بعد أسبوع.. بمكتب أيوب.. دلف مصطفي بإبتسامة هادئة ليجد عينين أيوب متعلقة بعدة أوراق أمامه باهتمام شديد. حرك مصطفى رأسه بقلة حيلة ثم جلس على المقعد المقابل إليه مردفاً: _هنفضل على الحال ده كتير يا باشا ؟! أجابه أيوب دون النظر إليه قائلا: _أي حال ؟! _السكوت والشغل ليل نهار، لما أنت بتحبها طلقتها ليه ما كانت في أيدك؟ كانت بيده مرغمة، كانت تتلاعب به حتى جعلته يصل لحالته تلك. قذف القلم على سطح المكتب بقوة وقال:
_مش عايز سيرتها تيجي تاني يا مصطفي. _لأ يا أيوب أنا بتكلم معاك دلوقتي وأنا صاحبك مش موظف عندك، الحالة إللي أنت فيها دي غلط لحد أمتي كل ما تحب حاجة تسيبها لغيرك، جومانة هي إللي اختارت صاحب الفلوس وقتها واخوك كان عايش لكن دلال لأ خالد مات والحي أولي من الميت فوق بقي وشوف سنين عمرك إللي بتجري منك دي. أعصابه أصبحت لا تتحمل المزيد مكتفي بما يشعر به، فصرخ بغضب:
_هو ليه محدش قادر يفهمني دلال دي خالد فضل يتحايل عليا شهور عشان اقبل إنها تبقى واحده من عيلتنا وانا رفضت، دلوقتي عشان بقيت عايزها هدخلها العيله أنا مش اناني، دلال قربت مني مخصوص عشان تثبت لنفسها ان الراجل اللي رفضها هو الراجل اللي بيجري وراها دلوقتي عمرها ما حبتني وعمرها ما هتحبني يا ريت تفهمني يا مصطفى. حديث جرح كبريائه ومع ذلك قاله. شعر به مصطفي مثلما يشعر به دائما فقال:
_ماشي بس أنت لأزم تتجوز مش هشوفك بالشكل ده واقعد ساكت مفيش حاجة تقدر تنسيك ست غير ست زيها أتجوز يا أيوب. ربما الزواج حل مثالي للهروب، إمرأة جديدة تلف إلي حياته تأخذ وقته وتحل مكان إمرأة سرقت عقله. سند رأسه على ظهر المقعد بضياع وقال: _أتجوز ؟! هتجوز... بالجامعة.. انتهت دلال من محاضراتها واتجهت لكافتيريا الكلية. جلست على طاولتها المفضلة مع صديقتها الجديدة " ياسمين". سألتها بملل: _حضرتي المحاضرة يا دحيحة ؟! حدقت
بها دلال بسخرية وقالت: _نفس أعرف دخلتي طب إزاي يا ياسمين بجد ؟! ضحكت ياسمين بمرح مردفة: _الفلوس يا بنتي بتعمل كل حاجة. جملة بسيطة أصابت دلال بمنتصف صدرها، حالتها المادية منذ طلاقها من أيوب تحت الأرض ومع ذلك ترفض أخذ قرش واحد من المال الذي يرسله إليها مع مصطفي. سألتها ياسمين بحزن: _مش ناوية تقوليلي مالك يا دلال، من أول ما بقينا أصحاب وأنتِ حزينة. ماذا تقول ؟!
تخشي من معرفة صديقتها حقيقتها، كيف ستراها وماذا ستقول عليها ؟! حركت رأسها بتعب وقالت: _ياسمين أنا محتاجة أتكلم مع حد بس مش عارفة ممكن أبقي عاملة إزاي في نظرك لو عرفتي حكايتها عاملة إزاي. حدقت بها ياسمين بقلق وقالت: _قولي يا دلال متخافيش. قالت كل ما تريد قوله، ثقل كبير يحرق قلبها تخلت عنه مع سماع أحد إليها. سقطت دمعة من عينين ياسمين، أشفقت على دلال، عقلها لا يصدق أن تلك الجميلة حظها من الدنيا ما قالته.
