تحميل رواية «دلال و الشيخ» PDF
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل عريق من أحياء حي الجمالية، الذي أصبح أيقونة في الجمال، لإنه جمع بين حضارة الماضي وتراثه من الخارج. أما من الداخل فتمتع بلمسات سحرية من العصر الحديث، وقد تميزت نوافذه بالزجاج الملون. هذا بجانب حديقة واسعة ضمت بعضًا من أشجار الفاكهة واصطف بجانبها بإتقان زهرات يانعة من زهرة الريحان التي تنثر عطرها في الأجواء. وأحيط المنزل بأسوار عالية تخللها أسياج حديدية. ومن الداخل يتكون من عدة طوابق، كل طابق مخصص لأبناء الحاج حمدي الجمال. يعيش في هذا المنزل العتيق الأب حمدي الجمال، وهو صعيدي الأصل ولكنه ا...
رواية دلال و الشيخ الفصل الأول 1 - بقلم شيماء سعيد
في منزل عريق من أحياء حي الجمالية، الذي أصبح أيقونة في الجمال، لإنه جمع بين حضارة الماضي وتراثه من الخارج. أما من الداخل فتمتع بلمسات سحرية من العصر الحديث، وقد تميزت نوافذه بالزجاج الملون. هذا بجانب حديقة واسعة ضمت بعضًا من أشجار الفاكهة واصطف بجانبها بإتقان زهرات يانعة من زهرة الريحان التي تنثر عطرها في الأجواء.
وأحيط المنزل بأسوار عالية تخللها أسياج حديدية. ومن الداخل يتكون من عدة طوابق، كل طابق مخصص لأبناء الحاج حمدي الجمال.
يعيش في هذا المنزل العتيق الأب حمدي الجمال، وهو صعيدي الأصل ولكنه استقر في القاهرة من أجل لقمة العيش هو وأخيه الأكبر "سليمان الجمال"، وبدأ العمل كعامل في محل عطارة شهير حتى أتقن العمل، وأصبح مقربًا من مالك المحل حتى زوجه ابنته الوحيدة "زينب".
ثم ذاع صيته في عالم العطارة، ونجح في عمل وصفات طبية اكتسب منها الكثير، ليستطيع بعد ذلك أن يمتلك سلسلة من أكبر محلات العطارة المشهورة.
واتخذ من بيت الجمالية مسكنًا له، ولأولاده الأربعة بالترتيب:
(شفيق، شاهين، شهيرة، ثم أخيرًا "أحمد").
أما أخوه "سليمان"، فقد نجح هو الآخر في تجارة الخردة، ومع الوقت أصبح لديه مصنعًا للحديد واتخذ منزلًا بجانب حمدي له ولأولاده أيضًا:
(سفيان، أشجان، أنهار، أسماء).
لتلحق بهم بعد فترة من الزمن أختهم الصغيرة "عفاف" بعد زواجها من رجل صعيدي قرر هو أيضًا العمل في القاهرة من أجل سعة الرزق، وأنجبت منه ولدًا واحدًا "تميم" لوفاة زوجها في حادث بعد ولادته.
........
نتعرف على الشخصيات:
أولاد العطار حمدي الجمال.
الكبير "شفيق" مدلل والدته منذ الصغر، لذا لم ينهِ تعليمه واكتفى بالشهادة الإعدادية ليباشر العمل في إحدى محلات والده.
وتزوج من ابنة عمه أشجان وأنجب منها (أسر وأيسل).
وهو يبلغ من العمر الآن سبعة وثلاثين عامًا، وتصغره أشجان بعشر سنوات.
أما عن صفاته، فهو رجل لعوب يعشق النساء ويواعد الكثير منهم.
حتى أهمل زوجته وأصبح بينهم حاجزًا كبيرًا.
ويليه "شاهين" الأخ الأوسط، يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا، متزوج أيضًا من ابنة عمه الثانية "أنهار"، ولديه ابنة واحدة "سمر".
وهو على عكس شفيق يحب زوجته، ولكنه لديه صفة ذميمة وهي اللامبالاة التي يتخذها على طول الخط.
وتليه "شهيرة" تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، متزوجة أيضًا من ابن عمها "سفيان" الذي يعشقها، ولكنها لا تبادله نفس الشعور لأن والدتها هي التي أرغمتها على الزواج منه في سن مبكر.
مما أدى إلى ضياع حلمها في الالتحاق بالجامعة، ولديها طفل صغير يدعى "سيف".
أما الابن الأصغر فهو بطل الرواية وهو "أحمد" ريحانة أبيه ونبض فؤاده والمميز لديه، على عكس والدته.
الأم "زينب"، فهي امرأة قاسية القلب ومتسلطة لا تفضل من أبنائها سوى شفيق الابن الأكبر.
وأحمد يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، طالبًا في الفرقة الرابعة من كلية الطب، يتمتع بجسد رياضي وعينين رمادية ذات أهداب طويلة مع بشرة بيضاء، ويتمتع بلحية خفيفة زادت من وسامته.
......
صدح أذان الفجر في الأجواء فاستيقظ أحمد ليصلي فرضه في المسجد ويصاحبه سفيان زوج أخته شهيرة.
أما أخويه، فـشفيق لم يصلِّ لله ركعة وحاول معه أحمد كثيرًا ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، أما أخوه الأوسط فيصلي ولكن في المنزل.
وبعد انتهاء الصلاة اجتمع الناس حول أحمد من أجل الدرس الديني الذي يُلقيه عليهم، كعادته بعد صلاة الفجر.
ابتسم أحمد في وجوه الملتفين حوله ثم قال ببشاشة:
"إيه رأيكم درس النهاردة يكون خفيف كده وسريع وهو عبارة عن أسئلة وأشوف مين يعرف يجاوب."
فوافق الحضور وبدأ يلقي عليهم الأسئلة وكانت كالتالي:
"أول من سُمِّي أحمد؟"
"الإجابة: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم."
"أول ما خلقه الله تعالى هو؟"
"الإجابة: القلم."
"ما اسم خازن النار؟"
"الإجابة: مالك."
"ما هي أول عملة في تاريخ الدولة الإسلامية؟"
"الإجابة: الدينار."
"ما هي السورة التي كانت السبب في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟"
"الإجابة: سورة طه."
"من هي أخت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟"
"الإجابة: هي الشيماء، وهي أخته في الرضاعة."
"في أي سنة هجرية تم الفتح المبين ورجع المسلمون إلى مكة؟"
"الإجابة: في عام 8 هجريًا."
"عندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة كان بصحبة أبي بكر الصديق، ولكن في الهجرة الأولى إلى الطائف من كان برفقته؟"
"الإجابة: هو الصحابي زيد بن ثابت."
"اسم الصحابي المُكنَّى بأبي هريرة؟"
"الإجابة: عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه."
"بماذا قـ.تل قابيل أخيه هابيل؟"
"الإجابة: بفك حمار."
وعندما انتهى دعوا له بالبركة والسعادة واستأذن سفيان للمغادرة، أما أحمد فجلس في أحد الأركان لقراءة ورده اليومي، ثم مذاكرة بعض المحاضرات حتى تطلع الشمس، ليعود إلى المنزل لتناول وجبة الإفطار مع إخوته قبل أن يغادر إلى الجامعة.
.........
صدح صوت زينب القاسي في منتصف الردهة مشيرة إلى زوجات ابنيها "شفيق وشاهين":
"أنتِ يا هانم منك ليها، كل ده هتحضروا الفطار..!! انجزوا خلينا نخلص عشان كل واحد من الرجالة يطلع يشوف شغله."
عقدت أشجان حاجبيها ووفرت بضيق في المطبخ وقالت بتأفف:
"هي الست دي مبتهمدش أبدًا..!! طول النهار تنعر زي الحمير وتدي أوامرها واحنا علينا التنفيذ."
فضمت أنهار شفتيها بضيق ثم استرسلت بنصح:
"بس وطِّي صوتك يا أشجان ألا تسمعك وتخلي عيشتك طين، أنتِ مش ناقصة يا حبيبتي."
أطلقت أشجان تنهيدة مؤلمة مردفة:
"إمتى ربنا يعجل بأجلها الست المفترية دي؟ دي بتعاملنا كأننا خدامين، ومستخسرة تجيب شغالين مع إننا الحمد لله مبسوطين ونقدر نجيب بدل الخدامة عشرة. بس تقولي إيه، عايزة تذلنا وخلاص."
حملت أنهار بعضًا من أطباق الفطار وقالت:
"ربك كبير، وقادر عليها. وسيبك منها ويلا هاتي بقية الأطباق وتعالي ورايا. بس هو جوزك صحي ولا لسه؟"
ابتسمت أشجان ابتسامة لم تتعدَ زاوية فمها قائلة بتهكم:
"هو نام عشان يصحى! ده لسه مشَّرف البيه وشايفاه أهو من بعيد لازق جنب أمه، أصله النُوغة بتاعتها."
فضحكت أنهار وتساءلت:
"هو أنتِ بتغيري عليه من أمه يا بت أشجان؟"
فلمعت في عين أشجان الدموع وهاجمتها غصة مريرة أشعلت حلقها مرددة:
"هو أنا هغير من مين ولا من مين..! خلاص أنا قلبي اتقفل من ناحيته، وعايشة عشان أربي العيال وبس."
أشفقت عليها أنهار وقالت برفق:
"معلش ربنا يعقله ويهديه."
فضيقت أشجان نظراتها وتابعت:
"لا ربنا ياخده هو وأمه في ساعة واحدة."
ثم خرجت من وراء أنهار تضع الأطباق على السفرة.
فرأت أحمد يدخل إلى داخل المنزل، فاستنشقت عبير رائحة عطره النفاذة التي تنعش القلب فخرجت تنهيدة مؤلمة من صدرها وهمست:
"شوفي ريحته الحلوة ترد الروح مش زي اللطع اللي أنا متجوزاه، ريحته دخان ومعسل وحاجة طين الله يقرفه."
وعندما مر أمامهم ألقى التحية عليهم قائلًا ببشاشة وجه:
"إزيك يا أم آسر؟" ثم التفت إلى أنهار: "وأنتِ يا أم سمر؟"
فأسرعت أنهار بالرد:
"بخير يا أحمد، إن شاء الله تعيش يا أخويا."
ثم طالعت أشجان التي وقفت تحدق النظر إلى أحمد حتى إنها لم ترد عليه التحية، فلكزتها لتخرج من شرودها:
"بت يا أشجان .. بطلي بحلقة في الراجل عيب كده، ده غير جوزك لو أخذ باله هتبقى مصيبة وممكن يقتـ.لك فيها."
فلاحت ابتسامة ساخرة على شفتيها قائلة بتهكم:
"مش لما ياخد باله مني الأول، هو أصلًا مش شايفني. ومش عارفة إزاي شفيق بكل عيوبه دي ليه أخ زي أحمد مفهوش عيب واحد وبالأخلاق دي، يا بخت والله أسماء بيه."
أكدت لها أنهار:
"هو فعلًا أحمد إنسان كويس، لكن كل واحد بياخد نصيبه يا حبيبتي. وعلى فكرة على قد صفاته الحلوة دي كلها والبت أسماء معجبة بيه فعلًا بس خايفة منه عشان متشدد حبتين. وبتقول هيعقدني ومش بعيد يلبسني نقاب وميخلنيش أخرج بره البيت خالص."
فخرجت من أشجان تنهيدة مؤلمة قائلة:
"وهي اللي تعيش في حضن واحد بالأخلاق والابتسامة الحلوة دي، هتعوز تخرج ليه!! دي معاه هتكون في الجنة، بس ما أظنش أصلًا إنه يعمل كده عشان..."
ولكن توقفت الكلمات في حلقها عندما باغتتها "زينب" بنظرة حادة من على بعد وصاحت بصوت عالي خرق أذنها:
"أنتوا واقفين تتكلموا أنتِ وهي وسايبين الرجالة على لحم بطنهم، ومستنيكم لما تتعطفوا وتخلصوا ودودة. قبر يلمكم أنتِ وهي، حريم عايزة كسر رقبتها."
فتوترت أشجان ولكزتها أنهار وهمست بخوف:
"شوفتي يلا بقى نخلص من اليوم اللي باين من أوله ده."
فحدثتها أشجان بغل:
"معلش عقربة ومصيرها هيجي لها يوم وأفـ.عصها تحت رجلي."
ثم جلس شفيق أولًا على السفرة، يلتهم الطعام بنهم دون انتظار أحد ولكنه بين الحين والآخر يتثاءب لرغبته في النوم.
أما أحمد فجلس ولكنه لم يضع أي لقمة في فمه ينتظر والده وعندما تأخر ووجد الجميع قد جلس يأكل فتعجب وتساءل:
"هو الحاج لسه نايم ولا إيه يا ماما؟ مش متعود يعني وهو أول واحد بيكون صاحي وقاعد معانا على السفرة."
طالعته "زينب" بجمود وقالت من بين أسنانها:
"الحاج تعبان شوية ولما نخلص فطار هدخل أودِّي له فطاره على جوه."
فتجمد أحمد للحظات وانكمش وجهه وقال بذعر تملك قلبه:
"بابا تعبان!!"
ثم لمعت عيناه بالدموع وهب واقفًا قائلًا:
"طيب أنا هدخل أطمن عليه."
فرفعت زينب أنفها وقالت بأمر:
"كمل فطارك الأول، عشان لو اتشال مش هيتحط تاني."
رمقها أحمد بنظرة حزينة لقسوتها الدائمة معه بلا سبب مع أنه يحاول بكافة الطرق أن يرضيها.
"تمام .. أنا أصلًا مليش نفس، فهدخل أطمن على الحاج وأروح كليتي على طول."
قالها أحمد بغصة مريرة ثم أسرع إلى غرفة والده.
انتبه شفيق لذكره الجامعة فترك طعامه ممتعضًا قائلًا بغل:
"كل شوية يقول كلية وزفت على دماغه، كأن محدش دخل كلية غيره في العالم."
فربتت زينب على كتفه بحنو قائلة:
"متزعلش نفسك يا حبيبي، وهو بالعلام بردك، ده أنت سيد الرجالة."
فنظرت أشجان إلى أنهار وابتسمت ساخرة.
فرآها شفيق فوقف غاضبًا وصاح بصوت عالي:
"إيه مش عاجبك الكلام يا ست أشجان هانم. دي بقت عيشة تقصّر العمر، أنا طالع أتخمد فوق وإياكِ حد يدخل يصحيني، أنا هصحى لوحدي."
فهمست أشجان:
"إلهي ما تقوم يا قادر يا كريم."
فنهرتها زينب وصاحت بها غاضبة:
"بتبرطمي تقولي إيه يا هبلة أنتِ. انجري قومي أنتِ والمعدولة أختك شيلوا الأكل ده واطلعوا لعيالكم صحوهم عشان المدارس وفطروهم وبعدين انزلوا نظفوا البيت وحضروا الغدا."
....
طرق أحمد الباب على والده واستأذن للدخول فأتاه صوت والده:
"ادخل يا أحمد."
فولج أحمد فوجد والده على التخت وقد ظهر على وجهه الإرهاق والتعب، فتقدم منه سريعًا وأمسك بيده فقبلها بحب قائلًا:
"سلامتك ألف سلامة عليك يا حاج، مالك بس مش متعود عليك راقد كده يا حبيبي."
ابتسم حمدي له وقال مطمئنًا له:
"متقلقش كده يا ابني."
شوية تعب وهيروحوا لحالهم.
المهم أنت عامل إيه في دراستك؟
يا نفسي ربنا يطوِّل في عمري عشان أشوفك أعظم دكتور قد الدنيا.
أحمد: بإذن الله يا حاج، ربنا يطول في عمرك.
حمدي: طيب مش محتاج فلوس يا ابني لزوم الكلية؟
أحمد بحرج: يعني كنت محتاج حوالي خمس آلاف جنيه عشان الكتب وبعض المستلزمات.
ابتسم حمدي: بس كده عيوني يا أحمد ليك، ده أنت الغالي ابن الغالية.
ثم أشار إليه:
بص افتح درفة الدولاب اللي قدامك دي، وهتلاقي عشر بواكي خدهم.
ابتسم أحمد بامتنان وقال: لا أنا محتاج خمسة بس.
فترجاه حمدي: يا ابني خدهم واصرف اللي تصرفه وشيل الباقي لما تحتاجهم.
فوقف أحمد ثم انحنى بجذعه وقبَّل رأس أبيه وشكره: ربنا يخليك ليَّ يا حاج.
ثم توجه إلى خزينة الملابس ليأخذ المال، وفي تلك اللحظة ولجت زينب تحمل صينية الفطار، وشاهدت معه المال، فرمقته بعينيها التي تخرج جمرات من النار قائلة:
مش عارفة آخرة البعزقة دي إيه!
وكان لزمتها إيه الكلية، ما كنت تشتغل مع إخواتك في المحل أحسن.
بدل ما أنت شايف نفسك عليهم على الفاضي.
وقف أحمد مذهولًا للحظات وشعر بنيران تأكل صدره، فكيف لأمه أن تفعل به هذا ولما تحاربه من أجل إخوته وهو أصغرهم وأضعفهم.
فنكس رأسه بخزي ولكن وجد من يدافع عنه.
ارفع رأسك يا أحمد، معاش ولا كان اللي يخليك توطي رأسك وأنا عايش.
قالها حمدي بحدة ثم استطرد:
واصرف من مال أبوك زي ما تحب، عشان ده شقى وتعب السنين.
واتعلم وخد شهادتك وشوف نفسك زي ما تحب واللي مش عجبه يخبط رأسه في الحيط.
لتندلع نيران الحقد في جسد زينب وأوشكت أن ترمي إليه بقنابلها الحارقة ولكن انتظرت حتى أومأ أحمد برأسه لأبيه واستأذن للخروج ثم غادر.
وما أن خرج حتى سارعت زينب إلى حمدي وأمسكته من تلابيب ملابسه بقسوة ولم تراعِ ضعفه ولا مرضه بعد أن اشتعلت النيران في جوفها من تفضيل أحمد على سائر إخوته.
فهدرت في وجهه: إيه الحنية دي كلها مع المحروس ابنك أحمد!
طالعها حمدي بغضب جحيمي ودفع يديها التي تتمسك به رغم ألمه وضعفه وقال بغضب: أنت اتجننتي يا زينب!
بترفعي صوتك عليَّ وتمسكيني من هدومي!
آه ما عشان أنا قصادك كبرت وعييت ومبقتش زي الأول بصحتي.
لمعت عين زينب بالشر وقامت بتهديده: أيوه يا حمدي ومعدتش هسكت بعد النهاردة، أنا استحملت زمان كتير وسكت كتير، لكن لحد هنا وكفاية.
أنا كل ما ببص لابن شمس اللي فضلتها عليَّ واتجوزتها في السر، بتقطع من جوايا.
وبكون عايزة أقوم أخلّص عليه بإيديه دي، خصوصًا إنه شبهها وكأني شايفاها قدامي.
أخرج حمدي تنهيدة حارة مؤلمة لذكرها اسم "شمس" أمامه، تلك المرأة التي ذهبت بلب عقله وعشقها حتى النخاع، ولم يرَ امرأة قط في جمالها وصفاء قلبها.
وود لو رآها هي منذ البداية ولم يتزوج من زينب التي تزوجها خجلًا من والدها الذي أكرمه وكان هو السبب بعد الله عز وجل فيما يملك الآن من خير.
وأقنع ذاته أنه مع العشرة والأيام سيحبها ولكنه لم يستطع ذلك وكانت هي السبب لبذاءة لسانها وتكبرها بجانب قسوتها فلم يجد طيلة حياتها معها الحب والحنان الذي افتقده.
ولكن ظهرت شمس في حياته فجأة فأضاءت جانبه المظلم، وأعادت لحياته رونقها بعد أن ظن أنها ذبلت وانتهت على يد امرأة لم تعرف الرحمة قلبها قط ولكنه صبر عليها من أجل أولاده.
فجاءت شمس لتكون دواء لآلامه وبلسمًا لجراحه، ولا شك أنه أول شيء جذبه إليها هو جمالها الظاهر ولكن مع الأيام أيقن أن جمال داخلها أكبر بكثير من جمالها الظاهري.
........
غادر أحمد يحمل في قلبه كثيرًا من الخذلان من جهة تلك المرأة التي يقال عنها والدته على الرغم أنه لم يشعر ولو لمرة واحدة أنها أمه بالفعل، وكثيرًا ما نظر لعينيها لعله يجد فيها بعضًا من الحنو الذي يحتاجه ولكنه لم يجد فيهما إلا كل قسوة وأخذ يسأل ما فعلت لها حتى تفعل بي ذلك، فهو لم يذكر حتى ولو مرة واحدة ضمتها إلى صدرها كما تفعل مع إخوته.
ياااه كم طالعها وهي تضم إخوته وتمنى لو تفعل ذلك معه ليشعر بالأمان الذي يفتقده.
فخرجت منه تنهيدة مؤلمة ولكن سرعان ما تذكر والده وما يفعله من أجله فابتسم لأنه حارسه وأمانه منذ الصغر واليد الحنونة التي ترفق به ويواجه بها العالم، ثم دعا له بالشفاء وأن يطيل الله في عمره من أجله.
ليقابل صديقه شاكر الملقب "بشيكو" الذي يمتلك محل بقالة صغير أمام منزل أحمد ويكبره بثلاث سنوات.
وعندما رآه ابتسم وقال بخفة ظل: إيه يا دكاترة صاحي بدري ليه، هتبيع لبن؟
فضحك أحمد: يا ريت كان يكون أسهل من الكلية وأرفه.
شيكو: معلش اصبر لغاية ما تنول المراد.
أحمد: الله المستعان.
يلا أتوكل على الله عشان ألحق المحاضرة.
شيكو: في أمان الله، بس متتأخرش وتنسى الدرس بتاعك بعد صلاة العشاء وخليه على الصبر.
فضحك أحمد وقال بخشونة: شكلها كده مدوخاك وعايز كلام يصبرك.
فوضع شيكو يده على قلبه وهمس: دي مش مدوخاني بس، دي هتموتني ناقص عمر.
الله يهديك اللي في بالي.
.....
وعندما وقف أحمد أمام سيارته الصغيرة التي لا تقارن بسيارات إخوته الحديثة بسبب رفض زينب أن يكون له مثلهم.
وهمَّ أن يفتحها ويترجل بها نحو جامعته.
كانت هناك عينان تفترسه من على بعد.
حيث كانت تقف بجانب أسماء في الشرفة صديقة لها "بسمة" وعندما رأت أحمد اتسعت عيناها وجاء على لسانها: واو إيه المز ده يا بت يا سمسم.
تعرفيه!
قالت أسماء باستفهام: قصدك مين يا بت أنتِ؟
بسمة وهي تشير إلى أحمد: الحلو اللي بيفتح العربية الحمرة اللي تحت دي، يخربيت حلاوته ولا دقنه اللي هتاكل منه حتة.
فنظرت أسماء إلى ما تشير إليه بسمة فوجدته أحمد ابن عمها، فأكلتها الغيرة رغم أنها لا تميل إليه خوفًا من شدته.
ولكنها قالت بجرأة: بت أوعي عينك من على خطيبي ألا أخزقها لك بعدين.
فقالت بسمة بصدمة: خطيبك!
ده إمتى وإزاي يا أختي؟
يعني مقولتليش حاجة زي كده قبل كده، ولا أنتِ ولا هو أهو شايفاه مش لابسين دبلة.
فصكت أسماء على أسنانها بغيظ وقالت بحنق:
هو يعني مش خطيبي رسمي، لكن فيه كلام كده وهو أصلًا ابن عمي يعني في الآخر ليَّ، زي ما إخواته متجوزين إخواتي البنات.
فصاحت بسمة: آه هو ده الدكتور، بس ده طلع حلو أوي، بس صح ده أنتِ قولتي عليه إنك مش بتحبيه ومغصوبة عليه، فسبهولي الله يخليكِ، عشان أنا حبيته من أول نظرة.
فضمت أسماء شفتيها بغيظ ولكزتها في كتفها قائلة بنزق: إيه سبهولي ده هو شراب، بقولك خطيبي ومش مهم أحبه ولا محبوش ده قدري وخلاص.
وإياكِ تبصيله تاني يا بت أنتِ، أنتِ فاهمة.
ضيقت بسمة حاجبيها بضيق مردفة: طيب خلاص متزوءيش، وأنا ماشية وسيبهالك مخضرة.
لتغادر بسمة بين أنظار أسماء الحارقة، فكيف لها أن تعتدي على شيء ملك لها، فهو لي حتى لو لم يكن قلبي يريده ولكن يكفي ابن العم وصديق الطفولة ولن أدعه لغيري.
........
في مكان آخر
كانت كل الأعين تحدقها بإعجاب ولكن هي كانت تنظر إليهم كوحوش مفترسة تريد أن تنال منها ومن جسدها.
وترى أعينهم التي تحدقها بشهوة، كأسد جائع تود أن تلتهمها وهي تؤدي وصلة الرقص الخاصة بها في ذلك النادي الليلي.
وعندما انتهت من رقصتها ثم استدارت متجهة إلى غرفتها، وجدت من أمسكها من رسغها بقوة آلمتها.
فطالعته بقسوة وصوت هادر اخترق جوفها: فيه إيه تاني يا جوز أمي.
أظن خلصت نمرتي وعايزة أتنيل أدخل أستريح.
فظهرت ابتسامة ساخرة على شفتي هذا الكهل العجوز قائلًا وعينيه لا تفارق مفاتنها: تستريحي يا دلال، ده إحنا لسه في أول الليلة يا قمر.
ثم غمزها قائلًا: وشايفة البيه اللي قاعد هناك ده، شكله أوبهه أوي ومتريش، وطلبك بالاسم عشان تقعدي معاه شوية وتفتحي له إزازة شمبانيا.
امتلأ قلب دلال بالحزن وأخرجت من بين ضلوعها زفيرًا حارًا قائلة بقهر:
بس أنت عارف إني مبقعدش مع زباين يا متولي ولا بشرب المدعوك ده، واتفقنا كان إني أرقص وبس، أي حاجة تانية مليش فيها.
فانفجر متولي ضاحكًا ثم نظر لها بحدة وعينيه تنذر بالشر قائلًا: بصي يا حلوة الرقص شيء لزوم الشيء، يعني اللي بيجيب الفلوس مش الرقص بس ده البداية واللي بعده هو اللي هيفتح لك طاقة القدر.
طالعته دلال بتحدٍّ واضح في عينيها:
وإن قولت لأ يا متولي، عشان قلبي مش مستريح وحاسه عينيك فيها حاجة عايز تقولها.
ولا أقولها لك أنا بالمفتشر كده، أنا مش هبيع نفسي يا متولي ولو فيها دمي.
فضحك متولي مستهزئًا وذكرها بذكرى سيئة تود أن تحميها من ذاكرتها للأبد.
لا شريفة يا بت أوي، أمال مكنتش شايفك بعينيه اللي هياكلهم الدود دول واقفة مع الواد اللي اسمه محسن تحت بير السلم وزنقك في الحيطة.
كنتوا بتعملوا إيه؟
أكيد هتقولي كان بيحط لك قطرة في عينك صح!
بس مهنش عليه أمك اللي راقدة في سريرها تعرف، وساعتها كانت ماتت فيها.
فلمعت عين دلال بالدموع وقالت بصوت حزين: مهما حلفت لك إني الواد ده كان مستقصدني في الريحة والجاية بيعاكسني ويومها كان مستخبي لي تحت بير السلم وشدني عشان يبوسني ولولا أنت جيت في الوقت المناسب.
متولي بخبث: بس طيب متعيطيش يا قطة وتبوظي الليلة وإحنا لسه بنقول يا هادي.
يلا زي الحلوة اسمعي الكلام وروحي غيري بدلة الرقص دي والبسي حاجة كده من الفساتين اللي جبتهم لك جوه وتعالي.
فصاحت دلال بقوة صدمته: قولت لأ يا متولي.
فضيَّق متولي عينيه بمكر قائلًا:
طيب براحتك مش هغصب عليكِ، بس هطلع من هنا على النيابة عدل لديهم وصلات الأمانة اللي كتبتها على الست أمك وهخليها تتحبس وهي في السن ده.
بس ما أظنش هتتحمل ومتخافيش مش هتقعد كتير وتتكل على الله.
فدب في قلبها الذعر وتفتت إلى أشلاء من الحزن والقهر بسبب ذلك الرجل الذي استغل براءة وطيبة قلب والدتها وأمضاها على تلك الإيصالات دون أن تعلم.
وكان المقابل حتى لا يقدمها للنيابة أن أجبرها على العمل في ذلك النادي الليلي الذي يمتلكه.
فصاحت دلال بحدة في وجهه: بس ده مكنش اتفقنا.
اتفقنا إني أرقص بس ومليش دعوة بحاجة تانية.
متولي: ما قولت لك الشيء لزوم الشيء يا قطة.
ها هتروحي تغيري وتيجي ولا أطلع على النيابة.
فتوترت دلال وشردت في والدتها المريضة وأن أمرًا كهذا لن تتحمله وهي لن تستطيع العيش بدونها، فهي ليس لها أحد غيرها.
فلم تجد سوى الموافقة ولكنها أيقنت أن هذا سيفتح لها أبواب جهنم ولكن ما عليها أن تفعل وقد سدت في وجهها كل الطرق وأصبح عنقها في يد ذلك البغيض وليس لها من مخرج.
رواية دلال و الشيخ الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء سعيد
دلال والشيخ
الحلقة الثانية
كل الأشياء التي تمنيتها لم أحصل عليها، وعشت حياة لم أكن أريدها. فهذا ليس شريك حياتي الذي تمنيته، ولا هذا طريقي، ولكني مُرغمة على الاستمرار لاستحالة العودة لما كنت عليه، ولا أمل لي في حياة أفضل.
خواطر شهيرة حمدي الجمال
كانت شهيرة تغط في النوم، وبجانبها زوجها وابن عمها "سفيان" يطالعها بعينيه التي تمتلئ بالحب.
فعشقه لها أصبح كالهواء الذي يتنفس به، ولا يستطيع العيش بدونها. ولكن هناك غصة في قلبه لا تريد أن تفارقه؛ لأنه يعلم أنها لا تبادله الشعور، وقد تزوجها رغماً عنها، وحرص كل الحرص أن يعاملها بلطف وحنو وحب، حتى أنه وضع قلبه بين يديها تقلبه كيف تشاء، لعله يجد يوماً وميضاً في عينيها من أجله، وتشعره أنها تعشقه مثله. ولكن طال انتظاره إلى هذا اليوم، بل ويزداد كل يوم تمردها على قلبه، فتكون كلماتها اللاذعة كخنجر يمزق قلبه. ولكنه يعترف أنها رغم ذلك تؤدي واجباتها كزوجة وأم على أكمل وجه، وتطيعه إن طلبها، ولكنها تكون معه بلا روح، جسداً بارداً كالثلج.
فتُميت قلبه بذلك في اليوم مئة مرة، وتجعله يتساءل: "ماذا أفعل أكثر من ذلك ليذوب ذلك القلب القاسي ويحن من أجله قليلاً؟"
أخذ سفيان يداعب خصلاتها المتمردة على وجهها ويزيحها للخلف، ليلمس بشرتها الناعمة كالأطفال بحنو.
فاستيقظت هي على إثر لمسته، وفتحت عينيها بتكاسل لتجده يطالعها بنفس النظرة ونفس الشغف من قبل أن يتزوجها، وإلى الآن نفس النظرة لم تتغير.
فابتسمت كأي امرأة تعشق الاهتمام، وإن كانت لا تحمل في قلبها مشاعر له، ولكن سرعان ما عادت للعبوس حين نظرت إلى الساعة ووجدتها قد تخطت الثامنة صباحاً.
فاعتدلت قائلة بغضب:
"سيادتك صاحي فايق وسايبني نايمة وراح على الولد باص المدرسة."
احتفظ سفيان بهدوئه رغم النار التي تشتعل بداخله من أسلوبها الحاد في التعامل، قائلاً بتروٍ:
"إهدي يا شاهي. الولد نزل في معاده وزمانه وصل المدرسة كمان."
فضيقت شهيرة حاجبيها قائلة باستفهام:
"إزاي ومين لبسه وحضر ليه حجته؟"
ابتسم سفيان وقال:
"آني بصوت أحمد بدير في مسرحية ريا وسكينة."
فلم تستطع شهيرة كبت ضحكاتها، فضحكت على صوته.
فأمسك بيديها يلثمها قائلاً بحنو:
"أيوه كده اضحكي، خلي الشمس تنور."
خجلت شهيرة وعاتبت نفسها؛ لأنه طالما عاملها بحب وحنو، ولم يجد منها سوى كل صد.
فهي لا تنسى أبداً أن زواجهم قضى على حلم الجامعة التي كانت تحلم بها بعد أن نجحت في الثانوية العامة بمجموع يؤهلها لأحد كليات القمة، ولكن الزواج كان عقبة، ومازال صوت والدتها القاسي في أذنيها:
"كفاية علام لغاية كده، والبنت في الآخر مالهاش إلا بيت جوزها."
داعب سفيان طرف أنفها بخاصته قائلاً:
"يلا نقوم يا جميل ونفرفش عشان ننزل نفطر مع الحاج والحجة تحت."
فأومأت شهيرة برأسها وابتسمت، فهي لم تعترض أبداً على النزول إلى زوجة عمها أو خدمتها؛ لأنها طالما كانت الصدر الحنون لها وأمها الثانية، فهي تعاملها بطيب نفس وحب ولا تفعل معها كما تفعل والدتها ببناتها.
شرد الحاج حمدي الجمال وهو على فراش المرض في شمس، بعد أن عنفته زينب وخرجت غاضبة.
وتذكر أول لقاء بها عندما جاءت إلى محل العطارة تطلب وصفة من أجل والدتها المريضة، فانبهر حمدي بجمالها الآخاذ وبشرتها البيضاء وخصلات شعرها البنية التي تظهر من حجابها، فظل يحدق بها للحظات فاكتسى وجهها بحمرة الخجل وأخفضت رأسها.
فقال بتودد:
"بس كده عيوني،"
ليعطيها ما أرادت فشكرته وذهبت مسرعة.
فخفق قلب حمدي وتتبعتها عيناه إلى أن اختفت، وحدث نفسه:
"إيه ما تثبت يا حمدي، مالك مش على بعضك كده! هي أول مرة تشوف واحدة حلوة؟ ما الستات داخلة طالعة المحل على كل لون."
ثم استرسل قائلاً:
"بس لا، دي مختلفة وعينيها كده فيها حاجة غريبة شدتني ليها. يا ترى هشوفها تاني ولا..."
