تحميل رواية دلال حرمت على قلبك بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
الفصل 8 — رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
أمام يخت عملاق بمدينة الساحل كانت تقف، كبرت دلال عام أخر وتعلمت به الكثير وعانت به أكثر وأكثر، زادت جمال وأصبحت أكثر أنوثة وخبرة بحياة النساء، خلعت ثوب البراءة والآن انطبع عليها إسمها وأخذت منه كل صفاتها. "دلال" إسم على مسمى صاحبة جمال مميز نادر، بشرة سمراء ناعمة بها لمعة الماسية، عيون واسعة تزينها بكحل يتبروز من حولها، عدسات بلون غريب بين الأزرق والأخضر تخفي خلفها لونها البني الداكن، خصلات بنية طويلة مموجة جعلتها مثل أحدي البطلات الكرتونية. خلفها حقيبة متوسطة الحجم بها القليل من الملابس، وبجوار...
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء سعيد
بكل هدوء قرر مصطفى الإنسحاب والعودة بعد قليل لأخذ جثة دلال.
رأته يغلق الباب خلفه فشعرت ببوادر خطر، فأخذت نفس عميق تخفي توتره خلفه وقالت:
_ أستأذن أنا بقى يا فندم.
كان صامت لأكثر من دقيقة، عينيه متعلقة بالورقة التي أعطتها له، قرأها مرة والثانية والثالثة حتى أتى صوتها الهادي يأخذ إذن بالخروج.
رفع عينيه إليها ثم أشار لها على الورقة:
_ أنتِ رافعة عليا قضية طلاق يا دلال؟
_ أنا هنا سكرتيرة حضرتك، تقدر لما تروح تتأكد من المدام إذا كانت رافعة قضية وإلا لأ.
تلعب به، أتى اليوم الذي يبقى به بين أصابع إمرأة، من أين أتت إليها الجرأة لتقف أمامه وتتحدث بكل تلك الاريحية؟
رأت تغير معالم وجهه وكأنه استوعب الكارثة أخيراً، أبتلعت ريقها وبدأت تعود للخلف بخطوات سريعة لعلها تقدر على الخروج من المكتب.
تجمدت مع عاصفة صوته الغاضب:
_ مكانك.
فعلت مثلما أمر، فقام بإلقاء الورقة خلف ظهره بعدما قسمها نصفين، ثم خلع جكيت بدلته وألقى به على أرضية الغرفة.
اتسعت عينيها مع كل خطوة يقترب بها منها حتى وصل أمامها، ابتسم إليها ابتسامة مرعبة وقال:
_ ادلعتي زيادة أنتِ لحد ما عقلك الصغيرة ده فهمك أنك ممكن تقفي قصادي وتطلعي سليمة مش كده؟
ابتلعت المرارة بحلقها وهي تسأل حالها عن أي دلال دللها إياه.
ردت عليه بابتسامة ساخرة:
_ وهييجي منين الدلع ده؟ بص يا باشا من غير لف ودوران كتير، اللي أنا عايزاه أخدته واللي أنت عايزه أخدته، يبقى كده خالصين.
رفع حاجبه وقال:
_ ده اللي هو إزاي بقى؟
_ واحدة عجبتك واخدتها، وأنا كنت بدور على عقد جواز وبقى دلوقتي معايا، خلاص كده إحنا خالصين وكل واحد فينا طالع مبسوط.
_ وما جيتيش تقوليلي الكلام ده في وشي وطلبتي الطلاق بدل ما ترفعي قضية ليه يا دلال؟
رفع رأسها بكل عزة نفس وقالت:
_ ما إحنا عشان نبقى خالصين ومبسوطين يا باشا لازم قصاد الإهانة اللي أخدتها منك آخد حقي، وبصراحة ما لقيتيش طريقة مناسبة ممكن تشفي غليلي وترد لي كرامتي غير القضية دي.
شهقت برعب عندما ضرب الحائط خلفها، هذه الفتاة تثير جنونه بأقل مجهود منها، أيوب رسلان تجرأت عليه إمرأة ورفعت عليه قضية طلاق، مهزلة ما يعيشه الآن مهزلة.
ضم ذقنها إليه بقوة وقال:
_ تفتكري يا دلال إن أيوب رسلان ممكن يسكت على عاملة زي اللي أنتِ عملتيها دي؟
حركت كتفها بثقة تتغلب بها على ألم وجهها وهمست:
_ ما عنديش أي حاجة أخسرها أو أخاف عليها يا باشا عشان أعمل حسابي قبل ما أقف قصادك.