سحبت مقعدها مقتربة به من مقعد دلال الباكية ثم رفعت كفها لتمر به على ظهرها مردفة بحنان: _كفاية عياط يا عبيطة أكيد إللي جاي أحسن كتير. مسحت دموعها بظهر يديها وقالت: _مش فارق معايا حاجة غير إني أخلص كلية واشتغل يا ياسمين. _لو على الشغل سهلة هقول لبابا تيجي معايا المستشفي. ببريق من الأمل قالت دلال: _مستشفى إيه يا ياسمين هو انتِ بتشتغلي؟! ضحكت ياسمين بمرح مردفة:
_هو بصراحه انا مش بشتغل ولا بتاعه شغل بس زي ما أنتِ عارفة بابي دكتور المستشفى دي بتاعته بقى له سنين من اول ما دخلت الكليه بيتحايل عليا اجي اتدرب عنده وانا رفضت، بس لاجل عيونك الحلوين دول هنروح احنا الاتنين سوا وهخليه يطلع لك مرتب. هل ضحكت لها الحياة فجأة ؟! نعم ضحكت، ابتسمت بسعادة غامرة ثم ألقت بنفسها داخل أحضان ياسمين مردفة بامتنان: _شكراً يا ياسمين بجد شكراً. ضربها ياسمين على ظهرها بخفة وقالت:
_شكرا على إيه يا مجنونة ده أنتِ أختي يلا بينا نعمل كبسة على بابي. _يلا. بقصر رسلان.. دلف أيوب لغرفة المعيشة وجد فوزية تجلس بانتظاره. ابتسم على معالم وجهها الغاضب ثم جلس على الأريكة بجوارها مردفاً: _قالبة وشك عليا ليه يا فوزية ؟! _بقي مش عارف يا بجح بقي لك أسبوع مختفي عايزة وأنا بدور عليك زي العبيطة. مسح على رأسه بتعب وقال: _وبتدوري عليا ليه ؟! جزت على أسنانها من الغيظ مردفة: _بقي مش عارف ليه ؟!
دلال من وقت ما خرجت معاك مجتش تاني اتصلت عليها أكتر من مرة قالت إنها في بيتها بترتب شوية حاجات وجاية، ده طبعاً غير الحية إللي دخلتها بأيدك البيت من أول وجديد. يعلم بموضوع الحية من البداية لكنه لأول مرة يعلم برحيل دلال. وجد حاله يضرب بكل أفكاره عرض الحائط ويقوم من مكانه مردفاً: _إزاي يا فوزية تبقي برة البيت أسبوع من غير ما أعمل ؟! _وأنت كنت فين عشان أقولك ؟! أخذ هاتفه المحمول ومفاتيح سيارته من فوق الطاولة وقال:
_هجيبها. مينفعش تبات برة البيت. ابتسمت فوزية بخبث ظاهر مثل الشمس على عينيها ثم قالت: _عندك حق مينفعش تبات برة البيت، بنت حلوة وصغيرة وارملة العين عليها ومتقدرش تقعد من غير راجل أكتر من السنة إللي قاعدة فيها. ضيق بين عينيه مردفاً بشك: _أنتِ عايزة إيه بالظبط يا عمتي ؟! _تتجوزها يا قلب عمتك، البنت قمر وأنا وأنت عارفين إنها لو ناوية تتجوز مفيش غيرك هيأخدها. حدق بها بذهول، هل تريد أن تزوجه دلال ؟! سألها:
_أتجوز مرات خالد ؟! _خالد مات يا أيوب، البنت غلبانة حبته وطلعت خسرانة ست من غير ورقة جواز، عوض نفسك عن كل إللي فات بيها وعوضها هي كمان بيك يا قلب عمتك. نعم بداخله شعور يتمني على تعويض حاله بها، يتمني لو أصبحت مكافأة نهاية خدمته طوال السنوات الماضية. أغلق عينيه بتعب وذهب بلا كلمة. أوقفه بالحديقة صوت جومانة الناعم بإسمه: _أيوب استني. سألها بهدوء: _خير يا جومانة ؟!