لتمر بضعة أيام كان يتلهف بها لرؤيتها مجدداً، حتى رآها تدلف إليه وعلى وجهها ابتسامة أذابت قلبه قائلة:
"أنا جيت أشكرك وأوصلك دعوات أمي اللي بتدعيلك عشان الوصفة جابت نتيجة."
طالعها حمدي بإعجاب قائلاً:
"لا شكراً على واجب يا آنسة."
"شمس، اسمي شمس."
قالتها شمس بخجل.
حمدي:
"عاشت الأسامي يا ست البنات."
شمس بخجل:
"طيب استأذن أنا عشان أمي مستنياني."
وبينما كانت تهم بالمغادرة، وجدت طفلاً صغيراً يسرع إليها بوجه مكفهر وشفاه مرتعشة قائلاً:
"إلحقي يا شمس، البيت بتعكم وقع على اللي فيه."
فصرخت شمس:
"أمي، أمي!"
وأسرعت نحو منزلها.
فتجهمت ملامح حمدي وشقت صراختها صدره، فسارع من ورائها ليكون بجانبها.
وقفت شمس تبكي وهي ترى منزلها أمامها قد تساوى بالأرض في غمضة عين، وصرخت قائلة:
"يا ريتني ما كنت سبتك ومشيت، وكنت أموت معاكِ يا يُمّا، هروح فين دلوقتي وأنا ماليش غيرك."
تمزق قلب حمدي وهو يراها على هذا النحو، وود لو اقترب منها وضمها لصدره ويقول:
"أنا هنا معاكِ، وجمبك ومش هسيبك أبداً."
وكل ما استطاع قوله:
"وحدي الله يا شمس دي أعمار، وهدي نفسك كده، وشوفي عايزة إيه وأنا معاكِ في كل حاجة تطلبيها."
فنظرت له نظرة امتنان حزينة، وأخذت تفكر ما ستفعل الآن بعد أن خسرت أمانها الوحيد، وأين ستذهب؟ فهي ليس لديها أحد تلتجئ إليه، وليس معها أموال لتستأجر أي مكان، فهل سيكون الشارع هو مصيرها؟
كانت دلال تسير بخطى سلحفاة إلى هذا الرجل البغيض الذي ينتظرها، وعيناه تحدقان بها برغبة وتفترسان كل إنش في جسدها.
وودت لو وضعت أناملها في عينيه لتصيبه بالعمى لتتخلص من قبح نظراته إليها.
ومتولي من ورائها يدفعها للسير إليه عنوة حتى أجلسها معه على نفس الطاولة.
ثم غمزه متولي قائلاً بصوت يشبه فحيح الأفعى:
"تؤمر بحاجة تانية يا سليم بيه؟"
فابتسم سليم وأخرج من محفظته مبلغ ألفين جنيه وأعطاهم له. ودلال تنظر إليهم بتيه، وسرت في جسدها قشعريرة، والخوف تملك منها بعد أن أدركت أن هذا الشيطان قد باعها واستلم الثمن، وما أزهده.
لذا وقفت سريعاً استعداداً منها للهرب من ذلك المصير الأسود الذي ينتظرها، ولكن وجدت يد متولي تقبض على رسغها بقوة ألمتها قائلاً وجمرات النار تخرج من عينيه:
"اقعدي يا دلال، واسمعي كلام البيه وريحيه وإلا هتباتي أنتِ وأمك في السجن الليلة."
مزقت كلماته قلب دلال وأنتْ من الألم، وغامت عينيها بسحابة من الدموع، وأدركت أنها على حافة الهاوية ولا طريق للرجوع، فجلست لتجد هذا الرجل البغيض يقول:
"بقول إيه رأيك يا حلوة لو نكمل السهرة بتاعتنا في البيت بدل الدوشة دي."
ثم أخذ يتفرسها بعينين تود لو أن تلتهما في الحال وتابع:
"عشان نفسي كمان ترقصيلي لوحدي."
فهمست دلال:
"إلهي يقرصك تعبان وينهش لحمك. وبعدين أعمل إيه في المصيبة دي؟"
ثم فجأة تبدلت ملامحها للارتياح وابتسمت بمكر عندما تذكرت أن معها تلك الحبوب التي كتبها الطبيب لوالدتها لكي تساعدها على النوم.
فقالت:
"أيوه هي دي، يلا ابن حلال ويستاهل."
ليتفاجأ بها تقف مبتسمة رغم النيران التي تأكلها من الداخل وارتجاف جسدها من الخوف:
"يلا يا باشا، أنا كمان فعلاً مصدعة أوي."
ثم تابعت بمكر:
"بس يا باشا الرقص الخصوصي ده ليه مصاريف تانية عشان يكون في علمك يعني."
فوقف سليم مبتهجاً وأشار إلى عينيه:
"عيوني ليكي يا قمر أنتِ. يلا بينا."
لتتقدم معه بقلب مرتجف تخشى ألا تؤثر به تلك الحبوب المنومة أو يراها وهي تضعها فتكون نهايتها على يده.
ولكنها رغم ما تفعله لم تجد سوى الله، فرفعت عينيها للسماء تناجيه وتطلب منه العون والنجاة؛ لأنها مرغمة ولم تود يوماً أن تسلك هذا الطريق.
لم تتحمل زينب هدوء حمدي عندما واجهته بغريمتها التي استطاعت أن تصل إلى قلبه دونها، وتركته غاضبة عندما لاحظت شروده وأيقنت أنه مازال يذكرها ويفكر بها حتى بعد مضي كل تلك السنوات لم ينساها أبداً.
ولم تجد غير ابنها شفيق الذي أشربته من كأس الكره والحقد نحو أبيه وأخيه طوال تلك السنوات الماضية، فنشأ على كرههم، وكل يوم يتمنى أن تدرك أبيه الوفاة ليرثه.
فوجدتها تقتحم عليه الغرفة وهو نائم وأغلقت الباب خلفها بقوة أفزعته ليستيقظ مذعوراً قائلاً:
"فيه إيه حصل يا حجة؟ ده أنا مصدقت عيني غفلت وقولت محدش يصحيني."
تجافلت زينب عما يقوله ولم تنتبه له، ثم اقتربت منه وجلست بجانبه على التخت قائلة بصوت ناري كالتي تحمله في قلبها ولم تطفئه السنين بعد:
"بقولك إيه يا شفيق، اسمعني كويس أوي وافهم أنا عايزة أقولك إيه، وبعدين شور عليّ أعمل إيه عشان أنا مش عارفة أفكر كويس، وكل اللي بفكر فيه إني أنتقم وبس. ومفيش غيرك يساعدني عشان أنا عارفة أخوك لا إيه في الطور ولا الطحين وماشي ورا مراته. لكن أنت اللي راجل وشبه أمك."
طالعها شفيق بتعجب وقال بفضول وترقب:
"هو إيه الحكاية يا حجة؟ ومالك شكلك زعلان كده؟ قولي مين مزعلك وأنا أحط راسه تحت رجلي."
ابتسمت زينب وقالت بامتنان:
"ربنا يخليك ليّ يا حبيبي."
ثم بدأت تقص له ما حدث من والده وزواجه عليها من شمس وإنجابه منها أحمد أخوه، وشفيق يستمع إليها باهتمام وتعبيرات وجهه تزداد قتامة شيئاً فشيئاً.
حتى صرخ بقوله:
"يعني إيه أحمد ده مش ابنك، وابن الحية اللي خدت أبويا منك. وإزاي سكتي عن الموضوع ده يا ماما؟ وإزاي قبلتي تربيه وسطنا وهو ابن عدوتك؟ وبدال هو ابن عدوتك فهو من النهاردة مش أخويا، هو عدوي."
فضيقت زينب عينيها وقالت بشر:
"وهو ده اللي عايزاه يا ابن بطني، وعايزة أشوفك هتعمل معاه إيه؟ عايزة أشوفه بيتوجع زي أمه ما وجعتني زمان، عايزاك تحرق قلبه زي ما قلبي اتحرق. والأهم من كده الورث مش عايزاه يطول ولا مليم من فلوس أبوك اللي أصلها فلوس أبويا أنا، وأنت وأخوك أولى بيها، لكن هو مالوش حق."
فأومأ شفيق برأسه مؤكداً بسواد قلبه:
"أيوه مالوش ياخد مليم أحمر."
مازال حمدي في شروده في شمس.
فهو لازمها طيلة اليوم حتى استطاعوا إخراج جثة والدتها من تحت الهدم ثم دفنها، وكان بجانبها يؤازرها ويتمسك بها كلما انهار جسدها ولم تستطع الصمود والوقوف على قدميها من شدة الحزن، فما أصعب الفراق.
وهنا أدرك حمدي أنها منذ اليوم أصبحت تعني له الكثير ومسؤولة عنه ولن يتركها أبداً.
حتى انتصف الليل عليهما، فطالعته شمس بعينين يملؤها الحزن ولكنها أرغمت لسانها على شكره قائلة:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي على اللي عملته معايا. وأظن الوقت اتأخر وحضرتك لازم تروح لبيتك وأولادك. أما أنا فمش عارفة صراحة أعمل إيه وأروح فين؟"
بس هدور على أي مسجد يكون مفتوح أبات فيه لغاية ما أفكر أعمل إيه.
صُدم حمدي من قولها، فاعترض غاضبًا:
ازاي ده يحصل وتأمني منين؟ محدش يشوفك ويطلع يضايقك.
ثم استطرد بإقناع:
بصي أنا عندي شقة في الموسكي، كنت واخدها عشان أريح دماغي فيها حبتين من الهم اللي عندي في البيت. فإيه رأيك تيجي تنوريها وتعتبريها شقتك؟
فتبدلت ملامح شمس لأخرى غاضبة، وقالت بوجه منكمش وصوت غليظ:
لا، أنت فاكرني عشان بنت يتيمة ومليش حد، هتقدر تضحك عليا وتاخدني شقتك؟ لا اصحى، أنا عندي أموت ومفرطش في نفسي أبدًا. ويلا طريق السلامة وحلو أوي لحد كده.
ثم استدارت لتغادر، ولكن وجدت من يمسك رسغها بقوة قائلًا:
استهدي بالله يا بنت الناس، أنتِ افتكرتي إيه بس؟ أنا مش وحش على فكرة، وكمان صعيدي يعني دمي حر ومقبلش أبدًا باللي جه في دماغك ده. ده غير إني عندي بنت، فلازم أفكر مية مرة قبل ما أعمل حاجة ممكن تترد في بنتي. أنا بس هوصلك الشقة وأديكِ المفتاح وتدخلي، وعشان تتطمني أكتر تقفلي وراكِ بالمفتاح. وعلى فكرة البيت ده مفهوش حد غير الست صاحبة البيت "الحاجة فوزية" وشقتين بتوع عيالها مقفولين عشان مسافرين. وهي ست كويسة أوي هتحبيها وتتونسي بيها.
فرأت شمس في عينيه الصدق، فحركت رأسها بخجل قائلة:
إذ كان كده ماشي.
فابتسم حمدي قائلًا:
يلا بينا.
...........
ولجت دلال مع سليم إلى شقته بخطى سُلحفية ترتجف من الخوف كلما اقترب منها هذا البائس. وظهر هذا على ملامحها، فلاحظ سليم فقال لها مطمئنًا:
مالك يا قمر؟ شكلك خايفة مني..! بس متخافيش، مش هتلاقي واحد حنين عليكِ قدي، ولو عجبتيني ودخلتي مزاجي أوعدك إني هخليكِ أسعد واحدة في الدنيا وهجبلك كل اللي بتتمنيه.
ثم اختطف قبلة من وجنتيها قائلًا:
معلش تصبيرة كده عقبال ما أدخل آخد دش وأروق نفسي عشان خاطرك يا جميل. وأنتِ خدي راحتك في الشقة خالص، اعتبريها بيتك.
أومأت دلال برأسها، وخطر على بالها فكرة أن تهرب سريعًا عندما يلج هو إلى المرحاض، ولكنه كان أذكى منها وأغلق الباب بالمفتاح ووضعه في جيب بنطاله وغمز لها قائلًا:
عشان متهربيش مني يا قطة، ده أنا دافع كتير ولسه هدفع.
ثم تركها، وأخذت هي تدور حولها كثيرًا لتستكشف المكان وتعلم أين مكان المطبخ لتعد له بعضًا من العصير تضع بداخله تلك الحبوب المنومة. ثم خرجت به وقامت بتشغيل التلفاز على أحد قنوات الأغاني الصاخبة في غرفة النوم، وبدأت تتمايل وترقص حتى تلهيه عما ينوي فعله قليلًا. ودق قلبها بشدة عندما وجدته أمامها يطالعها بنظراته المفترسة، فدفعته برفق قائلة بدلال:
اقعد يلا واتفرج عليا.
فجلس سليم بحواس منتبهة لكل حركة تفعلها تأخذ بلب عقله، وكلما حاول الوقوف ليقترب منها، جعلته يشرب شربة من العصير وهي تطلق ضحكاتها الرنانة:
شكلك عطشان، اشرب.
فشرب منه قائلًا:
أنا عطشان أشرب من نهر حبك يا دلال.
فأجابته:
لما أخلص الرقصة عشان الأغنية دي داخلة دماغي.
فجلس ينتظر بفارغ الصبر، حتى شعر بثقل رأسه وهاجمه سواد أمام عينيه وبدأ يترنح حتى سقط نائمًا على التخت. فتوقفت وتنهدت بارتياح، وأسرعت إلى المرحاض تفتش عن المفتاح حتى وجدته، ثم خرجت وحاولت أن تخلع عن سليم قميصه وبنطاله لتجعله يظن أنه فعل ما كان يريد منها. ثم كتبت له ورقة لتؤكد:
(ما قابلتش راجل زيك بالقوة والحب ده كله، هتوحشني يا سلومتي، معلش اضطريت أمشي وسبتك نايم عشان مزعجكش).
ثم فرت هاربة سريعًا قبل أن يستفيق، وأسرعت إلى الشارع. وبينما هي تركض رأت مجموعة من الرجال يحاوطون رجلًا أعزل، وكل واحد منهم يضربه في أحد أجزاء جسده المختلفة، وكلما حاول الدفاع عن نفسه وجد أحد منهم يركله بقسوة، صرخ على إثرها ثم سقط على ركبتيه، فقام أحدهم وانهال على رأسه ضربًا حتى تفجرت الدماء من رأسه وأُغشي عليه. وعندما أراد واحد منهم الإجهاز عليه ليلقى مصرعه، وجد يدًا منهم تمسك برسغه قائلًا:
المعلم قال نعلم عليه ونعلمه الأدب، لكن ميموتش، فكفاية كده يا رجالة ويلا نهرب قبل ما حد يحس بينا.
ليسرعوا بعد ذلك إلى وجهتهم، تاركين أحمد غارقًا في دمائه. شاهدت دلال ما يحدث بعين متسعة خائفة، وارتجف جسدها وخفق قلبها متألمًا من منظر الدماء وسقوط هذا الرجل من أيديهم كخرقة بالية داسوا عليها بأقدامهم دون رحمة. أرادت دلال أن تصرخ بعد أن تمزق قلبها لأجله، ولكنها كتمت شهقاتها حتى لا يلاحظها أحدهم فيصيبها منهم ما أصابه بل وأكثر. وأخذت تسبهم وتلعنهم:
آه يا كلاب، متشطرين على واحد كلكوا، آه يا أما نفسي كنت أكون راجل كنت يمكن قدرت أدافع عن الغلبان ده ويمكن مكنش ده حالي والكل طمعان فيه.
ثم وجدتهم يركضون، كل واحد منهم خلف الآخر، فتنهدت بارتياح قليلًا، ولكن هاجمها الخوف عندما خشيت أن يكونوا تركوه بعد أن فارق الحياة.
فتقدمت منه بخطى سلحفاة خائفة رويدًا رويدًا، ثم وضعت يدها على قلبها وهي ترى الدماء تنهمر من رأسه فتلطخ بشرته البيضاء.
فشعرت بنار تأكل أحشاءها قائلة:
"مش حرام جدع حليوة كده ولسه صغير يروح بلوشي، منكم لله يا بعدة."
ثم انحنت بجذعها إليه لتختبر قلبه، هل ما زال يتنفس أم مات.
وعندما شعرت بأنفاسه، ابتسمت قائلة:
"يا دين النبي! الراجل لسه فيه الروح، بس أعمل إيه معاه؟ هنقذه إزاي ده؟ ده عايز يتشال وأنا شايلة نفسي بالعافية. طيب أعمل إيه أسيبه كده بدل ما أدخل في سين وجيم وأمشي؟ لا مقدرش. طيب أعمل إيه مفيش قدامي غير إني أستنجد بحد، عشان عارفة لو اتصلت بالإسعاف عقبال ما يجوا هيكون الراجل مات وشبع موت."
لذا أخذت تركض يمينًا ويسارًا لعلها تلمح أحدًا ينقذ هذا الرجل.
حتى وجدت سيارة تقطع الطريق، فاستوقفتها وأخذت تضرب على نافذتها الزجاجية بلهفة. وعندما فتح الرجل النافذة، طالعها بفضول مستفهمًا:
"فيه إيه؟ عايزة إيه؟"
فلمعت عيناها بالدموع ووجدت نفسها تقول دون شعور:
"إلحقني يا بيه، هجموا على جوزي شوية بلطجية وهيموت مني، ولازم يروح المستشفى حالًا ومش قادرة أشيله. أرجوك يا بيه تنقذه، ينوبك ثواب."
فصمت الرجل للحظات؛ لأن الموقف صعب وقد يحاسب عليه، فظهر على وجهه التردد وكاد أن يرفض. فرأت دلال ذلك على وجهه فقالت:
"أنا عارفة اللي بتفكر بيه يا بيه وعندك حق، بس أنا مش عايزة غير توصلني على عتبة المستشفى وتمشي أنت بألف سلامة، مش عايزة أكثر من كده. أرجوك يا بيه ربنا ما يوقعك في ضيقة أبدًا."
وهنا أشفق عليها الرجل فقال:
"شكلك بتحبيه أوي، ربنا يشفيه."
لامس قلبها تلك الكلمة وحدثت نفسها:
"حب! يعني إيه حب؟ أنا معرفهوش ومعشتهوش ومش عايزة أجربه. الحب ده اللي خلى أمي تقع تحت إيدين الظالم متولي وتسمع كلامه لغاية ما دمرها وأخذ تحويشة عمرها عشان يعمل الكباريه ده لغاية ما جاب لها المرض وآخرها بيشغلني معاه غصب. لا أنا مش عايزة أحب، الحب ضعف وأنا ما أحبش أكون ضعيفة أبدًا، عايزة أكون قوية عشان أقدر أقف قدام أي حد يوقف قصادي."
"هو فين جوزك ده؟"
سؤال سأله الرجل ليخرجها من شرودها، فسارعت بالقول:
"قدام هنا يا باشا في الشارع ده. تعال ورايا."
فتبعها بالسيارة حيث مكانه، وعندما رآه على هذا النحو قال بحزن:
"لا حول ولا قوة إلا بالله."
ثم انحنى ظهره ليحمله إلى سيارته وساعدته دلال، ثم توجه إلى سيارته وانطلق به نحو المستشفى.
وعندما وصل به حمله إلى داخل المستشفى، فصرخت دلال قائلة:
"حد يلحقني، جوزي بيموت مني يا ناس."
فسمعها أحد الأطباء وقال:
"دخلوه حالًا أوضة الكشف أشوفه."
فحمله هذا الرجل إلى غرفة الكشف ثم همس إلى دلال:
"أظن عملت اللي علي أنا، أستأذنك أمشي وربنا يشفيه ويخليكوا لبعض."
طالعته دلال بامتنان قائلة:
"طريق السلامة، شكرًا لحضرتك."
فغادر سريعًا إلى وجهته وانتظرت هي بجانب أحمد تطالعه بحزن، والطبيب يتابع حالته محاولًا السيطرة على نزيف رأسه.
حتى انتهى واستدار إليها قائلًا:
"الحمد لله إنه جاء في الوقت المناسب، لو غاب أكثر من كده كان ممكن يروح فيها بسبب الدم اللي نزفه ده كله."
تمتمت دلال:
"الحمد لله. بس هو هيفوق امتى يا دكتور؟"
الطبيب:
"هيفوق بعد ما يتغذى بالمحلول إن شاء الله، لكن لو ما جابش نتيجة هنضطر ندخله عناية مركزة وننقل ليه دم."
دلال باستنكار:
"لا عناية إيه! إن شاء الله يفوق."
الطبيب:
"بإذن الله، طيب أنا هروح أشوف شغلي وشوية أعدي عليه أتابع حالته عشان أقرر الخطوة الجاية. وأنتِ اقعدي جنبه ولو فيه أي شيء غريب أو تدهورت حالته، خليهم يبلغوني."
أومأت دلال برأسها، ثم غادر الطبيب وجلست بجانب أحمد تحدق به كثيرًا وكأنها تحفظ ملامحه.
وتساءلت:
"يا ترى أنت مين وإيه حكايتك وليه الناس دي عملوا فيك كده؟"
ثم مر الوقت وشعرت دلال بالنعاس وثقلت عليها جفونها، فأغلقتها حتى نامت وهي جالسة.
أما أحمد فبدأ استعادة وعيه تدريجيًا محاولًا أن يفتح عينيه، ثم نظر إلى سقف الغرفة وتساءل:
"هو أنا فين؟"
ثم شعر بألم يفتك رأسه وعندما حاول أن يلمسها بيديه، وكان في ذلك الوقت الممرضة قد حضرت لمتابعة المحلول فقالت بصوت أيقظ دلال:
"لا ما تلمسش الجرح عشان ما تتعبش يا أستاذ، غلط كده. فهميه يا مدام، مش حضرتك مراته برضه؟"
فتلون وجه دلال بحمرة الحرج فما عساها أن تقول فأكدت:
"أيوه مراته يا حبيبتي."
فاتسعت عين أحمد وهو ينظر إليها باستنكار قائلًا:
"مراتي؟"
رواية دلال و الشيخ الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء سعيد
ما زال حمدي في شروده حين اصطحب شمس إلى شقته في ذلك البيت القديم في أحد الأحياء القديمة.
وقف حمدي معها أمام الشقة وفتح لها الباب، أما هي فتسارعت نبضات قلبها خوفًا مما قد يحدث وتساءلت حتى ولو كان لا يريد بها شرًا ولكن لكل شيء ثمن، فلا شيء في حياتنا تلك يقدم مجانيًا إلا رحمة الله عز وجل بنا.
لاحظ حمدي توتر شمس وارتجاف جسدها وتبدل تعبيرات وجهها للخوف، فتفهم شعورها وأراد أن يطمئنها قائلًا:
"يلا يا ست البنات، امسكي مفتاحك أهو وادخلي واقفلي عليكِ كويس."
بالكاد استطاعت دلال رفع ذراعها إليه لتلتقط المفتاح ولكنها شعرت بثقل قدميها وكأنها لا تستطيع حملها لما يغزو قلبها من خوف مسيطر عليها ليس من حمدي فحسب ولكن من وجودها في تلك الشقة بمفردها.
فهي لم تنم بمفردها مطلقًا بل كانت دومًا بصحبة والدتها.
لذا حاولت إخراج كلماتها المتحجرة في جوفها بصعوبة قائلة:
"بس يعني أنا صراحة خايفة أبات لوحدي من غير أمي الله يرحمها."
قالت كلمتها تلك وكأنها أذنت لدموعها أن تنجرف كالسيل على وجهها حتى بللت ملابسها.
فتألم حمدي ومزقت قلبه تلك الدموع وود لو أن يحتضنها ويقول لها ليطمئنها: "أنا جمبك متخافيش."
ولكنه لا يستطيع فعل ذلك حتى لا تفهم تصرفه خطأ وأنه يفعل ذلك لشيء ما في نفسه.
لذا حاول أن يبث في قلبها الطمأنينة قائلًا:
"متخافيش يا شمس، وأول ما تدخلي شغلي القرآن على قناة القرآن الكريم هتلاقي قلبك ارتاح، وكمان المنطقة هنا فيها روح وناس كتير ودبة النملة بتسمع ولولا أن الوقت متأخر والحاجة فوزية زمانها نامت كنت خبطت عليها وخلتها تبات معاكِ."
فحركت شمس رأسها بإيماءة ولكن ما زال الخوف يغلب عليها، ولكنها تقدمت للداخل ثم استدارت لتراه ما زال واقفًا عند الباب، فطالعته بنظرة استفهامية.
فأجابها دون أن تسأل:
"صراحة مش قادر أسيبك قبل ما أطمن أن خلاص هديتي والخوف راح منك."
فابتسمت شمس لحنو هذا الرجل الغريب عنها، رغم أن أقرب الأقربين قد تخلى عنها وهي صغيرة.
فقد طلق والدها والدتها منذ أن كانت في المهد لأنه تزوجها رغماً عنه وتزوج حبيبته وتركها ولم يسأل عنها ولا يعرف عنها شيئًا وقامت والدتها بتربيتها مفردها.
ثم تذكر حمدي شيئًا فصاح قائلًا:
"صح أنا هسيبك حالًا هنزل أجيب لك حاجات للتلاجة، ده أنتِ ما أكلتيش من صبحية ربنا."
وبالفعل تركها ليبتاع لها ما يلزمها وعاد إليها فوجد الباب ما زال مفتوحًا وهي تجلس أمامه على أحد الأرائك فابتسم لتلك الطفلة في هيئة فتاة كاملة الأنوثة.
فولج للداخل قليلًا ووضع ما يحمله على المنضدة ثم استدار وطالعها بشغف فهي جميلة جدًا رغم الحزن الذي يملأ عينيها.
وقال: "أنا همشي دلوقتي، وزي ما قولتلك متخافيش وإقفلي على نفسك كويس وشغلي القرآن، ومن النجمة هكون عندك هاجي ومعايا الحاجة فوزية."
ثم تركها وغادر، ولكن اندلع في قلبه الخوف عليها من أن يتركها بمفردها، ولكن ما عليه أن يفعل؟ لذا تركها لله قائلًا:
"يا رب استودعتك إياها وأنت خير الحافظين."
ثم نظر إلى ساعته فوجدها الواحدة بعد منتصف الليل، فضرب جبهته بيده قائلًا بملل:
"يا دي اليوم اللي مش هيعدي بسهولة. وزينب هانم هتفتحهالي محضر، كنت فين واتأخرت ليه ومش هخلص منها. بس فعلًا هقولها إيه؟ دي لو عرفت هتفتح عليا نار جهنم، وممكن تأذي شمس، وعشان كده لازم متعرفش أي حاجة، وأتحججلها بأي طريقة."
"من أنتِ أيتها الفاتنة؟
كيف تجرأتي ودخلتي لمحرابي؟
ابتعدي عني فأنا راهب،
وهبت نفسي لله وأغلقت قلبي،
ولا سبيل للعشق في قاموسي."
رفع أحمد رأسه قليلًا لينظر إلى تلك المرأة التي تدعي أنها زوجته بعين مشوشة قليلًا بسبب ألم جرح رأسه. ولكن سرعان ما حدق بها ليتأكد من ملامحها فوجدها فتاة جميلة، ولكن زينت وجهها بكثير من أدوات التجميل فأصبحت كما يسمى عروسة المولد، واتسعت عيناها بصدمة عندما رأى ملابسها الملتصقة بجسدها وقد برزت منه مفاتنها، وما زاد غضبه شعرها المسترسل على ظهرها الذي يتمايل مع الهواء.
فأطلق زفيرًا غاضبًا محتقنًا جعل عينيه تتلون بالحمرة وتطلق شرارًا مما أذهل دلال وتسلل الخوف إلى قلبها من نظرته الغاضبة تلك، فهي أول مرة ينظر أحد إليها هكذا باحتقار وغضب، بل كانت دومًا نظرة الإعجاب حليفها في كل موقف.
ثم وجدته يلتفت برأسه إلى الجهة الأخرى قائلًا بهسيس غاضب:
"ممكن أعرف أنتِ مين؟ وليه بتقولي إنك مراتى وأنا معرفكيش أصلًا. ويستحيل أعرف واحدة زيك متبرجة، تفتن كل من ينظر إليها، ألا تستحي من الله."
فأعادت دلال على مسماعها كلماته ورددتها بفتور: "متبرجة وبفتن وأستحي..!! هو ليه حاسة إني بسمع خطبة الجمعة؟ هو إحنا في مسجد يا أستاذ ولا إيه وبتديني درس؟ ده بدل ما تشكرني إني أنقذت حياتك، تروح تبصلي كده وبعدين تبعد وشك عني، دي آخرتها..!!"
ثم وقفت غاضبة تلوح بيديها في الهواء وصاحت بانفعال: "أنا غلطانة. يا ريتني كنت سيبتك في الشارع تموت، إنسان معندكش ذوق بصحيح. على العموم أنا ماشية وأريحك من خلقتي خالص. قال متبرجة قال وأبصر إيه."
ولكنها عندما تقدمت خطوة وجدت ممرضة أخرى قد ولجت إليه من أجل قياس الضغط ولكنها كانت تحدق به بإعجاب وتكاد تلتصق به، وسألته بإعجاب: "هو أنت اسمك إيه؟"
أثار ذلك حفيظة دلال ولم تعلم لم شعرت بنار هوجاء في جوفها تشتعل بداخلها لاقترابها منه لهذا الحد. رغم أنها لاحظت إحراجه وقطرات العرق التي تناثرت على وجهه مع ضم حاجبيه، ثم محاولته الابتعاد عنها بقدر الإمكان.
لتجد نفسها تنفجر غاضبة بها: "هو أنتِ يا حبيبتي بتقيسي الضغط ولا بتجيبيه للى قدامك؟ ما تبعدي عن الراجل شوية خليه يتنفس وتحترمي خيال المآتة الواقفة قدامك دي."
ارتبكت الممرضة وشعرت بالحرج واهتزت شفتاها قائلة:
"هو حضرتك تقربيله..؟"
داعبت دلال خصلات شعرها وحدقتها بغضب وقالت باستهزاء:
"آه قرابة من بعيد كده." ثم حركت شفتيها باستهجان وتابعت: "أنا مراته يا حبيبتي."
برق أحمد عينيه عند سماعه لكلماتها الجريئة، فاكفهر وجهه وأصبح كقنبلة أوشكت على الانفجار ولكنه تماسك من أجل شيء واحد، إن لها فضلًا عليه بعد أن قامت بإنقاذه. لذا تماسك حتى تنصرف الممرضة التي أصبح وجهها من الحرج أحمر بلون الدم الذي انفجر بداخلها، لتغادر غاضبة.
بينما التفت أحمد إلى دلال، وأخذت عيناه الرماديتان تحدقانها بغضب وهي تطالعه برهبة بعد أن توقعت انفجاره. وبالفعل هدر دون شعور بكلمات هوجاء غاضبة: "أنتِ شكلك مجنونة يا بت أنتِ، قال مراتى قالت..!! هو أنا أتجوز واحدة زيك برضه؟"
أصابت كلمته تلك قلب دلال في مقتل فتألمت ولمعت عيناها بالدموع ولكنها حاولت الثبات وقدمت كبريائها وقالت بثقة:
"هو أنت اللي تطول تجوز واحدة زيي؟ ده أنا اللي ما أقبلش أتجوز واحد معقد زيك، أعوذ بالله منك ومن حلاوتك يا شيخ."
كاد أحمد أن يبتسم لكلمتها العفوية ولكن منع ابتسامته بأعجوبة ورسم على وجهه الجمود قائلًا:
"على العموم أنا بشكرك يا آنسة على اللي عملتيه معايا، وتقدري تتفضلي دلوقتي عشان متتأخريش عن أهلك ويقلقوا عليكِ."
"أنت بتطردني؟"
هكذا نطقتها دلال بحزن، فهي لا تعلم سبب تلك الراحة التي شعرت بها بوجودها بجانبه، وذلك الشعور الغريب الذي ينمو بداخلها ويحدثها ألا تفارقه.
شعر بمدى حزنها في كلمتها تلك التي أحرقت قلبه، فهو لم يتعود قط أن يؤذي أحدًا ولو بكلمة. ولكن لا يعلم لما لا يستطيع السيطرة على غضبه أمامها، فهو أول مرة يتعامل مع فتاة غير محجبة وفاتنة مثلها. فهو دائمًا يبعد عن أي شيء يكون خطرًا على قلبه ويتجنب الفتن بقدر المستطاع حتى لا يؤذي أو يتأذى.
فحمحم أحمد بحرج وقال ببراءته المعهودة: "صدقيني مش قصدي، بس شايف إنه ملوش لزوم قعدتك كده، وأكيد ليكِ أهل مش عايزهم يقلقوا عليكِ."
"أهل..!"
هكذا نطقتها دلال ساخرة ثم تابعت: "لو كان لي أهل مكنش ده بقى حالي."
ثم أخرجت تنهيدة حارة من جوفها قائلة: "بس أنت عندك حق، أنا لازم أرجع لأمي عشان أديها علاجها في ميعاده. بس ادعيلي أنت ربنا يخسف الأرض بأي حد يحاول يأذيني."
لمس أحمد في كلماتها جروح وشقوق في صدرها فتألم من أجلها وقال بنصح:
"ما هو للأسف طول ما أنتِ بهيئتك ولبسك ده وشعرك، وألوان الطيف اللي رسماها على وشك لازم تتأذي من عيون الناس اللي ما بترحمش. فاستري نفسك عشان ربنا يسترك، اعتبريها نصيحة من أخوكِ."
"لا، أنت جوزي مش أخويا." قالتها دلال لتثير تحفظه.
فتلون وجه أحمد وصك على أسنانه بغيظ ثم صاح:
"أنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟ أقولك خليكِ أنتِ قاعدة هنا يمكن يعالجلولك دماغك الخربانة دي، وأنا اللي همشي."
ثم حاول الاعتدال من نومته والجلوس استعدادًا للمغادرة. ولكنه شعر بثقل رأسه وتألم وسقط برأسه مرة أخرى متأوهًا: "آه."
فأوجعها تألمه فوجدت نفسها تسرع إليه قائلة:
"شوفت حصلك إيه عشان ما تعرضش على كلمتي بعد كده وتبطل لسانك الحلو ده قصدي الوحش عشان أنت مش عارف ظروفي. وهات إيدك أعدلك زي بعضه." وعندما حاولت لمس يده، سرت قشعريرة في جسد أحمد كأنه أصابه مس كهربائي وتلون وجهه بالحمرة حرجًا وأخذ يردد: "أستغفر الله، أستغفر الله. ما تلمسنيش الله يكرمك، كفاية عليا الوجع اللي أنا فيه، أنا مش ناقص."