أومأ إليها بجبروت وقال:
_ عندك حق، أنتِ ما عندكيش حاجة ولا حد تخافي منه أو عليه، بس تفتكري يا دكتورة كلمة دكتورة مش كلمة تستحق يتخاف عليها؟
ها هو يقدم إليها تهديد صريح بآخر ما لديها بالحياة، حلمها يضعه أسفل قدمه ويهددها بفرمه.
رأى بعينيها نظرة خوف جعلته يعود للشعور بالسيطرة عليها، فأبتعد عنها مكملاً بنفس الجبروت وعينه على ساعته:
_ دلوقتي الساعة 11:00 الصبح، معاكي 24 ساعة، لو ما تنازلتيش عن القضية ونفذتي المطلوب منك كزوجة مطيعة هندمك على اللحظة اللي طلعتي فيها اليخت وقررتي تلعبي بيا يا دلال.
ظلت ثابتة ترفض الخضوع وقالت:
_ اللي عندك اعمله من دلوقتي، لأن مش هتنازل بالعكس ده هيبقى يوم المنى لما القضية تبقى على كل لسان، أنا لو منك أخاف، أنت اسمك واسم عيلتك الكريمة مهم أوي يا باشا.
أشار إليها بكف يده على رقم اثنين وقال:
_ عدي من الـ 24 ساعة دقيقتين، والوقت اللي بيضيع ده مش في مصلحتك.
_ ما قولتلك مش فارق معايا.
عاد ليجلس على مقعده بكل أريحية ثم وضع ساق فوق الأخرى بهدوء مردفاً:
_ على شغلك يا دلال.
_ أفندم؟
_ أفندم إيه؟ من الأول اتفقنا إن شغلك هنا كسكرتيرة ما لوش أي علاقة بجوازنا، روحي على شغلك.
اهتزت من هدوئه وهذا طبيعي جداً، ضمت كفيها لبعض كأنها تحمي نفسها وتبث بداخلها الأمان ثم قالت بعملية:
_ تحت أمرك يا فندم، تؤمر بحاجة تانية؟
ابتسم إليها وقال:
_ فنجان القهوة بتاعي من إيدك بيظبط دماغي.
_ حاضر.
***
مساءً على الكورنيش.
اقتربت دلال من مسعد المنتظر قدومها، وجدته يحدق بها بلهفة مشتاق، فخرجت منها تنهيدة طويلة قبل أن تمد يدها إليه مردفة:
_ ازيك يا معلم؟ ليك وحشة والله.
ضم يدها إليه والشوق يحرقه، رؤيته لها تعيد إليه الروح من جديد.
جذبت يدها بقوة وقالت:
_ مسعد ركز معايا بدل ما قسماً بالله أسيبك وأمشي.
انتبه لحديثها وقال:
_ في إيه يا دلال؟ داخلة فيا شمال كده ليه؟
_ ما فيش، عايزك تركز معايا وتطلع الصراصير اللي جوه دماغك دي، عشان اللي جاي محتاج دماغ شغالة.
زفر بضيق وقال:
_ أنا مش فاهم منك حاجة يا دلال، طلبتي تشتري شقة واشتريتها لك، في إيه تاني؟ وجبتي فلوس الشقة دي منين؟
وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها وقالت:
_ مش مهم الفلوس منين، المهم إنها موجودة، دفعت مصاريف كلية الصبح وتمن الشقة أهو.
مدت يدها إليه بحقيبة المال فأخذ منها الحقيبة بتردد مردفاً:
_ إيه اللي في دماغك بالظبط يا دلال؟ أنا مش فاهمك، وما فيش حاجة اسمها مش مهم الفلوس منين، أنتِ سرقتي راجل ولا إيه؟
رفعت حاجبها بسخرية وقالت:
_ ولو عملت كده فعلاً إيه اللي هيحصل يعني؟ ولا فين المشكلة؟
انتفض بعيداً عنها برعب مردفاً:
_ يخرب بيتك ويخرب بيت سنينك السودة، إيه اللي هيحصل؟ ده مش بعيد يطلع بروحك وروحك، ده أيوب رسلان يا بت ركزي.
