في منزل عريق من أحياء حي الجمالية، الذي أصبح أيقونة في الجمال، لإنه جمع بين حضارة الماضي وتراثه من الخارج. أما من الداخل فتمتع بلمسات سحرية من العصر الحديث، وقد تميزت نوافذه بالزجاج الملون. هذا بجانب حديقة واسعة ضمت بعضًا من أشجار الفاكهة واصطف بجانبها بإتقان زهرات يانعة من زهرة الريحان التي تنثر عطرها في الأجواء.
وأحيط المنزل بأسوار عالية تخللها أسياج حديدية. ومن الداخل يتكون من عدة طوابق، كل طابق مخصص لأبناء الحاج حمدي الجمال. يعيش في هذا المنزل العتيق الأب حمدي الجمال، وهو صعيدي الأصل ولكنه استقر في القاهرة من أجل لقمة العيش هو وأخيه الأكبر "سليمان الجمال"، وبدأ العمل كعامل في محل عطارة شهير حتى أتقن العمل، وأصبح مقربًا من مالك المحل حتى زوجه ابنته الوحيدة "زينب".
ثم ذاع صيته في عالم العطارة، ونجح في عمل وصفات طبية اكتسب منها الكثير، ليستطيع بعد ذلك أن يمتلك سلسلة من أكبر محلات العطارة المشهورة. واتخذ من بيت الجمالية مسكنًا له، ولأولاده الأربعة بالترتيب: (شفيق، شاهين، شهيرة، ثم أخيرًا "أحمد") أما أخوه "سليمان"، فقد نجح هو الآخر في تجارة الخردة، ومع الوقت أصبح لديه مصنعًا للحديد واتخذ منزلًا بجانب حمدي له ولأولاده أيضًا: (سفيان، أشجان، أنهار، أسماء)
لتلحق بهم بعد فترة من الزمن أختهم الصغيرة "عفاف" بعد زواجها من رجل صعيدي قرر هو أيضًا العمل في القاهرة من أجل سعة الرزق، وأنجبت منه ولدًا واحدًا "تميم" لوفاة زوجها في حادث بعد ولادته. ........ نتعرف على الشخصيات: أولاد العطار حمدي الجمال. الكبير "شفيق" مدلل والدته منذ الصغر، لذا لم ينهِ تعليمه واكتفى بالشهادة الإعدادية ليباشر العمل في إحدى محلات والده. وتزوج من ابنة عمه أشجان وأنجب منها (أسر وأيسل)
وهو يبلغ من العمر الآن سبعة وثلاثين عامًا، وتصغره أشجان بعشر سنوات. أما عن صفاته، فهو رجل لعوب يعشق النساء ويواعد الكثير منهم. حتى أهمل زوجته وأصبح بينهم حاجزًا كبيرًا. ويليه "شاهين" الأخ الأوسط، يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا، متزوج أيضًا من ابنة عمه الثانية "أنهار"، ولديه ابنة واحدة "سمر". وهو على عكس شفيق يحب زوجته، ولكنه لديه صفة ذميمة وهي اللامبالاة التي يتخذها على طول الخط.
وتليه "شهيرة" تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، متزوجة أيضًا من ابن عمها "سفيان" الذي يعشقها، ولكنها لا تبادله نفس الشعور لأن والدتها هي التي أرغمتها على الزواج منه في سن مبكر. مما أدى إلى ضياع حلمها في الالتحاق بالجامعة، ولديها طفل صغير يدعى "سيف". أما الابن الأصغر فهو بطل الرواية وهو "أحمد" ريحانة أبيه ونبض فؤاده والمميز لديه، على عكس والدته.
الأم "زينب"، فهي امرأة قاسية القلب ومتسلطة لا تفضل من أبنائها سوى شفيق الابن الأكبر. وأحمد يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، طالبًا في الفرقة الرابعة من كلية الطب، يتمتع بجسد رياضي وعينين رمادية ذات أهداب طويلة مع بشرة بيضاء، ويتمتع بلحية خفيفة زادت من وسامته. ...... صدح أذان الفجر في الأجواء فاستيقظ أحمد ليصلي فرضه في المسجد ويصاحبه سفيان زوج أخته شهيرة.