بدلال مفرط أقتربت منه، مع هذا القرب أخذ باله من فستانها الأصفر القصير مفتوح الصدر، يبدو إنها تحاول اغرائه وتأكد مع ميل جسدها عليه ليظهر صدرها أكثر مردفة: _عايزة منك خدمة. أبتعد عنها خطوتين وقال: _قولي الخدمة وأنتِ بعيد. مطت شفتيها بحزن شديد مردفة برجاء: _في إيه يا أيوب قبل ما أقرب منك خطوة تبعد عني ألف؟! _وايه إللي بنا يخليني أقرب منك يا أم خالد ؟! جملته كانت رسالة صريحة بأنها كانت زوجة أخيه فقالت بغضب:
_إيه أم خالد دي ؟! وبعدين ما أنت بتجبر خاطر أي ست عايزك اشمعنا أنا ؟! _فوقي لنفسك لو عايزة تفضلي عايشة في البيت ده يا جومانة وخليكي عارفة كويس أوي إنك هنا لأني عايزك هنا. رفضت بحركة سريعة من رأسها وقالت: _بلاش تتجوز البنت دي يا أيوب بلاش تحرق قلبي عليك تاني كفاية أول مرة. جذبها من ذراعها بقوة مردفاً: _كنتي وافقة تسمعيني أنا وعمتي زي العادة مش كدة يا جومانة ؟! بلعت ريقها بخوف وهمست بنعومة:
_مكنش قصدي أول ما الشغالة قالت أنك جيت نزلت جري عشان أشوفك سمعت كلام فوزية معاك بالصدفة، أبوس رجلك يا أيوب أرمي لها قرشين وخليها تغور في داهية، أنا خلاص اتطلقت وكلها كام شهر وأبقي حرة، اتجوزني وخلينا نحقق حلم زمان. فلتت منه ضحكة ساخرة، دفعها بعيداً عنه بجبروت ليسقط جسدها على أرضية المكان ثم قال:
_لو كان ليا مزاج ليكي كنت اخدتك بعد موت أخويا، أو حتى حنيت عليكي زي ما بحن على أي واحدة شمال وكتبت عليكي بحتة ورقة عرفي، ريحي نفسك يا جومانة لو أنتِ آخر ست في الدنيا هيحرم عليا المس ست. _كل ده ليه عشان كنت عيلة صغيرة مش فاهمة حاجة وسمعت كلام بابا ؟! ربنا بيسامح يا أخي أنت إيه ؟! كلما تذكر ما فعلته به كلما أراد إخراج روحها من بين ضلوعها. ألقي عليها نظرة محتقرة مردفاً:
_كفاية رخص يا أم الغاليين وقومي شوفي لك حاجة تشغلك غيري وأعرفي إن إللي واقف بيني وبينك وعامل حساب ليهم خالد وحنين وبس ؟! تركها وذهب لتقوم من مكانها بغل مردفة: _النهاردة هيبقى أخر يوم للبنت دي في الدنيا. بمنزل أبو الخير.. على باب غرفة المكتب كانت تقف حنين تضع أذنها لعلها تسمع ما بالداخل. أقتربت منها السيدة زينب وضربتها بخفة على رأسها مردفة:
_أنتِ عارفة لو الحاج فتح باب المكتب فجاه وشافك وأنتِ راميه ودنك كده هيعمل منك ايه؟! شهقت حنين برعب ثم فرت من أمام السيدة زينب بأقل من ثانية. تنهدت الأخري وقالت: _ربنا يفك كربك على خير يا بنتي وتمشي من هنا من غير ما ناصر يخسر أيوب. بداخل غرفة المكتب صرخ ناصر بغضب شديد: _أنت جايب بنتك وجاي ليه يا حلمي انا قولت لها قبل ما تطلع من هنا اني لما اقرر ارجعها هبقى اجيبها. نظر حلمي لنسمة بغضب ثم أبتلع ريقه بتوتر مردفاً:
_لو مش عايزها يا حاج هروح بيها انا مش جايبها عشان خاطر ارجعها، البنت نفسها تشوف مهران الصغير وعايزه تبوس دماغك. أخذ ناصر نفسه بالقليل من الهدوء ثم أشار إليها مردفاً: _بنتك قدامك أهي يا حلمي من يوم ما دخلت بيتي ما شافتش غير العزه والكرامه وحتى لما ما بقتش على ذمتي فضلت في شقتها مع ابنها معززة مكرمة بصرف عليها وعليكم، لما يبقى عندي ضيفة وتمد ايديها عليها في غيابي يبقى حساب بنتك ايه يا حلمي؟! أجابه حلمي بسرعة:
_والله العظيم يا حاج وما ليك عليا حلفان من ساعه ما دخلت بيتي وانا قاطم رقبتها على إللي عملته ده، احنا كلنا بنغلط يا حاج هخليها تبوس راسك ورأس ضيفتك بس خليها تشوف مهران الصغير. أخذت من العقاب ما يكفي وهو طوال حياته عادل. تنهد بتعب وقال وعينيه على نسمة: _اطلعي شقتك يا أم مهران وخدي ابنك معاكي وطلعي البنات لشامية في سكتك. ابتسمت نسمة بسعادة وقالت: _الله يخليك يا حاج. ركضت للخارج ليقول والدها بتوتر:
_مش عايزك تزعل مننا يا حاج أنت عارف زعلك غالي علينا. أشار إليه بالانصراف مردفاً: _روح يا حلمي شوف وراك إيه. ذهب حلمي فدلفت السيدة زينب بإبتسامة حنونة وقالت: _عين العقل يا ابني كل حاجه بتزيد عن حدها بتتقلب ضدها وهما استكفوا لحد كده. أومأ إليها بهدوء مردفاً: _عندك حق يا حاجه قوليلي بقى عاملة لنا غدا ايه النهاردة اللي انا ميت من الجوع. _حنين يا سيدي هي اللي طبخت النهاردة صممت انها تاكلك من ايديها، انا مش مرتاحة يا ناصر.
يعلم ما تفكر بيه والدته وليكون صريح هو الآخر يشعر بأشياء عجيب. فقال: _إيه اللي مخليكي مش مرتاحة يا ام ناصر؟ _حنين من وقت ما صالحتها وأخدتها خرجتها وهي فيها حاجة غلط، أنا ست يمكن كبرت شوية لكن عارفه كويس أوي نظرة الست البنت دي قلبها بيدق لك يا ناصر وانا مش عايزه ده يحصل. تنهد بثقل وقال: _مفيش حاجة من الكلام ده هي بس اتعودت على وجودي ومبقتش خايفه مني زي الاول.
_مع اني مش مصدقاك بس ماشي يا ناصر قوم كلك لقمه من عمايل ايد حنين. بالخارج وضعت حنين الطعام على السفرة بشكل لطيف. رأت نسمة تقترب من مهران الجالس أمامها مردفة: _تعالى في حضني يا قلب امك وحشتني؟ ركض إليها الصغير بسعادة مردفاً: _خلاص يا ماما بابا رجعك تعيشي معانا تاني؟ ضمت صغيرها وعينيها على حنين مردفة بتحدي:
_طبعا وافق آمال أنت فاكر إيه يا مهران، الحاج ما يقدرش يعيش من غيري كتير ده إحنا عشرة عمر ومهما دخلوا الاغراب بينا هما اللي هيطلعوا من الليله خسرانين. أدارت ايصال رسالة واضحة لحنين ووصلت بكل بساطة. فابتسمت حنين مردفة: _حمد لله على السلامه يا ابله نسمه البيت نور؟ شهقت نسمة مردفة: _أبلة ؟! _طبعاً لأزم أحترم فرق السن اللي بنا. _وماله يا حبيبتي ما قلتليش بقى قعدتك هنا طولت ناويه تقولي الوداع أمتي ؟! _مش ناوية. _نعم ؟!