_ ما تقلقش، هي الفلوس دي فعلاً منه، بس واخداها بمزاجه، مش سرقة ولا حاجة. المهم دلوقتي إن بقى عندي شقة باسمي.
سألها:
_ ما ترسيني على الدور يا دلال، عايزة الشقة دي في إيه وأنتِ عايشة معاه؟
_ لأ، ما هو أنا رفعت عليه قضية طلاق.
قالتها ببساطة شديدة جعلت الآخر يحدق بها بذهول وقال:
_ قضية طلاق على أيوب رسلان؟
_ امممم، على أيوب رسلان. يلا هات مفتاح شقتي والعقد وأخرج من هنا.
_ دلال أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟ الراجل ده ما ينفعش معاه هزار، صدقيني ده ممكن يدفنك وما حدش هيعرف لك طريق.
_ ريح نفسك يا مسعد، أنا مش عيلة صغيرة وعارفة بعمل إيه كويس، وما تخافش أنت كده كده بره الليلة، أنا اللي واقفة قدامه.
صرخ بغضب:
_ لأ، عيلة صغيرة وغبية كمان. لما أنتِ ناوية تطلقي منه، خليتيه يعرفك ليه؟ ما كنتي بعيد عن عينه، دخلتي برجلك في وسط النار ليه؟
ردت عليه بنفس الغضب وقالت:
_ أنت بجد بتسألني دخلت ليه؟ أنا ما كانش معايا ورقة تثبت إن إني ست متجوزة، عارف أنا كنت هبقى قدام الناس إيه؟
طفح به الكيل فقال:
_ أنتِ كدابة، لأنك ما كنتيش محتاجة ورقة الجواز. لو كنتي محتاجة بس ورقة، كنتي وافقتي إني أكتب عليكي، لكن أنتِ عينك طمعت في فلوس رسلان.
حدقت به بذهول، تشعر أنها تراه لأول مرة، حركت رأسها بحسرة وقالت:
_ لو كنت عايزة الفلوس، كنت أخدتها من خالد الله يرحمه. رفضت أخليك تكتب عليا لأننا عارفين كويس أوي دماغك فيها إيه من ناحيتي، أنت أخويا وبس يا مسعد، أخويا وجوز أختي. حط ده في دماغك لو مش عايزنا نخسر بعض.
_ دلال أنا...
أخذت منه المفتاح والعقد وقالت بهدوء:
_ مش عايزة أسمع كلام تاني. نصيحة مني، لو لفيت الدنيا دي كلها مش هتلاقي ست تحبك زي دخلود. حافظ عليها بدل ما يجي يوم وتندم إنك ضيعتها من إيدك. الصبح هبقى أقابلك هنا أديك العقد بعد ما أمضيه عشان نروح نوثقه. سلام.
تركته بعدها وذهبت بخطوات سريعة.
مسح على خصلاته بتعب وقال:
_ مش عايز غيرك يا دلال، يا ريت تفهمي كده. لا فارق معايا حب خلود ولا فارق معايا أي حاجة في الدنيا قصاد نظرة من عينك.
على بعد مسافة صغيرة صعدت دلال لسيارة الأجرة، وخلفها سيارة أخرى بها أحد رجال أيوب.
التقط إليها صورة مع مسعد وبعثها لسيده ثم قام بالاتصال عليه.
صوت أيوب يقول:
_ ها إيه الأخبار؟
_ وقفت شوية مع الراجل ده يا باشا وأخدت منه ملف وبعدين مشيت، وأنا وراها دلوقتي بالعربية.
_ ماشي، خلي عينك عليها 24 ساعة، لو اتنفست عد لي عدد أنفاسها.
_ أمرك يا باشا.
***
أغلق أيوب الهاتف عند وقوف سيارته أمام منزل أبو الخير.
حدق بباب المنزل وهو مشتاق لرؤية صغيرة قلبه، يشعر بالحنين الشديد رغم غضبه منها.
قبل أن يدق على الباب وجد ناصر يفتحه إليه وعلى وجهه ابتسامة مرحبة، مردفاً:
_ الباشا بنفسه عندنا، وأنا أقول الحارة منورة ليه.
رد إليه أيوب الابتسامة ثم قال بمرح خفيف:
_ يعني أنت عرفت إن أنا اللي بخبط من نور الحارة مش من رجالتك اللي رنوا عليك من أول ما دخلت المكان؟ يا راجل قول كلام يدخل العقل.
