بكل هدوء قرر مصطفى الإنسحاب والعودة بعد قليل لأخذ جثة دلال. رأته يغلق الباب خلفه فشعرت ببوادر خطر، فأخذت نفس عميق تخفي توتره خلفه وقالت: _أستأذن أنا بقى يا فندم. كان صامت لأكثر من دقيقة، عينيه متعلقة بالورقة التي أعطتها له، قرأها مرة والثانية والثالثة حتى أتى صوتها الهادي يأخذ إذن بالخروج. رفع عينيه إليها ثم أشار لها على الورقة: _أنتِ رافعة عليا قضية طلاق يا دلال؟
_أنا هنا سكرتيرة حضرتك، تقدر لما تروح تتأكد من المدام إذا كانت رافعة قضية وإلا لأ. تلعب به، أتى اليوم الذي يبقى به بين أصابع إمرأة، من أين أتت إليها الجرأة لتقف أمامه وتتحدث بكل تلك الاريحية؟ رأت تغير معالم وجهه وكأنه استوعب الكارثة أخيراً، أبتلعت ريقها وبدأت تعود للخلف بخطوات سريعة لعلها تقدر على الخروج من المكتب. تجمدت مع عاصفة صوته الغاضب: _مكانك.
فعلت مثلما أمر، فقام بإلقاء الورقة خلف ظهره بعدما قسمها نصفين، ثم خلع جكيت بدلته وألقى به على أرضية الغرفة. اتسعت عينيها مع كل خطوة يقترب بها منها حتى وصل أمامها، ابتسم إليها ابتسامة مرعبة وقال: _ادلعتي زيادة أنتِ لحد ما عقلك الصغيرة ده فهمك أنك ممكن تقفي قصادي وتطلعي سليمة مش كده؟ ابتلعت المرارة بحلقها وهي تسأل حالها عن أي دلال دللها إياه. ردت عليه بابتسامة ساخرة: _وهييجي منين الدلع ده؟
بص يا باشا من غير لف ودوران كتير، اللي أنا عايزاه أخدته واللي أنت عايزه أخدته، يبقى كده خالصين. رفع حاجبه وقال: _ده اللي هو إزاي بقى؟ _واحدة عجبتك واخدتها، وأنا كنت بدور على عقد جواز وبقى دلوقتي معايا، خلاص كده إحنا خالصين وكل واحد فينا طالع مبسوط. _وما جيتيش تقوليلي الكلام ده في وشي وطلبتي الطلاق بدل ما ترفعي قضية ليه يا دلال؟ رفع رأسها بكل عزة نفس وقالت:
_ما إحنا عشان نبقى خالصين ومبسوطين يا باشا لازم قصاد الإهانة اللي أخدتها منك آخد حقي، وبصراحة ما لقيتيش طريقة مناسبة ممكن تشفي غليلي وترد لي كرامتي غير القضية دي. شهقت برعب عندما ضرب الحائط خلفها، هذه الفتاة تثير جنونه بأقل مجهود منها، أيوب رسلان تجرأت عليه إمرأة ورفعت عليه قضية طلاق، مهزلة ما يعيشه الآن مهزلة. ضم ذقنها إليه بقوة وقال: _تفتكري يا دلال إن أيوب رسلان ممكن يسكت على عاملة زي اللي أنتِ عملتيها دي؟
حركت كتفها بثقة تتغلب بها على ألم وجهها وهمست: _ما عنديش أي حاجة أخسرها أو أخاف عليها يا باشا عشان أعمل حسابي قبل ما أقف قصادك. أومأ إليها بجبروت وقال: _عندك حق، أنتِ ما عندكيش حاجة ولا حد تخافي منه أو عليه، بس تفتكري يا دكتورة كلمة دكتورة مش كلمة تستحق يتخاف عليها؟ ها هو يقدم إليها تهديد صريح بآخر ما لديها بالحياة، حلمها يضعه أسفل قدمه ويهددها بفرمه.