أما أخويه، فـشفيق لم يصلِّ لله ركعة وحاول معه أحمد كثيرًا ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، أما أخوه الأوسط فيصلي ولكن في المنزل. وبعد انتهاء الصلاة اجتمع الناس حول أحمد من أجل الدرس الديني الذي يُلقيه عليهم، كعادته بعد صلاة الفجر. ابتسم أحمد في وجوه الملتفين حوله ثم قال ببشاشة: "إيه رأيكم درس النهاردة يكون خفيف كده وسريع وهو عبارة عن أسئلة وأشوف مين يعرف يجاوب." فوافق الحضور وبدأ يلقي عليهم الأسئلة وكانت كالتالي:
"أول من سُمِّي أحمد؟ "الإجابة: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم." "أول ما خلقه الله تعالى هو؟ "الإجابة: القلم." "ما اسم خازن النار؟ "الإجابة: مالك." "ما هي أول عملة في تاريخ الدولة الإسلامية؟ "الإجابة: الدينار." "ما هي السورة التي كانت السبب في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ "الإجابة: سورة طه." "من هي أخت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ "الإجابة: هي الشيماء، وهي أخته في الرضاعة."
"في أي سنة هجرية تم الفتح المبين ورجع المسلمون إلى مكة؟ "الإجابة: في عام 8 هجريًا." "عندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة كان بصحبة أبي بكر الصديق، ولكن في الهجرة الأولى إلى الطائف من كان برفقته؟ "الإجابة: هو الصحابي زيد بن ثابت." "اسم الصحابي المُكنَّى بأبي هريرة؟ "الإجابة: عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه." "بماذا قـ.تل قابيل أخيه هابيل؟ "الإجابة: بفك حمار."
وعندما انتهى دعوا له بالبركة والسعادة واستأذن سفيان للمغادرة، أما أحمد فجلس في أحد الأركان لقراءة ورده اليومي، ثم مذاكرة بعض المحاضرات حتى تطلع الشمس، ليعود إلى المنزل لتناول وجبة الإفطار مع إخوته قبل أن يغادر إلى الجامعة. ......... صدح صوت زينب القاسي في منتصف الردهة مشيرة إلى زوجات ابنيها "شفيق وشاهين": "أنتِ يا هانم منك ليها، كل ده هتحضروا الفطار..!! انجزوا خلينا نخلص عشان كل واحد من الرجالة يطلع يشوف شغله."
عقدت أشجان حاجبيها ووفرت بضيق في المطبخ وقالت بتأفف: "هي الست دي مبتهمدش أبدًا..!! طول النهار تنعر زي الحمير وتدي أوامرها واحنا علينا التنفيذ." فضمت أنهار شفتيها بضيق ثم استرسلت بنصح: "بس وطِّي صوتك يا أشجان ألا تسمعك وتخلي عيشتك طين، أنتِ مش ناقصة يا حبيبتي." أطلقت أشجان تنهيدة مؤلمة مردفة: "إمتى ربنا يعجل بأجلها الست المفترية دي؟
دي بتعاملنا كأننا خدامين، ومستخسرة تجيب شغالين مع إننا الحمد لله مبسوطين ونقدر نجيب بدل الخدامة عشرة. بس تقولي إيه، عايزة تذلنا وخلاص." حملت أنهار بعضًا من أطباق الفطار وقالت: "ربك كبير، وقادر عليها. وسيبك منها ويلا هاتي بقية الأطباق وتعالي ورايا. بس هو جوزك صحي ولا لسه؟ ابتسمت أشجان ابتسامة لم تتعدَ زاوية فمها قائلة بتهكم: "هو نام عشان يصحى!
ده لسه مشَّرف البيه وشايفاه أهو من بعيد لازق جنب أمه، أصله النُوغة بتاعتها." فضحكت أنهار وتساءلت: "هو أنتِ بتغيري عليه من أمه يا بت أشجان؟ فلمعت في عين أشجان الدموع وهاجمتها غصة مريرة أشعلت حلقها مرددة: "هو أنا هغير من مين ولا من مين..! خلاص أنا قلبي اتقفل من ناحيته، وعايشة عشان أربي العيال وبس." أشفقت عليها أنهار وقالت برفق: "معلش ربنا يعقله ويهديه." فضيقت أشجان نظراتها وتابعت: "لا ربنا ياخده هو وأمه في ساعة واحدة."