قهقه ناصر بمرح:
_ طول عمرك لماح يا باشا، اتفضل ادخل.
دلف معه بخطوات مترددة ثم قال:
_ هي حنين فين؟
_ مع الحاجة من وقت ما رجعت من البلد إمبارح، وهي مش راضية تسيب حنين خمس دقايق.
_ عايز أدخل لها يا ناصر.
_ البيت بيتك يا باشا، تعالى.
دق ناصر على باب غرفة والدته وقال بنبرة خشنة:
_ أيوب هنا وعايز يشوف حنين يا حاجة.
قبل أن ينهي جملته كانت اندفعت حنين لفتح باب الغرفة، رأت عمها أمامها كأنها رأت طوق النجاة، ركضت عليه ثم ألقت بثقل جسدها على صدره، أغلقت يديها على عنقه بقوة وهي تشعر أخيراً بالأمان بين يديه.
حاله كان أسوأ من حالها بكثير، بكى قلبه رغم أن عينيه فضلت الصمود، آخر ما تبقى إليه من رائحة شقيقه الغالي.
ضمها لصدره يعلن امتلأه للعالم بها، دلف إليه شعور مرعب بالخوف من خسارتها.
لمست دموعها عنقه فقال بنبرة مرتجفة:
_ حنين.
بكت أكثر وهمست بنبرة متقطعة:
_ حقك عليا يا عمو، سامحني أرجوك.
أبعدها عنه قليلاً كأن عقله تذكر فعلتها فقال بجمود:
_ عاملة إيه؟
سؤال بسيط جعلها تنفجر ببحر من البكاء:
_ مش كويسة يا عمو، مش حاسة بالأمان، عايزة أرجع بيتنا، خدني من هنا وأنا والله العظيم ما هطلع من القصر تاني ولا هعمل أي حاجة غلط، أنا تعبانة أوي ومش قادرة أتحمل المكان ده، مش شبهي، كل حاجة فيه مخيفة، مش عايزة أفضل هنا، خدني معاك يا عمو.
كان حديثها متقطع تضع كلمة من هنا على كلمة من هناك، لا تعلم ما يخرج منها، فقط تود العودة لأرض قوتها.
جذبها أيوب من جديد لأحضانه، يعجز، أغلق ذراعيه عليها وجعلها تبكي، أخذ يمسح على خصلاتها حتى هدأت فأبتعد عنها مردفاً:
_ مش هينفع ترجعي البيت طول ما الكلب ده ما فاقش، وجودك في البيت خطر، ممكن في أي وقت يتقبض عليكي، أنتِ في مصيبة يا حنين، وقعتي نفسك ووقعتينا فيها، كل اللي طالبه منك دلوقتي هو الصبر لحد ما أخرجك من المحنة دي.
ابتعدت عنه قليلاً وقالت ببراءة:
_ يعني حضرتك سامحتني؟
_ لأ يا حنين، لا هسامحك ولا هسامح نفسي غير لما تطلعي براءة.
_ بلاش تمشي، خليك معايا، أنا عايزة أنام في حضنك زي زمان.
كان ناصر يتابع ما يحدث بصمت وبجواره والدته، تدخلت الحاجة بالحديث مردفة:
_ أخص عليك يا واد يا أيوب، مكلبش في البنت من ساعة ما دخلت كأننا بنعذبها، حتى ما فكرتش تقولي ازيك يا حاجة.
ابتسم أيوب وثم اقترب منها بحب مقبلاً رأسها قائلاً:
_ لأ إزاي؟ هو أنا أقدر طبعاً، عاملة إيه يا ست الكل، طمنيني عليكي.
مررت السيدة زينب يدها على رأسه مردفة بحنان:
_ زي الفل يا أيوب وعايزاك تطمن على حنين، هي هنا في بيتها وفوق رأسي لحد ما ترجع لك بالسلامة.
ابتعد عنها أيوب قائلاً بصدق:
_ عارف اللي عندك يا حاجة. عايز أدخل مع حنين أوضتها.
_ أنت بتستأذن عشان تدخل أوضة في بيتك ده كلام برضو؟ ولا رأيك إيه يا ناصر؟ ناصر؟
وأين ناصر فهو غارق ببحر دموعها، مسح على خصلاته وقال:
_ بتقول حاجة يا حاجة؟
_ دماغك راحت فين يا ابني؟ بقولك أيوب بيستأذن عشان يدخل الأوضة مع حنين.