رأى بعينيها نظرة خوف جعلته يعود للشعور بالسيطرة عليها، فأبتعد عنها مكملاً بنفس الجبروت وعينه على ساعته: _دلوقتي الساعة 11:00 الصبح، معاكي 24 ساعة، لو ما تنازلتيش عن القضية ونفذتي المطلوب منك كزوجة مطيعة هندمك على اللحظة اللي طلعتي فيها اليخت وقررتي تلعبي بيا يا دلال. ظلت ثابتة ترفض الخضوع وقالت:
_اللي عندك اعمله من دلوقتي، لأن مش هتنازل بالعكس ده هيبقى يوم المنى لما القضية تبقى على كل لسان، أنا لو منك أخاف، أنت اسمك واسم عيلتك الكريمة مهم أوي يا باشا. أشار إليها بكف يده على رقم اثنين وقال: _عدي من الـ 24 ساعة دقيقتين، والوقت اللي بيضيع ده مش في مصلحتك. _ما قولتلك مش فارق معايا. عاد ليجلس على مقعده بكل أريحية ثم وضع ساق فوق الأخرى بهدوء مردفاً: _على شغلك يا دلال. _أفندم؟ _أفندم إيه؟
من الأول اتفقنا إن شغلك هنا كسكرتيرة ما لوش أي علاقة بجوازنا، روحي على شغلك. اهتزت من هدوئه وهذا طبيعي جداً، ضمت كفيها لبعض كأنها تحمي نفسها وتبث بداخلها الأمان ثم قالت بعملية: _تحت أمرك يا فندم، تؤمر بحاجة تانية؟ ابتسم إليها وقال: _فنجان القهوة بتاعي من إيدك بيظبط دماغي. _حاضر. *** مساءً على الكورنيش. اقتربت دلال من مسعد المنتظر قدومها، وجدته يحدق بها بلهفة مشتاق، فخرجت منها تنهيدة طويلة قبل أن تمد يدها إليه مردفة:
_ازيك يا معلم؟ ليك وحشة والله. ضم يدها إليه والشوق يحرقه، رؤيته لها تعيد إليه الروح من جديد. جذبت يدها بقوة وقالت: _مسعد ركز معايا بدل ما قسماً بالله أسيبك وأمشي. انتبه لحديثها وقال: _في إيه يا دلال؟ داخلة فيا شمال كده ليه؟ _ما فيش، عايزك تركز معايا وتطلع الصراصير اللي جوه دماغك دي، عشان اللي جاي محتاج دماغ شغالة. زفر بضيق وقال: _أنا مش فاهم منك حاجة يا دلال، طلبتي تشتري شقة واشتريتها لك، في إيه تاني؟
وجبتي فلوس الشقة دي منين؟ وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها وقالت: _مش مهم الفلوس منين، المهم إنها موجودة، دفعت مصاريف كلية الصبح وتمن الشقة أهو. مدت يدها إليه بحقيبة المال فأخذ منها الحقيبة بتردد مردفاً: _إيه اللي في دماغك بالظبط يا دلال؟ أنا مش فاهمك، وما فيش حاجة اسمها مش مهم الفلوس منين، أنتِ سرقتي راجل ولا إيه؟ رفعت حاجبها بسخرية وقالت: _ولو عملت كده فعلاً إيه اللي هيحصل يعني؟ ولا فين المشكلة؟
انتفض بعيداً عنها برعب مردفاً: _يخرب بيتك ويخرب بيت سنينك السودة، إيه اللي هيحصل؟ ده مش بعيد يطلع بروحك وروحك، ده أيوب رسلان يا بت ركزي. _ما تقلقش، هي الفلوس دي فعلاً منه، بس واخداها بمزاجه، مش سرقة ولا حاجة. المهم دلوقتي إن بقى عندي شقة باسمي. سألها: _ما ترسيني على الدور يا دلال، عايزة الشقة دي في إيه وأنتِ عايشة معاه؟ _لأ، ما هو أنا رفعت عليه قضية طلاق. قالتها ببساطة شديدة جعلت الآخر يحدق بها بذهول وقال:
_قضية طلاق على أيوب رسلان؟ _امممم، على أيوب رسلان. يلا هات مفتاح شقتي والعقد وأخرج من هنا. _دلال أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟ الراجل ده ما ينفعش معاه هزار، صدقيني ده ممكن يدفنك وما حدش هيعرف لك طريق. _ريح نفسك يا مسعد، أنا مش عيلة صغيرة وعارفة بعمل إيه كويس، وما تخافش أنت كده كده بره الليلة، أنا اللي واقفة قدامه. صرخ بغضب: _لأ، عيلة صغيرة وغبية كمان. لما أنتِ ناوية تطلقي منه، خليتيه يعرفك ليه؟
ما كنتي بعيد عن عينه، دخلتي برجلك في وسط النار ليه؟ ردت عليه بنفس الغضب وقالت: _أنت بجد بتسألني دخلت ليه؟ أنا ما كانش معايا ورقة تثبت إن إني ست متجوزة، عارف أنا كنت هبقى قدام الناس إيه؟ طفح به الكيل فقال: _أنتِ كدابة، لأنك ما كنتيش محتاجة ورقة الجواز. لو كنتي محتاجة بس ورقة، كنتي وافقتي إني أكتب عليكي، لكن أنتِ عينك طمعت في فلوس رسلان. حدقت به بذهول، تشعر أنها تراه لأول مرة، حركت رأسها بحسرة وقالت:
_لو كنت عايزة الفلوس، كنت أخدتها من خالد الله يرحمه. رفضت أخليك تكتب عليا لأننا عارفين كويس أوي دماغك فيها إيه من ناحيتي، أنت أخويا وبس يا مسعد، أخويا وجوز أختي. حط ده في دماغك لو مش عايزنا نخسر بعض. _دلال أنا... أخذت منه المفتاح والعقد وقالت بهدوء:
_مش عايزة أسمع كلام تاني. نصيحة مني، لو لفيت الدنيا دي كلها مش هتلاقي ست تحبك زي دخلود. حافظ عليها بدل ما يجي يوم وتندم إنك ضيعتها من إيدك. الصبح هبقى أقابلك هنا أديك العقد بعد ما أمضيه عشان نروح نوثقه. سلام. تركته بعدها وذهبت بخطوات سريعة. مسح على خصلاته بتعب وقال: _مش عايز غيرك يا دلال، يا ريت تفهمي كده. لا فارق معايا حب خلود ولا فارق معايا أي حاجة في الدنيا قصاد نظرة من عينك.
على بعد مسافة صغيرة صعدت دلال لسيارة الأجرة، وخلفها سيارة أخرى بها أحد رجال أيوب. التقط إليها صورة مع مسعد وبعثها لسيده ثم قام بالاتصال عليه. صوت أيوب يقول: _ها إيه الأخبار؟ _وقفت شوية مع الراجل ده يا باشا وأخدت منه ملف وبعدين مشيت، وأنا وراها دلوقتي بالعربية. _ماشي، خلي عينك عليها 24 ساعة، لو اتنفست عد لي عدد أنفاسها. _أمرك يا باشا. *** أغلق أيوب الهاتف عند وقوف سيارته أمام منزل أبو الخير.
حدق بباب المنزل وهو مشتاق لرؤية صغيرة قلبه، يشعر بالحنين الشديد رغم غضبه منها. قبل أن يدق على الباب وجد ناصر يفتحه إليه وعلى وجهه ابتسامة مرحبة، مردفاً: _الباشا بنفسه عندنا، وأنا أقول الحارة منورة ليه. رد إليه أيوب الابتسامة ثم قال بمرح خفيف: _يعني أنت عرفت إن أنا اللي بخبط من نور الحارة مش من رجالتك اللي رنوا عليك من أول ما دخلت المكان؟ يا راجل قول كلام يدخل العقل. قهقه ناصر بمرح: _طول عمرك لماح يا باشا، اتفضل ادخل.
دلف معه بخطوات مترددة ثم قال: _هي حنين فين؟ _مع الحاجة من وقت ما رجعت من البلد إمبارح، وهي مش راضية تسيب حنين خمس دقايق. _عايز أدخل لها يا ناصر. _البيت بيتك يا باشا، تعالى. دق ناصر على باب غرفة والدته وقال بنبرة خشنة: _أيوب هنا وعايز يشوف حنين يا حاجة.