ثم خرجت من وراء أنهار تضع الأطباق على السفرة. فرأت أحمد يدخل إلى داخل المنزل، فاستنشقت عبير رائحة عطره النفاذة التي تنعش القلب فخرجت تنهيدة مؤلمة من صدرها وهمست: "شوفي ريحته الحلوة ترد الروح مش زي اللطع اللي أنا متجوزاه، ريحته دخان ومعسل وحاجة طين الله يقرفه." وعندما مر أمامهم ألقى التحية عليهم قائلًا ببشاشة وجه: "إزيك يا أم آسر؟ ثم التفت إلى أنهار: "وأنتِ يا أم سمر؟ فأسرعت أنهار بالرد:
"بخير يا أحمد، إن شاء الله تعيش يا أخويا." ثم طالعت أشجان التي وقفت تحدق النظر إلى أحمد حتى إنها لم ترد عليه التحية، فلكزتها لتخرج من شرودها: "بت يا أشجان .. بطلي بحلقة في الراجل عيب كده، ده غير جوزك لو أخذ باله هتبقى مصيبة وممكن يقتـ.لك فيها." فلاحت ابتسامة ساخرة على شفتيها قائلة بتهكم:
"مش لما ياخد باله مني الأول، هو أصلًا مش شايفني. ومش عارفة إزاي شفيق بكل عيوبه دي ليه أخ زي أحمد مفهوش عيب واحد وبالأخلاق دي، يا بخت والله أسماء بيه." أكدت لها أنهار: "هو فعلًا أحمد إنسان كويس، لكن كل واحد بياخد نصيبه يا حبيبتي. وعلى فكرة على قد صفاته الحلوة دي كلها والبت أسماء معجبة بيه فعلًا بس خايفة منه عشان متشدد حبتين. وبتقول هيعقدني ومش بعيد يلبسني نقاب وميخلنيش أخرج بره البيت خالص." فخرجت من
أشجان تنهيدة مؤلمة قائلة: "وهي اللي تعيش في حضن واحد بالأخلاق والابتسامة الحلوة دي، هتعوز تخرج ليه!! دي معاه هتكون في الجنة، بس ما أظنش أصلًا إنه يعمل كده عشان... ولكن توقفت الكلمات في حلقها عندما باغتتها "زينب" بنظرة حادة من على بعد وصاحت بصوت عالي خرق أذنها: "أنتوا واقفين تتكلموا أنتِ وهي وسايبين الرجالة على لحم بطنهم، ومستنيكم لما تتعطفوا وتخلصوا ودودة. قبر يلمكم أنتِ وهي، حريم عايزة كسر رقبتها." فتوترت أشجان
ولكزتها أنهار وهمست بخوف: "شوفتي يلا بقى نخلص من اليوم اللي باين من أوله ده." فحدثتها أشجان بغل: "معلش عقربة ومصيرها هيجي لها يوم وأفـ.عصها تحت رجلي." ثم جلس شفيق أولًا على السفرة، يلتهم الطعام بنهم دون انتظار أحد ولكنه بين الحين والآخر يتثاءب لرغبته في النوم. أما أحمد فجلس ولكنه لم يضع أي لقمة في فمه ينتظر والده وعندما تأخر ووجد الجميع قد جلس يأكل فتعجب وتساءل: "هو الحاج لسه نايم ولا إيه يا ماما؟
مش متعود يعني وهو أول واحد بيكون صاحي وقاعد معانا على السفرة." طالعته "زينب" بجمود وقالت من بين أسنانها: "الحاج تعبان شوية ولما نخلص فطار هدخل أودِّي له فطاره على جوه." فتجمد أحمد للحظات وانكمش وجهه وقال بذعر تملك قلبه: "بابا تعبان!! ثم لمعت عيناه بالدموع وهب واقفًا قائلًا: "طيب أنا هدخل أطمن عليه." فرفعت زينب أنفها وقالت بأمر: "كمل فطارك الأول، عشان لو اتشال مش هيتحط تاني."