جلست سلمى صديقة أسماء في غرفتها شاردة في هذا الفارس الذي أعجبت به من أول وهلة، فقد اختطف قلبها من مجرد نظرة فكيف إن قابلته وجهًا لوجه وسمعت صوته العذب عندما يحدثها، ولكن سرعان ما تذكرت أسماء فتبدلت تعابير ملامحها للغضب والحقد أيضًا قائلة:
"يعني بنت الجمال دي عايزة تاخد كل حاجة، مال وجمال وكمان راجل مفهوش غلطة وهيبقى دكتور، لا مش هيحصل وهيكون من نصيبي أنا. ياااه نفسي تيجي اللحظة دي وأشوف وشها هيكون عامل إزاي. أيوه لازم أخطفه منها، أنا أولى بيه وهي بجمالها وفلوس أبوها هيجلها كتير غيره، لكن ده يلزمني. بس يا ترى هقدر أوصله إزاي؟ أيوه هعمل زي أبطال الروايات هشيل كتبي وهاقف استناه وأول ما أشوفه همشي قصاده وأعمل مش واخدة بالي، فنخبط في بعض وهو بقى يقول آسف ويلم الكتب ويرفع عينه في عينيا ويحبني. يا سلام إمتى يحصل ده؟"
عودة عن سبب ما حدث لأحمد..
كانت عين شفيق تطلق شرارًا غاضبًا وزينب تحدثه عن ما فعله والده وزواجه من شمس الذي أثمر عن تلك النبتة الصالحة "أحمد". فوقف شفيق وقد اشتعلت الدماء في أوردته قائلًا: "أحمد ده لازم يموت بس بالبطيء، يعني يتعذب زي ما اتعذبتي يا ماما."
ثم التقط هاتفه وحدث أحد العاملين عنده وختم حديثه بقوله:
"فهمت يا بغل هتعمل إيه؟ يعني مش عايزه يموت، عايز يتعلم عليه وينكسر ويخش الشارع موطي راسه."
العامل: "تمام يا شفيق بيه، هنفذ كل اللي حضرتك أمرت بيه."
ثم أغلق الهاتف، فطالعته والدته برضا قائلة: "يخليك ليا يا ابني. أخيرًا هيبقى لي سند في الدنيا بدل أبوك اللي طلع حيطة مايلة وكسر بخاطري."
قبض شفيق على يده بغضب واستطرد:
"معاش اللي يكسر خاطرك تاني يا غالية، وبكرة تشوفي هذله إزاي لغاية ما يموت أبويا حسرة على دلوعته ابن حبيبة القلب. بس قوليلي يا حاجة، أنتِ عرفتي إزاي بالجوازة الغبرة دي ولما عرفتي عملتي إيه؟ والست دي لسه عايشة ولا ماتت وليه ربيتي ابنها؟ ما ربتيهوش ليه هي وخلصنا من خلقته؟"
فأخرجت زينب زفيرًا حارًا من شأنه يحرق الأخضر واليابس وهي تعود بذكرياتها إلى ذلك اليوم المشئوم الذي استطاعت به تلك الحية على حد وصفها أن تسرق منها زوجها. حين عاد إليها متأخرًا على غير عادته وكانت تنتظره بشوق ولهفة ولكن لم تتعدى تلك اللهفة والشوق قلبها. لأنها دومًا كانت متكبرة لا تفصح عن حبها له أو تعيره اهتمام وتشعرها دائمًا بالنقص وأنها هي ووالدها أصحاب الفضل عليه، وكل ذلك من أجل ألا ترفع له قامة ويظل أسيرًا لديها وتفرض سيطرتها عليه وهكذا ظنت إنها ضمنت بقاءه وانتمائه لها، ولا تعلم أن ليس على القلب سلطان، وإن أصبح الجسد أسيرًا لكن القلب يأبى إلا أن يكون حرًا.
انتظرته زينب كثيرًا في الشرفة وعندما لمحت طيفه هدئ قلبها قليلًا وأسرعت للداخل وولجت إلى غرفة نومها وكأن شيء لم يحدث ورسمت الجمود على ملامحها. ثم وجدته يفتح باب الغرفة وأطل برأسه ليرى تعابير وجهها ليعلم مدى غضبها من تأخره ولكنه وجده باردًا كالثلج مما أثار قلقه.
فولج للداخل وألقى السلام، فردت زينب السلام باقتضاب ونظرت إلى عينيه فوجدته يهرب منها، لذا تسلل الشك إلى قلبها، فسألته بامتياض:
"سبت دكانك وحالك ومالك وروحت فين يا ابن الجمال لحد أنصاص الليالي؟"
زاغت عين حمدي وتجمدت الحروف في حلقه حتى استطاع بصعوبة قول: "فيه إيه يا زينب؟ هو أنتِ عاملالي محضر ولا إيه؟ وإيه يعني لما أسيب الدكان شوية للصنايعية وأطلع أشم نفسي شوية على القهوة؟ كفرت ولا حرام؟"
فضيقت زينب عينيها ورددت بشك: "قهوة يا حمدي؟!"
فقال مؤكدًا بجمود: "آه فيها حاجة دي؟!"
زينب بغيظ: "لا إزاي؟ اللي تشوفه يا حمدي، براحتك خالص. وأنا أهو هتخمد ساعتين عشان عيالك والمدارس."
فحاول حمدي أن يهدئ من غضبها الذي لم تستطع إخفاءه، فجذبها من خصرها حتى اصطدمت بصدره وهمس برغبة:
"بس أنتِ وحشاني يا زينب."
فرأت زينب في عينيه الرغبة ولكن أعماها الغضب. فدفعته بعيدًا قائلة بصلابة: "أنا مش فايقة وعايزة أنام، وكفاية عليك أنت القهوة."
ثم تركته ونامت غير عابئة باحتياجه إليها وما سيكلفها هذا بعد ذلك لإنها لم تقدم له الحب والاحتواء الذي ينشده، فذهب للبحث عنه مع أخرى.
عودة للواقع
كانت هناك أذن تستمع لحديث زينب مع شفيق ومع كل كلمة تخرج منهما، كانت تكفهر ملامح أشجان وتزداد قتامة وغضب من تلك الأفعى وابنها وما يخططان له تجاه أحمد. فتمتمت بغيظ: "أيوه ما هي قلوبكم مليانة حقد على الغلبان اللي مفيش زيه، وأنتِ تستاهلي كل اللي حصلك بسبب أفعالك ربنا ينتقم منك يا شيخة. ويا ترى يا أحمد عامل إيه دلوقتي؟ قلبي عليك."
ثم حركت يدها دون انتباه في الهواء فاصطدمت بالمزهرية فسقطت وأحدثت صوتًا فانتبه له شفيق وزينب فخرجوا على أثره مفزوعين ليروا تلك الواقفة بقرب الباب تنتفض خوفًا.
فصاحت بها زينب بهدر جعلها ترتجف: "واقفة عندك بتعملي إيه يا بت؟ بتصنتي علينا؟! دي التربية اللي ربتيهالك ابتهال برضه. بس لو كانت ابتهال معرفتش تربيكِ فأنا هربيكِ يا عديمة الرباية."
لتهاجمها كالووحش الثائر، وقد عقدت شعرها حول يديها تجذبها منه حتى كاد أن يتمزق في يديها وانهالت عليها بالسباب والشتائم والدعوات الحارقة وأشجان تصرخ وتستغيث بشفيق:
"حوشها عني يا شفيق هتموتني، حرام عليك. ده أنا مراتك وأم عيالك."
ولكن شفيق لم يهتم لكلماتها بل زاد حنقًا وغضبًا عندما خرجت كلمات أمه المسمومة قائلة:
"اخرسي يا بت، يعني أمك معرفتش تربيكِ ولا جوزك قدر عليكِ وليكِ عين تكلميني."
فغضب شفيق من كلمة والدته الأخيرة فقال: "إيه الكلام ده بس يا حاجة؟ أنا برضه مقدرش على حتة بت ما تسواش تعريفة."
فسددت له النظر زينب قائلة بحدة: "طيب وريني يا سبع البرمبة هتعمل إيه فيها عشان تتربى عايزة أشوف الرجولة."
فأومأ شفيق برأسه واحتدت نظراته التي خرجت على هيئة حمم بركانية ليقول بغضب جحيمي:
"عنك أنتِ يا حاجة، أنا هعرف أربيها كويس."
كانت كلماته كصاعقة ضربت قلب أشجان وزاد كرهها لها، فأخذ يكيل لها الضربات والركلات دون رحمة لصرخاتها. وزينب تنبهه على الحرص ألا تفشي أشجان ما سمعته لأحد، فطمأنها شفيق:
"متخافيش يا حاجة، لو طلعت كلمة واحدة بره، هي عارفة هيحصلها إيه وهتقرأ على نفسها الفاتحة."
فأخذت تتمتم أشجان متألمة بغصة مريرة: "حسبي الله ونعم الوكيل."
استمتعت زينب بصراخ أشجان تحت وطأة شفيق ثم قالت:
"أنا نازلة بقى يا شفيق عشان خلاص مراتك صدعتني، ومش هوصيك، أنت عارف."
شفيق: "عارف ومتقلقيش يا حاجة."
عندما ولجت زينب إلى شقتها استمعت لرنين الهاتف وكان الاتصال من ابنتها شهيرة لتطمئن عليها. رغم قسوة زينب عليها لأنها لا تحب خلفة البنات وودت أن لو كانت ولدًا ثالثًا ليكون لديها عزوة وسند، وعندما جاءت بنت تمعض وجهها وقالت باحتقان:
"بنت يعني غم وأرف، يا ريتها كانت ماتت في بطني."
ولكن زجرها حمدي قائلًا: "أستغفر الله العظيم، حد يقول كده برضه؟ دي البنات نعمة. احمدي ربنا على النعمة عشان ما تزولش من وشك يا زينب."
فحركت شفتاها زينب باستياء مرددة: "غريبة يعني ده أنت حتى أصلك صعيدي وما تحبوش البنات."
فابتسم حمدي ابتسامة لم تغادر شفتيه بتهكم قائلًا:
"ده اللي فكره على قده زيك كده وما يعرفش ربنا، لكن بنت ولد كله رزق من عند ربنا وما لناش دخل فيه المهم يكونوا صالحين."
أجابت زينب على اتصال شهيرة بجمود: "أيوه يا شهيرة، عايزة حاجة؟"
أصاب شهيرة غصة مريرة من رد زينب الخالي من أي عاطفة، وتعجبت كيف لزوجة عمها تعاملها بلطف عن والدتها. فقالت بخفوت: "عايزة سلامتك يا ماما، أنا باتصل أطمن عليكِ وعلى بابا هو كويس؟"
فزفرت زينب بضيق وأجابت: "أنا كويسة لكن أبوكِ من امبارح بيشتكي تعبان ونايم في سريره."
فتجمدت شهيرة وقالت بقلق وخوف على والدها الذي طالما أغدق عليها بحنوه وكأنه يعوضها بسبب قسوة زينب عليها.
"ماله بابا ألف سلامة عليه؟"
زينب باستياء: "عادي ما تتخلعيش كده، تلاقيهم شوية برد."
شهيرة بتخوف: "يا حبيبي يا بابا، أنا مش هطمن غير لما أشوفه بنفسي."
لتغلق الخط وتسرع في ارتداء ملابسها وكان سفيان في الأسفل مع والديه يطمئن عليهم قبل أن يغادر لمتابعة عمله في المصنع. وعندما نزلت ورأى سفيان على وجهها الحزن، دق قلبه بعنف وأسرع إليها قائلًا: "مالك يا حبيبتي؟ شكلك زعلان ليه ولابسة ورايحة على فين؟"
شهيرة بقلق: "بابا تعبان شوية وهروح أطمن عليه." ثم طالعت زوجة عمها برجاء قائلة:
"معلش يا ماما، لما باص المدرسة يجي بالولد خليه عندك عقبال ما أرجع."
فأومأت لها ابتهال قائلة ببشاشة وجه: "في عينيا يا بنتي، متقلقيش عليهم."
أما سليمان فوقف والخوف على أخيه يملأ عينيه قائلًا:
"ألف سلامة على الغالي، خذيني معاكِ يا بنتي أطمن على أخويا وحبيبي."
وعندما حاولت شهيرة الرد قاطعها سفيان بقوله:
"وأنا كمان لازم أروح أطمن على عمي، ربنا يشفيه ويعافيه."
فابتسمت شهيرة له برضا فطالعها هو بحب استوطن قلبه حتى تملك منه وطمأنها بعينيه وهمس:
"طول عمري هكون جنبك ومش هسيبك ولو للحظة."
"بس إمتى قلبك يلين وأحس إنك بتحبيني حب حقيقي، مش حب عشرة، لإنه حب ملوش ملامح مش بيمس القلب."
شيء ما أصاب قلب حمدي جعله يشعر بالقلق على أحمد فشعر بنغزة قوية تجتاح قلبه أوجعته.
فما كان منه إلا أن التقط هاتفه وسارع بالاتصال به.
فسمع أحمد رنين هاتفه في جيب بنطاله ولكن لم يستطع أن يخرجه ليقوم بالرد.
فنظر إلى دلال نظرة فهمت معناها فقالت باستياء:
"بتبصلي ليه كده، عايزني أطلع تليفونك صح؟!"
"مش كنت من شوية بتقول ملتمسنيش كإني عندي جرب وخايف أعديك."
خجل أحمد واحتار كيف يفهمها مقصده من عدم اللمس، بعد أن أدرك إنها لا تفهم شيئًا في الدين ولا تدرك مقصده وتعتقد إنه يعاملها باحتقار.
لاحظت دلال عينيه التي تدور في الحجرة بتيه وقلبها حدثها أنه يشعر بالخجل، فأشفقت عليه واقتربت منه لتخرج هاتفه ولكنها لم تستطع كبت ضحكاتها وهي تنظر إلى وجهه الذي تلون بالحمرة من الخجل.
فهمست:
"والله الراجل ده هيجنني، هو فيه راجل بيكسف كده؟!"
ثم وجدت اتصالًا آخر بعد انتهاء الأول ففتحت قائلة:
"ألووووو."
اندهش حمدي من صوتها فقال:
"مش ده تليفون أحمد؟"
دلال:
"أيوة مين حضرتك؟"
حمدي:
"أنا أبوه، وأنتِ مين؟"
"وليه بتردي بداله؟"
"وهو فين؟"
فابتسمت وقالت بدعابة جعلت هذا الممدد على فراشه يكاد يموت من الغيظ.
"حمايا العزيز أهلًا وسهلًا."
"وأنا هقولك على كل حاجة."
"أنااااا مراته."
رواية دلال و الشيخ الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء سعيد
ربما أحلامًا نسجتها في عالم الخيال، وبنيت بها دروبًا في الأفق، وصعدت بها إلى السماء، تراها يومًا على أرض الواقع حقيقة.
فاحلم كما تشاء، فلك رب كريم صانع المعجزات.
كاد أحمد أن ينفجر من الغيظ عندما حدثت دلال والده قائلة:
"حمايا العزيز."
فتلون وجهه بغضب جحيمي، وتطاير من عينيه ألسنة اللهب التي ترجمها على هيئة كلمات حرقت قلبها.
حيث صاح بإنفعال:
"أنتِ شكلك اتجننتي بجد، ولا صدقتِ الكدبة اللي كدبتيها.
منك لله يا شيخة، أبويا هيقول عليه إيه دلوقتِ؟!
والمصيبة كمان لو حد جه وشافك هيقول أنا الشيخ أحمد اتجوز واحدة اللي باين منها أكتر من المتغطي.
يعني طلعت شيخ صيني مش أصلي.
وللي بقوله مش بنفذه وبتاجر بالدين."
وقعت كلمات أحمد على دلال كالصاعقة التي أطاحت بها، فكم كانت مؤلمة مهينة وكأنها ليست مثله من البشر، وكأن ذلك كان بإرادتها، ولكنها مجبرة عليه لكي تعيش وتقتات هي ووالدتها المريضة التي لا حول لها ولا قوة.
كما أنها لا تدرك أن ما ترتديه مخزٍ لتلك الدرجة التي يصفها به، لأنها ترى بالفعل كثيرًا من الفتيات يمشون في الطرقات على هيئتها تلك بل وأكثر.
فلما إذًا هو غاضب لتلك الدرجة؟ غريب أمرك يا هذا..!
أخرجها من شرودها صوت حمدي والد أحمد قائلًا:
"يا بنتي ردي عليه، أحمد فين ومين أنتِ؟"
حاولت دلال إخراج صوتها المكلوم بغصة مريرة قائلة:
"أنا فاعلة خير، ابنكم كان تعبان وجبته للمستشفى، تقدروا تيجوا تشوفوه عشان مضطرة أمشي."
أخرجت كلماتها تلك، فنظر إليها أحمد باندهاش، ورأى الحزن يأكل عينيها التي بلون البندق، ولكنها تحولت لحمراء قاتمة بفعل كلماته القاسية، فعاتب نفسه:
"هو إيه اللي أنا بقوله ده؟!
مش عارف إزاي أنا بقيت قليل الذوق كده، بس هي برده السبب، وأمرها عجيب صراحة."
ثم ناولته الهاتف وهي تطالعه بجمود، رغم ما تعانيه من داخلها من نيران تأجج، حتى إنها تمنت الموت لتستريح مما ينتظرها عند عودتها مرة أخرى للنادي الليلي.
أمسك أحمد بهاتفه وحدث والده بلهفة:
"إزيك يا حاج."
فأجابه والده بقلب فزع:
"أنت اللي إزيك يا ابني، أنت كويس؟!
حصلك إيه؟ طمني عليك عشان قلبي كان حاسس إن فيك حاجة."
استمعت دلال لصوت والده الملهوف عليه، فتمنت أن يكون والدها على قيد الحياة، لينقذها من براثن متولي.
أجاب أحمد والده بتريث ليهدئ من روعه:
"أنا بخير متقلقش يا حبيبي."
حمدي بعدم تصديق:
"بخير إزاي؟!
أومال البنت بتقولي إنك تعبان في المستشفى.
قولي الحقيقة متخبيش عليه.
وكمان بتقولي حمايا، هو إيه الموضوع يا ابني؟ هو أنت اتجوزت من ورايا معقول ده؟!
مصدقش تعمل كده يا أحمد."
زفر أحمد بضيق وتابع:
"لا يا حاج طبعًا، هي بس بتهزر عشان تخفف عليك موضوع التعب ومتتخضش."
حمدي:
"طيب بجد طمني، أنت كويس ولا فيك حاجة ومستشفى إيه؟"
وفي ذلك الوقت دلفت شهيرة مع زوجها ووالده واستمعوا لما قاله حمدي، فدب الفزع في قلب شهيرة لأنها مقربة من أحمد وتحبه كثيرًا، فهو يشبه أباها في الحنو والعطف عليها.
لذا صاحت بخوف وقلق:
"ماله أحمد يا بابا؟"
فهمس حمدي متألمًا:
"مش عارف وهو مش راضي يقول الحقيقة."
فسارع سفيان بقوله وهو يقترب منه بعجالة:
"طيب اديهولي يا عمي وأنا أعرف منه إيه الحكاية."
فحدثه سفيان بمرح:
"إيه يا أبو نسب بتخض مراتي عليك ليه؟ اعترف وقول أنت فين ومالك؟"
ابتسم أحمد فكم يحب ابن عمه سفيان الذي وجد منه الحب والاهتمام أكثر من شقيقيه، فقال:
"هقولك بس متقولش لحد وبابا بالذات عشان ميتعبش أكتر ما هو تعبان."
ظهر الحزن على تقسيمات وجه سفيان عندما استمع لما حدث وكانت تراقبه شهيرة بقلق، فسألته بترقب:
"إيه ماله يا سفيان؟"
حمحم سفيان بحرج وتابع مع أحمد:
"طيب يا سيدي حاجة بسيطة، وبلاش تجري زي العيال الصغيرة تاني، ارتحت لما رجلك انكسرت دلوقتِ.
وأنا جايلك عشان أطمن عليك ونروح سوا."
ثم أغلق الخط، ليطلع إلى الأعين التي تراقبه بصمت، ثم خرج صوت عمه حزينًا قائلًا:
"قول الحقيقة يا سفيان يا ابني، ماله أحمد؟"
سفيان:
"مفيش متقلقش يا عمي، رجله شكلها اتجزعت، وربطوهاله في المستشفى، فهروح أجيبه."
فسارعت له شهيرة قائلة:
"هاجي معاك يا سفيان."
فحرك سفيان رأسه رافضًا:
"ملوش لزوم، أنا هروح أجيبه، خليكِ أنتِ مع عمي."
وضع سليمان يده على فخذ حمدي قائلًا باطمئنان:
"خير يا أخويا إن شاء الله تكون حاجة بسيطة، وأنت إيه حكايتك كمان شكلك مش عجبني؟!
مش متعود عليك أشوفك في السرير كده، أنت أكيد شكلك بتدلع على أم العيال."
ابتسم حمدي ابتسامة واهنة قائلًا:
"أنا مشوفتش في حياتي الدلع غير على إيديها يا سليمان."
تألم سليمان من أجل أخيه لأنه يعلم مدى قسوة قلب زينب وتحمله لها من أجل أولاده، وعندما ظن أن الدنيا ابتسمت له عندما تزوج شمس، ولكن كل أحلامه التي بناها في الهواء سقطت فوق رأسه عندما علمت الحية زينب بأمر شمس.
وبينما هو كذلك إذ ولجت إليهم أشجان تبكي بكاء مرير وتستنجد بوالدها سليمان، حيث أمسكت بيده وقبلتها قائلة:
"أبوس إيدك يا بابا طلقني من شفيق أنا معدتش قادرة أعيش معاه تاني."
تمزق قلب سليمان على حال ابنته دائمة الشكوى من شفيق، ذلك الرجل الذي لا يعلم قدرها، ولكن ما عساه أن يفعل معه أكثر من ذلك ليتوقف عن إهانتها وضربها.
فهو كل مرة يزجره ويعاتبه ويطلب منه أن يعاملها بالمعروف، فيعتذر منه ويقسم ألا يعود لما يفعله معها ولكنه يحنث بقسمه دائمًا.
وود بالفعل أن يخلصها منه بالطلاق، ولكن الطلاق في تقاليدهم الموروثة عيب كبير ويجب على المرأة أن تتحمل مهما فعل زوجها من أجل الحفاظ على بيتها وأولادها.
فوقف سليمان متألمًا على حالها واحتضنها بقوة.
فأخذت تفرغ شحنة غضبها على هيئة شهقات بكاء متتالية.
أما شهيرة فأخذت تقارن بين قسوة شفيق وحنو سفيان، فأخذت تتمتم:
"الحمد لله، أنا كده طلعت في نعمة كبيرة وللأسف مكنتش مقدراها.
كانت هتعملي إيه الشهادة لو اتجوزت واحد زي شفيق يحول حياتي لجحيم ويضربني ويهني.
أنا نفسي أرجع أيامي تاني عشان أعوض سفيان عن كل سنين الجفا اللي حسها مني وهو صابر وراضي وبيحاول يسعدني بقدر الإمكان."
ثم وجدت عينيها تمتلئ بالعبارات، أحدها سعيدة لأنها شعرت كم هي محظوظة بزوج صالح مثل سفيان.
وأخرى حزينة من أجل ابنة عمها وما تعانيه مع زوج ظالم.
فربتت على ظهرها بحنو قائلة:
"إهدي يا حبيبتي وإن شاء الله عمي المرة دي مش هيسيبه غير لما يعرف قيمتك ويعاملك كويس."
ثم طالعت أباها بعتاب قائلة:
"وأنت يا بابا المفروض تكلمه، لأن شفيق زودها عن اللزوم."
وفي تلك اللحظة ولجت إليهم زينب كالإعصار وعينيها مليئة بحمرة الغضب وقالت بصوت جهوري غاضب:
"هو مين ده يا بت اللي زودها عن اللزوم ولا عشان أنتِ جوزك دلدول عايزة الكل يبقى شبهه.
لا يا حبيبتي أنا ابني راجل وراجل أوي كمان ولما مراته تغلط لازم يعرفها غلطها عشان متعملهوش تاني."
ثم سددت النظر إلى سليمان قائلة:
"وبنتك يا سليمان الغلط ركبها من ساسها لراسها.
فقبل ما تكلم ابني عقل بنتك وإلا وديني لأخليه يجبلها ضرة لو فضلت كده مبتسمعش كلامه."
فأخذت تردد أشجان بقهر:
"حسبي الله ونعم الوكيل.
اللهم إني مغلوب فانتصر."
نظر سليمان إلى زينب بحدة جعلتها تخرج سريعًا فهي لا تحب النظر إلى عينيه، ليتمتم هو بهمس:
"ليه كده يا زينب؟
ليه عايزة تاخدي بناتي كبش فدا عشان اللي عملته فيكِ زمان.
وكمان مش ذنبي أنا كمان لأن الحب مش بإيدينا وأنا حبيت ابتهال مراتي وحبيبتي وعشرة عمري واخترتها هي دونًا عن كل الستات وأظن ده كرم من ربنا عليه."
ثم شرد قليلًا فيما حدث في الماضي.
عندما كان يزور أخيه في محل العطارة قبل زواجه من زينب، فرأته زينب بالصدفة فأعجبت به من أول نظرة، وكانت تتلهف لرؤيته في كل مرة يزور بها أخيه.
حتى جاء اليوم تفتت قلبها إلى أشلاء عندما علمت من أبيها أن حمدي أجازة من المحل لأن اليوم خطوبة أخيه سليمان.
فحينها ودت لو صرخت وبلغ صراخها عنان السماء بعد أن ضاعت أحلامها وأصبحت سرابًا، فمرضت لعدة أيام بعد أن هزمها العشق، حتى وجدت أباها يستأذن للدخول عليها فأذنت له.
فولج إليها وقبل جبينها بحنو وسألها:
"عاملة إيه دلوقتِ يا زوزو يا حبيبتي؟"
أومأت زينب برأسها قائلة:
"نحمد ربنا."
ابتسم والدها وقال:
"والله كبرتِ وبقيتي عروسة يا زوزو وعشان أنتِ يا بنتي غالية علي أوي ومليش في الدنيا دي غيرك، فأنا مش هقدر أسلمك لأي حد، لازم أسلمك لراجل يعرف قيمتك كويس وميجيش في يوم يقسى عليكِ أو يظلمك."
وصراحة أنا ما لقيتش حد أحسن من حمدي، راجل صعيدي حر وكرامته فوق كل اعتبار، غير إنه ذكي قوي ومخلص ومستعد يضحي بنفسه عشاني.
اتسعت عين زينب بذهول ورمشت بأهدابها عدة مرات قائلة بصدمة:
_ حمدي!
أكد والدها بحبور:
_ أيوه حمدي.
_ إيه رأيك يا زوزو؟
فصمتت زينب وأغمضت عينيها بألم وهمست:
ده معناه إني هشوف دايماً قدام عيني سليمان اللي كسر قلبي وخطب غيري وأنا اللي كنت بأتمناه، أقوم في الآخر آخد أخوه.
آه يا حرقة القلب.
***
عودة للواقع مع أحمد ودلال في المستشفى.
لمعت في عين دلال الدموع لكلمات أحمد اللاذعة وقالت بغصة مريرة بعد انتهاء مكالمتها مع والدها:
_ بص يا مولانا عشان بس أكون عملت الواجب معاك لآخر دقيقة مع إنك ما تستاهلش عشان لسانك متبري منك لا مؤاخذة.
_ أنا هاستنى المحروس اللي هييجي ياخدك بالسلامة وساعتها هامشي ويا دار ما دخلك شر، بس يا ريت تفتكرني بدعوة يا سيدنا الشيخ.
_ أنا اسمي دلال بنت حفيظة، أوعى تنسى اسمي.
_ ها اسمي إيه؟ قول كده عشان أتأكد إنك سمعته.
عشان حاساك في دنيا تانية غير بتاعتنا دي.
استشعر أحمد في نبرة صوتها الحزن، فعاتب نفسه ولكن سرعان ما استرجع وهمس:
_ أعمل إيه؟!
ما أنا غصب عني وأول مرة برضه أتعامل مع واحدة بالشكل ده.
فين شيكو صديقي اللذيذ كان علمني أقول أي حاجة أراضيها بيها، بدل ما أنا مدب كده.
أخرجه من شروده صوتها قائلاً:
_ ها يا مولانا اسمي إيه؟ ما تقول وخلصنا وأوعدك بعدها مش هفتح بوقي خالص.
فحاول أحمد إخراج صوته بالكاد وقال:
_ خلاص يا ستي عرفته.
_ اسمك دلال، أقوله تاني دلال.
وربنا يهديكِ يا دلال.
شعرت دلال بنبرة صوته التي ظهر عليها التهكم، ولكن رغم ذلك سحرها نطق اسمها على لسانه، فخرج كسيمفونية عذبة، نزلت على أرضها القاحلة فأعادت لها الحياة.
فطالعته بابتسامة زينت ثغرها فكانت كالشمس التي أضاءت الكون.
فتدلى فك أحمد بصدمة، فكم كانت جميلة حقًا ولكن سرعان ما أخفض عينيه وعاتب ذاته مستغفرًا:
_ أستغفر الله العظيم، يا رب رحمتك وصبرني.
أنا مش عارف اتحدفت عليَّ منين المصيبة دي.
فوقفت دلال وذمت شفتيها كالأطفال وضربت الأرض بقدميها قائلة بسخط:
_ والله أنا اللي ربنا يصبرني على تكشيرتك اللي تسد النفس دي.
بس مش خسارة التكشيرة دي في الوجه الحسن ده.
يخربيت حلوتك يا شيخ.
انتفخ وجه أحمد من الغيظ فلجأ للاستغفار مرة أخرى:
_ أستغفر الله العظيم يا رب، مش كفاية اللي حصلي، كمان أبتلي بآدمية بلوة زي دي، بس صراحة بلوة حلوة وده اللي تعبني أكتر.
اتسعت عينيها بصدمة قائلة برفض:
_ أنا بلوة؟!
لا كتر خيرك قوي يا مولانا، يا ريتني سبتك لكلاب السكك كانوا نهشوك وابتدوا بلسانك اللي عايز يتقص ده.
ثم تابعت بسخط:
_ أنا ماشية يا مولانا خلاص عشان تهدى نفسك شوية، ألا يتقطع لك عرق وأنت مش ناقص.
وعندما وقفت غاضبة استعدادًا للمغادرة، ولج إليهم في تلك اللحظة سفيان وشيكو، صديق أحمد، على وجوههم القلق والتوتر حتى اقتربوا منه.
فقال سفيان والحزن يملأ عينيه:
_ أحمد ألف سلامة عليك يا ابن عمي، حصل إزاي ده بس؟
أما شيكو فابتسم قائلاً:
_ سلامتك يا حمادة، إيه ده يا ابني، ده أنت شكلك زي ما يكون عدى عليك قطر، مش تفتح يا دكاترة ولا إيه؟
فأجاب أحمد بحرج:
_ الحمد لله إنها جت على قد كده.
وكويس إنكم جئتم، عشان زهقت وعايز أروح.
ثم حمحمت دلال بحرج، فرفع شيكو بصره إليها، فاتسعت عيناه بإعجاب قائلاً:
_ اللهم صل على النبي، إيه الخلقة اللي تفتح النفس دي.
يا بختك يا حمادة يا ريتني كنت أنا اللي اتشلفطت كده، عشان أفتح عيني على القمر ده.
بس دي مين؟
شكلها من لبسها مش ممرضة.
فكتم أحمد غضبه ولكن احمرار عينيه أنذر إنه على وشك الانفجار فقال بغضب:
_ ما تلم نفسك وتنزل عينيك يا شيكو، حرام كده، أستغفر الله العظيم.
حاول شيكو كتم ضحكاته فقال:
_ حاضر هانزل عيني ولو إني مش قادر، بس مش تعرفنا على القمر.
ولو إني حاسس إن القطر عدى عليك وأنت سرحان فيها.
فقبض أحمد على يده بغضب وبرزت عروقه وقال بهدر:
_ إيه يا سفيان اللي جابوا معاك الواد ده، هو أنا ناقص تعب.
فابتسمت دلال وأرادت أن تثير غيظ أحمد من أجل الانتقام منه فقالت:
_ لا والله سيبه يا دكتور أحمد، ده شكله دمه خفيف مش زي جماعة عليهم تكشيرة تقطع الخميرة من البيت.
عقد أحمد حاجبيه وقال بغضب جهنمي:
_ أنتِ جنسك إيه بالضبط عجبك يعني وهو بيعاكس فيكِ وبتقولي عليه دمه خفيف، ده دمه يلطش.
ويلا يا ستي مش قولتي هتمشي لما يجي حد من أهلي، يلا وريني عرض كتافك.
فلمعت طبقة كريستالية في عين دلال، فأمسكت بحقيبتها ووقفت قائلة بغصة مريرة:
_ أنا فعلاً ماشية يا مولانا والحمد لله إنك قمت بالسلامة.
بس عندي ليك نصيحة، فطالعها أحمد بتعجب.
فقالت:
_ آه نصيحة، أمال أنت بس اللي ربنا قدرك على النصيحة.
لا أنا كمان هانصحك وأقول: يا ريت لما تقابل حد زي حالاتي تاني تعامله بشوية رحمة لأن قلوب الناس من إزاز يا مولانا وأي كلمة بتجرحنا قلوبنا بتنكسر على طول.
ونفسنا حد مرة يداوي جروحنا مش معقول على طول الواحد الدنيا جاية عليه وبتكسره كده.
ثم انفجرت عيناها كالسيل وغادرت حزينة منكسرة.
فنظر سفيان إلى أحمد بنظرة عتاب قائلاً:
_ إيه يا أحمد أنا أول مرة أشوفك متعصب كده وكلامك نازل زي السيف.
ما تنساش إنك كنت بتتكلم مع واحدة ست، يعني الستات ما تحبش أبداً اللي لسانه زي المدفع كده وتحب الإنسان الحنين.
فقاطعه شيكو:
_ وده أصلاً يعرف الصنف ده منين يا عم سفيان، ده تقريباً ما بيشوفهوش ولا يعرف عنهم حاجة.
اقفل بعيد عنك يا خويا.
سفيان:
_ بس صراحة صعبت عليَّ البنت دي ومشيتها مكسورة كده، بقى ده جزاء المعروف اللي عملته معاك؟
فصمت أحمد ولم يعرف بما يجيبه فهو محق ولكن لا يعلم سبب غضبه عندما ينظر إليها ومما زاد غضبه وكأنه بركان كاد أن ينفجر هي عيون شيكو التي حدقت بها بإعجاب.
شيكو:
_ يا عم سفيان ما يصعبش عليك غالي، وخلاص راحت لحالها نشوف اللي بعديها.
ما فيش حتة ممرضة عسل كده زيها تقيس لي الضغط عشان حاسس قلبي بيدق.