قبل أن ينهي جملته كانت اندفعت حنين لفتح باب الغرفة، رأت عمها أمامها كأنها رأت طوق النجاة، ركضت عليه ثم ألقت بثقل جسدها على صدره، أغلقت يديها على عنقه بقوة وهي تشعر أخيراً بالأمان بين يديه. حاله كان أسوأ من حالها بكثير، بكى قلبه رغم أن عينيه فضلت الصمود، آخر ما تبقى إليه من رائحة شقيقه الغالي. ضمها لصدره يعلن امتلأه للعالم بها، دلف إليه شعور مرعب بالخوف من خسارتها. لمست دموعها عنقه فقال بنبرة مرتجفة: _حنين. بكت
أكثر وهمست بنبرة متقطعة: _حقك عليا يا عمو، سامحني أرجوك. أبعدها عنه قليلاً كأن عقله تذكر فعلتها فقال بجمود: _عاملة إيه؟ سؤال بسيط جعلها تنفجر ببحر من البكاء: _مش كويسة يا عمو، مش حاسة بالأمان، عايزة أرجع بيتنا، خدني من هنا وأنا والله العظيم ما هطلع من القصر تاني ولا هعمل أي حاجة غلط، أنا تعبانة أوي ومش قادرة أتحمل المكان ده، مش شبهي، كل حاجة فيه مخيفة، مش عايزة أفضل هنا، خدني معاك يا عمو.
كان حديثها متقطع تضع كلمة من هنا على كلمة من هناك، لا تعلم ما يخرج منها، فقط تود العودة لأرض قوتها. جذبها أيوب من جديد لأحضانه، يعجز، أغلق ذراعيه عليها وجعلها تبكي، أخذ يمسح على خصلاتها حتى هدأت فأبتعد عنها مردفاً: _مش هينفع ترجعي البيت طول ما الكلب ده ما فاقش، وجودك في البيت خطر، ممكن في أي وقت يتقبض عليكي، أنتِ في مصيبة يا حنين، وقعتي نفسك ووقعتينا فيها، كل اللي طالبه منك دلوقتي هو الصبر لحد ما أخرجك من المحنة دي.
ابتعدت عنه قليلاً وقالت ببراءة: _يعني حضرتك سامحتني؟ _لأ يا حنين، لا هسامحك ولا هسامح نفسي غير لما تطلعي براءة. _بلاش تمشي، خليك معايا، أنا عايزة أنام في حضنك زي زمان. كان ناصر يتابع ما يحدث بصمت وبجواره والدته، تدخلت الحاجة بالحديث مردفة: _أخص عليك يا واد يا أيوب، مكلبش في البنت من ساعة ما دخلت كأننا بنعذبها، حتى ما فكرتش تقولي ازيك يا حاجة. ابتسم أيوب وثم اقترب منها بحب مقبلاً رأسها قائلاً: _لأ إزاي؟
هو أنا أقدر طبعاً، عاملة إيه يا ست الكل، طمنيني عليكي. مررت السيدة زينب يدها على رأسه مردفة بحنان: _زي الفل يا أيوب وعايزاك تطمن على حنين، هي هنا في بيتها وفوق رأسي لحد ما ترجع لك بالسلامة. ابتعد عنها أيوب قائلاً بصدق: _عارف اللي عندك يا حاجة. عايز أدخل مع حنين أوضتها. _أنت بتستأذن عشان تدخل أوضة في بيتك ده كلام برضو؟ ولا رأيك إيه يا ناصر؟ ناصر؟ وأين ناصر فهو غارق ببحر دموعها، مسح على خصلاته وقال:
_بتقول حاجة يا حاجة؟ _دماغك راحت فين يا ابني؟ بقولك أيوب بيستأذن عشان يدخل الأوضة مع حنين. تحدث ناصر بعتاب: _عيب يا أيوب، البيت بيتك، حنين هتعرفك مكان الأوضة فين. أخذها ودلف بها لغرفتها، وضعها على الفراش وبلا كلمة أخذ يمرر أصابعه بين خصلاتها حتى بدأت عينيها تذهب في النوم، فهمس بقلق: _حنين، قوليلي من غير خوف، الكلب ده لمسك؟ _لأ والله لأ يا عمو.