أشارت إليها حنين على باب غرفة المكتب مردفة: _نبقى نتكلم براحتنا بعدين الحاج قرب يخرج من الاوضه ولو شافك واقفه معايا مش بعيد يقلب عليكى تاني. هل تم تهديدها من تلك الفتاة الآن ؟! نعم نسمة حدث ذلك. رنين حذاء ناصر جعلها تنفذ ما قالته حنين وتذهب إلي شقتها. أخذت حنين نفسها براحة متذكرة رحلتها معه من أسبوع. فلاش باااك. وصلت سيارة ناصر أمام أحد المطاعم الشعبية، أشار إليها بالنزول مردفاً: _يلا حمد الله على السلامة انزلي.
دار عينيها بالمكان بفضول ثم قالت: _إحنا فين بالظبط ؟! _مطعم هيعجبك الأكل بتاعه جدا. مطعم ؟! هبطت معه من السيارة وعلامات الذهول ظاهرة على وجهها. فتح يده إليها لتشعر بشئ غريب يتحرك بداخلها. رفعت نظرها إليه لتري ابتسامته الحنون، وضعت يدها بداخل يده برضاء تام فأخذها للداخل. سحب إليها مقعد ثم قال: _اتفضلي يا حنون أقعدي. جلست بتوتر المكان من حولها عجيب، أجواء أقل من البسيطة حتي الأطباق من نوع الاستانلس. جاء
الجرسون ليقول ناصر بهدوء: _تحبي تأكلي حاجة معينة وإلا أطلب لك على ذوقي ؟! حركت كتفها بجهل ثم قالت ببراءة: _فين المنيو ؟! ضحك ناصر بخفة مردفاً: _لأ هنا مافيش مينو هنا، هنا في أكلات معروفة ممكن أقولك الأسماء وأنتِ تختاري. أومات إليه مردفة: _ماشي قول وأنا أختار. _بصي يا ست لو عايزة حاجة خفيفة يبقي كباب وكفتة، أما بقي لو حاجة دسمة تضرب سوا كوارع عكاوي ممبار رأيك إيه ؟! أتسعت عينيها بذهول، أسماء تسمعها لأول مرة.
لأ لأ سمعتها من قبل بالافلام. مررت لسانها على طرف شفتيها ثم قالت: _الحاجات دي أنا معرفش منها حاجة خالص إلا الكباب والكفتة ممكن أطلب منها. نفي بحركة بسيطة من رأسه مردفا: _لأ خليكي معايا هظبط دماغك. _ماشي خليني معاك. دقائق وأت الطعام، بدأ الجرسون بوضع الأطباق على الطاولة فأشار إليها ناصر بحماس: _يلا بسم الله. مع حماسه أخذت أول معلقة من شوربة مجهولة الهوية بالنسبة لها، رائعة حقا رائعة. سألها بترقب: _ها جامد ؟! _جدا.