تحدث ناصر بعتاب:
_ عيب يا أيوب، البيت بيتك، حنين هتعرفك مكان الأوضة فين.
أخذها ودلف بها لغرفتها، وضعها على الفراش وبلا كلمة أخذ يمرر أصابعه بين خصلاتها حتى بدأت عينيها تذهب في النوم، فهمس بقلق:
_ حنين، قوليلي من غير خوف، الكلب ده لمسك؟
_ لأ والله لأ يا عمو.
حاول أخذ نفسه بالقليل من الراحة وصمت حتى شعر بها نامت بأنفاس منتظمة بين يديه مطمئنة البال والقلب.
***
بشقة دلال.
أغلقت عليها الباب بإحكام شديد ثم دلفت للمطبخ، بدأت بإعداد كوب كبير من النسكافيه بعقل متوتر لحد كبير.
باعت طقمين الألماس مقابل هذا المنزل الصغير ومصاريف جامعتها.
حدقت بكفها الموضوع به الخاتم لثواني وسألت نفسها بتردد: لما احتفظت بالخاتم بأصابعها؟
كانت الإجابة مجهولة الهوية ولكنها ترغب به.
انتهت من صب النسكافيه ثم حملته لغرفة نومها، وضعته على الطاولة المجاورة للفراش ثم فتحت هاتفها تشاهد مسلسلها المفضل.
رفعت عينيها بتلقائية على الساعة وكانت الثانية عشر بعد منتصف الليل، دلف لجسدها رجفة خائفة، الوقت يمر وهي تعلم أن أيوب رسلان لا يقول كلمة وتسقط أرضاً.
أغلقت عينيها وقالت:
_ ممكن تهدي شوية، هيعمل فيكي إيه أكتر من اللي أنتِ فيه؟ بعدين واحد زي ده مش هيعوز فضايح، بالكتير هيطلقني. لأ لأ يا دلال بلاش تكدبي على نفسك، مستحيل يستسلم بالبساطة دي، احميني منه يا رب.
عادت لفتح الهاتف لتري صورة كبيرة إليه مزينة للشاشة على منصة "فيسبوك" مكتوب فوقها "قريباً افتتاح أكبر سلسلة فنادق رسلان، لراجل الأعمال أيوب رسلان".
زفرت بضيق وألقت بالهاتف بعيداً عنها مردفة:
_ إيه اللي بيحصل ده؟ إيه اللي بيحصل بجد؟ ناقص يطلع لي في الحمام.
الكارثة الأكبر أنه آتٍ على سيرته.
سمعت رنين جرس المنزل فعقدت حاجبها بتعجب، لا يعلم محل منزلها أحد إلا مسعد.
انتفضت من مكانها مردفة بغضب وقالت:
_ ليلتك مش معدية يا مسعد، جالي بعد نص الليل، والله لنيمك النهارده في المستشفى.
ذهبت لتفتح الباب بغضب حل محله الرعب مع ابتسامة أيوب الباردة.
عادت خطوة للخلف بتردد مردفة:
_ أنت؟
دفعها بخفة للداخل ثم دلف مغلقاً الباب خلفه بإحدى قدميه مردفاً بقوة:
_ مين يتجرأ ويخبط على باب مرات أيوب رسلان في وقت زي ده غيره يا دلال؟
خطر هذا الرجل خطر كبير عليها، أشارت إليه بعدم الاقتراب منها أكثر وقالت بتقطع:
_ وأنت عرفت عنواني منين وجاي ليه؟
سحبها بقوة لتبقى بين أحضانه ثم همس بنبرة خشنة:
_ عرفت عنوانك منين؟ بصي يا ستي، النفس اللي بيخرج منك ببقى عارف إنه خرج وأنا بعيد عنك، عرفتي؟ عرفت عنوانك منين؟ السؤال الثاني بقى عايز أسمعه بشكل مختلف.
أثر عليها بحضوره، به رجولة تكفي لجميع بنات حواء، لديه من الهيبة ما يجعله يؤمر وأمره ينفذ بالحال فقط من نظرة عين.
سألته بنبرة مرتجفة:
_ مختلف إيه؟
_ تقوليلي جاي تعمل إيه يا جوزي يا حبيبي؟ هقولك جاي أنام في حضنك يا دلوعة.