فضحك سفيان قائلاً:
_ أنت اللي هتجيب لأحمد الضغط يا شيكو.
يلا ناخد عم الدكتور من هنا قبل ما يتشل منك.
***
اشتاق تميم ابن أخت حمدي الجمال إلى أسماء ابنة خاله سليمان فذهب لزيارتها من أجل أن يكحل عينيه برؤيتها.
تميم شاب طيب القلب اكتفى بشهادته الثانوية الفنية وعمل في ورشة لتصليح السيارات حتى لا يكون حملاً على والدته فردوس بعد وفاة أبيه في سن صغيرة فقامت هي بتربيته والعمل في تفصيل الملابس.
سمعت ابتهال رنين الباب فأسرعت لفتحه وعندما رأت تميم ابتسمت ورحبت به قائلة:
_ أهلاً يا ابني اتفضل، إزيك وإزاي الحجة.
أخفض تميم رأسه حرجًا وأجاب:
_ الحمد لله يا خالة ابتهال.
ابتسمت ابتهال وقالت:
أدخل يا تميم يا ابني واقف ليه على الباب كده؟ هو أنت غريب.
أدخل اقعد وأنا هروح أعملك أحسن كوباية شاي من إيد خالتك ابتهال تعدل مزاجك.
وضع تميم يده على صدره بامتنان قائلًا:
مش عايز أتعبك يا خالة.
ابتهال:
تعبك راحة يا ابني.
تميم:
أمال مش سامع حس خالي يعني؟ هو نايم ولا إيه؟
ابتهال:
لا خالك سليمان عند خالك حمدي عشان بعافية شوية.
انكمشت ملامح تميم قائلًا:
ألف سلامة عليه.
ثم وقف وتابع:
خلاص هروح أشوفه هناك.
فحركت ابتهال رأسها رافضة بقولها:
لا يمكن قبل ما تشرب حاجة وهندهلك البت أسماء تقعد معاك توجع دماغك بكلامها الكتير عقبال ما أخلص.
دق قلب تميم بشدة عند سماع اسمها، وجلس منتظرًا رؤيتها بلهفة ليطفئ ظمأ قلبه العطش لرؤيتها أمامه.
ابتهال:
يا سمسمة، أنتِ يا بت.
استمعت أسماء لوالدتها فخرجت من غرفتها بمنامتها الوردية وشعرها الذي تعقده على هيئة ذيل حصان، فهلكت به قلب تميم الذي رآها على هذا النحو، وتجمد مكانه يحدقها بحب وقلب أنهكه العشق.
ولجت أسماء إلى والدتها في المطبخ قائلة بمرح:
نعمين يا ست الكل، تؤمري بإيه يا جميل.
ابتهال:
يا بكاشة أنتِ.
بقولك اطلعي سلمي على ابن عمتك، واحكيله حكاويكِ الهبلة اللي بتصدعيني بيها.
أخرجت أسماء لسانها قائلة بتذمر:
كده يا ماما، أنا حكاوية هبل.
ثم سارت نحو تميم ومع كل خطوة كان يتنفس تميم ببطء، فقد شعر أن الأكسجين قد نفد من حوله.
وهي تطالع هيئته تلك وتحاول تكتم ضحكاتها بصعوبة، فهي تعلم جيدًا أنها يحبها وتتلذذ كثيرًا بنظراته إليها وتفرح بها كمراهقة صغيرة تحب من يهتم بها وينظر لها بإعجاب.
أما هي، فهي لا تعرف إن كان قلبها يميل إليه أولًا، ولكنها تحب قربه واهتمامه، ولكن في آن الوقت تنفر من صنعته كميكانيكي سيارات وتخشى أن يشاهدها أحد من أصدقائها معه وهي يرتدي تلك البدلة المتسخة الخاصة بالعمل.
لذا هي تفضل أن تتزوج بأحمد فهو سيكون طبيبًا تفتخر به حتى وإن كانت لا تحبه وتنجذب أكثر إلى تميم.
وأيضًا حتى لا تأخذه منها صديقتها المقربة أسماء بعد أن رأت في عينيها الإعجاب به، فأقسمت أن يكون لها هي.
أسماء بحركة طفولية:
أنا حكايتي هبلة يا تميم؟
سيطرت مشاعر فياضة لدى تميم وهو يرى حركاتها الطفولية التي جعلتها أكثر جاذبية وزادت من جمالها فقال بتيه:
لا أبدًا دي أحلى حكايات ومرات خالي بتشاغلك بس.
اقعدي يا أسماء واحكيلي كل اللي عندك وأنا كلي آذان صاغية.
متعرفيش أنا بحب أسمع صوتك قد إيه.
تجمعت بساتين التفاح في وجنتيها وقالت بمكر:
صوتي بس اللي بتحبه يا تميم؟
فتح تميم فمه بتيه وكاد أن يقول لها: أنا بحبك.
ولكن قاطعه دخول زوجة خاله بكوب من الشاي قائلة:
وادي الشاي اللي يعمّر الدماغ بعد الصداع اللي عملته لك أسماء.
فوقفت أسماء وضمت شفتيها بتذمر قائلة:
طيب، أنا هريحكوا مني وهدخل أذاكر.
ثم اتجهت إلى غرفتها وعين تميم لم تفارقها حتى ولجت إلى غرفتها.
***
عادت دلال إلى شقتها تجر أذيال الخيبة بعد أن علمت أن لا مفر من الوضع الذي فرضه عليها متولي، فهي وقعت تحت براثنه وانتهى الأمر وعليها الاستجابة لكل مطالبه من أجل والدتها.
أسرعت دلال إلى والدتها تضمها وتقبلها بحب قائلة:
وحشتيني قوي يا ماما.
عاملة إيه دلوقتي؟ أخدتي علاجك؟
نعيمة بضعف:
أيوه يا بنتي، بس ليه اتأخرتي عليّ كده؟ كنتي فين كل ده؟
ثم استطردت بخوف:
أوعي يا بنتي تسمعي كلام الشيطان متولي وتفرطي في نفسك، وتبقى واحدة رخيصة متسواش تلاتة تعريفة، مش كفاية الشغلانة المهببة اللي خلاكِ تشتغلي فيها.
منك لله يا متولي، ربنا يحرق قلبك.
وهنا ظهر متولي برأسه من باب الغرفة قائلًا بابتسامة سمجة:
مين بينادي عليّ وبيدعيلي؟
لم تغيره دلال اهتمامًا وطبعت قبلة على جبين والدتها قائلة:
أنا داخلة أنام عشان خلاص مش قادرة أصلب طولي.
نعيمة بحب:
ادخلي يا بنتي ارتاحي ربنا يعينك على الهم اللي أنتِ فيه.
همت دلال بالمغادرة ولكن متولي أمسك برسغها بقوة قائلًا وهو يحدق بها:
على فين يا حلوة؟ مش تحكيلي اللي حصل بينك وبين الباشا وتديني حلاوة معرفتك بيه.
فطالعته دلال باستحقار قائلة:
ابقى اسئله ومملكش مليم عندي يا متولي، كفاية اللي خدته منه.
ثم جذبت يده منه وأسرعت إلى غرفتها وعندما همت بإغلاق الباب وجدت يده تحول بينها وبينه.
ثم دفعها بيده بقوة حتى كادت أن تسقط ولكنها تماسكت وحاولت الاتزان.
وهدرت به قائلة:
أنت عايز مني إيه يا متولي؟ مش خلاص عملت كل اللي أنت عايزه؟
فغمزها متولي وهو يخطو إليها حتى صار في مقابلتها لا يفرق بينهم إنش واحد، وأخذ يحدق بها برغبة قائلًا:
لسه يا دلال.
أنا بس كنت منتظر الباشا يبتدي وأنا أكمل.
فاتسعت عين دلال وارتجف جسدها وحاولت دفعه صارخة:
أنت اتجننت! اطلع بره يا متولي وإلا والله أصرخ وألم عليك الناس.
متولي:
يعني حلو ليه وأنا لأ يا دلال؟ ده حتى بيقولوا جحا أولى بلحم طوره.
ثم انقض عليها كالوحش المفترس الجائع على فريسته.
رواية دلال و الشيخ الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الخامسة
اختيار خاطئ لشريك حياتك، كفيل بضياع عمرك بأكمله وستظل تحصد دموع الندم إلى النهاية وسيدفع أطفالك الثمن.
تقدم متولي من دلال وعينيه تنذر بالشر التي تغلفها الرغبة، فأدركت دلال أنها هالكة لا محالة ولن يستطيع أحد أن ينقذها منه، فتوسلت إليه ألا يفعل ذلك ولكن نُزعت من قلبه الرحمة، وانقض عليها كما ينقض الأسد الجائع على فريسته.
فشقت صرخاتها جدران المنزل لعل أحد يستمع إليها ولكن لا أحد تنبه لصرخاتها المكلومة، حتى والدتها لا تشعر بها بعد أن ذهبت في نوم عميق بعد أخذ تلك الحبوب المهدئة.
طالعها متولي برغبة قائلًا بهسيس وهو يضع يده على فمها:
_ صوتك يا بت هتفضحيني، واللي يشوف كده يقول البت عفيفة وأول مرة، ده إحنا دافنينه سوا.
فخليكي حلوة كده واهدي وعيشي.
فأخذت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا لعلها تجد أي شيء تستطيع أن تقاومه به حتى لمحت مقصًا كان قد سقط منها منذ عدة أيام ويظهر طرفه من أسفل التخت.
فحاولت بأقصى جهدها أن تصل إليه حتى استطاعت أن تمسك به، فسلطته على عنق متولي وقالت بتهديد:
_ لو مبعدتش عني يا متولي، هغزك في رقبتك.
خرج من عين متولي وميض الخوف وشعرت دلال بذلك من اهتزاز جسده، فاستطاعت في تلك اللحظة أن تبعده عنها.
فوقف سريعًا وظهر على وجهه الخوف ولكن سرعان ما اعتلت بسمة خافتة على شفتيه قائلًا:
_ إيه يا دلال، أنتِ صدقتي ده أنا كنت بهزر معاكي يا بت، ده أنا مربيكي وأنتِ زي بنتي.
ارمي ارمي اللي في إيدك ده، بلاش لعب عيال.
وناميلك ساعتين عشان تصحي فايقة للشغل يا حبيبتي.
قال متولي كلماته تلك التي خرجت من بين أسنانه بغيظ ثم غادر الغرفة وأغلق الباب من ورائه بعنف، مما جعل قلبها ينتفض، فأسرعت إلى الباب تغلقه بالمفتاح جيدًا حتى لا يقتحم عليها الغرفة مرة أخرى وهي لا تشعر.
ثم بصقت بنفور قائلة بغصة مريرة: راجل مقرف، امتى ربنا يخلصني منه.
أما هو فوقف يتنفس بعمق ثم ضيق عينيه بمكر وقال بوعيد: كده يا دلال، ماشي.
مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة.
وقفت أنهار أمام شاهين متجهمة الملامح وتطالعه بجمود، فزفر بضيق قائلًا: فيه إيه يا بت الناس ما كنا كويسين ولا أنتِ كل ساعة بحال.
فهدرت به أنهار قائلة: فيه أن أخوك مش هيسيب أختي غير لما يخلص عليها، وساعتها أنا مش هسكت مش كفاية اللي بيعمله فيها من أول اتجوزها، ده ولا كأنه واخدها غصب..!
ده حفى عشان ياخدها وقال إيه بنت عمي وأنا أولى بيها، يقوم يعاملها معاملة البهايم دي..!
يرضيك يا شاهين أخوك يعمل كده، آه ما هو تربية أمك المفترية.
لم يعبأ شاهين بكل حديثها إلا كلمة "أمك مفترية" فأسرع إليها ووضع يده على فمها قائلًا بأمر:
_ اكتمي صوتك ده، ألا تسمعك وتبقى ليلتنا مش فايقة وتخليني أعمل زي شفيق اللي مش عاجبك ده.
لكن أنا للأسف بحبك يا أنهار، وعشان كده يا بنت الناس خلينا في حالنا أحسن، ملناش دعوة بحد.
اللي يزعق واللي يضرب ولا يموت حتى، إحنا لينا حياتنا لوحدنا وأنا صراحة مقتصر الشر وخصوصًا أمي، أنتِ مش ناقصة وجع دماغ.
فهماني يا أنهار، ولا عايزة حياتك تبقى شبه أختك.
أدركت أنهار ما يرمي إليه، ولكن يزعجها تلك اللامبالاة منه، وهذا الضعف في شخصيته.
ولكنه محق في الحديث عن أمه، فقد تجعله يسيء إليها مثل شفيق مع أختها.
لذا لم تجد إلا الصمت ثم أومأت برأسها بالموافقة.
فابتسم شاهين وانحنى ليقبل رأسها قائلًا: هو ده الكلام يا أنهار يا حبيبتي.
ربنا يكملك بعقلك.
لا تتسول الحب وابتعد، فخير لك أن تخسر حبًا ليس لك، خيرًا لك من أن تخسر نفسك، فالحب يعوض بشخص آخر ولكن نفسك لن تعوض.
ولجت زينب إلى غرفتها والنار تأكل أحشائها بعد رؤية سليمان، فهي في كل مرة ترى بها وجهه تتأجج الذكريات أمامها وكأنها تعيشها مرة أخرى بنفس شعور الخذلان الذي كاد أن ينهي حياتها حينها.
فهي تعلم جيدًا أن سبب موافقتها على الزواج من حمدي، هو أن تكون بجانب سليمان في اعتقاد منها أنه عندما تكون تحت عينيه باستمرار قد يتعلق بها قلبه كما تعلقت هي به ويطرد من قلبه تلك الحية التي استطاعت أن تأخذه منها.
شردت زينب في يوم خطبتها على حمدي، وكانت هي في عالم آخر لم تخفض به نظراتها عن سليمان، الذي ارتبك عندما كانت عينيه تصادف عينيها رغماً عنه.
وعندما تقدم منهم ليهنئ أخيه على الخطبة، احتضنه بحب ثم التفت إليها ومد يده ليصافحها، فصافحته بعيون تمطر عشقًا حتى إنها لم تنتبه أنها ما زالت متمسكة بيده وهو يحاول والحرج يملأ وجهه أن يسحب يده منها.
ولم يشعر بذاته إلا وقد غادر المكان سريعًا بعد أن شعر أن هناك شيء ما في قلب تلك الحية تجاهه، لذا قرر أن يبتعد عنها بقدر الإمكان حتى لا يتأذى حمدي من تصرفاتها غير الطبيعية.
وهكذا مرت الأيام ثقيلة على قلب زينب لأنها لم تعد ترى سليمان، وآلمها الشوق الضاري لرؤيته، حتى جاء اليوم الذي تمزق به قلبها إلى أشلاء عندما علمت بموعد زفافه وحينها تغيب عقلها وفرض القلب سيطرته وأسرعت لارتداء ملابسها وتوجهت نحو محل عمل سليمان.
الذي تفاجأ بوجودها أمامه بتلك الهيئة المزرية وقد حفرت دموعها خندقًا على وجنتيها.
ففزع قائلًا: زينب..!
ـ حصل حاجة، أخويا حمدي كويس؟
- أنا اللي مش كويسة يا سليمان وحاسة إنه هيجرالي حاجة وهيكون ذنبي في رقبتك.
هكذا نطقتها زينب، ليتعجب سليمان قائلًا باستفهام:
_ إيه الكلام العجيب اللي بتقوليه ده وأنا ذنبي إيه؟
فبكت زينب حتى سمع شهقاتها فقالت: ذنبك إنك مش حاسس بيّ يا سليمان.
ثم اعترفت بما جعل الدماء تفور عنقه.
- أنا بحبك يا سليمان، ومقدرش أشوفك بتتجوز غيري.
صفعة قوية منه نزلت على وجه زينب جعلتها تصرخ.
ثم هدر بغضب جحيمي: أنتِ اتجننتي يا زينب، ده أنتِ قريب هتكوني مرات أخويا.
زينب بإنهيار: مش عايزاه، أنا عايزاك أنت يا سليمان.
ومستعدة أفسخ خطوبتي بيه على شرط تسيب أنت كمان ست ابتهال بتاعتك ونجوز.
فأخرج سليمان زفيرًا حارًا غاضبًا من شأنه أن يحرقها أمامه، ولكن حاول أن يسيطر على انفعالاته قائلًا:
_ وأنا مبحبكيش يا زينب وبحب ابتهال ويستحيل عيني تشوف غيرها.
فاعقلي يا بنت الناس وروحي وأنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة، وصوني النعمة اللي بين إيديكي بدل ما تروح منك.
حمدي طيب قوي وألف واحدة تتمناه.
زينب بغصة مريرة: وأنا وحبي ليك؟
ضرب سليمان يدًا بيد قائلًا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
بقولك إيه عشان أنا ماسك أعصابي على الآخر.
وكمان مستعد أدفنك حية بسبب بجاحاتك دي، أنتِ إيه مبتكسفيش!!
يلا غوري في داهية مش ناقصة مصايب.
كان حديث سليمان كخنجر أصاب قلبها في مقتل، بعد أن مزق كبرياءها بلا رحمة بعد أن عرت مشاعرها أمامه وقام برفضها بهذه الصورة المهينة.
ليجدها تطالعه بغضب جحيمي قائلة: ماشي يا سليمان.
والله لهيجي اليوم اللي أخليك تندم على رفضك ليا، وهتجيلي راكع.
فأجاب سليمان بحدة: أنا عمري ما ركعت غير لله.
اتفضلي روحي في ستين داهية.
فغادرت زينب تجر أذيال الخيبة، ولكن ما حدث جعل بينها وبين سليمان ثأر ولن تهدأ حتى تأخذه منه.
سمعت زينب صوت هرجلة بالأسفل وأصوات عالية أخرجتها من شرودها.
ثم أسرعت للخارج لترى ما يحدث؟
استمعت شهيرة لصوت سفيان عندما ولج إلى داخل المنزل يحمل على يديه أحمد قائلًا:
يا شهيرة تعالي افتحي أوضة أحمد عشان يستريح.
أسرعت شهيرة إليه بلهفة ولكن تجمدت مكانها عندما رأت أحمد على هذا النحو بوجه مليء بالكدمات وجسد واهي ضعيف وإحدى قدميه وذراعه محاط بجبيرة.
فبكت وقالت بغصة مريرة: ألف سلامة عليك يا أخويا، إزاي ده حصلك بس؟
طالعها أحمد بنظرة حنونة وابتسم رغم ألمه قائلًا:
_ الله يسلمك يا حبيبتي، ومتقلقيش أنا كويس وقدر الله وما شاء فعل.
صك سفيان على أسنانه بغيظ وأخذ يبدل قدمًا بأخرى من شدة الألم في تحمل جسد أحمد، فصاح بانفعال:
_ مش وقته سلامات يا حبيبتي أبوس إيدك.
عشان أخوكي تقيل قوي، افتحي الباب بسرعة أقلبه على السرير قبل ما هقع بيه وربنا.
فضحك شيكو وقال متهكمًا: ما قولتلك أشيله أنا، عملت فيها سبع البرمبة وأسد، طلعت قطة والراجل هيقع منك ويكسر أكثر ما هو مكسر، بس المرة دي مش هيلاقي الوجه الحسن زي الصاروخ اللي كانت في المستشفى.
هيلاقي الحاجة زينب اللي بَصّتها تقطع الخلف.
تلونت عين أحمد بغضب جحيمي حين تذكر نظرات شيكو لها ولكن تعجب من غضبه فلما يغضب وهي لا تمت له بصلة وكانت مجرد صدفة ألقاها القدر في طريقه ثم تفرقا.
والوقت كفيل على أن ينساها، فهل سيستطيع؟
انكمشت ملامح سفيان وقال بحنق: كده، طيب خد شيل يا عم وريني هتتحمل إزاي.
فمد شيكو ذراعيه ليحمل أحمد قائلًا: حبيبي يا أبو حميد يا صاحبي، عشان تعرف بس إنك ملكش غيري.
ولكن عندما حمله وشعر بثقله كاد أن يسقط منه، فقال سريعًا لسفيان: بص هو أنا بحبه آه لكن أنت ابن عمه وأولى بيه، خد شيل شيلتك يا عم.
فصاح أحمد بينهم: أنتم هتحدفوني لبعض ولا إيه، اخلصوا نزلوني على السرير تعبان.
لتتألم شهيرة لألمه قائلة بحنو: يا عيني عليك يا حبيبي.
شيكو: أنتِ هتعددي عليه ولا إيه ما هو زي الفل أهو.
ليلقي به على الفراش ليتأوه أحمد متألمًا:
_ آآآه، منك لله يا شيخ.
عقد شيكو حاجبيه وقال بمرح: أنا غلطان كنت عايز أريحك مرة واحدة.
فضحك سفيان ساخرًا: لا جامد وراجل يا شيكو قوي.
لتستمع شهيرة إلى صوت والدها ينادي: يا شهيرة، يا سفيان.
طمنوني على أحمد يا أولاد؟
وعندما همت شهيرة للإسراع إلى والدها، استوقفها شيكو قائلًا:
_ استني أنتِ يا أم سيف، أنا هروح أطمن عمي وأكيد هيصمم يشوفه فهسنده يجي.
ثم وجه حديثه إلى أحمد: وأنت اتعدل كده وبطل مسكنة قدام الحاج عشان ما يقلقش عليك.
ألقى كلمته ضاحكًا ثم غادر الغرفة، لتقترب شهيرة من أحمد تسأله بغصة مريرة: إيه اللي عمل فيك يا أحمد كده؟
ما هو مش معقول جسمك كله متكسر من وقعة.
فأخفض أحمد رأسه خجلًا ولاحظ ذلك سفيان فأسرع بقوله: وبعدين يا شاهي ما تكتريش كلام مع أحمد عشان زي ما أنتِ شايفة تعبان ويلا روحي للحجة وشوفوا هتعملوا إيه يرم عظمه عشان يتحمل العلاج ويخف بسرعة.
فابتسمت شهيرة وقالت: بس كده عيوني لحمادة، حالًا هجهز ليه شوربة فرخة بلدي.
لتخرج شهيرة وطالعها سفيان حتى خرجت بحب، ثم جلس بجانب أحمد وربت على كتفه بحنو قائلًا:
_ حبيبي يا أبو حميد ألف سلامة عليك يا غالي بس أنت لازم تحكيلي أنا على الأقل حصل ده إزاي، عشان أقدر أبلغ وناخد حقك.
فأخفض أحمد رأسه مرة أخرى بحرج وقال بخفوت:
_ لو قولتلك مش هتصدقني، أنا كنت ماشي في أمان الله، ولقيت قصادي بتاع خمس ست رجالة ملثمين وهجموا عليّ، كل واحد قعد يضرب فيّ.
ما اعرفش ليه وعشان إيه؟
تبدلت ملامح سفيان للغضب وحوقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، أكيد عشان يسرقوك، أو عايزين يخطفوك ويطلبوا فدية بس ملحقوش.
حرك أحمد رأسه نافيًا: لا ما أظنش سرقة لأنهم ما خدوش حاجة مني، ولا كمان قصدهم خطف لأنهم سابوني غرقان في دمي وما كانش أصلًا حد موجود في الشارع، غير البنت اللي ظهرت فجأة دي بعد ما مشيوا وأنقذتني بعد ما وقفت عربية عشان تروح بيّ المستشفى.
ابتسم سفيان:
_ والله بنت جدعة ربنا يجازيها خير.
فتأفف أحمد قائلًا: منين الخير ده وهي عاملة في نفسها كده، والكل عمال يتفرج عليها.
فعارضه سفيان بقوله: يا شيخ أحمد ما تقولش كده.
وربك رب قلوب وده مش معناه إنها مش غلطانة في تبرجها، بس ممكن ما يكونش حد فهمها إنه واجب عليها تستر نفسها وما اتعودتش عليه.
لكن ده ما يمنعش أن قلبها من جوه أبيض ونقي وعشان كده أنقذتك والقلب النقي ده بيكون عنده استعداد للنصيحة بس لو جت بطريقة صح ولينة مش بأمر ونهي تخليها تنفر.
أدار أحمد حديث سفيان في رأسه وعلم أنه يقول الحق ولكن الغضب أعماه عن الحقيقة فقال:
_ خلاص بقى أبيض ولا أسود انتهى الموضوع وهي راحت لحالها ربنا يهديها.
ولجت زينب إلى المطبخ فوجدت شهيرة تعد الحساء من أجل أحمد، فنهرتها قائلة:
_ بتعملي إيه يا شملولة؟
لم تلتفت شهيرة إليها بعد أن شعرت بنبرة التهكم في صوتها، ولم تعرها اهتمام واكتفت بقولها:
_ زي ما حضرتك شايفة، بسلق فرخة عشان أخويا يتقوت بيها.
صكت أسنانها زينب بغيظ وودت أن لو سكبت السم في ذلك الحساء لكي تتخلص منه للأبد.
لتتابع بنفس الوتيرة: لا قلبك حنين يا بت.
شهيرة: الحمد لله طالعة لأبويا ربنا يحفظه.
فاشتعلت النار في جسد زينب وهمست: قصدك هبلة زي أبوكي، كان نفسي تطلعي لأمك قلب من حديد بس للأسف.
نظرت لها شهيرة بعتاب ثم حملت الحساء وتقدمت به نحو غرفة أحمد، فوجدت الغرفة مليئة بالأحباب.
والدها وسفيان ووالده وشيكو وانضم إليهم أيضًا تميم ابن عمتها فردوس.
فألقت التحية عليه: إزيك يا تميم؟
ابتسم لها تميم وأجاب بحبور: الحمد لله يا أم سيف، أنا جيت أبص على عمي، لقيت دكتور أحمد بالمنظر ده.
شيكو بمرح: منظره زي الفل، معاكيش قلم نكتب على الجبس ده ذكرى، ولا أقولك بقت موضة قديمة، تعالى نتصور معاه سيلفي أحسن.
ابتسم الجميع ولكن لم تتعدى ابتسامتهم ثغرهم حتى وجدوا زينب أمامهم قد ولجت كوحش ثائر قائلة بصياح:
_ والله على آخر الزمن بيتي بقى يلم اللي يسوى واللي ما يسواش وعشان مين حتة عيل مفعوص فاكر نفسه راجل، بس للأسف طلع عيل ما عرفش يدافع عن نفسه وأكل علقة سخنة.
قالت كلماتها اللاذعة تلك وهي تنظر إلى سليمان ثم شيكو وأخيرًا أحمد الذي كان مذهولًا لا يصدق ما تفوهت به والدته الذي كان يظن أنها ستكون أول الناس في استقباله وستذرف العبرات حزنًا عليه ولكنه تفاجأ بنظراتها الشامتة وكأنها عدو لدود، فتجمعت العبرات في عينيه قهرًا وشعر أن رأسه ستنفجر من غليان الدماء بها.
وشعر الجميع بالحرج والإهانة وكان أول من تحدث هو سليمان فقال بحرج:
_ طيب يلا بينا يا سفيان عشان ابن عمك يستريح.
تابعه شيكو بأسف: وأنا خدوني معاكم.
_ محدش هيمشي من هنا.
قالها حمدي بغصة مريرة قد اجتاحت جسده الوهن فشعر بمرارة جوفه بعد أن استمع لكلمات زينب المشينة في حقه وهو صاحب البيت وهو من تكون له الكلمة.
قال كلمته ونظر إلى زينب وصاح بانفعال:
_ أوعي تفتكري يا زينب إني هسكتلك بعد اللي حصل ده.
إيه خلاص افتكرتيني مت بالحيا ولا عشان ما بقتش قادر أقف على رجلي فحسيتي إني عاجز.
لا يا زينب أنا حمدي الجمال هفضل لآخر لحظة من عمري راجل ومش هسمحلك أبدًا تفرقي شملنا.
اتسعت عين زينب بصدمة وكادت أن تفتك به لتمردها عليها وإهانتها بهذا الشكل أمامهم ولكن قاطعها دلوف شفيق عندما سمع حديث أبيه فغضب لأمه وهاج وثار وصاح بعلو صوته:
_ أنت شكلك اللي كبرت وخرفت يا حاج لا مؤاخذة.
عشان تكلم الست اللي شالتك العمر كله بالطريقة دي وعشان مين جرابيع ما يسووش حاجة وأولهم الغندور ابنك اللي طالع بيه السما عشان دكتور، بس بعون الله هنزله لسابع أرض.
لم يتحمل سفيان كل هذا الهراء والاحتقار على لسان شفيق فوقف أمامه يريد الفتك به وضربه قائلًا:
_ أنت إيه يا أخي شيطان، إزاي تكلم أبوك بالطريقة دي؟
ليقاطعهم حمدي بصراخه: أنا عجزت وخرفت يا شفيق.
خرجت كلماته مقطعة من الصدمة التي لم يتحملها وقد شل لسانه وتيبس جسده ليسقط من بين أيديهم.
فصرخت شهيرة: بااااابا.
وتبعها صراخ أحمد: بااابا.
_ حد يلحقنا بدكتور بسرعة.
سفيان بفزع: عمي.
إيدك معايا يا شيكو ندخله أوضته وأنتِ يا شهيرة اتصلي بدكتور مراد يجي حالًا.
وعندما حضر الطبيب وقام بالكشف عليه قال:
_ للأسف الحاج اتعرض لصدمة ونتيجتها حصل ليه الشلل المفاجئ ده.
اكفهرت ملامح سفيان ونطق بأسى: يعني إيه يا دكتور، هيفضل كده على طول؟
الطبيب: العلم عند الله بس للأسف عشان عمر الحاج وضعف جسمه ممكن يطول معاه شوية، لكن الله أعلم ممكن مع العلاج الطبيعي والابتعاد عن التوتر تحصل معجزة ويرجع لحالته الطبيعية.
عندما تجتمع شياطين الإنس، فقل يا رب سلم واعلم إن كله بقدر الله.
أغلقت زينب الباب عليها حتى لا يسمع أحد الحديث بينها وبين شفيق وقالت بامتنان: يخليكي ليّ يا ابن بطني، عملت الواجب وزيادة مع الجرابيع اللي تحت ورديت كرامتي اللي أبوك بعزقها عشان شوية بهايم.
أمسك شفيق يد والدته ولثمها بفمه قائلًا: أنا أفديكي بروحي، أنتِ غالية عندي يا حجة.
لمعت عين زينب بفرحة وقالت: تعيش ويطول في عمرك يا ضنايا.
وعشان كده اقعد عشان عايزة أكلمك في موضوع مهم.
فجلس شفيق وعينيه تنطق بالشغف والفضول لما ستقوله والدته.
ليجدها تقول بخبث وهمس: قلبي حاسس أن أبوك كده مش هيطول.
ففرصة قبل ما يتكل على الله ويريحنا وهو مش قادر يكلم دلوقتِ، إنك تخليه يبصم على تنازل لجميع ممتلكاته ليك ولأخوك شاهين.
تعجب شفيق وتساءل: أنا وشاهين بس؟
طيب وشهيرة؟
فعبست زينب وقالت بغيظ: كفاية عليها ابن سليمان واللي هيورثه من أبوه، أما فلوسنا إحنا يستحيل تروح لحد غريب.
أومأ شفيق: عندك حق يا حجة.
المهم عايزة إمتى ده يحصل؟
زينب بصوت يشبه فحيح الأفعى: حضّر بس أنت ورقك، وأنا هراقب أبوك وأول ما أشوفه يروح في النوم، هناديلك تجيب الورق وتدخله ونخلص.
ياااه نفسي أشوف وش أحمد حبيب أبوه لما يعرف إنه ما لوش عندنا جنيه واحد، وساعتها طبعًا مش هيقدر يكمل كليته اللي شايف نفسه بيها دي، ويروح يمسح عربيات عشان يجيب لقمته ويتلقح في أي خرابة ينام فيها، عشان أول ما حمدي يموت هطرده على طول.
فتعالت ضحكات شفيق بغل وأكد: هيحصل قريب قوي.
غادر الجميع بحزن بعد أن استغرق حمدي في النوم بفعل المهدئات، لتزوره في أحلامه شمس.
عندما تركها تلك الليلة في شقته وعاد هو إلى منزله ينتظر بفارغ الصبر شروق الشمس للذهاب والاطمئنان عليها.
وفي الصباح ذهب إليها مسرعًا ولكنه لم يشأ أن يكون بمفرده حتى لا يعرضها للحرج، لذا مر على تلك السيدة المسنة التي تمتلك المنزل، فرحبت به كثيرًا وعندما علمت بأمر شمس تخللت السعادة إلى قلبها قائلة:
_ الله أكبر، يعني ربنا عوضني على كبر أن يكون ليّ بنت تونسني، يا خير ما فعلت يا ابني.
ومتقلقش عليها طول ما هي موجودة معايا.
وتعالى عشان نطلعلها عشان مشتاقة أشوفها.
طرق حمدي الباب، ففزعت شمس ووقفت ترتجف من الخوف قائلة:
_ مين على الباب؟
شعر حمدي بمقدار الخوف في صوتها فطمأنها قائلًا:
_ أنا حمدي يا شمس افتحي ومعايا الحجة فوزية.
فسرعان ما ابتسمت شمس وأسرعت لفتح الباب، لتتلاقى أعينهم بشوق، خجلت هي على أثره فأخفضت بصرها.
حمدي مشيرًا إلى الحجة فوزية: أهي يا ستي شمس اللي قولتلِك عليها.
الحاجة: أهلًا يا بنتي نورتِ الحتة كلها وتعالي كده في حضني، ده أنا ما صدقت شوفتِك وقولت أنتِ اللي هتؤنسي وحدتي.
فعانقتها شمس بحب وشعرت بارتياح في عناقها كأنها تعانق والدتها فهمرت الدموع من عينيها.
وكانت دموعها كخدوش في قلب حمدي تأثر لها وقال بحنو:
_ كفاية دموع يا ست البنات وعايزين نشوف الابتسامة الحلوة من أول النهار ده.
وقوليلي فطرتي ولا لسه؟
شكلك بيقول لسه، أنا هنزل أجيب أحلى فطار يفتح النفس.
مرت ياسمين أمام شيكو، فتعلق نظره بها ودق قلبه نبضات عالية، فتعمدت هي تجاهله حتى تثير حنقه.
فأخذ يدندن: يا حلو صبح يا حلو طل.
نهارنا أبيض، نهارنا فل.
فطالعته بطرف عينيها قائلة بتهكم: صوتك وحش على فكرة.
ابتسم شيكو وأمسك بأعلى قميصه قائلًا بفخر: عجبني.
زي الغزال اللي بيكلمني دلوقتِ.
ونفسي يحن عشان خلاص القلب داب واتهلهل وما بقاش ينفع يتخيط.
اشتعلت نار الحب في قلب ياسمين ولكنها رسمت على وجهها الجمود حتى لا تفضحها عينيها وقالت:
_ ده بعينك، روح قول الكلام ده لواحدة من الجرابيع اللي تعرفهم لكن أنا لا.