حاول أخذ نفسه بالقليل من الراحة وصمت حتى شعر بها نامت بأنفاس منتظمة بين يديه مطمئنة البال والقلب. *** بشقة دلال. أغلقت عليها الباب بإحكام شديد ثم دلفت للمطبخ، بدأت بإعداد كوب كبير من النسكافيه بعقل متوتر لحد كبير. باعت طقمين الألماس مقابل هذا المنزل الصغير ومصاريف جامعتها. حدقت بكفها الموضوع به الخاتم لثواني وسألت نفسها بتردد: لما احتفظت بالخاتم بأصابعها؟ كانت الإجابة مجهولة الهوية ولكنها ترغب به.
انتهت من صب النسكافيه ثم حملته لغرفة نومها، وضعته على الطاولة المجاورة للفراش ثم فتحت هاتفها تشاهد مسلسلها المفضل. رفعت عينيها بتلقائية على الساعة وكانت الثانية عشر بعد منتصف الليل، دلف لجسدها رجفة خائفة، الوقت يمر وهي تعلم أن أيوب رسلان لا يقول كلمة وتسقط أرضاً. أغلقت عينيها وقالت: _ممكن تهدي شوية، هيعمل فيكي إيه أكتر من اللي أنتِ فيه؟
بعدين واحد زي ده مش هيعوز فضايح، بالكتير هيطلقني. لأ لأ يا دلال بلاش تكدبي على نفسك، مستحيل يستسلم بالبساطة دي، احميني منه يا رب. عادت لفتح الهاتف لتري صورة كبيرة إليه مزينة للشاشة على منصة "فيسبوك" مكتوب فوقها "قريباً افتتاح أكبر سلسلة فنادق رسلان، لراجل الأعمال أيوب رسلان". زفرت بضيق وألقت بالهاتف بعيداً عنها مردفة: _إيه اللي بيحصل ده؟ إيه اللي بيحصل بجد؟ ناقص يطلع لي في الحمام. الكارثة الأكبر أنه آتٍ على سيرته.
سمعت رنين جرس المنزل فعقدت حاجبها بتعجب، لا يعلم محل منزلها أحد إلا مسعد. انتفضت من مكانها مردفة بغضب وقالت: _ليلتك مش معدية يا مسعد، جالي بعد نص الليل، والله لنيمك النهارده في المستشفى. ذهبت لتفتح الباب بغضب حل محله الرعب مع ابتسامة أيوب الباردة. عادت خطوة للخلف بتردد مردفة: _أنت؟ دفعها بخفة للداخل ثم دلف مغلقاً الباب خلفه بإحدى قدميه مردفاً بقوة: _مين يتجرأ ويخبط على باب مرات أيوب رسلان في وقت زي ده غيره يا دلال؟
خطر هذا الرجل خطر كبير عليها، أشارت إليه بعدم الاقتراب منها أكثر وقالت بتقطع: _وأنت عرفت عنواني منين وجاي ليه؟ سحبها بقوة لتبقى بين أحضانه ثم همس بنبرة خشنة: _عرفت عنوانك منين؟ بصي يا ستي، النفس اللي بيخرج منك ببقى عارف إنه خرج وأنا بعيد عنك، عرفتي؟ عرفت عنوانك منين؟ السؤال الثاني بقى عايز أسمعه بشكل مختلف.