حركت شفتيها بذهول قائلة:
_ دلوعة؟
أومأ إليها مردفاً بإبتسامة مثيرة:
_ أيوة، أنتِ من اللحظة دي دلوعة الباشا.
هل أثر عليها؟ نعم أثر.
هل ذابت بين يديها بأقل مجهود؟ نعم ذابت.
هل شعرت بارتفاع حرارة جسدها؟ نعم بكل أسف شعرت.
مال برأسه عليها وعينيه متعلقة بشفتيها المرتجفة متلذذاً بحلاوة قربها.
هنا دق جرس الإنذار بعقلها، انتفضت بعيداً عنه وقالت بعصبية:
_ أياك تقرب مني يا قليل الأدب يا سافل، أنت فاكرها سايبة وإلا إيه؟
تحولت معالم وجهه الهادئة لأخرى يتطاير منها شرارات الغضب، يشعر وكأن أحدهم جذب منه كوب من الماء بعد عطش دام لسنوات.
ضرب الحائط بقوة مردفاً بغضب:
_ شكلها هبت منك على الآخر، أنتِ مراتي يا بت يعني كل حاجة فيكي بتاعتي ومن حقي، أنتِ اللي مش من حقك تبعديني عنك حتى لو روحك بتطلع.
وضعت يدها على خصرها وقالت بغضب:
_ ده ليه بقى إن شاء الله؟ حد قال لك عني جارية؟ بقول لك إيه يا جدع أنت، امشي منها دلوقتي حالا بدل ما أصوت وألم عليك الناس، أنت ما تعرفش الناس في الأماكن اللي زي دي لما واحدة تصوت ويطلعوا عندها راجل ممكن يعملوا فيه إيه.
فلتت منه ضحكة ساخرة قبل أن يجلس على مقعد السفرة مردفاً:
_ هيعملوا فيكي أنتِ بصراحة، لما تبقى واحدة لسه أول يوم تسكن وبتدخل رجالة البيت، أنا عن نفسي ما دخلتلكيش غصب، خبطت وأنتِ فتحتي، يوم ما حد يدخل هيبقى الموضوع قدامهم إننا اختلفنا على الحساب، فروحتي مصوتة، وقتها بقى هتتطردي من البيت ده ويحدفوكي بالشباشب والطوب، وأنتِ ماشية زي ما عملوا مع ريا وسكينة كده.
خافت من كلماته وشعرت للحظة أنه محق، فقالت بتوتر:
_ طيب لو سمحت خد نفسك وامشي من هنا بهدوء، إحنا دلوقتي ما فيش بينا غير القضايا.
_ قضايا إيه يا دلوعة بس؟ ربنا ما يجيب قضايا، إحنا لحد دلوقتي ما فيش بينا غير قضية هبلة أنتِ رافعاها، خليكي شاطرة وروحي اسحبيها وارجعي لحضن جوزك باحترامك بدل ما تسحبيها غصب عنك وهترجعي برضو.
ردت عليه بتحدي:
_ بعينك.
أخذ نفسه بتعب وقام من محله مردفاً بجدية:
_ ماشي يا دلال، سوقي في الدلال لحد بكرة الساعة 11:00، 11:05 لو القضية ما اتسحبتش ولقيتك في الجناح عندي هتزعلي.
***
صباح اليوم التالي.
استيقظت دلال على صوت رنين هاتفها، مرت يديها على عينيها لتزيل أثر النوم عنها ثم ألقت بنظرها على شاشة الهاتف وجدت رقم أيوب، أغلقت الهاتف بوجهه مردفة:
_ مش هعكر يومك من أوله بصوتك وأسلوبك المستفز.
أتت إليها رسالة عبر تطبيق الواتساب، زفرت بضيق ورأتها "الساعة دلوقتي تسعة، باقي ساعتين يا دلوعة".
أصابتها رجفة ما بين اللذة والخوف، ضغطت على رقمه فأتى إليها صوته بالحال يقول:
_ يا صباح الدلع يا دلوعة.
ما هذا؟ ما هذا حقاً؟ كيف له أن يتحول بتلك الطريقة؟
صرخت بعصبية:
_ ما تقوليش الكلمة دي تاني عشان بتعصبني، وبطل تبعت لي في رسايل وتضغط على أعصابي، لأني مش بخاف ومش هخاف، ريح نفسك بقى.