اتسعت عين شيكو وقال بغضب مصطنع:
_ مين الخاينة اللي فتنت عليّ، والله لأربيهم كلهم.
وأعملهم بلوك لأجل عيونك يا جميل.
رواية دلال و الشيخ الفصل السادس 6 - بقلم شيماء سعيد
الطَّعنة عندما تأتي من الغرباء أحيانًا لا تكون مميتة ولكنها تسبب ندبًا وأثرًا نفسيًّا لا يزول، ولكن عندما تأتي من أقرب الناس إليك فإنها تكون مميتة في الحال لأن الخذلان أشد من الطعن.
علمت بسمة من أسماء ما حدث مع أحمد، فظهر على وجهها الحزن مما أثار حفيظة أسماء، فقالت بغيرة واضحة على ملامحها:
"ومالك زعلانة كده عليه يا آخرة صبري، هو كان من بقية أهلك وأنا معرفش."
غضبت بسمة وقالت بدفاع:
"هو لازم يعني يكون من أهلي عشان أزعل عليه، مفيش حاجة اسمها إنسانية عندك."
"وشاب زي الورد كده يحصله حاجة زي دي!"
أسماء بتهكم:
"لا قلبك حنين يا بسمة."
لتستطرد بسمة بمكر:
"هو مينفعش يا بت تاخديني معاك أزوره واهو يعني نعمل الواجب معاه."
لم تتحمل أسماء كلمات بسمة، فوقفت والغضب يتطاير من عينيها قائلة بهدر:
"لا والله، أنتِ اتجننتي يا بت..!"
"تزوريه بإمارة إيه، أنا مشوفتش في بجاحتك صراحة."
"طب حتى خبي نفسك مني، لكن عيني عينك كده حاطه عينك على خطيبي."
عقدت بسمة حاجبيها وقالت بغل:
"بس متقوليش خطيبك، مفيش حاجة رسمي حصلت يعني لسه ويعالم النصيب فين."
فانفعلت بسمة وجذبتها من شعرها بشدة حتى كاد أن يتقطع بين يديها قائلة:
"نصيبك مقندل يا بت، أنا غلطانة إني صاحبت واحدة زيك واعتبرتك بني آدمة وأنتِ بنت البواب أصلاً."
"يلا روحي في داهية مش عايزة أشوف وشك تاني وإلا وديني أعلم على وشك الحلو ده."
ثم دفعتها لتخرج من المنزل بقسوة، فاندفعت العبرات من عينيها ووالدماء تفور في أوردتها:
"كده يا بت الجمال، ماشي هشوف مين يضحك في الآخر."
خرجت ابتهال على صوت أسماء العالي فسألتها:
"مالك يا بنتي فيه إيه، وصوتك عالي ليه أنتِ وبسمة، انتوا مش هتبطلوا شغل العيال الصغيرة ده وتبطلوا نقار."
زفرت أسماء بضيق وقالت:
"يوه يا ماما متجبليش سيرة البت دي، مش عايزة أعرفها تاني."
ثم اقتربت منها ولثمت وجنتيها بقبلة قائلة بدلال:
"بقولك إيه يا ست الكل مش واجب برده أروح أطل على أحمد ابن عمي."
طالعتها ابتهال بمكر مستفسرة:
"ومن امتى يا بت الحنية دي..!"
داعبت أسماء خصلات شعرها وقالت بمكر:
"أهو يعني قولت عيب أعرف إنه تعبان ومطلش عليه وكمان أشوف عمي عشان سمعت من سفيان إنه تعبان أوي."
اكفهرت ملامح ابتهال من الحزن وتنهدت بغصة مريرة قائلة:
"يا عيني على اللي أصاب الحاج حمدي، ربنا يتولاه ويشفيه."
"ويجازي اللي كان السبب."
ثم تابعت:
"أنا هسيبك تروحي بس عشان عمك وسيبك من أحمد يا بنتي، كفاية اخواتك واللي شايفينه من زينب."
"مش عايزاكِ أنتِ كمان تكوني زيهم، خصوصًا إنك غيرهم."
"أبوكِ دلعك زيادة عن اللزوم ومتعرفيش تعملي حاجة من شغل البيت."
فطالعته أسماء بخبث قائلة:
"ليه وأنتِ فكراني هبلة وطيبة أشجان وأنهار..!"
"ولا ممكن أسكت للست الشيطانة دي وتخليها تمرمطني زيهم، لا ده أنا أسماء محدش يجي عليه أبدًا."
فزفرت ابتهال بضيق:
"بطلي هبل، وأنتِ كمان لسه صغيرة على الكلام ده وهو لسه قدامه كتير، ساعتها الله أعلم بالنصيب."
فابتسمت أسماء وراوغتها لتنفذ ما تريد:
"طيب يا قمر أنتِ، ممكن عقبال ما يجي النصيب أخد صينية الكيكة الحلوة دي وأروح بيها عند عمي."
بحلقت ابتهال بدهشة قائلة:
"بت يا أسماء، مالك كده مش عوايدك يعني ولا كان أحمد في دماغك أصلاً، بالعكس أنا شايفاكِ بتميلي لتميم أكتر."
فقاطعتها أسماء مرددة بنفور:
"لا تميم إيه المشحم المزيت ده، لكن أحمد دكتور وليه وضعه."
ضيقت ابتهال عينيها بتفهم:
"ها قولتيلي بقى بصة على المنظر من بره، بصي يا بنتي هفهمك حاجة تحطيها حلقة في ودنك."
"الشهادات دي بتتعلق على الحيط، ومقولتش إنها مش مهمة."
بس الأهم منها إنك تاخدي إنسان يسعدك وميهونش عليه زعلك، وأنا شايفة عيون تميم كلها حب ليكي، لكن أحمد رغم أنه ابن حلال وملتزم بس بعيد عنك خالص يا بنتي. فياريت نعمل زي المثل اللي بيقولوا عليه عصفور في اليد أحسن من عشرة على الشجرة.
شردت أسماء كثيرًا في حديث والدتها فهي محقة وبالفعل تميل إلى تميم أكثر ولكن العند يحول بينها وبين ذلك ولن تخسر معركتها مع بسمة وتتركه لها.
لذا اختطفت صينية الكيك قائلة بمرح:
هروح اصطاد العشرة على الشجرة.
زفرت ابتهال بملل:
ربنا يهديلك نفسك يا بنتي، عشان أنا عارفة البطران آخرته قطران.
*****
خرجت أسماء مسرعة إلى منزل عمها المجاور لهم.
وطرقت الباب لتفتح لها زينب التي تبدلت ملامحها لأخرى غاضبة واحمرت عينيها بلهيب الغضب وأخرجت أقذفه من النيران قائلة بحدة:
مفضلش اللي أنتي يا بنت ابتهال، عايزة إيه مننا أنتي كمان؟
لم تهتز أسماء لكلماتها الغاضبة وإنما وقفت تطالعها بنفس النظرة وقالت بتحدٍ أثار حفيظة زينب:
خلصتي يا مرات عمي ولا لسه فيه كلمة محشورة جوه زورك عايزة تقوليها كمان. على العموم هوفر عليكي الكلام، وهقولك أنا مش جيالك أنتي لا مؤاخذة يعني، أنا جاية لعمي وابن عمي أطمن عليهم.
وكانت أشجان في تلك اللحظة مع أحمد في غرفته، تحاول أن تطعمه من يديها وتناظره بكل حب ويلمع وميض الحزن في عينيها من أجل ما تعرض له.
وتهمس بأنين:
والله أنت ما تستاهل اللي جرالك ده يا أحمد من الشيطان شفيق والعقربة أمه ويعالم هيعملوا فيك إيه تاني، منهم لله جبروت بس فيه ربنا أكبر منهم. إلهي يفرمك قطر يا شفيق يا ابن زينب أنت وأمك في ساعة واحدة.
تعرق أحمد من قرب أشجان الزائد فقال بحدة:
مينفعش كده يا أشجان لو سمحتي، لازم يكون فيه حدود في التعامل وكمان أنا مش عيل صغير عشان حد يأكلني.
ارتبكت أشجان وتلون وجهها بحمرة الحرج فابتعدت قليلًا قائلة:
هو أنا غريبة، ده أنا بنت عمك وزي أختك. وأنا عارفة إنك راجل وراجل أوي كمان ومش عيل بس عشان يعني إيدك متجبسة كده حبيت أساعدك، ومنه لله اللي كان السبب.
أحمد بتفهم:
أنا عارف إنك زي أختي بس برده مش أختي. فمعلش سيبي الأكل وأنا هحاول آكل لوحدي وكتر خيرك تعبتي نفسك. وياريت لو تطمنيني على بابا وتبلغيني، ياريت أنا كنت أقدر أروح له وأقعد تحت رجله كمان، لكن مش قادر.
ثم دمعت عينيه من الحزن.
تأثرت أشجان بدموعه ولكن طمأنته قليلًا بقولها:
صلي على النبي كده يا دكتور. وعمي كويس أنا لسه مطمنة عليه قبل ما أدخلك وأنهار أختي كانت قاعدة تأكله بإيديها.
فشكرها أحمد بامتنان:
الله يكرمها ويسامحك يا أمي.
ثم استمع الاثنان إلى صوت عالٍ بالخارج.
فانتبهت أشجان لهذا الصوت الذي تعلمه جيدًا فقالت باندهاش:
ده صوت أسماء أختي. لما أطلع أشوف فيه إيه؟
وعندما خرجت وجدت زينب تتطاول عليها باليد وتجذبها من شعرها قائلة بصراخ:
أنتي يا بنت ياللي لسه مطلعتيش من البيضة، بتردي عَلَيَّ وعاملة راسك براسي. آه ما أنتم تربية ابتهال هتطلعوا إيه يعني؟!
تمزق قلب أشجان عندما رأت أختها بين يدي زينب هكذا.
فقامت بالنداء على أنهار قائلة:
الحقي أختك يا أنهار.
فتسارع الاثنان إليهم، في محاولة لإبعاد يد زينب عن شعر أسماء.
ترجتها أنهار:
سيبيها يا مرات عمي، عملتلك إيه بس؟ دي يا صغيرة لسه مش فاهمة حاجة.
صاحت زينب:
آه ما أنا هفهمها غلطها، ابعدي أنتي وهي بس وإلا وديني أخلص عليها وأكمل عليكي.
وبينما زينب تجذبها من شعرها بقسوة وأسماء تصرخ بين يديها ولكنها بداخلها أقسمت أن ترد لها الصاع صاعين.
فتحملت الألم وجاهدت حتى ترفع إحدى قدميها، فخلعت عنها الحذاء ثم جذبت شعرها بقوة من يدها.
وفي لحظة انقلب المشهد من تعدي زينب عليها، إلى تعدي أسماء عليها حيث هوت بالحذاء على رأسها.
فصرخت زينب من الألم بين اندهاش أشجان وأنهار حيث شلت الصدمة ألسنتهم.
أما أسماء فلمعت عينيها بلذة الانتصار فقالت بتشفٍ:
العين بالعين والبادي أظلم يا مرات عمي. وبرده هدخل أشقر على ابن عمي.
فولجت إليه سريعًا وتقدمت منه وابتسمت بدلال:
إزيك يا دكتور أحمد.
طالعها أحمد باندهاش قائلًا:
أسماء! أنا أول مرة أشوفك تيجي عندنا، وصوتك ليه عالٍ كده مع ماما حصل حاجة؟
اقتربت منه أسماء وانحنت حتى أصبح وجهها مقابل وجهه وقالت بدلال:
كان لازم أجي عشان أطمن عليك، مقدرتش أسمع إنك تعبان ومجيش يا حمادة.
خجل أحمد من جرأتها والتفت سريعًا بوجهه، فهو لم يتعود منها البساطة في الحديث معه من قبل لذا عقد حاجبيه وقال بانفعال:
اسمي أحمد وعلى العموم متشكر على السؤال، وعلى كده دخلتي شوفتي بابا الأول؟
حمحمت بحرج بعد أن أحرجها بسؤاله ولكنها أسرعت بقولها:
آه لازم طبعًا أطل عليه، ربنا يشفيه، ثم استدارت نحوه من الجهة الأخرى وتمتمت بدلال: ويشفيك يا رب.
ثم تناولت صينية الكيك وأخذت منها قطعة وقربتها من فم أحمد قائلة بتودد:
دوق كده، عمايل إيديا وحياة عينيه.
ولجت أشجان في تلك اللحظة فوجدتها تطعمه فضحكت ساخرة بعد أن اشتعلت الغيرة في قلبها:
يعني بتأكلك بإيديها ومبسوط أوي أهو، أمال فين مينفعش وميصحش يا شيخ أحمد؟!
أطلقت عين أحمد ألسنة نارية من الغضب ولفظ تلك القطعة من فمه التي أكلها مجبرًا قائلًا:
أستغفر الله العظيم يا رب. ممكن تاخدي أختك وتخرجوا وأنا مش عايز حد يدخلي تاني بأكل ولا شرب وسيبوني لحالي لو سمحتم، أنا مش ناقص ذنوب.
ثم شرد في دلال وملامحها التي حفظها عن ظهر قلب مع أنه لم يطلق عينيه عليها إلا مرة واحدة.
كما جاء في الحديث (النظرة الأولى لك والثانية عليك).
ثم أخفض بصره ولكن ظل تفاصيل وجهها في مخيلته.
ثم وجد نفسه يبتسم عندما تذكر رجاءها في أن يدعو لها.
فتمتم بالدعاء تحرك به صدره ولمعت به عينيه بالدموع:
اللهم أسدل عليها بخيرك وسترك وطهر قلبها وحصنها من شياطين الإنس والجن، ولا يدخل الحب قلبها إلا بالحلال.
وبينما هو يدعو إذ بأشجان تدفع أختها للخروج عنوة قائلة:
يلا يا أختي مستنية إيه، على بيتكم يلا. عشان لو المحروس شفيق جه وعرف من أمه اللي عملتيه هيطين عيشتك وعيشتنا معاكي، ربنا يسترها أنا مش ناقصة مبقاش في جتتي حتة سليمة.
أسماء بغل:
عشان هبلة، إيه مسكتك على الهم ده؟ اطلقي منه وخدي سيد سيده.
ضحكت أشجان ضحكة حزينة بتهكم قائلة:
سيد سيده، فين ده؟ ده الراجل المصري عندنا والشرقي عمومًا يكون مطلق ولا أرمل وإيه كمان عجوز كهنة يا أختي ولما يعوز يجوز يدور على بنت بنوت صغيرة عشان تجدد شبابه. وكأن المطلقة عندها جرب محدش يقرب منها لكن هو عادي يعني ما بداله مجتمع ظالم، ده غير الأهل مهما حصل يقولوا ملكيش غير بيتك وعشان عيالك استحملي. فروحي يا بنتي وسيبيني في الجحيم اللي أنا عايشة فيه.
أسماء بنظرة تحدي:
بس أنا بعون الله اللي هخلصك من الجحيم ده لما أدخل البيت ده وأنا مرات أحمد.
عصفت الغيرة الهوجاء بقلب أشجان التي يميل قلبها إلى أحمد رغماً عنها ورغم علمها أن هذا يعد خيانة وخطأ فادح ولكن سيطر الشيطان على عقلها فقالت بهدر:
بت أنتي، سيبك من أحمد خالص ده طيب ومش قدك، وكمان مش عارفة عايزة تدخلي إزاي جهنم برجليكي، انفدي برجلك يا حبيبتي.
أسماء بتصميم:
ملكيش دعوة أنتي ويلا سلام قبل ما تفوق أم أربعة وأربعين من الصدمة.
ولكن عندما اتجهت لفتح الباب وجدت شفيق أمامها، فوضعت أشجان يديها على رأسها تخوفًا من غضبه ثم التفتت عندما سمعت عويل زينب ودموعها التي لا تتوقف وهي تشير إلى أسماء قائلة:
يرضيك يا شفيق يا ابني أمك تضرب بالجزمة على دماغها من حتة بنت عيلة زي أسماء بنت عمك سليمان.
فتقاذفت الحمم البركانية من عين شفيق وهدر بصوت عالٍ كاد أن يتشقق على أثره جدران المنزل:
إيه ليه وإزاي ده حصل؟ ده هيكون آخر يوم في عمرها.
فأسرعت أنهار على صوته الغادر وأيضًا أشجان وحالت بينه وبين أختها قائلة بتوسل:
اعمل يرضيك فيه أنا يا شفيق لكن أختي لا.
كما توسلت له أنهار:
معلش يا أخويا عيلة مش فاهمة وأنا هبوس على رأس الحجة وأراضيها.
ولكن شفيق لم يستمع إلى صوت ورجائهم ودفع بيديه أشجان وأنهار رغماً عنهم ووقف أمام تلك التي ترتجف وحدق بها للحظات فاندهش لحسنها وبياض بشرتها ثم مرر عينيه على جسدها الممشوق فتعجب وتساءل متى كبرت تلك الطفلة التي كانت تلهو بالأمس في الطرقات.
فضيق عينيه محدقًا بها بإعجاب وأخرجه من شروده صوت والدته:
ها هتجيب إزاي تار أمك من البنت دي يا شفيق.
فلمعت عين شفيق بالمكر وسوس له شيطانه وألقى السم في أذنيه ليطالعها باشتهاء:
قريب أوي هتعرفي إزاي يا حجة.
شعرت أسماء بالذعر من كلماته ونظراته إليها التي لم تطمئنها، لذا أسرعت بالركض إلى منزلها.
فالتفت شفيق إلى أشجان وأفرغ شحنة غضبه بها وجذبها من شعرها حتى دفعها أمام قدم أمه وخلع حذائه وقال بغضب:
خدي تارك مؤقتًا من البنت دي يا حجة واضربيها لحد ما أجبلك بتارك من أختها.
فأخذت زينب تضرب أشجان على رأسها حتى انفجرت الدماء من رأسها، وأغمي عليها فصرخت أنهار.
وأسرعت لأختها فكاد قلبها أن يتوقف فأطلقت صرخة مدوية:
آه يا ظالمة منكم لله، أختي هتروح مني يا عالم.
فوضع شفيق يده على فمها حتى لا يفتضح أمره.
ولكن ولج إليهم شاهين في تلك اللحظة فاستنجدت به لينقذ أشجان:
الحقني يا شاهين أمك وأخوك ضربوا أشجان وسيحوا دمها. أبوس إيدك يا أخويا إيدك معايا ناخدها لأقرب مستشفى قبل ما تروح فيها.
فنظر شاهين إلى شفيق ووالدته نظرة عتاب طويلة ولكن كعادته سلبي لم يتحدث وحمل أشجان وذهب مسرعًا بها إلى المستشفى.
*****
كان حمدي غارقًا في أحلامه مع شمس التي كانت بمثابة النور الذي أضاء حياته المظلمة.
فمنذ أن سكنت بتلك الشقة وأصبح يتردد عليها كثيرًا بصحبة تلك الجارة الطيبة، كان يشعر بدقات قلبه الهادرة وهو ينظر إليها، فيلمع وميض الحب في عينيه الذي لأول مرة يشعر به ويتخلل لقلبه السعادة التي حرم منها على يد زينب.
وكانت فوزية تلاحظ تلك النظرات ولكنها كانت محتارة، هل تدعهم في شأنهم أم تتدخل حتى لا يتبع تلك النظرات فعل محرم.
لذا أرادت أن تختبره إذا كان يحبها حقًا أم مجرد إعجاب ورغبة.
حدثته: بقولك إيه يا ابني، عايزَاك كده في موضوع مهم نتكلم فيه لوحدنا.
تلون وجه شمس من الحرج وفطنت أنها يجب عليها أن تتركهم بمفردهم لتتيح لهم الحديث، فوقفت قائلة:
_ طيب أنا هروح أعمل ليكم الشاي.
تتبعتها عين حمدي حتى غابت والجارة تبتسم بمكر ثم قالت:
_ حلوة شمس مش كده؟
فردد حمدي دون انتباه: هي حلوة بعقل، دي قمر.
فوزية بمكر: أيوة قمر 14 وعشان كده عيون شباب الحتة عليها، ده حتى جات أم إسماعيل وسألتني عليها، فقولتلها دي قريبتي.
ففتحتني في موضوع كده.
تجهم وجه حمدي وعقد حاجبيه وقال غاضبًا: سألتك عليها ليه؟
وإيه الموضوع اللي كلمتك فيه؟
ففجرت فوزية القنبلة لكي ترى أثر ذلك على وجهه:
_ قالت عايزة تاخدها لابنها إبراهيم وقالت إنه جاهز من مجاميعه، فأنا قولتلها هشاور أهلها وأسألها وأرد عليكِ.
ظهرت ملامح الغضب على وجه حمدي وقبض على يديه بقوة قائلًا:
_ إيه الكلام الفارغ ده، ده يستحيل يحصل.
فاستطردت بمزيد من الضغط على أعصابه:
_ ليه يا ابني ما هي شابة ومن حقها تتجوز برضه، وأنا بقول أسألها الأول يمكن يكون ليها رأي تاني.
توتر حمدي وقام يهدر بعلو صوته: شمس، أنتِ يا شمس.
استجابت شمس لندائه على وجه السرعة ووقفت أمامه تطالعه بحيرة قائلة:
_ خير يا حمدي؟
بغضب جامح اعتل وجهه وظهر على صوته: أنتِ في بينك وبين إبراهيم ده حاجة عشان عايز يتقدم لكِ؟
دب الخوف في قلبها لأسلوبه الحاد الذي يحدثها به لأول مرة حتى أنها ارتبكت وفركت في أصابعها وقالت:
_ أنا معرفش حد بالاسم ده أصلًا، ومين قال إني بفكر في موضوع الجواز.
أنا مش عايزة أتجوز.
هدأ حمدي قليلًا ولكن تعجب من رفضها للزواج فقال:
_ يعني إيه مش عايزة تتجوزي، هتعيشي مترهبنة ولا إيه؟!
طالعته شمس بحزن وسحابة كريستالية ظهرت في عينيها قائلة:
_ أيوة مش عايزة أتجوز، بس أنت لو زهقت من مسؤوليتي وتعبت يبقى خلاص موافقة.
قالت كلمتها تلك ثم انهمرت دموعها وأسرعت تهرب للداخل.
فزفر حمدي بضيق ولم يدرك سبب دموعها تلك وكيف تجرؤ على قولها إنه قد مل أو كل منها.
كيف هذا وهو الذي لا يستطيع أن يبدأ يومه إلا برؤيتها أولًا وكأنها تشحذ طاقته لكي يستمر.
وهنا ابتسمت فوزية بمكر ثم قذفت في وجهه كلماتها الأخيرة ليخرج ما في جوفه فقالت:
_ البت دي شكلها حاطة عينيها على حد معين.
لم يتحمل حمدي ما قالته فأصبح كالبركان الثائر الذي على وشك الانفجار، فقال بحنق: قصدك إيه ويطلع مين ده؟
عشان أروح أقتله وأقتلها معاه.
فضحكت فوزية واسترسلت بسخرية: هتقتل نفسك يا حمدي!
اتسعت عين حمدي وقال بصدمة: أنا؟!
ثم تلون وجهه بحمرة الخجل واتسعت ابتسامته ولكن سرعان ما عبس وضيق حاجبيه وقال:
_ بس إزاي وأنتِ عارفة إني متجوز وعندي ثلاث عيال.
ومش متجوز أي واحدة دي بنت الراجل اللي خيره مغرقني.
ولو عملتها أبقى بخون العيش والملح.
وكمان صراحة زينب شرانية قوي يا خالة وأخاف منها على شمس لو عرفت.
ثم وضع يده على رأسه وقال: مش عارف أعمل إيه؟
بس أنا فعلًا... يعني ثم صمت.
فسارعت فوزية وقالت: بتحبها وعايزها وهي كمان عايزاك وواضح من عينيها وكلامها عنك اللي مش بينتهي.
فرفع رأسه حمدي وابتسم ولكن تنهد بغصة مريرة وتساءل:
طيب والحل؟
هفضل في النار اللي جوايا دي كتير ولا هستنى لما يجي حد ياخدها مني.
حزنت فوزية على هذا الرجل الشهم الكريم الخلوق، لذا حاولت أن تهدأ من روعه قليلًا قائلة:
_ لا يا ابني ما تحملش نفسك فوق طاقتها وإن كان على مراتك فمش لازم تعرف.
أنت هتتجوز شمس من غير ما حد يعرف غير كام واحد بس من أهل الحتة عشان برضه يكون إشهار وهما ما يعرفوش مراتك عشان يبلغوها.
كل اللي عليك بس تفتحها في الموضوع وتشوف رأيها والباقي سهل.
لمعت الفرحة في عين حمدي وتسللت الفرحة إلى قلبه الحزين ولكن ماذا بعد؟
.......
جاء الليل محملًا بالهموم وحاولت دلال التنفس بأخذ كمية من الهواء لعلها تطفئ تلك النار التي تشتعل بجوفها وهي ترتدي بدلة الرقص مرة أخرى.
ورغم ذلك وجدت نفسها تبتسم عندما تذكرت أحمد:
_ يخربيت حلاوتك يا جدع حتى وأنت مكشر قمر قمر.
أمال لما تضحك بيكون شكلك إيه؟ أكيد بتخطف القلب والعقل.
ياااه لو كان الحال غير الحال، وشفت مولانا القمر ده.
كنت رميت نفسي تحت رجله وقولت له علمني أنا مستعدة لكل حاجة المهم أكون جنبك.
ثم عادت للعبوس عندما أدركت حقيقتها فهمست بغصة مريرة:
_ يعني هو شافني بفستان ضيق وقصير شوية وكانت عينيه عاملة زي الجمر وكنت حاسه إنه لولا الجبس اللي في إيده ورجله كان زمانه قام قتلني.
أمال لما يشوفني ببدلة الرقص يعمل إيه؟
آه منك يا جدع.
يا ريتني ما كنت شفتك وكان كفاية علي الهم اللي أنا فيه ده.
لتجد طرقًا على الباب فزفرت بضيق وكأن الهواء الخارج من جوفها كالنار الملتهبة التي من شأنها تحرق كل ما يقابلها.
فولج متولي يناظرها بإعجاب وعين متسعة تطالع برغبة كل إنش في جسدها.
متولي: إيه الجمال والدلال ده يا دولي، أنتِ هتتعبي الناس النهاردة.
بس أنا عايزك تنشني على واحد فيهم أكتر حاجة، رغم إن اللي عندنا كله مهم بس الراجل ده غير.
تعرفي مين؟
فحركت دلال أنفها لأعلى بنفور وكأنها تقول:
_ ما يهمنيش كلهم ديابة عايزين يفترسوني، كلهم واحد.
فتابع بجدية: ده اللي مدير مكتب السفير في ألمانيا.
يعني باشا باشا، يعني عنده فلوس زي الرز.
يعني آه لو لعبت معاكي يا زهر والباشا شاور لكِ، تبقى طاقة القدر اتفتحت لينا يا دولي.
وما تخافيش منه لأن راجل كبارة وأكيد الصحة يعني مش هي معاه.
طالعته دلال بغل وهدرت في وجهه:
_ أنت إيه شيطان يا أخي، قلت لك أنا بعمل شغلي وبس مش عايزة أبيع نفسي لكل واحد شوية.
ثم انهمرت في البكاء وتابعت بنحيب:
_ حرام عليك يا أخي، أنت إيه ما عندكش قلب.
فأجاب متولي بتهكم: لا شلته من زمان عشان مش شغال معايا وحطيت مكانه جزمتي عشان تدوس بيها على الفلوس، اللي من غيرها الإنسان يداس عليه بجزمته.
فوقي يا دولي وبطلي كلامك الماسخ اللي ما لوش فايدة.
وعيشي حياتك بالطول والعرض واعملي اللي أنتِ عايزاه لغاية ما توصلي وأبقى بس ساعتها افتكريني وخليني أنول من الحب جانب.
لم تتقبل دلال مبرراته بل قذفته بلسانها الحاد:
_ أنت حيوان ولولا أمي أنا كان عندي أبيع مناديل في الشارع أحسن من القرف اللي أنا عايشة فيه ده.
لم يبال متولي بما تفوهت به بل ضحك وغمزها:
_ كله اسمه بيع وأنتِ بتبيعي المزاج والحب.
ويلا بقى عشان ما نتأخرش على الناس وخصوصًا الباشا توفيق المنياوي.
فخرجت دلال رغماً عنها لتؤدي رقصتها وكانت هناك عين تترصد كل حركاتها بدقة حتى أنها ارتبكت وتوترت ولم تستطع مواصلة الرقص فتوقفت من شدة الذعر والخوف.
ثم أسرعت راكضة للداخل.
رواية دلال و الشيخ الفصل السابع 7 - بقلم شيماء سعيد
دلال والشيخ
الحلقة السابعة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ❤️
"دعها تأتِ كما يشاء الله، وإن لم ترَ الخير فيها، فسبحانه وتعالى له حكمة في ذلك. فكن على يقين أنه خير لك، وسلم أمرك لله، وأعلم أن أمره كله خير وسيدهشك بعطائه."
كان جميع الحضور في ذاك الملهى الليلي ينتظرون بشوق فقرة دلال لأداء رقصتها على ضوء تلك الأغاني الصاخبة وتلك الأنوار الخافتة. التفوا حول عدة طاولات مليئة بالخمور تقدمها فتيات يتمالين بأجسادهن طمعًا في الكثير من المال. إنها لحياة قذرة بحق بكل ما تحمله من المعنى.
خرجت دلال فأشار لها متولي على توفيق المنياوي، فارتجفت من هيئته التي تبث الرعب في النفوس، فقد كان طويلًا وعريض المنكبين، أسمر البشرة، أصلع الرأس.
فهمست بخوف:
"منك لله يا متولي هو ده اللي صحته على قده..!! هو آه شكله كبير في السن بس ده لو فتح بوقه بس ياكلني. استرها يا رب، ده أنا غلبانة والراجل شكله مفترٍ."
ثم حاولت التماسك قليلًا لتؤدي عرضها اليومي ولكن ظل التوتر حليفها، فكلما تلاقت عينيها به، وجدته يحدقها بعينيه الغائرتين.
وفي أحد أركان الملهى الليلي تصادف وجود شفيق مع أحد أصدقائه "شادي". أقبل شفيق على الخمر بكثرة مبالغ فيها.
فنهره شادي:
"كفاية كده يا معلم، أنت كده مش هتقدر تروح وهتقع من طولك."
شفيق بتلعثم:
"سيبني يا أخي أفك عن نفسي وأنسى الدنيا."
ثم أخذ يطالع دلال بنظرة شغف ورغبة ولم يشعر بذاته بعد أن أثر الخمر على عقله، فسار إليها وحاوط خصرها بيديه قائلًا:
"كفاية كده دوختيني معاكِ، وتعالي معايا عايزك في كلمتين."
فصرخت دلال وحاولت التخلص من حصار يده ولكنها لم تفلح لقوة بنيته. وانهالت عليه بالسباب والشتائم:
"ابعد عني يا سافل."
ثم أخذت تدور بعينيها حول المكان لتستغيث بمتولي ولكنها لم تراه، فتجمعت الدموع بعينيها وحاولت دفع شفيق بكل قوتها ولكنه شدد من حصارها قائلًا:
"لا أنا مش هسيبك غير لما أخدك معايا يا قمر أنتِ."
فصرخت دلال:
"ابعد عني يا حيوان، فين الزفت الأمن اللي هنا؟"
لتتفاجأ بذلك الرجل المخيف أمامها وقد سدد ضربة قوية إلى عين شفيق، فصرخ على إثرها وابتعد عن دلال.
فنظرت دلال إلى ذلك الرجل ببعض الامتنان الذي يساوره القلق مما سوف يحدث حتى وجدته يقول:
"ادخلي جوه وأنا هحصلك مع متولي."
فصاحت دلال بغضب:
"تدخل فين يا أخينا، يعني أنت تخلصني من واحد، عشان تاخد مكانه، لا كتر خيرك."
وعندما حاولت الالتفات لتغادر أمسك معصمها بقوة ألمتها قائلًا:
"أنا مفيش واحدة تعلي صوتها عليّ، أنتِ فاهمة..!"
احتَل الذعر قلب دلال وهمست:
"أعمل إيه يا ربي، ده راجل عامل زي هركليز يعني البرشام مش هيأثر فيه."
ثم تركها لتسرع إلى غرفتها، أما شادي فأسرع إلى شفيق ليحمله عائدًا به نحو منزله.
حيث كانت تنتظره زينب بفارغ الصبر لتخبره أن زوجته قد أخذها شاهين من المستشفى إلى بيت أبيها ويجب عليه أن يحدثها للعودة بمفردها، وإن لم ترضخ لطلبه يهددها بالزواج عليها. وتذكره أيضًا بوعده من الثأر من تلك اللئيمة أسماء التي تطاولت عليها.
ولكن كل ذلك تطاير في الهواء عندما وجدته يدخل مترنحًا إلى باحة المنزل مستندًا على شادي. وإحدى عينيه مغطاة بشاشة طبية، ففزعت وأسرعت إليه بأقدام واهية حتى وصلت إليه وقالت بلهفة:
"إيه حصلك يا ضنايا..؟"
فطمأنها شادي:
"مفيش يا حجة، هو بس تقل في الشرب حبتين فمشافش قدامه وراح مخبوط في الحيط. فوديته على صيدلية يسعفوه، حاجة بسيطة يعني متقلقيش."
فزفرت زينب بضيق:
"يخربيت المدعوق اللي بتشربوه ده، ربنا يهديك يا شفيق."
شادي:
"طيب معلش ساعديه يوصل على سريره عشان يستريح، عشان أنا اتأخرت أوي على البيت وزمان مراتي محضرة لي محضر."
فضحكت زينب قائلة بخشونة:
"ما تسترجل يا ابني، محضر إيه، اللي مش عاجبها حال جوزها الباب عندها يفوت جمل."
استنكر شادي قولها:
"وألاقي غيرها فين بس يا حجة."
أجابت زينب:
"البنات على قف من يشيل."
شادي:
"هما كتير آه لكن دلوقتي اللي تصون وتستحمل وترضى قليل جدًا وصراحة مراتي رغم كل القرف اللي بعمله ده مستحملاني وبتربي ولادي أحسن تربية. ده أنا مديون لها برقبتي وبتمنى فعلًا أبطل الهطل ده عشان أقدر أعوضها ولو يوم من اللي تعبتها فيه."
أثارت كلماته غيرة زينب، فهي لم تكن تلك الزوجة في يوم من الأيام، وكان حمدي كثير الشكوى منها وتحمل معها الكثير. ولكن سرعان ما عادت لتكبرها وهمست:
"هو كان يطول ياخدني..!! ده جه من الصعيد حافي وإحنا اللي خليناه بني آدم. فأنا كنت كتير عليه وللأسف مقدرش قيمتي بعد كل ده واتجوز عليّ وكان فاكرني نايمة على وداني ومعرفش حاجة."