أثر عليها بحضوره، به رجولة تكفي لجميع بنات حواء، لديه من الهيبة ما يجعله يؤمر وأمره ينفذ بالحال فقط من نظرة عين. سألته بنبرة مرتجفة: _مختلف إيه؟ _تقوليلي جاي تعمل إيه يا جوزي يا حبيبي؟ هقولك جاي أنام في حضنك يا دلوعة. حركت شفتيها بذهول قائلة: _دلوعة؟ أومأ إليها مردفاً بإبتسامة مثيرة: _أيوة، أنتِ من اللحظة دي دلوعة الباشا. هل أثر عليها؟ نعم أثر. هل ذابت بين يديها بأقل مجهود؟ نعم ذابت. هل شعرت بارتفاع حرارة جسدها؟
نعم بكل أسف شعرت. مال برأسه عليها وعينيه متعلقة بشفتيها المرتجفة متلذذاً بحلاوة قربها. هنا دق جرس الإنذار بعقلها، انتفضت بعيداً عنه وقالت بعصبية: _أياك تقرب مني يا قليل الأدب يا سافل، أنت فاكرها سايبة وإلا إيه؟ تحولت معالم وجهه الهادئة لأخرى يتطاير منها شرارات الغضب، يشعر وكأن أحدهم جذب منه كوب من الماء بعد عطش دام لسنوات. ضرب الحائط بقوة مردفاً بغضب:
_شكلها هبت منك على الآخر، أنتِ مراتي يا بت يعني كل حاجة فيكي بتاعتي ومن حقي، أنتِ اللي مش من حقك تبعديني عنك حتى لو روحك بتطلع. وضعت يدها على خصرها وقالت بغضب: _ده ليه بقى إن شاء الله؟ حد قال لك عني جارية؟ بقول لك إيه يا جدع أنت، امشي منها دلوقتي حالا بدل ما أصوت وألم عليك الناس، أنت ما تعرفش الناس في الأماكن اللي زي دي لما واحدة تصوت ويطلعوا عندها راجل ممكن يعملوا فيه إيه.
فلتت منه ضحكة ساخرة قبل أن يجلس على مقعد السفرة مردفاً: _هيعملوا فيكي أنتِ بصراحة، لما تبقى واحدة لسه أول يوم تسكن وبتدخل رجالة البيت، أنا عن نفسي ما دخلتلكيش غصب، خبطت وأنتِ فتحتي، يوم ما حد يدخل هيبقى الموضوع قدامهم إننا اختلفنا على الحساب، فروحتي مصوتة، وقتها بقى هتتطردي من البيت ده ويحدفوكي بالشباشب والطوب، وأنتِ ماشية زي ما عملوا مع ريا وسكينة كده. خافت من كلماته وشعرت للحظة أنه محق، فقالت بتوتر:
_طيب لو سمحت خد نفسك وامشي من هنا بهدوء، إحنا دلوقتي ما فيش بينا غير القضايا. _قضايا إيه يا دلوعة بس؟ ربنا ما يجيب قضايا، إحنا لحد دلوقتي ما فيش بينا غير قضية هبلة أنتِ رافعاها، خليكي شاطرة وروحي اسحبيها وارجعي لحضن جوزك باحترامك بدل ما تسحبيها غصب عنك وهترجعي برضو. ردت عليه بتحدي: _بعينك. أخذ نفسه بتعب وقام من محله مردفاً بجدية:
_ماشي يا دلال، سوقي في الدلال لحد بكرة الساعة 11:00، 11:05 لو القضية ما اتسحبتش ولقيتك في الجناح عندي هتزعلي. *** صباح اليوم التالي. استيقظت دلال على صوت رنين هاتفها، مرت يديها على عينيها لتزيل أثر النوم عنها ثم ألقت بنظرها على شاشة الهاتف وجدت رقم أيوب، أغلقت الهاتف بوجهه مردفة: _مش هعكر يومك من أوله بصوتك وأسلوبك المستفز.