رمقها أحمد بنظرة حزينة لقسوتها الدائمة معه بلا سبب مع أنه يحاول بكافة الطرق أن يرضيها. "تمام .. أنا أصلًا مليش نفس، فهدخل أطمن على الحاج وأروح كليتي على طول." قالها أحمد بغصة مريرة ثم أسرع إلى غرفة والده. انتبه شفيق لذكره الجامعة فترك طعامه ممتعضًا قائلًا بغل: "كل شوية يقول كلية وزفت على دماغه، كأن محدش دخل كلية غيره في العالم." فربتت زينب على كتفه بحنو قائلة:
"متزعلش نفسك يا حبيبي، وهو بالعلام بردك، ده أنت سيد الرجالة." فنظرت أشجان إلى أنهار وابتسمت ساخرة. فرآها شفيق فوقف غاضبًا وصاح بصوت عالي: "إيه مش عاجبك الكلام يا ست أشجان هانم. دي بقت عيشة تقصّر العمر، أنا طالع أتخمد فوق وإياكِ حد يدخل يصحيني، أنا هصحى لوحدي." فهمست أشجان: "إلهي ما تقوم يا قادر يا كريم." فنهرتها زينب وصاحت بها غاضبة:
"بتبرطمي تقولي إيه يا هبلة أنتِ. انجري قومي أنتِ والمعدولة أختك شيلوا الأكل ده واطلعوا لعيالكم صحوهم عشان المدارس وفطروهم وبعدين انزلوا نظفوا البيت وحضروا الغدا." .... طرق أحمد الباب على والده واستأذن للدخول فأتاه صوت والده: "ادخل يا أحمد." فولج أحمد فوجد والده على التخت وقد ظهر على وجهه الإرهاق والتعب، فتقدم منه سريعًا وأمسك بيده فقبلها بحب قائلًا:
"سلامتك ألف سلامة عليك يا حاج، مالك بس مش متعود عليك راقد كده يا حبيبي." ابتسم حمدي له وقال مطمئنًا له: "متقلقش كده يا ابني." شوية تعب وهيروحوا لحالهم. المهم أنت عامل إيه في دراستك؟ يا نفسي ربنا يطوِّل في عمري عشان أشوفك أعظم دكتور قد الدنيا. أحمد: بإذن الله يا حاج، ربنا يطول في عمرك. حمدي: طيب مش محتاج فلوس يا ابني لزوم الكلية؟ أحمد بحرج: يعني كنت محتاج حوالي خمس آلاف جنيه عشان الكتب وبعض المستلزمات.
ابتسم حمدي: بس كده عيوني يا أحمد ليك، ده أنت الغالي ابن الغالية. ثم أشار إليه: بص افتح درفة الدولاب اللي قدامك دي، وهتلاقي عشر بواكي خدهم. ابتسم أحمد بامتنان وقال: لا أنا محتاج خمسة بس. فترجاه حمدي: يا ابني خدهم واصرف اللي تصرفه وشيل الباقي لما تحتاجهم. فوقف أحمد ثم انحنى بجذعه وقبَّل رأس أبيه وشكره: ربنا يخليك ليَّ يا حاج.
ثم توجه إلى خزينة الملابس ليأخذ المال، وفي تلك اللحظة ولجت زينب تحمل صينية الفطار، وشاهدت معه المال، فرمقته بعينيها التي تخرج جمرات من النار قائلة: مش عارفة آخرة البعزقة دي إيه! وكان لزمتها إيه الكلية، ما كنت تشتغل مع إخواتك في المحل أحسن. بدل ما أنت شايف نفسك عليهم على الفاضي. وقف أحمد مذهولًا للحظات وشعر بنيران تأكل صدره، فكيف لأمه أن تفعل به هذا ولما تحاربه من أجل إخوته وهو أصغرهم وأضعفهم.