ثم استأذن شادي، أما هي فحاوطت شفيق بحنو وأخذت تمشي معه حتى أراحته على فراشه فذهب سريعًا في نوم عميق.
فتركته وذهبت إلى حمدي لتتأكد من خلوده للنوم لتنفذ ما اتفقت عليه مع شفيق، فقد كانت تنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر.
حيث ولجت إليه تتسلل على أطراف أصابعها، حتى وقفت بجانبه تتأمل ملامحه عن قرب وهمست:
"لسه ملامحك حلوة وبريئة يا حمدي وصدقني أنا حاولت أحبك زمان مقدرتش. غصبًا عني كان قلبي مشغول بسليمان ولغاية دلوقتي لما بشوفه بحس قلبي هيتنفض من جوه بس هو لغاية دلوقتي لوح تلج وده اللي معذبني وعشان كده لازم أنتقم منه ومش لاقية قصادي غير بناته، بس برضه مهما أعمل فيهم قلبي لسه قايد نار. أعمل إيه تاني عشان أبرد النار اللي في قلبي منه..!"
ثم احتدت نظراتها وتابعت:
"ومش بس هو وأنت كمان لما أهنتني واتجوزت واحدة من الشارع وخلفت منها أحمد الحيلة. وعايزاه يتعلم أحسن علام ويبقى دكتور قد الدنيا وفي الآخر كمان يورث، لا وألف لا، ده خير أبويا أنا ومن حق ولادي وبس."
لتخلل يدها الآثمة إلى صدر حمدي، فتخرج منه الختم، ثم تقوم بختم أوراق التنازل عن كل ما يملكه لكلٍ من شفيق وشاهين.
ولكن حمدي شعر بها وفتح عينيه ليبحلق بها، مندهشًا لجرأتها وكيف وصل بها الحال لأن تسرقه وهو مازال على قيد الحياة، ألا يكفي أنها سرقت حياته وحب عمره.
توترت زينب عندما رأته قد استيقظ ويطالعها بكل هذا الأسى في عينيه، ولكنها لم تعبأ وأكملت ختم كل الأوراق وجاهد هو بكل استطاعته أن يحرك يده التي أثرت بها الصدمة لكي يثنيها عن هذا.
حتى شعرت بقبضة يده على يدها، ففزعت وحاولت التملص من يده ولكنها لم تستطع، لتنظر إليه بحدة قائلة:
"سيب إيدي."
ففتح حمدي فمه محاولًا الصراخ وأخذ يصدر همهمات وأصوات غير مفهومة، فخشيت زينب من افتضاح أمرها، فأخذت تحاول مرارًا وتكرارًا نزع يدها منها والتراجع للوراء وهو متمسك بها بشدة، فتحرك جسده مع الجذب حتى سقط على رأسه بقوة، وصدرت منه تأوهه موجعة ولم يتحرك ساكنًا بعدها.
ففزعت زينب وانحنت لتحركه حتى يعود لوعيه ولكنها فشلت فضربت على صدرها بصدمة:
"حمدي مات، أنا قتلته. قتلت حمدي."
ثم استطردت بهستيرية:
"لااااا إزاي يموت كده بسرعة، قبل ما يتحسر على فلوسه ويتحسر على ابنه لما أطرده في الشارع. أيوه يتحسر عليه زي ما أنا بتحسر كل ما بألاقي نظرة حزن في عينيه عليها بعد اللي عملته فيها عشان حبها. أيوه حبها هي لكن محبنيش أنا. أنا زينب بنت الأكابر... محدش حبني حتى اللي حبيته من قلبي سليمان محبنيش، ولا حتى جوزي حبني وعشت عمري أتعذب بسببهم، عشان كده لازم أعذبهم كلهم."
ثم ألقت عليه نظرة أخيرة قبل أن تتركه وتسرع إلى غرفتها قبل أن يراها أحد. وعندما يكتشفون الأمر سيظنون أن الأمر حدث طبيعيًا، بعد أن سقط من على التخت.
جلست زينب على التخت بأنفاس متسارعة ثم حاوطت الورق بذراعيها لتغلق عينيها ربما ترتاح قليلًا لتهاجمها الأحلام فيما حدث في الماضي.
حين دخل في قلبها الشك من حمدي الذي كان يخرج مبكرًا يوميًا واعتقدت في البداية إنه في محل العطارة. ولكن عندما تكرر خروجه مبكرًا على غير عادته، اتصلت بأحد عيونها هناك فأخبرها إنه ليس متواجد.
فحينها أدركت أن هناك أمر ما يخفيه عنها، لذا قالت له:
"عايزاك من النجمة بكرة تكون واقف في حتة ميشوفكش فيها المعلم وهو نازل ولما تشوفه تمشي وراه من غير ما يحس وتشوفه رايح فين وهيقابل مين وهيقعد قد إيه."
جلال:
"حاضر يا ست زينب، كل اللي تأمري بيه هعمله."
زينب:
"تعيش يا جلال."
وفي تلك الليلة جفاها النوم من التوتر والخوف مما يخفيه حمدي عنها. أما هو فقد نام تلك الليلة وهو قرير العين سعيد ولما لا وهو سيعقد قرانه على حبيبة القلب والروح شمس. لينعم بها في الحلال الطيب.
ليأتي الغد بصدمة لم تكن تتوقعها زينب، فهي توقعت إنه ربما يكون على علاقة عابرة ستنتهي بانتهاء رغبته فيها، لكن أن يستخف بقدرها ويهينها بالزواج من امرأة أخرى فهذا لا تطيقه.
ألقى جلال الصدمة عليها قائلًا:
"المعلم بيكتب كتابه دلوقتي يا ست زينب على واحدة اسمها شمس."
تيبس جسد زينب وارتجفت شفتاها وهي تردد:
"بتقول إيه يا ولا، المعلم بيتجوز عليّ أنا..!!"
جلال:
"أيوه للأسف يا ست الستات، الكلام ده قاله واحد من الجيران وهو نازل من عندهم فكلمته بحسن نية وقلت: إيه ده هو أنا وشي حلو كده، كل ما أدخل بيت أسمع زغاريد. فضحك وقال آه: عقبالك المعلم حمدي بيكتب كتابه على البت شمس، بس وقع واقف البت حتة مهلبية وصغيرة."
وقفت الكلمات في جوف زينب من الصدمة وتجهمت ملامحها وأغلقت الخط دون رد، وأخذت تدور حول نفسها مرددة:
"حمدي يتجوز عليّ أنا، أنا بنت الراجل اللي عمله قيمة وصيت والخير اللي فيه ده كله بسبب أبويا وأنا. للدرجاتي طلعت قليل الأصل يا حمدي ومطمرش فيك اللي عملناه معاك تقوم تتجوز عليّ..!! طيب حتى لو أنت قليل الأصل مفكرتش في عيالك..! إيه الست هانم اللي هتتجوزها قدرت تنسيك عيالك كمان. لا ومش بعيد كمان تجيب لك عيل ويورث ويقاسم خير أبويا مع عيالي."
ثم تداركت ذلك كله ووقفت بشموخ وقالت بصوت يشبه فحيح أفعى:
"لا ده لا يمكن يحصل أبدًا، على جثتي."
ثم تساءلت بحيرة:
"طيب هتعملي إيه يا زينب، تروحي تفضحيه هناك وتجيبيها من شعرها وتخليه يطلقها غصبًا عنه..؟ ولا أعمل إيه..؟"
علم سفيان بما حدث لأخته أشجان فتألم قلبه من أجلها وود أن يلقن بهذا المدعو "شفيق" درسًا لا ينساه وهو لا يمت للرجال بصفة.
فوقف على باب غرفتها واستأذن للدخول ليؤازرها فأذنت له.
فولج للداخل فوجدها بهيئة مزرية لا تكف عن البكاء حتى احمرت عينيها. وقد لف رأسها بشاش طبي ملوث بدمائها، أما عن وجهها فتلون بالزرقة، فتمزق قلبه عليها وقبض على يديه بقوة ليسيطر على غضبه ثم حاول الابتسام رغماً عنه واقترب منها وجلس بجانبها على التخت فقالت أشجان بغصة مريرة ودموعها تنسكب على خديها:
"شفت اللي عمله فيّ شفيق يا سفيان، ده لولا ستر ربنا كنت روحت فيها."
سفيان بحنو:
"بعد الشر عليكِ يا حبيبتي."
ثم عانقها وربت على كتفها قائلًا:
"بس هدي نفسك وكفاية عياط واللي عايزاه أنا هعمله."
ابتعدت أشجان برفق وقالت بتصميم:
"أطلق يا سفيان. أنا خلاص مبقتش عايزاه، كرهته وبقيت أطيق العمى ولا أطيقه هو."
حاول سفيان التخفيف عنها بعض الشيء قائلًا:
"معلش يا حبيبتي، أنتِ بس بتقولي كده عشان زعلانة منه لكن لما تقعدي معانا كام يوم هتحسي إنه وحشك وعايزة تروحي بيتك وعشان عيالك كمان."
فصاحت أشجان بألم:
"لا محدش يقول لي عشان عيالك. عيالي لو اتربوا معاه هيطلعوا مرضى نفسيين، أنا كده بحميهم صدقني."
سفيان بخزي:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يهديه."
فزفرت أشجان بحنق:
"ربنا ياخده."
فعاتبها سفيان:
"عيب يا أشجان ده مهما كان أبو عيالك، عايزة العيال تتيتم، ادعي له بالهداية أحسن."
ثم وقف قائلًا:
"هسيبك تستريحي دلوقتي ومتقلقيش على العيال هيباتوا في شقتي مع سيف."
أشجان بحرج:
"مش عايزة أتعب شهيرة معايا."
نفى سفيان:
"تعبك راحة وهي عمتهم وبتحبهم زي سيف وأكثر."
أشجان بامتنان:
"ربنا يسعدكم مع بعض."
فأخفض سفيان رأسه قائلًا بشجن:
"يا ريت يا أشجان، نفسي أحس إنها بتحبني زي ما بحبها."
اندهشت أشجان:
"إزاي أنا بشوفها بتتعامل معاك كويس أوي."
أغمض سفيان عينيه متألمًا وتابع:
"مهو ده اللي تعبني، إنها بتعمل كل حاجة كواجب مش حب. مش قادرة تنسى إن مرات عمي هي اللي أجبرتها على الجواز وضيعت حلمها إنها تدخل الكلية."
أشجان:
"ياه لسه فاكرة ويعني هما اللي دخلوا كلية عملوا إيه، آخرهم اتجوزوا وقعدوا في البيت برضه. بس المهم اتجوزوا مين.!"
وانت يا أخويا ما فيش زيك.
ابتسم سفيان بوهن قائلًا: المهم قلبها يا أشجان، نفسي أكسبه ومش عارف أعمل إيه أكتر من اللي بأعمله.
فأقترحت عليه أشجان: لو حبك يا سيدي واقف على الكلية، خليها تدخلها وتحقق حلمها وتستحملها في المذاكرة من جديد.
ضيق سفيان عينيه ثم لاحت ابتسامة على شفتيه قائلًا:
_طيب أسيبك دلوقتِ يا حبيبتي.
ثم قبلها بين عينيها وخرج مغادرًا، لتبكي أشجان بمرارة:
_كان نفسي في راجل يحبني ويعاملني زي سفيان ولا حتى زي شاهين، إنما نصيبي جاء في المفتري شفيق ربنا يهديه، وللأسف الفراغ اللي عندي خلاني أبص لأحمد قد إيه هو جميل وحنين ومحترم عكس شفيق خالص، يا بخت اللي هتأخذه.
يا ترى عامل إيه دلوقتِ؟
أنا هأكلم أنهار تنزل تطمئن عليه، وكمان عم حمدي عشان عارفة المفترية زينب منها لله، زمانها في سابع نومة ولا في دماغها جوزها ولا أحمد اللي بتكرهه وهو مش عارف يا حبة عيني ليه.
عشان مش ابنها بس حتى لو مش ابنها مش بيقولوا الأم اللي ربت مش خلفت، لكن نقول إيه قلبها حجر منها لله.
لتتصل بالفعل على أنهار لتجيبها بلهفة: شوشو حبيبتي عاملة إيه دلوقتِ؟
أشجان: الحمد لله طول ما أنا بعيدة عن شفيق وأمه.
أنهار: عندك حق هترتاحي منها يومين.
أشجان: والمحروس شفيق زمانه ما رجعش البيت لحد دلوقتِ، ما أنا عارفاه يحب يتسرمح.
أسماء: لا من شوية رجع فعلًا بس متبهدل وشوفت زينب بتسنده ودخلت به جوه.
أشجان بتهكم: أيوه ما هو حبيب أمه، ربنا يأخذهم في ساعة واحدة.
وقولي لي قبل ما تطلعي شقتك اطمأننتِ على أحمد وعمي أكلوا.
نهتها أسماء بقولها: آه يا حنونة، ما تخليكي في نفسك يا بت ولا لسه برضه اللي في بالك، ارحمي نفسك واتقي الله عشان حرام.
دافعت أشجان عن نفسها: هو شوفتيني عملت حاجة ولا قلت حاجة، ده كله في القلب وغصب عني.
المهم بالله عليكِ، شوفيهم وطمنيني.
أنهار: حاضر هأعشيهم وأنزل أشقر عليهم.
.........
وجدت دلال من يطرق الباب عليها في غرفة الملهى الليلي خلصتها ففزعت لعلمها أنه هو بعد أن أكد اللحاق بها.
فصمتت ولم تأذن له لعله يظن أنها غادرت فيغادر، ولكن وجدته يقتحم الغرفة مع متولي.
فصاحت بهدر: هو فيه إيه!
حد يدخل كده هي تكية من غير بواب.
أشار لها متولي: هدي نفسك يا حبيبتي، وبعدين ده البيه الكبير يدخل ويطلع زي ما هو عايز.
فارتسمت ابتسامة تشفي على ثغر المنياوي قائلًا: يا رب تكوني فهمتِ ويلا عشان أنا مش متعود على السهر كده، حضرتِ نفسك عشان تجيء معي.
تيبست قدماها من الخوف فقالت بثبات زائف: أجيء معكِ فين؟
أنتَ فاكرني إيه، صحيح أنا رقاصة بس بأرقص بشرف.
حاول المنياوي كتم ضحكته بصعوبة ونظر إلى متولي.
فحدقها بغيظ قائلًا: شرف إيه يا أم شرف، مش خلاص البيه اللي قبله قطف الوردة وال بيه الكبير هيتنازل ويقبل بواحدة زيك.
فزوقي عجلِك يا بت من غير كلام، وروحي يلا مع البيه وإلا أنتِ عارفة إيه اللي هيحصل لك أنتِ وأمك.
فاخفضت رأسها بخزي وأخرجت زفيرًا متألمة، وتمنت لو أن يريحها الله من الدنيا بأسرها حتى تستريح من هذا المستنقع التي تعيش به.
ولكن ما بيدها وهي عنقها في يد هذا الظالم متولي.
فأمسكت بحقيبتها وقالت بخفوت:
_جاهزة.
فحاوطها المنياوي بذراعه وخرج بها متجهًا إلى سيارته وأجلسها بجانبه وقاد هو السيارة وانطلق بها نحو قصره في أحد المدن الجديدة، وكلما نظر إليها وجدها تنظر بتيه من النافذة وكأنها في عالم آخر، وعندما حاول أن يلفت انتباهها فوضع يده على فخذها قائلًا:
_الجميل سرحان في إيه؟
فانتفضت دلال على إثر لمسته له فبكت حتى تعالت شهقاتها، فأشفق عليها المنياوي ووقف بجانب الطريق وقال:
_طيب بس بس اهدي وقولي لي مالك؟
دلال وصدرها يعلو ويهبط من البكاء:
_ولو قلت هترحمني وتسيبني في حالي ولا أكيد عايز ثمن اللي دفعته يا بيه.
أدرك المنياوي ما ترمي إليه قائلًا:
_يا بنتي اسمعيني.
تعجبت دلال من تلفظه بتلك الكلمة فرددتها باندهاش:
_بنتك!
المنياوي بحنو: ما تستغربيش، وعشان تستريحي خالص أنا راجل تعبان وما ليش في الحاجات دي.
ثم قال بغصة مريرة: وبسبب كده مراتي طلبت الطلاق وفضحتني، وعشان أكذبها وأحسن من صورتي قدام الناس، عملت نفسي واحد مقطع السمكة وذيلها وكل يوم مع واحدة وصور.
عشان يصدقوا إني كويس وراجل.
يعني ما تخافيش على نفسك معي، بس لي عندك طلب أوعي الكلام اللي بينا يخرج لحد وإلا هأوريكِ الوش الثاني وأوديكِ وراء الشمس.
لم تصدق دلال ما تسمعه أحقًا سينجدها الله للمرة الثانية، لتتذكر أحمد في تلك اللحظة قائلة:
_بركاتك يا مولانا شكلك دعوت لي من قلبك.
لذا صاحت قائلة بفرحة: سرك في بير يا باشا والرجولة مواقف صدقني.
ومراتك معلش ست ناقصة لو كويسة كانت كتمت سرك وانفصلت بالمعروف.
أومأ المنياوي برأسه: أيوه فعلًا، بس معلش هو أنا جايبك من بيتكم!
ده أنتِ لا مؤاخذة رقاصة يعني متعودة على الشغل وكل يوم مع واحد فليه حزينة كده؟
دلال بغصة مريرة: الشغل ده غصبني عليه متولي.
وأقسم لك يا باشا إني عايشة بشرفي ولسه بنت بنوت.
اندهش المنياوي: طيب وبعدين لو أنا عشان تعبان لكن أنتِ كل يوم هتلاقي واحد طمعان فيكِ ومش هيؤثر فيه الدمعتين دول.
حركت دلال رأسها: مش عارفة أعمل إيه، ربنا يأخذك يا متولي.
ففكر المنياوي وقال: خلاص أنا عندي فكرة هتخلصك من الموضوع ده.
وعشان تتنفذ هأدفع لمتولي اللي عايزه بشرط ما يغصبش عليكِ تروحي مع أي حد.
فأمسكت دلال يده وقبلتها بفرحة قائلة:
_تعيش وربنا يسترها معك يا باشا.
المنياوي: ودلوقتِ معلش هنروح الفيلا بتاعتي نصور صورتين حلوين مع بعض عشان أنزلهم على الفيس بس ما تخافيش باحترام يعني عشان برضه مركزي الحساس، بس لزوم الفشخرة قدام صحابي.
فضحكت دلال:
_بس كده عيوني يا محترم.
فذهبت معه والتقطوا بعض الصور يحاوطها بذراعه.
ثم أخرج لها كارت به أرقامه الخاصة لتحدثه وقت ما تشاء إذا احتاجت إليه.
فشكرته دلال ثم استأذنت لتغادر ولكن المنياوي أصر أن تبيت معه تلك الليلة حتى لا يكتشف أمره متولي.
المنياوي: لو رجعتِ على طول متولي هيشك.
فالأحسن تستريحي ساعتين ثلاثة وبعدين هأوصلك بنفسي.
.......
نزلت أنهار بناءً على طلب أشجان للاطمئنان على أحمد وعمها.
فطرقت الباب على أحمد وكان يتلو كتاب الله بصوت شجي يريح القلوب، فأذن لها أحمد.
فولجت قائلة بابتسامة: صوتك حلو أوي يا أحمد.
يا ريت تجمع ولاد أخواتك وتحفظهم وتأخذ عليهم أجر.
أحمد بحبور: يا ريت بأتمنى بس بإذن الله في الإجازة عشان يكون قدامي وقت.
أنهار: طيب تحب أأجيب لك عشاء قبل ما أطلع أنام.
أحمد: لا شكرًا روحي ارتاحي، أنا بأحاول فعلًا أساعد نفسي عشان أقدر في وقت قصير أرجع كليتي.
فدعت له أنهار: ربنا يوفقك يا دكتور أحمد وتشرفنا يا ابن عمي.
أحمد بامتنان: آمين يا رب، بس يا ريت لو سمحتِ تطمنيني على بابا عشان فعلًا مش قادر أدخل له وأشوفه بالحالة دي.
أومأت له أنهار: حاضر هأروح أطمئن عليه وأشوفه لو محتاج حاجة وهاجيء أطمئنك.
شكرها أحمد: متشكر يا بنت عمي، والله أنتِ وأشجان أحن علي من أمي ذات نفسها ربنا يكرمكم يا بنت الأصول.
وعلى ذكر أشجان عاملة إيه دلوقتِ؟
أنهار بحزن: أهي في بيت بابا بتبكي حظها، ربنا يهديك يا شفيق.
وأسيبك أطمئن على عمي وأرجع لك.
وعندما ذهبت إلى غرفته وطرقت الباب ثم دلفت للداخل فوجدته مسطحًا على وجهه في الأرض.
فذعرت وأطلقت صرخة قوية فزع لها كل من في البيت.
عمي، عمي، ألحقني يا شاهين.
تجمد أحمد في مكانه عندما استمع لصرخ أنهار وشعر أن قلبه يكاد أن يتوقف من الخوف.
فتحامل على نفسه وحاول جاهدًا أن يتمسك بأي شيء يساعده على النهوض في محاولة منه للوقوف على إحدى قدميه السليمة ورفع الأخرى التي بها الجبيرة.
أما زينب فقد استمعت إلى صراخ أنهار فأدركت أنها اكتشفت الأمر.
فرسمت على وجهها الجمود وأسرعت إلى غرفة شفيق وبللت وجهه ورأسه بالماء من أجل أن يستفيق.
فقام مذعورًا قائلًا: فيه إيه يا حجة، مش كل شوية تصحيني من النوم كده.
زينب بحدة: معلش يا ابن بطني عشان بس فيه حاجة كده، لازم توقف فيها.
ظهر على وجه شفيق الفزع عندما تطرقت إليه صوت
أنهار الصارخ فقال بذعر: حصل إيه؟
لم يتحرك لزينب جفن وقالت بجمود: ما تتفجعش كده يا ابني، بسيطة أبوك مات.
نختم بدعاء جميل ❤️
"أصلِح لي حالي!
أعِد عليَّ براءة قلبي التي سُلِبَت من مساوئ فِعالي،
الخيرُ منك، والسوءُ صنعتِي أنا.
هذا أنا، طريح العَتَبات، رطبُ الوجنات، عبدُك يا الله!"
ام فاطمة ❤️ روايات شيماء سعيد
•
رواية دلال و الشيخ الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء سعيد
دلال والشيخ
الحلقة الثامنة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.
هل تعلم عزيزي القارئ أنك تحرم نفسك من السعادة ويضيع عمرك هباءً أمام عينيك بسرعة البرق وأنت ما زلت واقفًا في مكانك لا تنظر إلا لما حرمت منه ولا تنظر إلى كل النعم التي بين يديك؟ ولو كنت رضيت بما قسمه الله لك لغشيتك السكينة والسعادة.
عند عودة أسماء من إحدى دروسها التي تتلقاها في الثانوية العامة، استوقفها تميم ابن عمتها.
ابتسمت له أسماء وقالت بدلال:
"إيه يا عمنا في إيه؟ وثبتني كده كأني حرامية."
طالعها تميم بعيون لامعة تسكب عشقًا وحاول إخراج كلماته بصعوبة:
"أنتِ فعلًا حرامية يا أسماء عشان سرقتي قلبي."
دق قلب أسماء بشدة وللحظة ارتجف جسدها، ولكنها حاولت التماسك أمام تلك المشاعر الهوجاء، فهي حقًا تميل إليه أكثر من أحمد ولكن بطبيعتها العملية تختار بعقلها وليس بقلبها. لذا اصطنعت الجمود وقالت:
"قصدك إيه يا تميم؟ أنا مش فاهمة حاجة."
تعجب تميم وتساءل:
"أحقًا لا تشعر بقلبه ولا عينيه التي تمطر حبًا وعشقًا؟"
ولكن كان عليه أن يقطع الشك باليقين ويصارحها بحبه ورغبته في الزواج بها حتى لا تعذبه نار الحب أكثر من ذلك. لذا تفوه بتلك الكلمة التي أخفاها منذ عدة سنوات؛ لأنها حب الطفولة.
"أنا بحبك يا أسماء وقلبي حاسس إنك بتبادليني نفس الشعور من ساعة ما كنا لسه عيال صغيرة."
توترت أسماء من تصريحه المفاجئ ودارت أعينها في كل مكان لا تعلم بما تجيبه. وأعلن قلبها الطوارئ وأوشك على الاستسلام أمامه ويعلن الموافقة، ولكن يأبى عقلها الاستسلام.
لا لا لن تتزوج بميكانيكي وتضحك عليها صديقاتها. نعم فهو ليس أهلًا لها ولا يليق بها وستضع قلبها تحت قدميها حتى تميت ذلك الحب الذي ينبض بين جنبيها. لذا طالعته بجمود قائلة:
"ده كان لعب عيال يا تميم، ودلوقتي احنا كبرنا ومأظنش اللي حاسس بيه ده حقيقي. وصراحة يعني سامحني احنا ما ننفعش لبعض خالص وأنت بالنسبة لي أخ وبس."
تجمد تميم في مكانه واصفر وجهه وقال بصدمة:
"أخ!! أنتِ بتقولي إيه يا أسماء؟ أنتِ كذابة. لو لسانك بيقول كده، لكن عينيكِ بتقول حاجة تانية. أنتِ بتحبيني زي ما بحبك. قوليها يا أسماء أرجوكِ ومتحكميش علي بالإعدام."
فصاحت أسماء دون رحمة:
"قلتلك ما ننفعش لبعض يا تميم حتى لو فكرت فيك في يوم من الأيام. وبص لنفسك كده وأنت تعرف أنا مين وأنت مين؟ أنا بنت سليمان الجمال وأنت ميكانيكي مشحم، سوري يعني ما تزعلش مني."
لم يتحمل تميم تلك الإهانة وشعر أن جسده يتهاوى وقدميه أصبحت كالهلام وبدأ يترنح. ففزعت أسماء وقالت:
"تميم أنت كويس؟ أنا آسفة سامحني."
وعندما حاولت الاقتراب منه لتهدئته ومساعدته، وجدته يبتعد ويشير بيده في وجهها قائلًا بغلظة لم تعهدها منه:
"إياكِ تقربي مني أو تلمسيني يا بنت خالي. وانسى كل اللي قلته كأنه لم يكن، وبتمنالك كل السعادة مع الإنسان اللي يستاهلك. ومش هقدر أقولك غير ربنا يهديلك نفسك بس صدقيني هيجي اليوم اللي تندمي فيه إنك ضيعتيني من إيديكِ بس ساعتها هيكون فات الأوان. سلام يا بنت خالي."
ثم استدار ليطلق لعينيه الإذن بسكب العبرات الحارقة على حب عمره الذي فقده في لحظة.
أما أسماء فوقفت متجمدة تجاهد دموعها ألا تهبط وتحدث نفسها:
"خايفة تكون اللي قلته صح يا تميم. بس صدقني غصب عني، أنا نفسي في حياة تانية خالص وأنت ما تنفعش للأسف."
ولج سفيان إلى غرفته فتخشبت قدماه عندما وجد خليلة القلب ومهجة الروح "شهيرة" تتزين أمام المرآة، وقد أسدلت شعرها الغجري على ظهرها وأخذت تنثر العطر على عنقها وسائر جسدها حتى امتلأت الحجرة برائحتها الندية لتصل إلى أنف سفيان فأسكرته في الحال. فأقترب منها كالمغيب يحاصر خصرها من الخلف بذراعيه، فارتجف جسدها على أثر لمسته.
فردد سفيان بعشق:
"أنا سفيان يا عمري أمنك وأمانك."
ثم دفن رأسه في عنقها يستنشق ريحقها.
فهمست شهيرة بدلال:
"سفيان."
فردد بشوق:
"عيونه."
فتوردت وجنتاها خجلًا، فأمسك سفيان بيدها ليجعلها تستدير وتصبح في مواجهته، ثم لمس أسفل وجهها ليجبرها إلى النظر إليه، ليبحر في عينيها الساحرة ليهمس بعشق:
"بحبك أوي يا شاهي، وكل يوم عن التاني بعشقك أكتر. مش عارف ليه، يمكن عشان بتحلوي كل يوم عن التاني أكتر."
أذابت كلماته ثلوج قلبها ولأول مرة تطالعه بحب بعد أن أدركت قيمته وشعرت كم هي سعيدة معه ولكن بغبائها كانت تنظر دائمًا إلى المفقود فأنساها ذلك الموجود وهو حب زوجها واحترامه له وهذا ما تفقده كثير من الزوجات الآن للأسف.
دق قلب سفيان وتعالت نبضاته حين وجدها تنظر إليه بنظرة عاشقة تمناها طويلًا فاتسعت عيناه بغير تصديق قائلًا:
"شاهي إيه اللي شايفه في عيونك ده إيه؟"
شهيرة بتغنج:
"شايف إيه؟"
سفيان:
"شايف نظرة طول عمري بحلم بيها، وإحساس تاني مختلف معاكِ المرة دي، معقول حصل اللي كنت بدعيه في كل سجدة، حبتيني زي ما بعشق التراب اللي تحت رجليكِ يا شاهي."
فلمعت عين شهيرة بالدموع وقالت بتأثر:
"ياه هو أنا كنت وحشة كده أوي معاك لدرجة إنك تحس إني مش بحبك يا سفيان."
حرك سفيان رأسه بنفي:
"أبدًا عمرك ما كنتِ وحشة معايا بالعكس كنت أجمل وأحن زوجة وأجمل أم. بس بالرغم من كده كنت حزين لإنك بتعملي كده من باب الواجب مش الحب. وكان نفسي يكون بالحب عشان أحسه وأقدر أعبرلك عن اللي جوايا أكتر."
أخفضت شهيرة رأسها ندمًا وتابعت:
"معلش كان غصب عني عشان كان حلمي أكمل تعليمي وأشتغل."
فطالعها سفيان بمكر:
"ولي يحقق ليكِ أمنيتك دي، بس شرط ألاقي النظرة اللي في عيونك دي على طول."
ارتجف جسد شهيرة وقالت بصدمة:
"معقول؟!"
رفع سفيان حاجبيه وتم بتأكيد:
"مش معقول ليه؟ من بكرة أقدم ليكِ في أحسن كلية بالمصاريف. شوفي أنتِ عايزة كلية إيه وأقدملك والشغل موجود، هخليكي مديرة المصنع بحاله عشان تكوني تحت عينيه ديما، لإنك بتوحشيني."
دفعها كلماته إلى أن أحاطت عنقه بحب وهمست بصدق:
"تصور أنا ما كنتش أتصور إني بحبك أوي كده."
فتح سفيان فمه وقال:
"إيه قولتي إيه؟"
توردت وجنتا شهيرة قائلة بحرج:
"وبعدين بقى ما تكسفنيش. مش هعرف أقولها تاني."
فغمزها سفيان بمكر:
"مش لازم تقوليها باللسان تعالي ننفذها عملي."
ليحملها بين يديه إلى التخت، ليبث لها أشواقه وحبه الذي ادخره لتلك اللحظة التي كان ينتظرها منذ سنوات.
وهكذا مرت عليهم أروع اللحظات السعيدة ولم يخرجها منها إلا صوت الصرخات التي كان مصدرها منزل حمدي.
ففزعت شهيرة قائلة:
"باااابا!"
سفيان بتوتر:
"إهدي يا حبيبتي، وخليكِ هنا وأنا هروح أشوف فيه إيه وأجي أطمنك."
لم تتحمل شهيرة الانتظار فسارعت بقولها بتوتر:
"لا أنا هلبس وأجي معاك، أنا قلبي مش مطمن، استر يا رب."
فأسرعت لارتداء ملابسها.
أما أشجان فعندما استمعت لصوت الصراخ ابتسمت قائلة:
"يا رب يكون حصل اللي في بالي ويكون شفيق ولا أمه اللي ماتت."
ولكن عندما خطر على بالها أحمد فزعت وقامت مسرعة قائلة:
"يا مصيبتي ليكونوا عملوا فيه حاجة، لما أقوم أشوف فيه إيه ولو حصل هقلب عليها واطيها وهقول كل حاجة وأوديهم في ستين داهية."
لتنزل مسرعة لتلتقي بشاهين وشهيرة ووالدها ليتجهوا مسرعين نحو منزل حمدي.
زينب:
"بقولك ما تتخضش يا ضنايا ده أبوك اللي مات. بعد ما مضيته على تنازل على ممتلكاته ليك ولأخوك."
فهدأ شفيق وارتسمت الفرحة على ملامحه وتراجع لكي ينام مجددًا قائلًا:
"طب أنا هنام دلوقتي عشان تعبان وأبقى صحيني على العزا بالليل عشان واجب برضه."
فثارت الدماء في عروق زينب وقالت بحدة:
"أنت بتستهبل يا شفيق؟! هو آه غار في داهية، بس مينفعش تنام وتسيب الناس الغريبة هي اللي توقف معانا. قوم يلا اتصل بدكتور الصحة عشان يأكد أنه اتكل على الله."
ثم خفضت صوتها:
"بس اديله قرشين حلوين كده عشان يخلص ويعمل تصريح دفن بعد وفاة طبيعية. بدل ما ندخل في سين وجيم ومين اللي زقه ورزعه في الأرض، خلينا نخلص."
ثم تابعت بسخرية:
"وأكيد مولانا الشيخ أحمد هيشوف حد من اللي بيقولوا قال الله وقال الرسول يغسله."
فابتسم شفيق مؤكدًا:
"أيوه وأنا هصبر عليه لغاية بس ما ناخد العزا وبعدين هطرده من بيتي ويشوف أي خرابة يبات فيها."
لمعت عين زينب بالفرحة:
"ياه كان نفسي في اللحظة دي من زمان. إني أشوفه طالع من البيت ده موطي راسه بعد ما كان رافعها وفاكر نفسه دكتور وهو حتة عيل آخره يدي حقن."
شفيق بغل:
"أيوه يا حجة، ودلوقتي مش هيعرف يكمل كليته عشان الفلوس وهيلف يشتغل ولو حتى زبال عشان يعرف يجيب لقمته."
ليضحك الاثنان ضحكات شيطانية.
زينب:
"ياه دلوقتي بس هدى قلبي، بعد ما أبوك حرق دمي زمان لما اتجوز عليه."
لتشرد قليلًا فيما حدث.
عندما علمت بزواج حمدي من شمس، فأخذت تتساءل ما تفعل هل تذهب وتفسد زواجه منها ولو اضطرت لقتلها أمامه، أم تصمت لتحرقها نار الكبرياء والغرور.