_طيب يلا يا وحش أضرب بس بهدوء مش عايزين نروح المستشفي. كانت مجرد كلمة تحولت لحقيقة بعد نصف ساعة. وضعت يدها على بطنها بألم شديد ثم أطلقت صرخة قوية. سألها بقلق: _مالك يا بت في إيه ؟! _مش قادرة بطني بتتقطع. ساعة مرت ظل واقف بها أمام باب غرفة الكشف. ضرب الحائط بيده مردفاً: _غبي بقي البسكوتة دي تأكل كوارع ولحمة رأس. خرجت الطبية من الغرفة فأقترب منها بلهفة مردفاً: _هي مالها ؟! كويسة ؟! بهدوء قالت:
_ما تقلقش عليها يا حاج هي زي الفل بس من الواضح إنها أول مرة في حياتها تاكل الاكلات دي، احنا عملنا لها غسيل معده وعلقنا لها محلول يا ريت بقى تبعد كل البعد عن الاكلات اللي هي مش متعوده عليها. ترك الطبيبة وذهب إليها، بداخله شعور بالخوف لا يعلم مصدره أو ليكون صادق لأول مرة يشعر به. دلف إليها وجدها تنام على الفراش مغلقة العينين بملامح وجه شاحبة. جلس على المقعد المجاور للفراش مردفاً بنبرة حنونة:
_حقك عليا يا حنون أنتِ مش وش الاكل ده. رأت لهفة بعينيه دلفت لقلبها بلا سابق إذن، تعشق شعور الحنان أن تكون مهمة جدا بالنسبة لشخص ولها مكانة مرموقة بقلبه. همست بتعب: _خوفت عليا ؟! بتلقائية غريبة قال: _طبعا يا حنين لو مش هخاف عليكي هخاف على مين؟ لا يعلم كيف قال هذا ولكنه قاله بصدق. ابتسمت بشعور رائع من اللذة وهمست: _متخافش الحمدلله أنا كويسة جدا. انتهي الفلاش باك. من وقتها وحنين متعلقة بناصر، تهتم بأقل تفاصيله.
أتسعت ابتسامتها وهي تراه يقترب ومعه السيدة زينب. ابتسم إليها بحنان مردفاً: _الحاجة بتقول أنك صممتي تعملي الأكل النهاردة بنفسك. أومات بخجل ثم مدت كفها المرتجف لتأخذ طبقه، وضعت به القليل من الأرز وبطبق أخر وضعت كمية كافية من شوربة الكوارع مردفة: _هو بصراحه كنت حابة اشكرك على يوم العزومه فقررت اعمل لك الاكلة دي طالما بتحبها وطنط زينب وقفت معايا خطوه بخطوه لحد ما خلصت، يا رب تعجبك.
انتشاء رائع تغلغل بجميع أنحاء جسده، أخذ أول معلقة وقال بلذة ربما يكون سببها صاحبة الأكلة: _جامد. بلهفة قالت: _بجد ؟! _بجد. ضربت السيدة زينب على الطاولة بالقليل من الحدة ثم قالت: _لأزم تبقى حلوة ما أنا قايلة لها أنت بتحبها ازاي، اقعدي يلا يا حنين يا حبيبتي كلي قبل ما الأكل يبرد. بمشفي والد ياسمين.. فتحت ياسمين باب المكتب مشيرة لدلال بالاقتراب. تحركت دلال بخطوات متوترة ثم مالت على ياسمين هامسة بخوف: _رفض صح ؟!
اجابتها بسعادة: _رفض إيه يا مجنونة ده مصدق إن في حد جابني هنا. _بجد ؟! _أيوة بجد يلا بقى بابي عايز يسلم عليكي. دلفت معها بخطوات مترددة. رأت رجل وقور ظاهر عليه الغناء والرقي. أبتسم إليها مردفاً: _تعالي يا ست دلال أنا قررت أشكرك بنفسي. أشارت لنفسها بتعجب مردفة: _حضرتك عايز تشكرني أنا ! على إيه ؟! ضحك السيد حسن وقال: _اقنعتي ياسمين تشتغل في المستشفي ودي حاجة كبيرة عندي.
_لأ طبعاً يا فندم أنا إللي المفروض أشكر حضرتك على الفرصة الكبيرة دي. رد بجدية: _مفيش شكر ولا حاجة أنتِ عندي زيك زي ياسمين بالظبط من بكرا بعد الكلية تبقوا هنا يا دكاترة مفهوم. دلال/ ياسمين: _مفهوم. بشقة دلال.. انتهت خلود من إعداد الغداء فدق هاتفها برقم دلال. فتحت الخط مردفة بقلق: _أنتِ فين يا بنتي متأخرة على معادك النهاردة ساعتين؟! جائها صوت دلال السعيد: _قوليلي مبروك يا خوخة. _مبروك يا قلب خوخة بس على إيه ؟!