فنكس رأسه بخزي ولكن وجد من يدافع عنه. ارفع رأسك يا أحمد، معاش ولا كان اللي يخليك توطي رأسك وأنا عايش. قالها حمدي بحدة ثم استطرد: واصرف من مال أبوك زي ما تحب، عشان ده شقى وتعب السنين. واتعلم وخد شهادتك وشوف نفسك زي ما تحب واللي مش عجبه يخبط رأسه في الحيط. لتندلع نيران الحقد في جسد زينب وأوشكت أن ترمي إليه بقنابلها الحارقة ولكن انتظرت حتى أومأ أحمد برأسه لأبيه واستأذن للخروج ثم غادر.
وما أن خرج حتى سارعت زينب إلى حمدي وأمسكته من تلابيب ملابسه بقسوة ولم تراعِ ضعفه ولا مرضه بعد أن اشتعلت النيران في جوفها من تفضيل أحمد على سائر إخوته. فهدرت في وجهه: إيه الحنية دي كلها مع المحروس ابنك أحمد! طالعها حمدي بغضب جحيمي ودفع يديها التي تتمسك به رغم ألمه وضعفه وقال بغضب: أنت اتجننتي يا زينب! بترفعي صوتك عليَّ وتمسكيني من هدومي! آه ما عشان أنا قصادك كبرت وعييت ومبقتش زي الأول بصحتي. لمعت عين
زينب بالشر وقامت بتهديده: أيوه يا حمدي ومعدتش هسكت بعد النهاردة، أنا استحملت زمان كتير وسكت كتير، لكن لحد هنا وكفاية. أنا كل ما ببص لابن شمس اللي فضلتها عليَّ واتجوزتها في السر، بتقطع من جوايا. وبكون عايزة أقوم أخلّص عليه بإيديه دي، خصوصًا إنه شبهها وكأني شايفاها قدامي. أخرج حمدي تنهيدة حارة مؤلمة لذكرها اسم "شمس" أمامه، تلك المرأة التي ذهبت بلب عقله وعشقها حتى النخاع، ولم يرَ امرأة قط في جمالها وصفاء قلبها.
وود لو رآها هي منذ البداية ولم يتزوج من زينب التي تزوجها خجلًا من والدها الذي أكرمه وكان هو السبب بعد الله عز وجل فيما يملك الآن من خير. وأقنع ذاته أنه مع العشرة والأيام سيحبها ولكنه لم يستطع ذلك وكانت هي السبب لبذاءة لسانها وتكبرها بجانب قسوتها فلم يجد طيلة حياتها معها الحب والحنان الذي افتقده.
ولكن ظهرت شمس في حياته فجأة فأضاءت جانبه المظلم، وأعادت لحياته رونقها بعد أن ظن أنها ذبلت وانتهت على يد امرأة لم تعرف الرحمة قلبها قط ولكنه صبر عليها من أجل أولاده. فجاءت شمس لتكون دواء لآلامه وبلسمًا لجراحه، ولا شك أنه أول شيء جذبه إليها هو جمالها الظاهر ولكن مع الأيام أيقن أن جمال داخلها أكبر بكثير من جمالها الظاهري. ........
غادر أحمد يحمل في قلبه كثيرًا من الخذلان من جهة تلك المرأة التي يقال عنها والدته على الرغم أنه لم يشعر ولو لمرة واحدة أنها أمه بالفعل، وكثيرًا ما نظر لعينيها لعله يجد فيها بعضًا من الحنو الذي يحتاجه ولكنه لم يجد فيهما إلا كل قسوة وأخذ يسأل ما فعلت لها حتى تفعل بي ذلك، فهو لم يذكر حتى ولو مرة واحدة ضمتها إلى صدرها كما تفعل مع إخوته. ياااه كم طالعها وهي تضم إخوته وتمنى لو تفعل ذلك معه ليشعر بالأمان الذي يفتقده.
فخرجت منه تنهيدة مؤلمة ولكن سرعان ما تذكر والده وما يفعله من أجله فابتسم لأنه حارسه وأمانه منذ الصغر واليد الحنونة التي ترفق به ويواجه بها العالم، ثم دعا له بالشفاء وأن يطيل الله في عمره من أجله. ليقابل صديقه شاكر الملقب "بشيكو" الذي يمتلك محل بقالة صغير أمام منزل أحمد ويكبره بثلاث سنوات. وعندما رآه ابتسم وقال بخفة ظل: إيه يا دكاترة صاحي بدري ليه، هتبيع لبن؟ فضحك أحمد: يا ريت كان يكون أسهل من الكلية وأرفه.