زينب:
"مش عارفة أعمل إيه، بس حتى لو فرقت بينهم وخليته يطلقها وأنا أقدر على ده كويس، هيفضل برضه حاططها في دماغه وممكن يرجعلها تاني من ورايا."
ثم اتسعت عيناها بشر بعد أن طرأت عليها فكرة شيطانية وهي:
"لا أنا هسيبه يتنعم شوية معاها وياخد منها اللي هو عايزه لغاية ما يشبع ويزهق ويرجعلي ندمان."
ثم تراجعت وهمست بخوف:
"بس لو ما شبعش وعرفت تخليه زي الخاتم في صباعها وخلفت منه كمان هتعملي إيه؟ ساعتها يبقى جنت على نفسها وهساوي بيها الأسفلت ومش هتنفع تكون واحدة ست تاني وهاخد اللي هتخلفه منها وهحرق قلبها عليه وهو كمان هيفضل طول عمره مقهور عليها، لأنها هتفضل قدامه بس ما يقدرش يجي جنبها ويتمنى هو بنفسه أن لو كانت ماتت واستريحت كان أحسن."
جزع أحمد من صوت صراخ أنهار، وتفتت قلبه لأشلاء قائلًا بغصة مريرة اجتاحت جوفه:
"بااابا."
فتحامل على جسده وحاول بصعوبة الاعتدال بقدر الإمكان ثم الاستناد على ذلك الطرف البارز في التخت ليستطيع الوقوف ثم هاجمه الدوار ليجد نفسه قد جلس مرة أخرى، فبكى بمرارة قائلًا:
"قوم تاني يا أحمد وحاول، قوم شوف أبوك ماله. أبوك لو جراله حاجة أنت كده انتهيت يا أحمد لأنك من غيره ولا حاجة. هتكون لوحدك حتى لو ليك أم بس كلاب الشارع أحن منها وليك أخ من دمك بس الدم عنده مية."
ثم حاول الوقوف مرة أخرى، حتى وجد صديقه شيكو أمامه ورأى في عينيه ما يخشاه فسقط جالسًا مرة أخرى، يرتجف من الصدمة وأحس بنيران تحرق جوفه. وبخطى ثقيلة كالسلحفاة اقترب منه شيكو بعينين دامعة وقلب يأن حزنًا على هذا الرجل الطيب الذي لم يجد منه كل خير. وحزن أكبر على صديق عمره الذي فقد في لمحة بصر سنده في تلك الدنيا.
"البقية في حياتك يا أحمد، ادعيله يا حبيبي بالرحمة."
فخرجت صرخة من جوف أحمد شقت قلب شيكو:
"لاااااا أبويا ما ماتش، لا هو أكيد تعبان بس وهيفوق تاني. هو وعدني إنه هيفضل جنبي، عشان عارف ما فيش حد حنين عليه غيره، ليه بتكدب علي يا شيكو وتقول مات. لا حرام عليك، أبويا عايش مش هيسيبني وحيد في الدنيا دي، ده أنا أتوه من غيره يا شيكو."
فبكى شيكو وانتحب قائلًا:
"صلي على النبي كده يا صاحبي، واستغفر ربنا، ده أنت حتى مؤمن وعارف إن لكل أجل كتاب، فاسترجع يا صاحبي وربنا يربط على قلبك. وهات موبايلك أطلع رقم الشيخ مصطفى عشان الغسل."
فاسترجع أحمد بقوله:
"إنا لله وإنا إليه راجعون."
ليتمكن الألم من قلبه حتى استمع إلى صراخ شهيرة وهي تنعى والدها:
"هتسيبني لمين يا بابا، ده أنت مش أبويا بس أنت كنت أبويا وأمي وكل حاجة في حياتي يا حبيبي. كنت ديما بتاخدني في حضنك وتطبطب علي، أعمل إيه من غيرك دلوقتي؟"
فبكى أحمد حتى تعالت شهقاته، ونادى بعلو صوته:
"شهيرة."
لتسمعه شهيرة وتخطو إليه مسرعة لكن حين ناظرته بكت وقالت وصدرها يعلو ويهبط:
"بابا مااات يا أحمد، الصدر الحنين راح يا أخويا."
فأشار لها أحمد بعد أن مد له ذراعه، لتسرع إليه شهيرة فاحتضنها وبكى ثم همس:
"بس يا حبيبتي، أومال أنا روحت فين، هيفضل صدري مفتوح ليكِ أي وقت وهفضل في ضهرك طول ما أنا عايش."
شهيرة بنحيب:
"ربنا يخليك لي يا حبيبي، أنا عارفة أنت واخد منه حنيته، بس الفراق صعب أوي."
فبكى أحمد وابتعدت عنه شهيرة، ليشير إلى شيكو:
"ساعدني أشوفه يا شيكو."
ليقوم بمساعدته حتى وصل إليه، فألقى برأسه على صدره وبكى قائلًا:
"حبيبي يا بابا، ما كنتش عارف أن الفراق هيكون بدري كده، ما كنتش خرجت من البيت وقعدت تحت رجلك. هتوحشني أوي يا حبيبي."
كانت أشجان تطالعه من على بعد وتبكي لبكائه وهمست:
"أحول ولا قوة إلا بالله ربنا يتولاك يا أحمد. عندك حق تبكي بدل الدموع دم لأن الراجل ده كان بيحميك من الشياطين اللي هنا ودلوقتي للأسف هيتفتح عليك نار جهنم منهم. ولو أطول أخبيك في قلبي كنت خبيتك لكن للأسف ما فيش في ايدي حاجة يا ابن الناس."
نظرت زينب إلى أشجان بحدة ثم اقتربت منها وقالت بصوت يشبه فحيح الأفعى:
"جيتي يا وش الفقر، من ساعة ما دخلتي بيتنا والفقر مسكه، وصدقتِ تغوري يوم من وشي وش ابني اللي مش طايقك تقومي تيجي تاني."
زفرت أشجان بغصة مريرة:
"الواجب اللي جابني يا مرات عمي وبعدها هرجع لبيت أبويا تاني عشان ترتاحوا من خلقتي."
فهددتها زينب:
"اعمليها يا بت إبتهال وهتلاقي جاب بدالك ست ستك، الظاهر أمك ما عرفتش تربيكِ وأنا هربيكِ من جديد. بس عشان غلاوة عيال الغالي شفيق، ما فيش بيت أبوكِ تاني، ما فيش خروج من هنا غير على قبرك، فعيشي بلقمتك."
فأطلقت أشجان لدموعها العنان، بكل ما أوتيت من قوة، فظنوا إنها حزينة على عمها الراحل ولكنها تبكي نفسها وعمرها الذي ذهب هباءًا مع زوج أناني لا يحب إلا نفسه، وحماة ظالمة تسأل الله أن يصيبها في أعز ما تملك.
أما عفاف والدة تميم فكانت تنزوي بأحد أركان المنزل تبكي على مصابها في أخيها الحنون الذي لم يفتر عن السؤال عنها ومساعدتها على قدر استطاعته. وكانت تتحاشى النظر إلى زينب، لأنها تعلم جيدًا إنها تبغضها وقد أقسمت من ألا تدخل منزلها ولا تجتمع بها ولكنها أحنثت بقسمها بعد موت الغالي، فحضرت من أجل أن تودعه الوداع الأخير بصحبة تميم.
ولكن تلك الحية زينب، تأكلت من فرط الغضب لرؤيتها، فأسرعت إليها وقالت بهسيس:
"إيه جابك هنا يا عفاف، مش قلتلك زمان ساعة اللي حصل مش عايزة أشوف خلقتك ولا تدخليلي بيت، ومنك لأخوكِ من بره بره."
عفاف بقلب ممزق:
"ما هو عشان أخويا جيت أودعه يا أم شفيق. بس قلبي حاسس إن أخويا مات من القهرة منك زي ما قهرتيه زمان على شمس. عملتي فيه إيه يا زينب؟ أنا مش عارفة أنتِ قادرة تاكلي وتنامي إزاي وأنتِ في رقبتك ذنب واحدة غلبانة ما كانش ليها حد غير الغالي الله يرحمه."
كادت مقلتا عين زينب أن تخرجا من شدة الغضب وقالت بحدة:
"ده ذنبها هي يا عفاف، عشان اللي بيجي على زينب، عمره ما يكسب أبدًا. ويلا مش شوفتيه يا أختي، يلا مع ألف سلامة عقبال ما تحصليه."
فرفعت عفاف نظرها للسماء وقالت:
"حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم أنت المنتقم الجبار."
قد علمت بسمة بخبر الوفاة الذي تناقل بسرعة البرق في الحي، فانتهزت تلك الفرصة لتقديم واجب العزاء إلى أحمد في محاولة منه للفت نظره إليها. فذهبت إلى منزلهم تتشح بالسواد، وتحاول جاهدة أن تزرف العبرات باصطناع، فتفاجأت بها أسماء أمامها فجن جنونها وقبضت على معصمها قائلة بهدر:
"أنتِ إيه يا بت اللي جايبك هنا؟"
عاتبتها بسمة:
"فيه إيه يا أسماء، جاية أعمل الواجب فيها حاجة دي؟"
حركت أسماء شفتيها بتهكم:
"واجب إيه يا أم واجب امشي يا بت من هنا. بدل وديني لأجرك من شعرك لغاية الشارع."
صمتت بسمة على أسنانها بغيظ:
"قادرة وتعمليها يا أسماء، بس ده عزا ولو عملتيها هيكون شكلك وحش أوي."
كانت زينب تطالعهم من على بعد، وتوجست أن بينهم شيء، فأرادت أن تعلم ما يحدث حتى تكيد إلى أسماء التي لن تنسى ما فعلت بها. فاقتربت منهم قائلة بحدة:
"صوتكم طالع ليه احنا في عزا ولا خناقة؟"
فبادرت بسمة بقولها:
"ما أنا جاية أعزي يا حجة وأعمل الواجب بس أسماء مش عاجبها وعايزاني امشي."
زينب ببرود:
"ده بيتي وأنا اللي أقول مين يمشي ومين يقعد."
ليخرج أحمد هائمًا من الغرفة بعد أن ودع أبيه مستندًا على شيكو، حتى يبدأ الغسل لأنه لن يتحمل أن يشاهد هذا. فأخذت بسمة تلاحقه بعينيها حتى ولج إلى غرفته. فلاحظت زينب ذلك فأرادت أن تكيد أسماء فقالت:
"بقولك إيه يا بنتي، رجلي مش شيلاني من الحزن، ممكن تروحي عند أحمد تقوليله الدفن هيكون دلوقتي ولا هنستنى للصبح."
لمعت عيون بسمة بعد أن جاءتها الفرصة، فقالت:
"حاضر يا حجة زينب."
فذهبت بسمة مسرعة لتتبعها أسماء تهبد بقدميها الأرض. لتهمس زينب بتشفٍ:
"هتتعاركوا عليه عشان دكتور وابن الجمال. لكن لما يتغير الحال هتتغير النفوس أكيد."
استأذنت بسمة لتدخل على أحمد، فقام لها شيكو ولم ينظر إليها أحمد، فتجهم وجهها وهمست:
"طيب بصلي ولو نظرة واحدة."
شيكو:
"نعم فيه حاجة؟"
بسمة:
"الحاجة بتسأل الدفن امتى دلوقتي ولا الصبح؟"
فهمس أحمد:
"مستعجلة أوي على الدفن، ده أنا ما شوفتش في عيونها حزن ولو حتى دمعة واحدة."
أحمد دون أن ينظر إليها:
"قولي ليها الصبح إن شاء الله عشان نصلي عليه الضهر."
لتعود أسماء حزينة، بعد أن ظنت إنها ستلفت انتباهه، لتخبر زينب التي امتلأ قلبها بالغيظ وهمست:
"لسه هتقعد على قلبي لغاية الصبح يا ابن شمس."
لم تعلم دلال سر تلك الغصة التي اجتاحت قلبها فجأة فرددت:
"آه قلبي وجعني ما أعرفش ليه، أنا ما حسيتش الإحساس ده غير يوم موتة أبويا وبعديها جواز أمي من متولي. بس دلوقتي إيه حصل عشان يجيني؟ يا ترى إيه حصل؟ لما أحاول أنام يمكن أرتاح الساعتين دول شوية قبل ما أروح مع الباشا."
فنامت فداهمتها الأحلام. حين شاهدت أحمد كأنه في صحراء قاحلة، يلهث من شدة العطش وينظر حوله ليعله يجد ما يروي عطشه وكلما سار بخطواته يتهيأ له أن هناك ماء ولكن عندما يصل إليه يجده سراب حتى بلغ الجهد به مبلغه ولم يتحمل أكثر من هذا سقط مغشيًا عليه ينازع الموت، فصرخت دلال:
"أحمد، أحمد."
فاستمع لصوتها المنياوي ففزع وذهب إليها، فوجدها تنازع وهي نائمة، فأيقظها:
"دلال اصحي، أنتِ بتحلمي حلم مزعج. فوقي عشان تعرفي إنه حلم مش حقيقة."
ففتحت دلال عينيها واستمعت لصوت المنياوي فأدركت أنها كانت تحلم به، ولكن في آن الوقت شعرت إن هناك خطب ما به وهذا سر تلك الغصة التي شعرت بها فاغمضت عينيها وهمست:
"يا ترى فيك إيه يا مولانا، حصلك إيه أكتر ما أنت مدشدش كده. أنا حاسة إن السبب في كل ده هي حلاوتك، أول مرة أشوف شيخ كيوت كده يا ناس."
سألها المنياوي:
"دلال هتنامي تاني ولا إيه، لا كفاية قومي عشان أوصلك يلا."
فاعتدلت دلال وأجابت:
"لا يا باشا صحيت خلاص، يلا بينا."
كتب أحمد منشورًا على صفحة التواصل الاجتماعي إن والده قد انتقل إلى رحمة الله وطلب الدعاء له، فانهالت عليه التعليقات من كل حدب وصوب بالدعاء والرحمة. وعندما هم ليغلق الهاتف لاحظ صورة لملامح امرأة يحفظها عن ظهر قلب رغم أنه لم يرها سوى مرة واحدة. واتسعت عيناه بصدمة، جعلت جسده يرتجف، عندما رآها ملتصقة برجل متقدم في العمر يحاوطها بذراعه وقد كتب بتفاخر:
"أعرفكم بصديقتي الجديدة دلال رحبوا بها."
ليشعر بألم في صدره عندما رأى التعليقات التي كتب بها أحدهم:
"كل حلو يليق بالباشا، اللي مشرفنا وعمره ما بيكبر أبدًا."
اكفهرت معالم أحمد وأطلقت عيناه شرارًا حارقًا وقد تلون وجهه بالحمرة وهمس:
"أستغفر الله العظيم، هي وصلت لكده يا دلال؟! وأنا اللي كنت حاسس بالذنب ناحيتك بسبب أسلوبي اللي كان قاسي معاكِ، وفي الآخر أتفاجأ إنك مصاحبة راجل في عمر أبوكِ عشان الفلوس طبعًا. أستغفر الله العظيم، يا ريتك كنتِ سبتيني أموت في الشارع أفضل من إني أشوفك كده، للدرجاتي هان عليكِ نفسك ورميتيها في الطين كده."
ثم تراجع وعاتب ذاته:
"وأنا ليه زعلان كده؟ أنا مالي بيها؟ كل واحد بيتحاسب على نفسه، ومفروض ما أقولش غير ربنا يهديها ويا ريت أقدر أنسى إني قابلتها في يوم من الأيام."
ثم خرج من شروده عندما طرق عليه شيكو الباب، يخبره أن عليهم التحرك الآن استعدادًا لدفن والده. ثم اقترب منه وتبعه أيضًا سفيان لمساعدته على النهوض.
ليبكي أحمد بين أيديهم قائلًا:
"مش قادر أقوم، حاسس إن ضهري خلاص انكسر ومش مصدق أن بابا مات."
آزره سفيان:
"وحد الله يا أحمد، وادعيله بالرحمة. ومتقولش كده، احنا كلنا جنبك وهتخف بإذن الله وترجع توقف على رجليك من تاني."
فردد أحمد بحزن يفتت قلبه:
"لا إله إلا الله محمد رسول الله اللهم صبرًا."
ليتحامل عليهم، ويذهبوا جميعًا إلى المدفن أما زينب فلم تذهب معهم بحجة إنها لن تستطيع أن تراهم يضعوا فوقه التراب ولكن الحقيقة إنها تريد أن تأخذ قسطًا من الراحة قبل أن تبدأ معركتها مع أحمد عندما يعود.
وأثناء خروج شفيق نظر إلى أسماء بطرف عينه وهمس:
"ما كنتش عارف إنها حلوة أوي كده، كنت خدتها بدل بوز النكد أشجان. بس وماله ملحوقة وأنا أولى بيها من الغريب وكمان أرضي أمي وآخد بتارها منها."
انتهى الدفن وعاد الجميع بقلوب وجلة حزينة ما عدا شفيق الذي لم يذرف دمعة واحدة على أبيه. وقام شيكو وسفيان بمساعدة أحمد حتى وصلوا به إلى باب المنزل ومن ثم إلى غرفته. ولكن في تلك اللحظة كانت هناك أعين تنبعث منها براكين الشر. فصاحت بصوت عالي:
"استني عندك أنت وهو."
ارتفعت الأعين إلى زينب في اندهاش، وترقب. فنطق شاهين:
"فيه إيه يا حجة؟"
شفيق بخبث وندالة:
"هتعرف دلوقتي يا شاهين، اتكلمي يا حجة."
كانت أعين أحمد تطالع زينب بتوتر بعد أن حدثه قلبه بأن هناك مصاب أيضًا كبير بعد مصابه في والده. ليصعق عندما بدأت الحديث باسمه.
"أحمد."
فطالعها بقلب وجل، فهو منذ الصغر يهابها ويخشى بطشها. تابعت زينب:
"أنت ما بقاش ليك مكان وسطينا، ولا ليك ورث."
فاتسعت حدقتا أحمد قائلًا بصدمة:
"حضرتك بتقولي إيه يا ماما؟"
فصاحت بغدر كشيطان مارد:
"أنا مش أمك يا أحمد. وأيوه ما لكش مكان وسطينا بعد النهاردة، ولا ورث عشان أبوك قبل ما يموت كتب تنازل عن كل ممتلكاته لشفيق وشاهين."
تدلى فك أحمد للأسفل بصدمة وارتجف قائلًا:
"مش أمي إزاي؟ للدرجاتي وصل كرهك لي إنك تحرميني حتى من كلمة أمي. وإزاي بابا اتنازل عن كل حاجة لشفيق وشاهين؟ وفين طيب شهيرة؟ ده يستحيل!"
زينب بقسوة:
"احنا مش بنورث بنات."
ثم حدقت سفيان بحدة وتابعت:
"عشان الورث ما يروحش لغريب."
صرخ أحمد:
"لا يستحيل بابا يعمل كده، عشان كان عارف شرع ربنا كويس. أكيد يا أمي حضرتك غلطانة."
زينب بوقاحة:
"أنت مش ابني ولا كمان حمدي أبوك. أقولك الحقيقة اللي كنت مخبياها عليك سنين."
فوضع أحمد يده على قلبه، الذي لم يعد يحتمل كل تلك الصدمات المتتالية. ضيقت زينب عينيها وتابعت بهسيس شيطاني:
"أنت ابن حرام. ابن حرام وجابك حمدي من الملجأ عشان ياخد ثواب. وعشان كده ما كانش ينفع تورثه مش من حقك. وكتب الورث للي أحق بيه شفيق وشاهين."
ارتجفت شفتا أحمد عند نطقه:
"أنا إيه؟ ابن حرام؟"
ولم يحتمل الصدمة وسقط مغشيًا عليه بين يدي سفيان وشيكو.
رواية دلال و الشيخ الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء سعيد
دلال والشيخ
الحلقة التاسعة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
أغلقت جميع الأبواب في وجهي ولم أجد سوى بابك يا الله، فارحم ضعيفًا يحتمي بحماك.
لم يحتمل أحمد كل تلك الصدمات التي تعرض لها مرة واحدة، فقد كان منذ لحظات الدكتور أحمد ابن الحسب والنسب، وتغير الحال به لرجل مجهول الهوية ليس له مأوى.
مما أدى إلى انهياره وسقط مغشيًا عليه أمام الجميع.
فصرخ سفيان: أحمد.
ثم حدق زينب بعين مشتعلة من الغضب قائلًا:
_ أنتِ شكلك اتجننتي على كبر يا مرات عمي.
_ إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده..!
مش كفاية حرمتيه هو وشهيرة من الميراث كمان تقولي عليه استغفر الله العظيم، ابن حرام يعني عايزة تموتيه كمان.
بس الظاهر مش هو اللي ابن حرام لكن أنتِ اللي..
فقاطعته زينب بحدة:
_ اخرس يا ابن سليمان، مش عايزة أسمع كلمة واحدة زيادة.
ويلا خد صاحبك واطلعوا يلا من بيتي، في ستين داهية.
تشنجت ملامح شيكو وقبض على يديه من شدة الغضب قائلًا: يلا بينا يا سفيان قبل ما أرتكب جريمة في الست دي.
وساعدني يلا نوديه المحل عندي نفوقه ونحاول نهديه ولو أن النار اللي جواه بعد اللي سمعه عمرها ما هتهدى أبدًا.
رمقه سفيان بنظرة حادة قائلًا: أنت مصدق الولية المجنونة دي ولا إيه..!
أنا متأكد مليون في المية إنه من صلب عمي، لكن صح مش ابنها عشان مفيش أم تعمل في ابنها كده أبدًا.
ومعلش يا شيكو مش هينفع المحل، عشان الناس اللي داخلة واللي طالعة، هنوديه عندنا.
فحملوه وغادروا إلى منزل سفيان.
ليقف شاهين في منتصف الردهة بعد مغادرتهم، متجهم الوجه والدماء تفور في أوردته حتى صاح أخيرًا وهو يطالع والدته وشفيق قائلًا:
_ الكلام اللي سمعته ده صح يا حجة، أحمد مش أخونا؟
فأجابه شفيق على مضض غير مبالي: وأنت يهمك في إيه يا شاهين، المهم دلوقتِ أن الأملاك كلها بتاعتنا وعايزين نقعد أنا وأنت عشان نقسم الشغل.
فخرجت من شاهين ضحكة متهكمة لم تغادر شفتيه قائلًا:
_ نقسم وأبوك لسه جثته مبردتش في التربة.
وأخوك الصغير اللي ياما اتقسمنا معاه اللقمة وإحنا صغيرين، وأحن الناس وأشبه واحد بالحاج الله يرحمه يطرد كده.
لتصيح زينب به بحدة:
_ بقولك إيه يا شاهين، اتعدل ولم الدور وإلا هتشوف مني الوش الثاني وأنت عارفني.
وانسى من اليوم واحد اسمه أحمد خالص ولو عرفت إنك كلمته أو اتوصلت معاه، لا أنت ابني ولا أعرفك.
فأخفض شاهين رأسه بخزي، ولمعت الدموع في عينيه ولم ينطق بحرف آخر بل اتجه إلى شقته.
فتبعته أنهار التي استمعت هي وأشجان إلى كل ما حدث، فانفطر قلبها حزنًا على أحمد الذي لم ترَ منه سوى كل خير.
أما أشجان فشعرت بأن قدميها لم تعد تتحملها، فأخذت تسير كالسلحفاة إلى شقتها حتى وصلت إلى مخدعها وألقت بجسدها عليه همست:
_ يا عيني عليك يا أحمد، هو الطيب كده في الدنيا يا ناس ملوش نصيب.
ثم انفجرت في البكاء قائلة: أعمل إيه دلوقتِ أسكت ومقولش اللي سمعته من الحية زينب عشان ميتخربش بيتي ولا أروح أقوله كل حاجة عشان يعرف أنه ابن حلال.
ولج سفيان بأحمد إلى منزلهم، وعاد إليه وعيه مجددًا، فأسرعت إليه أسماء عند رؤيتهم قائلة:
أحمد، مالك يا ابن عمي؟
فأخفض أحمد رأسه بخزي ولم يجبها، فأجابها سفيان:
أسماء روحي جهزي أوضة الضيوف لأحمد عشان يستريح فيها، عشان مش طايق البيت هناك بعد موت عمي الله يرحمه.
فارتسمت السعادة على وجه أسماء وقالت: بس كده من عينيه.
أشار سفيان إلى أحمد بالجلوس قائلًا:
أقعد يا حبيبي استريح عقبال ما أسماء تجهز الأوضة.
فبكى أحمد وتعالت شهقاته:
استريح..!
هتيجي منين الراحة يا سفيان بعد اللي حصل، ده أنا مش عارف حتى أرفع عيني في عينك ومش عارف قبلت إزاي أجي معاك.
أنا دلوقتي غريب بالنسبة لكم، فهقعد بصفتي إيه؟
تأثر سفيان بحديثه، فحاوط كتفه ورفع وجهه إليه قائلًا بثقة:
أحمد أنت ابن عمي ده حقيقي أوعى تشك لحظة في كده، وأوعى توطي رأسك كده تاني.
أنت أحمد الجمال وهتفضل طول عمرك رأسك مرفوعة.
ووعد مني يا ابن عمي هجيب لك حقك من الشيطانة دي لغاية عندك.
تصاعدت الأدخنة في رأس أحمد وردد بقهر: حسبي الله ونعم الوكيل.
استمع سليمان وابتهال لصوت أحمد فخرجوا مرحبين به بحبور.
سليمان: أحمد ابن الغالي عندنا، نورت بيتك يا حبيبي، ليحتضنه بحب.
لتقول ابتهال: براحة عليك يا حاج عشان تعبان وخليه يقعد يستريح.
فلم يستطع أحمد كبح دموعه وبكى بصوت عال مزق صدر سليمان، فربت على كتفه بقوله:
إيه يا أحمد مش كده، اهدى يا ابني وادعِ له بالرحمة.
أحمد بمرارة أذابت حلقه: ربنا يرحمه، ويتولاني أنا كمان برحمته، ثم أخفض رأسه مرة أخرى.
فصاح سفيان مرة أخرى: مش قلت لك ما توطيش رأسك تاني.
طيب أنا هكلم قدام بابا وماما عشان تسمع منهم وتتأكد إنك ابن عمي، لأنهم أكيد حضروا وقتها وعارفين.
عقد سليمان حاجبيه وتساءل: هو فيه إيه يا ابني، ماله ابن عمك بيتكلم على إيه؟
فطلب منهم سفيان الجلوس ليشرح لهم ما حدث، أما أسماء فكانت تستمع من بعيد بفضول لما يحدث.
سفيان: تصور يا بابا بعد العمر مرات عمي ربنا يجازيها بتقول عمي كتب أملاكه لشفيق وشاهين بس بحجة أن البنت مش بتورث وأن أحمد مش ابنهم وعمي اللي رباه وأنه ابن استغفر الله العظيم ابن حرام.
فتعالت شهقات أحمد بالبكاء وضربت أسماء على صدرها قائلة:
يعني إيه كده هيضيع كل الأحلام اللي اتمناها معاه.
فغضب سليمان وغلت الدماء في عروقه ووقف قائلًا بحدة:
إيه الكلام الفارغ ده!!
مستحيل حمدي يعمل كده أبدًا في أحمد ده كان عينه من جوه وابن حرام إزاي وهو مولود قدام عيني.
ثم صمت للحظات واستطرد بحزن:
بس صح يا ابني جه الأوان تعرف الحقيقة، أنت ابن حمدي آه بس مش من زينب ابن واحدة تانية اسمها شمس اتجوزها أبوك على سنة الله ورسوله.
تأوه أحمد بألم ولكنه حمد الله بعد علم أنه جاء نتيجة زواج وليس سفاح.
ليتساءل بحزن مزق قلبه:
طيب ليه ما تربتش مع أمي؟
واتربيت عند زينب ربنا يسامحها اللي طول عمرها معذباني وفعلاً عمري ما حسيت إنها أمي ولا مرة خدتني في حضنها ولا طبطبت عليّ.
وليه أصلاً بابا اتجوز على زينب؟
وأمي فين عايشة ولا ميتة؟
ولو عايشة ليه سابتني ورمتني في العذاب عند زينب؟
لمعت عين سليمان بالدموع على ذكر شمس، فقال:
يا ابني أمك ولا هي عايشة ولا هي ميتة.
فحدقه أحمد باندهاش قائلًا: إزاي ده، يعني إيه ولا هي عايشة ولا ميتة؟
فحاولت ابتهال بلع الغصة المريرة التي اجتاحت حلقها وقالت: يعني يا ابني، مش دريانة بحالها.
ثم صمتت للحظة وتابعت بأسى: عقلها عقل أطفال يا حبة عيني، وزينب السبب.
وعشان كده أبوك أخدك يربيك مع أخواتك وحاول بكل الطرق يعوضك عن حنان الأم فكان ليك أب وأم في نفس الوقت.
بس للأسف من كتر حنيته عليك، ده خلى زينب تكرهك أكتر وأكتر لأنها عارفة ومتأكدة إنه بيعمل كده عشانها، عشان شمس اللي حبها ومحبش غيرها.
فقبض أحمد على يديه بغضب وتلون عينيه بالحمرة وازداد وجهه قتامة.
لاحظ ذلك سفيان فربت على يديه بحنو قائلًا:
هون عليك يا غالي، ده قدر ربنا ومصير الظالم ياخد جزاءه.
فصاح أحمد وقد بلغ به الغضب مبلغه:
إزاي عملت فيها كده؟
وفين هي أمي، أوعى تقولوا إنها في مستشفى المجانين.
نفى سليمان: لا يا ابني، أمك في الحفظ والصون عند عمتك عفاف من سنين.
كتر خيرها والله عمتك دي ليها الجنة والله من سنين طويلة بتراعيها كأنها طفلة صغيرة مهما كبرت في السن، بتأكلها وتشربها وتحميها.
صراحة تعبت أوي، وعملت ده كله من حبها لأبوك الله يرحمه وهو صراحة كان بيعزها أوي ولو طلبت نجمة من السما كان يجيب لها.
أخرجت ابتهال تنهيدة مؤلمة من جوفها ثم تابعت بحزن: أنا يا ابني هاحكي لك اللي حصل بالضبط.
أبوك الله يرحمه لما اتجوز شمس كان فرحان أوي وحس أن ربنا عوضه عن جحود زينب معاه.
وكان يا حبة عيني بيروح لها في السر خطاطيف كده عشان زينب ما تحسش بحاجة وصراحة شمس كانت مقدرة وعمرها ما زعلت.
وكانت تقول له: المهم أشوفك ولو لحظة واحدة.
بس القدر يا ابني والمكتوب وما كانوش يعرفوا إن زينب عارفة كل حاجة، ومستنية اللحظة اللي تنتقم فيها منهم هما الاثنين.
واستنت لغاية ما عرفت إن شمس ولدت، عشان تحرق قلبها عليك يا ابني ومش بس كده تحرق قلب أبوك عليها كمان.
فلاش باك
ضم حمدي طفله أحمد إلى صدره وقبله من جبينه بحب، فطالعته شمس بعشق وقالت بدلال: أنا على فكرة ما غيرتش من مراتك زينب اللي واخدة كل وقتك على قد ما غيرت من أحمد ابنك ده اللي بقيت تقضي الساعة الوحيدة اللي بتشوفني فيها معاه تدلع وتبوس فيه كأن ده أول عيل ليك يا حمدي.
وإظاهر أنا كده راحت عليّ بدري بدري.
فابتسم حمدي ووضع أحمد برفق في فراشه، ثم سار نحوها وأحاط خصرها بيديه وقال بحب:
أنت بتغيري عليّ من ابنك يا ست الستات، ده أنا باحبه الحب ده كله عشان بس حتة منك أنت.
حاوطت شمس عنقه وهمست بحب: أيوه بغير عليك حتى من الهوا، أنا باحبك أوي يا حمدي، أنت بالنسبة لي كل حياتي وأماني وسندي.
أخرج حمدي تنهيدة حارة وقال بعشق: مش عارف أقول إيه بعد الكلمتين الحلوين دول غير إني عايز هالحين نخاوي أحمد ونجيب له أخت صغيرة كده تلعب معاه وساعتها أفضى لك يا جميل.
فتعالت ضحكات شمس مرددة: هو أنا لحقت!!
لا وبنت كمان يعني عايزني أجيب لنفسي ضرة، لا كفاية زينب.
فزفر حمدي بضيق: تاني مرة تكرري اسمها يا شمس واسمها لوحده بيعصبني.
أرجوكِ بلاش تجيبي لي سيرتها أنا بأجي هنا عشان أنساها وأنسى الدنيا كلها معاكِ يا شمس.
فعانقته شمس فشدد هو من عناقها ثم ابتعد ونظر إلى ساعته وتبدلت ملامح وجهه للحزن قائلًا:
للأسف الوقت جرى بينا بسرعة زي أي لحظة حلوة بتعدي ولازم أنزل حالًا أشوف شغلي.
عقدت شمس حاجبيها وقالت بتأفف: بالسرعة دي يا حمدي، أنت لحقت؟
حمدي: معلش يا حبيبتي، بكرة إن شاء الله أحاول أجي لك بدري عن كده شوية.
ودلوقتي لازم أنزل، ومش هوصيكِ ها ما تفتحيش الباب غير للحاجة فوزية وبس.
أومأت شمس: حاضر يا حبيبي، في أمان الله.
ليغادر حمدي ولا يعلم أنها تلك المرة الأخيرة التي يرى بها شمس في حالتها الطبيعية.
حيث كانت زينب تراقب المنزل ومعها امرأتان استأجرتهما بالمال، وعندما رأت حمدي قد غادر أمامها والبسمة لا تفارق شفتيه، قتلتها الغيرة.
فقالت بصوت يشبه فحيح الأفعى: يلا يا نسوان.
وزي ما قلت لكم أنا مش عايزاها تموت، أنا عايزة يتمنوا موتها لما يشوفوها قدامهم لا بتصد ولا بترد ومخها يطير.
يعني تكتروا الضرب على دماغها لغاية ما تنسى هي مين وتتهبل.
لم يتحمل أحمد ما سمعه فشعر بدوار يجتاحه وأمسك برأسه كأنه غير مصدق ما حدث له وود أن لو كان هذا حلمًا ويستيقظ منه ويجد أبيه ما زال على قيد الحياة.
فصاح سليمان مشيرًا إلى ابتهال: كفاية كده عليه النهاردة يا ابتهال وبعدين نكمل له اللي حصل.
فأغمض أحمد عينيه بألم عندما تذكر تلك السيدة التي كان يخاف منها وهو صغير عند عمته بسبب أفعالها الجنونية ويخشى الاقتراب منها وعندما كانت عمته تقول له:
تعال يا أحمد ما تخفش سلم عليها مش هتعمل لك حاجة، دي بتحبك والله يا ابني أوي.