رجعتي للباشا ؟! _لأ لقيت شغل مستشفى كويسة أوي ووافقوا كمان إني أحضر بعد الجامعة. قفزت خلود من مكانها بسعادة مردفة: _قولي والله العظيم. _والله العظيم يا ستي. _طالما الموضوع بجد تعالي بسرعة أنا عاملة ورق العنب إللي بتحبيه. _طايرة. دق باب المنزل فقالت خلود بتعجب: _هو حد يعرف العنوان بتاعك يا دودو ؟! _لأ روحي أفتحي يمكن البواب. _طيب سلام أنتِ لما أشوف مين. أغلقت معها الهاتف وذهبت لباب المنزل.
بداخلها أمنية واحدة أن يكون الطارق مسعد، تتمني لو يفعل من أجلها شئ بسيط لعلها تشعر بقيمة نفسها. سقطت أحلامها أرضاً وهي تراه رجل غريب له هيبة مرعبة. همست بتعجب: _أيوب باشا ؟! بعد نصف ساعة دلفت دلال للشقة بعد يوم مرهق ومع هذا الإرهاق كان رائع. ألقت بحقيبتها على الأرض وقالت: _بنت يا خلود فين ورق العنب ؟! آت إليها صوت حركة بغرفة الصالون فدلفت. هل هو أمامها الآن ؟! يجلس بكل هدوء واضعا ساق فوق الآخر.
سارت رجفة بكل جسدها وكأنه يعلن الاشتياق بكل أسف. همست بتردد: _أيوب ؟! يا الله لما تزيد الأمر سوء بخروج خروف اسمه من بين شفتيها ؟! أخذ نفس عميق ليبقي على أكبر قدر من الهدوء ثم قال: _مشيتي من القصر ليه يا دلال ؟! كان سؤال غير منطقي بالنسبة لها، هل ات فقط من أجل ذلك ؟! لم يشتاق ؟! رفض كبريائها قول ما بداخلها فقالت بهدوء: _حكاية خلصت ووجودي في القصر ملوش معني، بس مش غريبة شوية تيجي بعد أسبوع ؟!
يجب عليه التحلي بالهدوء لآخر لحظة. فقال: _مكنتش في القصر عرفت النهاردة من عمتي، لمي هدومك ويلا يا دلال. تشعر بالغيظ يأكل أعماق قلبها، ضغطت على كفها وقالت: _أنا في بيتي يا باشا. رفع حاجبه بسخرية مردفاً: _وبيت خالد مش ليكي حق فيه ؟! _لأ ماليش قدام الحكومة أنا عمري ما كنت مرات خالد حتي قدام ربنا جواز ناقص كدة كدة ماليش حق يا باشا حقي اخدته منك بالشقة دي وكتر ألف خيرك على كدة. كبريائه منعه من طلبها للعيش بمنزله فقام
من فوق المقعد بهدوء قائلا: _تمام يا دلال ربنا يوفقك في حياتك إللي جايه. مر من أمامها مثل الطيف كأنها كانت تتخيله وذهب. ألقت بجسدها على المقعد مردفة بنبرة ضائعة: _ده مشي!! بأخر نهار اليوم التالي.. مرت دلال ملابسها الطبية خلف أحد الأطباء تتابع معه الحالات. من أول يوم دراسة مع عمال تشعر بالتعب، التعب الشديد يسيطر على جسدها. لحظة والثانية سقط جسدها على الأرض بأستسلام تام للهروب. لا تعلم ما مر إلا أنها فتحت عينيها
على صورة ياسمين القائلة: _قومي يا موكوسة من أول يوم شغل بيغمى عليكي. _هو إيه إللي حصل ؟! _وقعتي وجبناكي هنا علقنا لك محاليل وسحبنا منك شويه دم نعمل لك تحليل دم شامل أهو نعالج لك الانيميا بالمرة. دلفت الممرضة بنفس اللحظة مردفة بسعادة: _شكل وشنا حلو عليكي يا دودو من أول يوم شغل ليكي معانا طلعتي حامل. _حامل ؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!