شيكو: معلش اصبر لغاية ما تنول المراد. أحمد: الله المستعان. يلا أتوكل على الله عشان ألحق المحاضرة. شيكو: في أمان الله، بس متتأخرش وتنسى الدرس بتاعك بعد صلاة العشاء وخليه على الصبر. فضحك أحمد وقال بخشونة: شكلها كده مدوخاك وعايز كلام يصبرك. فوضع شيكو يده على قلبه وهمس: دي مش مدوخاني بس، دي هتموتني ناقص عمر. الله يهديك اللي في بالي. .....
وعندما وقف أحمد أمام سيارته الصغيرة التي لا تقارن بسيارات إخوته الحديثة بسبب رفض زينب أن يكون له مثلهم. وهمَّ أن يفتحها ويترجل بها نحو جامعته. كانت هناك عينان تفترسه من على بعد. حيث كانت تقف بجانب أسماء في الشرفة صديقة لها "بسمة" وعندما رأت أحمد اتسعت عيناها وجاء على لسانها: واو إيه المز ده يا بت يا سمسم. تعرفيه! قالت أسماء باستفهام: قصدك مين يا بت أنتِ؟
بسمة وهي تشير إلى أحمد: الحلو اللي بيفتح العربية الحمرة اللي تحت دي، يخربيت حلاوته ولا دقنه اللي هتاكل منه حتة. فنظرت أسماء إلى ما تشير إليه بسمة فوجدته أحمد ابن عمها، فأكلتها الغيرة رغم أنها لا تميل إليه خوفًا من شدته. ولكنها قالت بجرأة: بت أوعي عينك من على خطيبي ألا أخزقها لك بعدين. فقالت بسمة بصدمة: خطيبك! ده إمتى وإزاي يا أختي؟ يعني مقولتليش حاجة زي كده قبل كده، ولا أنتِ ولا هو أهو شايفاه مش لابسين دبلة.
فصكت أسماء على أسنانها بغيظ وقالت بحنق: هو يعني مش خطيبي رسمي، لكن فيه كلام كده وهو أصلًا ابن عمي يعني في الآخر ليَّ، زي ما إخواته متجوزين إخواتي البنات. فصاحت بسمة: آه هو ده الدكتور، بس ده طلع حلو أوي، بس صح ده أنتِ قولتي عليه إنك مش بتحبيه ومغصوبة عليه، فسبهولي الله يخليكِ، عشان أنا حبيته من أول نظرة. فضمت أسماء شفتيها بغيظ ولكزتها
في كتفها قائلة بنزق: إيه سبهولي ده هو شراب، بقولك خطيبي ومش مهم أحبه ولا محبوش ده قدري وخلاص. وإياكِ تبصيله تاني يا بت أنتِ، أنتِ فاهمة. ضيقت بسمة حاجبيها بضيق مردفة: طيب خلاص متزوءيش، وأنا ماشية وسيبهالك مخضرة. لتغادر بسمة بين أنظار أسماء الحارقة، فكيف لها أن تعتدي على شيء ملك لها، فهو لي حتى لو لم يكن قلبي يريده ولكن يكفي ابن العم وصديق الطفولة ولن أدعه لغيري. ........ في مكان آخر
كانت كل الأعين تحدقها بإعجاب ولكن هي كانت تنظر إليهم كوحوش مفترسة تريد أن تنال منها ومن جسدها. وترى أعينهم التي تحدقها بشهوة، كأسد جائع تود أن تلتهمها وهي تؤدي وصلة الرقص الخاصة بها في ذلك النادي الليلي. وعندما انتهت من رقصتها ثم استدارت متجهة إلى غرفتها، وجدت من أمسكها من رسغها بقوة آلمتها. فطالعته بقسوة وصوت هادر اخترق جوفها: فيه إيه تاني يا جوز أمي. أظن خلصت نمرتي وعايزة أتنيل أدخل أستريح.
