطة، أبعد يدها عنه مردفًا ببعض الهدوء: _مش هينفع يا حنين، أنتِ مش عيلة صغيرة ودول أهلك. انزلي. حزن قلبها، تمنت لو شعرت به بجوارها. أومأت إليه بنظرات معاتبة، ثم فتحت باب السيارة وخرجت بلا كلمة. أحمق، وأصبح يسير معها مثلما تشاء. حمحم بخفة مردفًا: _أحم، استني، هنزل معاكي. اتسعت ابتسامتها بصمت، ليهبط من السيارة ويسير معها. اتجهت إليها فوزية وفتحت إليها أبواب أحضانها. ألقت نفسها بين أحضان عمتها وبكت.
فقالت فوزية: _حقك عليا يا حنين، حقك عليا إني اتجوزت وسبتك لوحدك يا بنتي. بس والله العظيم ما كنت أعرف إن هيحصل لك كده. _أنتِ ملكيش ذنب في أي حاجة يا تيته، أنا اللي عملت في نفسي كده. بس متأكدة إن عمو مش هيسيبني، صح يا عمو؟ ضم أيوب الاثنين لصدره معلقًا يديه حولهما مردفًا بقوة: _صح يا قلب عمك. *** بعد ساعتين، بمكتب أيوب. دلفت إليه السكرتيرة الجديدة ليزيل النظارة عن وجهه مردفًا بهدوء: _خير يا مريم؟ قالت مريم بأحترام:
_في واحدة برة طالبة تقابل حضرتك. _واحدة اسمها إيه يعني؟ _دلال يا فندم. هي قالتلي أقول لحضرتك دلال وحضرتك هتدخلها.
بداخله شيء انتفض. اشتاق، وقلبه أمره بالقليل من القرب حتى ينعم ببعض الراحة. ضغط على ورقة أمامه وهو لا يعلم ماذا يفعل. فتح شاشة اللاب توب أمامه، ورآها هي. بطلة خطفت قلبه من الداخل. جكيت من الجينز باللون الأسود، تحته بلوزة بيضاء قصيرة مع بنطلون من الجينز الأسود. خصلاتها المحببة إليه، حرمته منها، ورفعتها على شكل كعكة كبيرة عشوائية بمنتصف رأسها. جميلة، دلال دائمًا وأبدًا جميلة.
دقق بمعالم وجهها قليلاً ليري إرهاقًا شديدًا واضحًا عليها، فقال بهدوء: _دخليها، واعملي لنا واحد ليمون وواحد قهوة مظبوط. وما تدخليش حد علينا. أومأت إليه مردفة بهدوء: _تحت أمرك يا فندم. عاد بعينيه إليها ليجد يده تمر على كل تفصيل بها كأنها حقيقة أمامه، ثم أخرج تنهيدة طويلة بها الكثير والكثير من القلق: _يا ترى فيكي إيه يا دلال؟
حتى اسمها أشتاق لنطقه بأيام قليلة. آه منك يا أيوب، آه. طفلة صغيرة تتحكم بك من نظرة عين. دلفت المتحكمة بخطوات مترددة، لا تعلم إذا كانت تلك الخطوة صحيحة أم خطأ جديد يضاف إليها. وقفت أمام مكتبه ليحاول التحكم بحاله حتى لا يقوم بضمها إليه، مشيرًا إليها بالجلوس مردفًا: _أقعدي ارتاحي يا دلال.
جلست بجسد مرتجف وضمت يديها لبعض، لعلها تخفف من توترها. عقلها يحاول يخرج كلمة يبدأ بها الحديث ولم يجد، فظلت صامتة. هل أصبح يعلم ما بها من حركة جسدها المتوترة؟ بلهفة لم يقدر على إخفائها قال: _في إيه يا دلال؟ مالك؟ _هو أنت بتكرهني؟ بضياع سألت، وبضياع أكبر سقط عليه السؤال. كيف لها أن تقول ذلك؟ لم تشعر بأي مشاعر أراد أن تصل إليها طول فترة زواجهما؟ مسح على رأسه بتعب شديد وقال: _أنتِ شايفة كده؟
للأسف، لا تري ولا تعلم شيئًا. كل ما أمامها عبارة عن طرق مسدودة مجهولة الهوية، لا تعلم لها نهاية. فركت كفيها ببعض ثم قالت: _مش عارفة. ما بقتش عارفة أي حاجة ولا فاهمة إيه اللي بيحصل حواليا. حتى وجودي هنا دلوقتي مش عارفة جيت ليه ولا عايزة أقول إيه. بسالك سؤال، ممكن إجابته متريحنيش أو حتى تريحني، بس في الحالتين مش هتفرق في حاجة. أنا تعبانة وضايعة وحاسة إن كل ما باخد خطوة بغرق نفسي في طريق جديد ملوش نهاية. أنا خايفة.
قالتها وهي تتمني سماع كلمة واحدة منه تشعرها بالأمان. وهو كان خير ما يحقق إليها الأمنيات. قام من محله ثم جذب جسدها لتقف أمامه، ضم وجهها بين كفيه قائلاً بنبرة حنونة:
_خلاص يا دلال، ما بقاش في حاجة في الدنيا دي كلها تخليكي تخافي. الورقة اللي أنتِ عايزاها وقريب أوي هتبقى في إيدك. كليتك، وزي ما وعدتك، طول فترة دراستك هتبقى على حسابي وشغلك بعدها. وده مش شفقة مني، ده حقك. فخالد الله يرحمه، وفيا أنا كمان. عايزك ترتاحي وتتأكدي إن في أي وقت هتقولي فيه يا أيوب، هكون موجود في ضهرك، سندك وأمانك وحمايتك.
لأول مرة يعطي أحد إليها الأمان على طبق من ذهب. دق قلبها دقة غريبة عليها، ربما تشعر بها للمرة الأولى. همست بنعومة: _أيوب. يا الله على اسمه من بين شفتيها الجميلة. طلب قلبه قبلة صغيرة، ورفض عقله الإقتراب منها بعد الطلاق. رغم شوقه، إلا أنها أغلى من ذلك بكثير، فقال: _عايزة من أيوب إيه تاني يا دلوعة؟
لقبها الذي تكره أصبح الآن محببًا إليها. مررت لسانها على طرف شفتيها لتعطي إليها بعض الطراوة، لا هي كاذبة، هدفها الحقيقي إيقاف ارتجاف شفتيها الذي يعطي لإبن رسلان رسالة واضحة. ربما تقل منها، ثم قالت بتردد: _كان في طلب طلبته مني في آخر مرة كنا فيها مع بعض. أنا طلبت منك حاجات كتير أوي من أول ما شوفتك، وبصراحة أنت نفذتها كلها. فعشان كده أنا كمان نفذت طلبك. وووو... كنت عايزة يعني نبقى خالصين وما حدش له جمايل عند التاني.
طلبه؟ عن أي طلب تتحدث؟ لم يطلب منها إلا... سألها بتوهان: _طلب إيه ده يا دلال؟ حدقت به قليلاً ورأت لهفة عينيه. لهفة شجعتها على قول ما لديها، فقالت بدلال ناعم: _مش أنت كنت عايز بنت تبقى نسخة مني، تفضل تبص ليها على طول حتى وأنا مش موجودة؟ أومأ إليها بقلب مرتجف لتكمل بإبتسامة ناعمة: _أنا حامل. بس بصراحة مش عارفة هيبقي بنت نسخة مني وإلا ولد نسخة من أيوب رسلان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!