أتت إليها رسالة عبر تطبيق الواتساب، زفرت بضيق ورأتها "الساعة دلوقتي تسعة، باقي ساعتين يا دلوعة". أصابتها رجفة ما بين اللذة والخوف، ضغطت على رقمه فأتى إليها صوته بالحال يقول: _يا صباح الدلع يا دلوعة. ما هذا؟ ما هذا حقاً؟ كيف له أن يتحول بتلك الطريقة؟ صرخت بعصبية: _ما تقوليش الكلمة دي تاني عشان بتعصبني، وبطل تبعت لي في رسايل وتضغط على أعصابي، لأني مش بخاف ومش هخاف، ريح نفسك بقى. سمعت رنين ضحكته العالي
لعدة ثواني قبل أن يقول: _لو أعرف بس نوع حبوب الشجاعة اللي ضربتيها هسقف للي اخترعها. _أنت عايز إيه دلوقتي؟ _ولا حاجة يا ستي، عايزك تقومي تاخدي شاور، تغيري هدومك، تلمي شنطتك وتلمي نفسك وترجعي على بيت جوزك، عمرك شفتي راجل حنين على مراته زي ما أنا حنين عليكي؟ زوجته؟ كلمة هزت شئ بداخلها، بلعت مرارة الشعور بحلقها ثم قالت: _بس أنا مش مراتك، أنا عشقتك، مش دي كلمتك برضو؟ لأول مرة يشعر بالندم على خروج كلمة من بين شفتيه،
تنهد بثقل وقال: _كفاية رغي يا دلال ويلا غيري هدومك وانزلي، أنا مستنيكي تحت، هنروح نسحب القضية ونطلع الفندق نشوف شغلنا وبعدين هنروح قصر رسلان عشان هتعيشي معايا هناك فيه. مسحت على خصلاتها بجنون وقالت: _أنا نفسي أفهم إيه اللي بقوله مش بيوصل لك ومش قادر تفهمه؟ أنا مش راجعة لك ومش خايفة منك ولا فارق معايا كلامك، ولو عايز تعمل حاجة اعملها وأعلى ما في خيلك اركبه يا أيوب يا رسلان.
انتظرت رده إلا أنها سمعت صفير الهاتف، ألقت الهاتف بعيداً عنها بحنق ثم قامت من مكانها لتستعد للذهاب لعملها. بعد ساعتين كانت أمام العمارة وجدته يجلس بالمقعد الخلفي لسيارته ويشير إلى ساعته، حدقت بساعة هاتفها ودق قلبها بتوتر، باقي أقل من عشر دقائق على الساعة الموعودة. اقتربت من السيارة وقالت بعصبية: _واقف تعمل إيه تحت البيت؟ أجابها بهدوء:
_مستنيكي عشان نروح نتنازل عن القضية يا دلال، لحد دلوقتي أنا مش عايز أستخدم معاكي يا عنف. _لأ، استخدم العنف عادي، ولا يفرق معايا. سألها لآخر مرة بصبر: _أنتِ متأكدة؟ _أيوة متأكدة. _أخر كلام يعني؟ _يا سيدي أيوة أخر كلام. نظر للسائق الخاص به وقال بهدوء: _هي اللي اختارت اهو يا عم منصور، زي ما أنت شايف بنفسك، عشان ما ترجعش تقولي إن ما فيش في قلبي رحمة. نظر إليها العم منصور وقال: _اخزي الشيطان يا بنتي واطلعي مع جوزك. نظرت
لأيوب بتعجب فقال ببراءة: _عم منصور كان سواق أبويا الله يرحمه، وبقوله كل أسراري، قولت له على اللي ناوي أعمله فيكي قالي يا ابني حرام دي برضو مراتك، قولتله يا عم منصور دي قليلة الأدب ولسانها طويل وعايزة تتربي، قالي يا ابني بلاش العنف، قولتله هتشوفها بنفسك وتحكم وزي ما أنا قولت اهو، طلعتي بتحبي العنف، أنا بشهد عم منصور عشان ما يرجعش يزعل مني. كانت مذهولة من حديثه وقالت: _خلصت؟ _أيوة. _طيب يلا اتفضل أمشي.
_يا بنت الناس، طلعي الحكومة من ما بينا، أنا مش عايز أدخلهم. _لأ، دخلهم عادي. أومأ إليها بأسف ثم دفعها للخلف ليغلق باب السيارة وقال للعم منصور: _يلا. _يا بني بس... _يلا يا عم منصور. ذهبت سيارته من أمام عينيها لتقول بذهول: _هو في إيه؟ أتت إليها إجابة السؤال على شكل سيارة الشرطة. وقفت أمامها ونزل منها ضابط ومعه ثلاث عساكر، قال بهدوء: _حضرتك المدام دلال السيد حسان؟ _أيوة أنا يا فندم.
_اتفضلي معانا، معانا أمر بالقبض عليكي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!