فظهرت ابتسامة ساخرة على شفتي هذا الكهل العجوز قائلًا وعينيه لا تفارق مفاتنها: تستريحي يا دلال، ده إحنا لسه في أول الليلة يا قمر. ثم غمزها قائلًا: وشايفة البيه اللي قاعد هناك ده، شكله أوبهه أوي ومتريش، وطلبك بالاسم عشان تقعدي معاه شوية وتفتحي له إزازة شمبانيا. امتلأ قلب دلال بالحزن وأخرجت من بين ضلوعها زفيرًا حارًا قائلة بقهر:
بس أنت عارف إني مبقعدش مع زباين يا متولي ولا بشرب المدعوك ده، واتفقنا كان إني أرقص وبس، أي حاجة تانية مليش فيها. فانفجر متولي ضاحكًا ثم نظر لها بحدة وعينيه تنذر بالشر قائلًا: بصي يا حلوة الرقص شيء لزوم الشيء، يعني اللي بيجيب الفلوس مش الرقص بس ده البداية واللي بعده هو اللي هيفتح لك طاقة القدر. طالعته دلال بتحدٍّ واضح في عينيها: وإن قولت لأ يا متولي، عشان قلبي مش مستريح وحاسه عينيك فيها حاجة عايز تقولها.
ولا أقولها لك أنا بالمفتشر كده، أنا مش هبيع نفسي يا متولي ولو فيها دمي. فضحك متولي مستهزئًا وذكرها بذكرى سيئة تود أن تحميها من ذاكرتها للأبد. لا شريفة يا بت أوي، أمال مكنتش شايفك بعينيه اللي هياكلهم الدود دول واقفة مع الواد اللي اسمه محسن تحت بير السلم وزنقك في الحيطة. كنتوا بتعملوا إيه؟ أكيد هتقولي كان بيحط لك قطرة في عينك صح! بس مهنش عليه أمك اللي راقدة في سريرها تعرف، وساعتها كانت ماتت فيها. فلمعت عين دلال
بالدموع وقالت بصوت حزين: مهما حلفت لك إني الواد ده كان مستقصدني في الريحة والجاية بيعاكسني ويومها كان مستخبي لي تحت بير السلم وشدني عشان يبوسني ولولا أنت جيت في الوقت المناسب. متولي بخبث: بس طيب متعيطيش يا قطة وتبوظي الليلة وإحنا لسه بنقول يا هادي. يلا زي الحلوة اسمعي الكلام وروحي غيري بدلة الرقص دي والبسي حاجة كده من الفساتين اللي جبتهم لك جوه وتعالي. فصاحت دلال بقوة صدمته: قولت لأ يا متولي.
فضيَّق متولي عينيه بمكر قائلًا: طيب براحتك مش هغصب عليكِ، بس هطلع من هنا على النيابة عدل لديهم وصلات الأمانة اللي كتبتها على الست أمك وهخليها تتحبس وهي في السن ده. بس ما أظنش هتتحمل ومتخافيش مش هتقعد كتير وتتكل على الله. فدب في قلبها الذعر وتفتت إلى أشلاء من الحزن والقهر بسبب ذلك الرجل الذي استغل براءة وطيبة قلب والدتها وأمضاها على تلك الإيصالات دون أن تعلم.
وكان المقابل حتى لا يقدمها للنيابة أن أجبرها على العمل في ذلك النادي الليلي الذي يمتلكه. فصاحت دلال بحدة في وجهه: بس ده مكنش اتفقنا. اتفقنا إني أرقص بس ومليش دعوة بحاجة تانية. متولي: ما قولت لك الشيء لزوم الشيء يا قطة. ها هتروحي تغيري وتيجي ولا أطلع على النيابة. فتوترت دلال وشردت في والدتها المريضة وأن أمرًا كهذا لن تتحمله وهي لن تستطيع العيش بدونها، فهي ليس لها أحد غيرها.
فلم تجد سوى الموافقة ولكنها أيقنت أن هذا سيفتح لها أبواب جهنم ولكن ما عليها أن تفعل وقد سدت في وجهها كل الطرق وأصبح عنقها في يد ذلك البغيض وليس لها من مخرج.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!