سمعت رنين ضحكته العالي لعدة ثواني قبل أن يقول:
_ لو أعرف بس نوع حبوب الشجاعة اللي ضربتيها هسقف للي اخترعها.
_ أنت عايز إيه دلوقتي؟
_ ولا حاجة يا ستي، عايزك تقومي تاخدي شاور، تغيري هدومك، تلمي شنطتك وتلمي نفسك وترجعي على بيت جوزك، عمرك شفتي راجل حنين على مراته زي ما أنا حنين عليكي؟
زوجته؟ كلمة هزت شئ بداخلها، بلعت مرارة الشعور بحلقها ثم قالت:
_ بس أنا مش مراتك، أنا عشقتك، مش دي كلمتك برضو؟
لأول مرة يشعر بالندم على خروج كلمة من بين شفتيه، تنهد بثقل وقال:
_ كفاية رغي يا دلال ويلا غيري هدومك وانزلي، أنا مستنيكي تحت، هنروح نسحب القضية ونطلع الفندق نشوف شغلنا وبعدين هنروح قصر رسلان عشان هتعيشي معايا هناك فيه.
مسحت على خصلاتها بجنون وقالت:
_ أنا نفسي أفهم إيه اللي بقوله مش بيوصل لك ومش قادر تفهمه؟ أنا مش راجعة لك ومش خايفة منك ولا فارق معايا كلامك، ولو عايز تعمل حاجة اعملها وأعلى ما في خيلك اركبه يا أيوب يا رسلان.
انتظرت رده إلا أنها سمعت صفير الهاتف، ألقت الهاتف بعيداً عنها بحنق ثم قامت من مكانها لتستعد للذهاب لعملها.
بعد ساعتين كانت أمام العمارة وجدته يجلس بالمقعد الخلفي لسيارته ويشير إلى ساعته، حدقت بساعة هاتفها ودق قلبها بتوتر، باقي أقل من عشر دقائق على الساعة الموعودة.
اقتربت من السيارة وقالت بعصبية:
_ واقف تعمل إيه تحت البيت؟
أجابها بهدوء:
_ مستنيكي عشان نروح نتنازل عن القضية يا دلال، لحد دلوقتي أنا مش عايز أستخدم معاكي يا عنف.
_ لأ، استخدم العنف عادي، ولا يفرق معايا.
سألها لآخر مرة بصبر:
_ أنتِ متأكدة؟
_ أيوة متأكدة.
_ أخر كلام يعني؟
_ يا سيدي أيوة أخر كلام.
نظر للسائق الخاص به وقال بهدوء:
_ هي اللي اختارت اهو يا عم منصور، زي ما أنت شايف بنفسك، عشان ما ترجعش تقولي إن ما فيش في قلبي رحمة.
نظر إليها العم منصور وقال:
_ اخزي الشيطان يا بنتي واطلعي مع جوزك.
نظرت لأيوب بتعجب فقال ببراءة:
_ عم منصور كان سواق أبويا الله يرحمه، وبقوله كل أسراري، قولت له على اللي ناوي أعمله فيكي قالي يا ابني حرام دي برضو مراتك، قولتله يا عم منصور دي قليلة الأدب ولسانها طويل وعايزة تتربي، قالي يا ابني بلاش العنف، قولتله هتشوفها بنفسك وتحكم وزي ما أنا قولت اهو، طلعتي بتحبي العنف، أنا بشهد عم منصور عشان ما يرجعش يزعل مني.
كانت مذهولة من حديثه وقالت:
_ خلصت؟
_ أيوة.
_ طيب يلا اتفضل أمشي.
_ يا بنت الناس، طلعي الحكومة من ما بينا، أنا مش عايز أدخلهم.
_ لأ، دخلهم عادي.
أومأ إليها بأسف ثم دفعها للخلف ليغلق باب السيارة وقال للعم منصور:
_ يلا.
_ يا بني بس...
_ يلا يا عم منصور.
ذهبت سيارته من أمام عينيها لتقول بذهول:
_ هو في إيه؟
أتت إليها إجابة السؤال على شكل سيارة الشرطة.
وقفت أمامها ونزل منها ضابط ومعه ثلاث عساكر، قال بهدوء:
_ حضرتك المدام دلال السيد حسان؟
_ أيوة أنا يا فندم.
_ اتفضلي معانا، معانا أمر بالقبض عليكي.