ولكنه كان يرفض ويبتعد عنها، فضرب جبهته عندما تذكر ذلك وقال:
يعني أمي هي الست اللي كنت باخاف أقرب منها وأنا صغير، وكنت باستغرب من بابا لما كان يقعد جنبها ويعيط.
ولما أسأله بتعيط ليه يا بابا بيقول أصلها صعبانة عليّ والغريب إنه كان بيوصيني عليها وبأكون مستغرب عشان إيه؟!
أتاريها أمي وأنا مش عارف.
لتهمس أسماء بعدما استمعت لحديثهم:
يا مصيبتي يعني بقى على الحديدة وكمان طلعت أمه مجنونة، لا خلاص كده في داهية وخلي الست بسمة تشربه بالهنا.
حاول أحمد النهوض قائلًا بغصة مريرة اجتاحت حلقه:
أنا محتاج أشوف أمي دلوقتي.
فنظر سليمان إلى سفيان وأومأ برأسه قائلًا:
ساعده يا سفيان يروح.
ثم أشار إلى أحمد: يا ابني بس لازم تدرك أنها مش في وعيها، فما تحملهاش حاجة فوق طاقتها ولا تحاول تكلم معاها لأنها مش هتفهمك.
أخفض أحمد رأسه متألمًا قائلًا بحزن: فاهم.
فساعده سفيان وسار به إلى منزل عمته الذي لا يبتعد كثيرًا عن منزلهم.
كنت أعتقد أن شياطين الجن هم أشد بأسًا على الإنسان ولكني أكتشف عندما تعاملت مع شياطين الإنس إنهم أخطر وأشد بأسًا على بعضهم البعض.
وضع شفيق يده على رأسه متألمًا وقال: أنا حاسس راسي هتتفرتك، أنا طالع استريح محتاج أنام بعد العكننة دي كلها.
عايزة حاجة يا حجة؟
زينب بتعب وإرهاق: ومين سمعك يا ضنايا، أنا كمان مش قادرة أفتح عينيّ وهادخل استريح بعد ما أخيرًا خلصت من الهم اللي كان طابق على نفسي العمر كله.
شفيق: بس أنا برضه مضايق، عشان سفيان خده عندهم، كان نفسي يبات في الشارع وما يلقيش حد يطبطب عليه.
زينب بغل:
آه ما أنا عارفة عمك سليمان وسفيان طالع له قلبهم حنين، بس يغوروا بيه المهم احنا خلصنا منه.
بس ما تقلقش لو استحملوه يوم مش هيستحملوه الثاني.
بس اللي مزعلني أخوك شاهين، مش طالع زيك قلبه من حديد والسبب مراته لإنه مش حكمها ومدلعها زيادة عن اللزوم، بس أنا مش هاسكت وهاكسر لها دماغها بت ابتهال.
وأنت برضه عشان مراتك حالها مش عاجبني، ده غير لسانها الطويل اللي بتعرف ترد بيه دلوقتي.
فثار شفيق وقال بحدة: لا ده أنا أقص لها يا حجة.
بت هي فاكرة نفسها واحدة ست ولا إيه، دي على جزمتي.
وأنا طالع أهو أربيها عشان أنام مرتاح.
ابتسمت زينب بتشفٍ: تعيش يا سيد الرجالة، يخليك ليّ.
ليصعد شفيق إلى شقته، فاستمع إلى صوت شهقات أشجان وهمساتها وهي تقول:
قطعت قلبي عليك يا أحمد، منهم لله الظلمة.
فجن جنون شفيق وخرجت من عينيه أسهم نارية من شأنها تحرق الأخضر واليابس، فولج إليها كشيطان مارد وعندما رأته على تلك الهيئة فزعت وتراجعت للوراء.
فصاح بحدة:
صعبان عليكِ مين يا بنت الكلب ومين اللي ظلمه.
أنا هاوريكِ مين الظلمة بحق وحقيقي، عشان يصعب عليكِ أوي ابن شمس المجنونة، آه ما أنتِ مجنونة زييه.
ثم انقض عليها يفترسها وجذبها من شعرها حتى كاد أن ينتزعه من رأسها، لتصرخ أشجان: آاااه.
سيبني يا شفيق حرام عليك.
شفيق بغضب: أنتِ لسه شفتي حاجة، ده أنا هاوريكِ النجوم في عز الظهر.
ثم بدأ يركلها بقدميه حتى إنها سمعت صوت لأضلعها وهي تتمزق، ولم يكتفِ بذاك بل حملها إلى التخت ومزق ملابسها واعتدى عليها بوحشية كأنها ليست زوجته.
لتنهمر دموع القهر والألم من عينيها ودعت الله أن يأخذها إليه لكي يرحمها من هذا العذاب الذي تعيش به.
وعندما انتهى منها ولاها ظهره ونام في لمحة بصر، لتطالعه بازدراء وهمست:
إلهي تنام ما تقوم يا مفترٍ، منك لله أنت وأمك.
ثم حاولت الاعتدال بصعوبة، لتتجه إلى المرحاض حيث حوض الاستحمام لتزيل آثاره ورائحته على جسدها وهي تبكي بمرارة.
جلست أنهار في غرفتها حزينة على ما حدث لهذا الشاب الخلوق الذي لم ترَ منه سوى كل خير.
لا حول ولا قوة إلا بالله ربنا معاك يا أحمد يا أطيب خلق الله وربنا يجيب لك حقك منها مهما طال الزمن.
ولج شاهين إلى غرفته مهمومًا وكسى وجهه الحزن، فخفق قلب أنهار وسارعت إليه وجذبت يده برفق وأجلسته بجانبها وهمست بلين:
وحد الله يا شاهين ما تعملش في نفسك كده، كلنا هنموت، ربنا يبارك لنا في عمرك.
فأخرج شاهين زفيرًا حارًا معبأً بالهموم قائلًا:
بابا مات وارتاح من هموم الدنيا وهو دلوقتي مع الأحَن من الكل يا أنهار، لكن أنا انكتب عليّ أعيش الهم طول عمري، ثم لمعت عينيه بطبقة كريستالية واستطرد بحزن:
مش عارف أعمل إيه يا أنهار في اللي حصل لأحمد ده ولا كان على بال ولا نية، دبريني لو عندك حل.
بس أقول لك لا ما تتكلميش عشان الحل أنا عارفه وزي كل مرة مش بأقدر أفتح بوقي بكلمة.
أنا حاسس إني بقيت وحش أوي يا أنهار، وخايف من حساب ربنا بس مش بإيدي، مش قادر أقف في وش أمي ولا شفيق.
لو عملت أي حاجة هيحرموني من خير أبويا وهنتشرد أنا وأنتِ والعيال.
عشان كده لازم أسكت، لازم أسكت.
فربتت أنهار على كتفه بحنو وقالت بهدوء ينافي النار التي في جوفها:
سيبهم لله يا شاهين، ربنا مش بيسيب وكل واحد هياخد جزاءه.
بس أنتِ اعملي اللي يخلصك من ربنا في الدرى من غير ما يحسوا.
تعجب شاهين واستفسر: إزاي، قصدك إيه؟
أنهار: يعني أنت عارف ومتأكد أن أحمد أخوك وشقيقك ومش ابن حرام زي ما أمك بتقول.
شاهين: آه طبعًا عمري ما فكرت في كده ولو لحظة أنه مش أخويا.
أنهار: يبقى ما تقطعيش علاقتك بيه، لأن الأخ سند ولو هو ضعيف دلوقتي ومحتاجك جنبه وأنتِ هتساعديه عشان الدم اللي بينكم، هو ربنا هيكرمه في يوم من الأيام ويكون سند ليك، وربنا ما يحوجك لحد يا حبيبي.
فحاوط شاهين يديه بوجهها وقربها منه ولثم ثغرها بقبلة ثم قال:
أنا مش عارف من غيرك كنت عملت إيه ولا استحملت القسوة بتاعة أمي وشفيق إزاي.
ربنا يحفظك ليّ يا حبيبتي، أنتِ بنت أصول وياما شفتي من أمي واستحملتي.
طالعته أنهار بحب قائلة: كل شيء يهون فدى نظرة حب من عيونك الحلوة دي.
ولكن سرعان ما أخفضت رأسها بحزن ولمعت في عينيها الدموع، فلامس شاهين وجهها بحب ورفعه برفق وقال بحنو:
ماله الجميل مكان كويس؟
أنهار بغصة مريرة: صعبان عليّ أختي أوي يا شاهين، على قد ما أنا ربنا كرمني بيك وشفت السعادة معاك وعشان كده استحملت مرات عمي لكن هي يا قلبي مستحملة العذاب من الاثنين وخصوصًا شفيق اللي ما خلاش في جسمها حتة مش مزرقة من الضرب.
فزفر شاهين بضيق: هاقول لك إيه بس يا أنهار، والله فعلًا قلبي بيتقطع عليها دي بنت عمي وأختي، لكن للأسف شفيق ما لوش كبير وأمي هي اللي مقوياه، وربنا كبير وقادر يهديه.
اتصل أحد الزبائن على تميم.
إيه يا هندسة فينك، قافل الورشة وأنا محتاجك ضروري العربية عطلانة وجبتها لعندك بالزق.
تميم: معلش والله حالة وفاة وما فتحتش، بس حاضر هاطلع أفتح عشان عيونك.
وعندما فتح الباب ليخرج وأغلقه من ورائه وجد تقى بنت جارتهم أمامه.
فحمحم بحرج ثم تغافل عنها واتجه إلى طريقه.
لتستوقفه هي بقولها: تميم.
فوقف على مضض واستدار إليها قائلًا بحنق: نعم في حاجة؟
شعرت تقى بالحرج من أسلوبه الحاد منها، فبكى قلبها الذي يحبه قبل عينيها وارتجفت شفتاها مرددة:
ليه يا تميم بتعاملني كده، حرام عليك والله.
وأنت عارف إني بأحبـ...ك.
فقاطعها تميم: ما تكمليش يا بنت الناس وألزَمي حدودك، الله يكرمك.
وما تعشميش نفسك، قلت لك قبل كده مية مرة، أنك زي أختي.
فما تعذبيش نفسك وتعذبيني معاكِ.
تقى بغصة مريرة: كان عندي أمل إنك تحبني يا تميم.
ثم اقتربت منه وحدقت بملامحه الرجولية التي تعشقها وهمست بألم يجتاح جوارحها: لسه بتحبها رغم أنها مش حاسة بيك؟
ارتبك تميم وتلعثم: هي مين؟
أنتِ بتقولي إيه؟
تقى: بأقول اللي شايفاه في عيونك لما تشوفيها.
أسماء بنت خالك.
بس يا ترى هي بتحبك زي ما أنت بتحبها؟
فصاح تميم بغضب: لا أنتِ شكلك اتجننتي وكمان دي حاجة ما تخصكيش.
بأقول لك إيه أنا مش فاضي ووراي شغل.
سلام.
ليتركها تبكي على جراحها وحب لا أمل له، أما هو فوقف يزيل دموعه هو الآخر من ذلك الجرح الذي قلبه من حبيبة عمره أسماء التي فضلت السلطة والمال عن الحب.
آاااه من قلبي اللي عذبني بسببك يا أسماء، وخلاني ما بقتش شايف أي حد غيرك وللأسف صعبان عليّ تقى هي كمان بتتعذب زيي، بس مش قادر غصبًا عني.
لإني هاظلمها معايا طول ما قلبي لسه بيحبك بس للأسف أنتِ ما تستاهليش الحب ده.
انتظر متولي دلال بلهفة وعلى مضض، بعد أن أقسم إنه لن يدعها تلك المرة من بين يديه حتى يأخذ منها ما يريد، فهو أحق بها من غيره.
قام المنياوي بتوصيل دلال إلى المنزل وعندما توقفت السيارة أمام المنزل التفتت له دلال تودعه بامتنان:
مش عارفة أشكرك إزاي يا باشا، غير إني أدعي لك ربنا يبعد عنك ولاد الحرام ويشفيك عشان تقدر تستمتع بحياتك بس بالحلال.
ابتسم المنياوي ولكن ابتسامة مغلفة بألم وأمن على دعائها:
يا رب يا دولي.
وزي ما قلت لك لو احتجتي أي حاجة ما تنسيش تتصلي بيّ.
دلال: أكيد يا باشا، تسلم لي.
ثم أخرج من جيبه مبلغ آخر وناوله لها قائلًا:
خدي دول وهاتي كل اللي نفسك فيه، وما تخافيش من متولي مش هيقدر يجبرك تروحي مع حد تاني وأنا هاعوضه بالفلوس.
دلال: الله يسترها معاك يا باشا.
كان متولي يراقب هذا المشهد من النافذة وعندما همت بمغادرة السيارة أسرع إلى غرفتها، واختبأ أسفل التخت وفي يده سلاح أبيض حتى يجعلها تستسلم له بسهولة.
ولجت أخيرًا دلال إلى شقتها وذهبت مسرعة إلى والدتها لتطمئن عليها فوجدتها ما زالت نائمة، فاكتفت بقبلة على جبينها وتركتها لتسير إلى غرفتها وهي تتثاءب لرغبتها في النوم.
ثم بدأت في تبديل ملابسها وذلك الذئب يختلس النظر إليها بعيون وقحة ورغبة.
لتلقي نفسها على التخت وتعلق عينيها سريعًا لتنعم بقسط من الراحة، ولكن شغلها التفكير في هذا الشيخ الذي لم يغب عن مخيلتها ولو لحظة، فتنهدت وهمست:
يا ترى عامل إيه يا مولانا، ويا ترى لسه فاكرني زي ما أنا فكراك ومش قادرة أنساك يا عسل أنت ولا نسيتني.
لا أوعى تنساني، ياااه لو يجمعني الحظ وأشوفك تاني، تبقى أمي داعية لي.
آه منك يا مولانا، تصور حاسة إنك وحشتني ما اعرفش ليه.
مع إن وشك كان كشري وبوزك شبرين معايا بس برضه كنت زي القمر، يخربيت حلاوتك.
وبينما هي شاردة في أحمد، شعرت بيد تتحسس جسدها بوقاحة، فارتجف جسدها وفتحت عينيها بفزع وشعرت أن الهواء بدأ ينفذ من حلقها وأوشكت على الاختناق عندما شعرت بأنفاس هذا الشيطان الساخنة تلفح وجهها.
متولي بصوت يشبه فحيح الأفعى: لا اهدئي كده يا دولي، وما تخافيش يا بت أنا بأقدر الجمال وهتلاقيني حنين أوي، ثم غمزها واستطرد: يمكن أكتر من الباشا كمان.
فصاحت دلال بغضب: ابعد عني يا وقح، ابعد وإلا هالم عليك الناس وتبقى فضيحتك بجلاجل وهاوديك في ستين داهية.
متولي بخبث: وإيه الدليل يا قطة، ما أنتِ مقضياها ومعاي صور تثبت، اشمعنى أنا يعني.
دلال: آه يا سافل، ابعد عني وإلا وديني أنا هاشرب من دمك يا متولي لو لمستني.
متولي بتهكم: لا خوفتيني يا قطة، ليخرج سلاحه الأبيض ويضعه على عنقها قائلًا: لو اتنفستي بس هاكون مخلص عليكِ وبعدها برضه هاعمل اللي أنا عايزه.
ليبدأ ذلك الشيطان في نزع عنها ذلك القميص القطني، وعندما حاولت الصراخ، فبادرها بقبلة طويلة، فنفرت منه دلال وقامت بالاسترجاع على الفور في وجهه وعلى ملابسه.
فانتفض متولي وقام عنها قائلًا بحدة: آه يا بت الكلب يا مقرفة.
بس والله ما أنا سايبك برضه، ثم قام بمسح وجهه وخلع عنه سريعًا قميصه، فانتهزت دلال تلك الفرصة لتركض لخارج الغرفة هربًا منه، ولكنه أسرع من ورائها ودفعها على الأرض، فسقطت على وجهها وصرخت، ثم انحنى إليها ليتم ما يريد وهو يهددها بذلك السلاح وحين اقترب من مبتغاه، اتسعت عين دلال بفزع وصرخت صرخة مدوية.
لتجد متولي قد سقط بجسده عليها، وشعرت بسائل لزج على صدرها، فنظرت فوجدته دماءً.
لتنظر لأعلى لتجد والدتها هي من فعلت ذلك به، عندما ضربته على رأسه بآلة حادة جعلت الدماء تفور منه.
فأبعدته دلال عنها وقفت تحتضن أمها قائلة:
أمي حبيبتي، أخيرًا قدرتي توقفي على رجلك تاني.
فبكت والدتها: ربنا اللي قدرني عشان أمنع الشيطان ده عنك يا بنتي.
سامحيني يا بنتي أنا السبب في ده كله، فقبلت رأسها دلال بحب واحتضنتها قائلة: ما تقوليش كده يا حبيبتي ده نصيب.
ثم ابتعدت ونظرت إلى متولي الغارق في دمائه، فارتجفت قائلة:
هانعمل إيه في المصيبة دي، ده كده هانروح في داهية يا أمي، يعني مش كفاية أذانا وهو حي، كمان أذانا وهو ميت.
رواية دلال و الشيخ الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء سعيد
دلال والشيخ
الحلقة العاشرة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
في رئَةِ كلِّ امرأةٍ أكسجينُ رجلٍ واحد، هو من يختار نوعه إن أراد أن يكون شهيقًا أم زفيرًا.
تمزَّق قلب تقى بعد رفض تميم محاولاتها في التقرب منه، وانهالت دموعها على وجهها وهمست بنحيب:
كده يا تميم تكسر قلبي اللي بيحبك، وعشان مين؟ أسماء اللي بتلعب بالبيضة والحجر.
بس صدقني هتندم عشان عمرك ما هتلاقي قلب زي قلبي اللي بيحبك.
لتعلو شهقاتها، فرأفت بحالها عفاف التي استمعت لحوارهما منذ البداية.
وهمست: خسارة يا تميم، البنت فعلًا بتحبك، وصراحة أخلاق وأنا مربياها على إيدي، وطيبة وهبلة عشان تعترفلك بحبها كده، وأنت أهبل برده وترفضها.
عشان قلبك متعلق بأسماء، بس أسماء متنفعكش عشان دلوعة وشايفة نفسها، وعارفة كويس إنها عمرها ما هتبصلك عشان عينيها دايماً بتبص لفوق.
ففتحت الباب وطلعت تقى بحزن، ولكن تقى عندما رأتها استدارت خجلًا أن ترى دموعها.
عفاف: إزيك يا تقى؟
تقى بخفوت: الحمد لله يا خالتي.
عفاف بنصح: يا بنتي عايزة أقولك نصيحة، منة هتتقبليها؟
فأزالت تقى دموعها والتفتت لها قائلة بحزن يمزق قلبها: آه طبعًا يا خالتي.
اقتربت منها عفاف وربتت على كتفها بحنو وقالت: مين يا بنتي اللي بإيده القلوب؟
تقى: سبحانه وتعالى يا خالتي.
عفاف: عليكِ نور يا بنتي.
عشان كده نكلم ربنا سبحانه وتعالى مش العبد، ونسلم أمرنا لله، ولو فيه خير قادر ربنا يغير القلب في لحظة ويكرمك باللي بتتمنيه.
تقى بحرج: خالتي أنتِ فاهمة..؟
ابتسمت عفاف وأكدت: عارفة وحاسه بيكِ يا بنتي، وبقول يا رب أنا كمان ينور بصيرته يا بنتي، لأن لو لف الدنيا كلها مش هيلاقي زيك.
لمعت عين تقى وابتسمت واحتضنت عفاف قائلة: تعيشي يا خالتي وربنا يطمن قلبك، وأنا هعمل بنصيحتك، مش هكلمه تاني وهكلم ربنا سبحانه وتعالى في كل سجدة يكون من نصيبي.
...
اختيار واحد خاطئ كفيل أن يحول حياتك إلى جحيم.
ارتجفت دلال من تلك الدماء التي تفور من رأس متولي، وعلمت أنه هالك لا محالة.
دلال: ده شكله مات يا ماما وهنروح في ستين داهية، يعني حي ميت بيأذينا، نروح ونيجي منين دلوقتي؟!
إحنا لازم نهرب يا ماما حالًا وبسرعة، أنا هدخل ألم هدومنا.
وعندما بدأت دلال التحرك جذبتها والدتها من معصمها قائلة بحقيقة مؤكدة:
مفيش هروب من المكتوب يا بنتي.
وهنهرب نروح فين بس، وإحنا لينا حد؟ وحتى لو لينا مين هيتحملنا وهنعيش إزاي؟
أنا لازم أسلم نفسي.
فصرخت دلال: لا يا أمي، مش هتستحملي قرف السجن وأنتِ صحتك تعبانة.
وإن كان ولا بد يبقى أنا اللي أسلم نفسي، أنا كده كده حياتي ضايعة.
تحسرت عليها والدتها وقالت: لا يا بنتي يستحيل تضيعي عمرك وأنتِ لسه في عز شبابك، وكفاية اللي ضاع منك كده.
أنا اللي هتحمل، ده ذنبي وياريت كنت عملت كده من زمان.
وبوصيكِ بنفسك يا دلال، وخلاص بعد موت الظالم ده مفيش شغل كبريهات تاني، واشتغلي أي شغلانة حلال لغاية ما ربنا يكرمك براجل صالح يحبك ويقدرك يا بنتي.
فبكت دلال بقدر الألم الذي عاشته واحتضنت والدتها التي على وشك خسارتها، فكيف ستعيش بدونها وهي كل عائلتها؟
ابتعدت والدتها قائلة: يلا يا بنتي اتصلي بالبوليس قبل ما ريحته تطلع الكلب ده.
ارتجفت يد دلال وهي تحاول الاتصال ثم نظرت إلى والدتها بارتباك قائلة:
مش هاين عليّ يا ماما.
فجذبته منها قائلة: خايبة زي أمك، هاتي أنا هتصل.
فاتصلت بين دموع دلال التي لم تتوقف، خوفًا عليها أن يصيبها مكروه بين غيبات السجن.
لتأتي الشرطة مع سيارة الإسعاف لنقل جثة متولي إلى المشرحة.
ظهر الفزع والرعب على وجه دلال حين سألها الضابط:
مين فيكم اللي قتله؟
ولا أنتم مشتركين مع بعض في الجريمة؟
تعلثمت دلال: أناااا...
لتسرع والدتها في الإجابة بثبات:
أنا يا باشا اللي قتلته، ولو رجعت الدنيا تاني بيه هقتله تاني وتالت.
حدقها الضابط بنظرات ثاقبة مستفهمًا:
ممكن أفهم إيه السبب؟
فسارعت دلال بقولها: أمي كانت بتدافع عني يا باشا عشان كان عايز يعتدي عليّ.
فأكدت الأم: أيوه يا باشا كان عايز يعتدي على بنتي، ده غير اللي عمله معايا زمان.
كان بيلف ورايا في الريحة والجاية بعد ما عرف إن جوزي مات، وأنا كنت بصده في الأول، بس بعد كده ضعفت لما قالي بحبك وعايزك في الحلال وبنتك في عينيه، وأنا صدقته وعديت أهلي بسببه، وأتاريه اتجوزني طمع في ورث جوزي الله يرحمه، وخده لنفسه بعد ما عملت ليه توكيل.
وبعدها رماني سنين مكنتش لاقية أكل فيها، ولو عيش حاف أسد بيه جوعي وجوع بنتي.
وطلعت ساعتها أشتغل في البيوت عشان آكل بنتي وأجيب لها كل اللي هي عايزاه.
وقعدت كده سنين يا باشا لغاية ما نسيته، وفجأة معرفش اتحدف عليّ من أي ناحية.
ورجع رسم عليّ نفس الأسطوانة وإنه ندمان، وكانت لحظة شيطان، وأنا لسه بحبك وعشان تصدقيني.
الورق ده فيها تنازل مني عن الورث اللي أخدته منك ومش محتاج عشان يرجعلك إلا إمضة منك.
ففرحت يا باشا ورحت ماضية من غير ما أعرف الورق ده فيه إيه، عشان لا مؤاخذة مش بعرف أقرأ ولا أكتب.
ومضيت، وأتاري بين الورق كمبيالات يا باشا عشان يخليني أشغل البت بعد ما كبرت واحلوت في عينيه غصب في الكباريه، وخيرني يا الشغل يا الحبس.
فاضطريت أوافق غصبًا عني، وكل يوم كانت بتنزل كنت بحط إيدي على قلبي عشان ترجعلي سليمة.
لكن يجي في الآخر كمان ويضيع مستقبلها، لا يا باشا.
يبقى الموت أهون، عشان كده قتلته فاحبسوني ولا اعدموني مش فارقة، المهم بنتي تعيش.
فنظر لها الضابط بشفقة وهمس: قلب الأم في النهاية بيغلب.
ولو بإيدي كنت سبتك، لكن للأسف لازم العدالة تاخد مجراها وتتحبسي على ذمة التحقيق.
فتم القبض عليها بين صرخات دلال التي لا تنتهي، حتى كاد قلبها أن يتوقف خوفًا عليها.
ثم تذكرت المنياوي فولجت للداخل واتصلت به على وجه السرعة.
أجاب المنياوي ساخرًا:
مش معقول لحقتِ أوحشك يا دولي.
دلال بلهفة: إلحقني يا باشا، أمي قتلت متولي لما حاول يعتدي عليّ، والبوليس خدها دلوقتي ومش عارفة أعمل إيه.
إلحقني بالله عليك أنا خايفة أمي تروح مني، ده أنا مليش غيرها.
فحاول تهدئتها بقوله: طيب اهدي بس وفهميني حصل إيه بالضبط عشان أعرف أتصرف، وخدوها قسم إيه، وأنا هبعت ليها محامي حالًا.
ومتخافيش هتتحل بإذن الله.
دلال: يا رب يا باشا، إن شاء الله يخليك وميوقعكش في ضيقة أبدًا.
ثم بدأت تقص عليه منذ دخولها إلى المنزل وما فعله متولي حتى ضربه من قبل والدتها ومجيء الشرطة والقبض عليها وترحيلها إلى قسم المنيرة.
المنياوي: تمام متقلقيش، الموضوع بسيط وحتى لو خدت حكم هيكون بسيط عشان ده كان دفاع عن النفس.
دلال: ربنا يطمنك يا باشا، بس الله يخليك عايزة أشوفها وأطمن عليها.
منياوي: هكلم المحامي الأول وهو هيتابع القضية ويطلب زيارة في أقرب فرصة إن شاء الله.
...
كانت خطوات أحمد في الطريق إلى والدته ثقيلة محملة بالهموم، فكيف له أن يكتشف في هذا العمر أن زينب ليست بوالدته وإنما هي شمس.
تلك التي غاب عنها عقلها بسبب زينب، لمجرد أنها فعلت ما لم تستطع هي فعله، وأمدته بالحب والحنو والرعاية التي افتقدها مع زينب فكان جزاؤها في النهاية الجنون.
طرق سفيان باب عمته، لتسارع في فتحه، فابتسمت بوهن، والحزن يملأ وجهها وقالت بحبور:
أهلًا يا حبايبي اتفضلوا.
فولجوا للداخل، فقابلهم تميم فرحب بهم.
وقام بمساعدة أحمد على الجلوس، ثم بدأ بملاحظة عينيه التي بدأت تدور حول المكان يبحث عنها.
فنظر تميم إلى والدته، التي حركت رأسها بعدم فهم.
ليقطع الصمت سفيان قائلًا:
عمتي...
أحمد عرف النهاردة من مرات عمي الحقيقة وإنه ابن شمس، وعشان كده إحنا جينا عشان يشوفها.
ومش بس كده، دي حرمته من الميراث كمان هو وشهيرة.
بحلقت عفاف بعينيها ثم صاحت بغضب:
ولية قادرة طول عمرها! منها لله. هقول إيه حسبنا الله ونعم، ربنا ينتقم منها.
ثم طالعت أحمد بحنو وقالت بهدوء:
يااااه يا أحمد يا ابني، على قد ما كنت قلقانة من اليوم اللي تعرف فيه إن مش زينب اللي أمك وشمس اللي أمك، على قد ما كنت بأتمناه، عارف ليه؟
لمعت عين أحمد بالدموع وسأل:
ليه يا عمتي؟ وهي فين؟ مش سامع صوتها زي زمان لما كنت بأجيلك.
عفاف:
عشان أنت الحاجة الوحيدة اللي شمس عارفاك، دونًا عن كل الناس وعن أي حاجة أصلاً. هي غايبة عن الدنيا وكأن في عينيها سواد، وأنت بس شعاع النور الوحيد في عينيها، ومش بتردد غير اسمك من ساعة اللي حصل، ما فيش على لسانها غير: أحمد، أحمد. رغم إنها مش مدركة إنك ابنها أوي، لكن إحساس الأم بيغلب رغم كل اللي هي فيه.
فحاول أحمد الوقوف، فأسرع تميم لمساعدته، رغم ما يخفيه بداخله فهو غريمه في قلب أسماء، ولكن رغم ذلك يعلم أنه ليس له دخل في ذلك لإنه يدرك أخلاق أحمد جيدًا. ويكاد يجزم إنه لا يراها لإنه يخفض عينيه دائمًا عنها، ويعلم أن سر انجذابها له هو مكانته لكن هو مجرد عامل في ورشة.
ناشده أحمد برجاء:
عايز أشوفها أرجوك.
تفهم تميم ولكن حذره بقوله:
حاضر يا أحمد، هأدخلك بس أرجوك تماسك شوية خصوصًا قدامها عشان حالتها بتسوء، وبتأذي نفسها لما بتشوف حد بيبكي قدامها.
فأومأ له أحمد رغم إدراكه جيدًا أنه لن يستطيع السيطرة على أعصابه.
فوقف سفيان حتى لا يتركه في هذا الموقف بمفرده ولكنه وجده يشير إليه بالجلوس قائلًا:
معلش يا سفيان خليك أنت مرتاح، أنا محتاج أكون معاها لوحدي.
فأطبق سفيان على شفتيه وحرك رأسه بتفهم وأومأ له وجلس.
ليخطو أحمد مع تميم للداخل حتى وصل إلى باب غرفتها، ففتح الباب تميم.
وأطل أحمد برأسه ليرى ملاكه الغائب عنه من سنوات تجلس على التخت تلاعب عروسة صغيرة، وتضمها مرة لصدرها ثم تبعدها وتقبلها.
ثم تارة تضحك بصوت عالي ومرة تبكي، وكل ذلك في آن واحد.
فتمزق قلب أحمد إلى أشلاء وشعر بمرارة في جوفه وأخذ يقترب منها وجاهد في إخراج صوته وقال بحنو:
أمي.
فرفعت بصرها إليه وأخذت تحدق به كثيرًا، ثم وجدها تبتسم فابتسم لها واقترب أكثر من وجهها ولكنها فاجأته بأن نبشت بأظافرها وجهه ثم صرخت، فأغمض أحمد عينيه بألم ولم يستطع السيطرة على نفسه فبكى وتعالت شهقاته.
فوجدها تهمس باسمه:
أحمد أحمد.
فعانقها أحمد وأخذ يربت على ظهرها حتى شعر بثقل رأسها على كتفه.
فاندهش تميم وعلق بقوله:
معقول ده؟ أنا مش مصدق إنها نامت على كتفك يا أحمد، دي مش بتنام غير كل يوم ساعة أو ساعتين في اليوم وبالمهدئ كمان. لكن تنام كده لوحدها زي ما تكون صح حست بيك وارتاحت لما حضنتها. رغم اللي عملته في الأول بس مش عارف معناه إيه ومتزعلش لإنها مش في وعيها.
ابتعد أحمد عنها برفق ودموعه لا تتوقف، واضعًا يده حول ظهرها كي لا تسقط منه وهي نائمة ثم وضعها برفق على التخت ودثرها جيدًا وطبع قبلة دافئة على جبينها.
ثم اعتدل واقفًا ونظر إلى تميم:
بس أنا عارف عملت كده ليه.
فطالعه تميم بدهشة.
فاستطرد أحمد:
هي عرفتني بقلبها وكانت عايزة تحس إني بجد قدامها وتلمس وشي وتتأكد إني موجود، فضغطت بزيادة ودون وعي منها إنها بتأذيني، وعشان كده بكت لما شافتني انجرحت.
فابتسم تميم ورد:
فعلاً احتمال كبير ده اللي حصل فعلاً. ويلا تعال ارتاح بره شوية، عشان نعرف نتكلم ونسيبها تنام ترتاح.
فخرج معه أحمد وجلس بصعوبة ثم صاح بانفعال وعين يتطاير منها الشر وقال مشيرًا إلى عمته:
ممكن تحكي لي إزاي ده حصل؟ لإني ممكن أسكت على ميراثي تشبع بيه، لكن مش هأسكت أبدًا عن حق أمي وأنا شايفها قدامي بالمنظر ده.
حدثته عفاف بتريث:
يا ابني هدي نفسك مش كده. وانتقام إيه اللي بتقول عليه ده يا شيخ أحمد؟ هتروح تقتلها ولا تسلط عليها بلطجية زي ما عملت مع أمك؟ هو أنت بتاع كده وتودي نفسك في داهية؟ لا يا شيخ أحمد أنت بتاع ربنا يا حبيبي، واللي مع ربنا عمره ما يخيب أبدًا وبيكون متأكد إن ربنا هينصره على اللي ظلمه مهما طال الوقت، وهيشوف بعينيه حقه بيترد له بس الصبر يا ابني، وفات كتير وأظن قرب وقت رد الدين لأن لما تحس إنها ضاقت أوي كده، تعرف إن الفرج قريب. وأقرب مثال وقت الفجر الدنيا بتبقى مضلمة أوي بزيادة وشوية وتلاقي الدنيا بدأت تنور واحدة واحدة. يا ابني أنا بأفهمك على قدي لكن أنت فاهم أحسن مني ومتعلم ومتنور ولا إيه يا دكتور؟
أزال أحمد تلك العبرات العالقة في أهدابه وقال:
ونعم بالله يا عمتي، وأنا عارف كل ده ومؤمن بيه، بس لما شفتها قدامي ما قدرتش أتحمل.
عفاف:
قدرها يا ابني وربنا هيعوضها في الجنة. دي يا بختها والله، ده أنا بأحسدها هتروح نظيفة لربنا ومش هتتحاسب زينا.
فانشرح صدر أحمد وردد:
الحمد لله على كل حال.
عفاف:
أيوه كده يا دكتور، هو ما فيش غير إننا نحمد ربنا وهو هيراضينا.
أخفض أحمد رأسه بانكسار وقال بخفوت:
بطلوا تقولوا يا دكتور، لأن خلاص ما بقاش ينفع أكمل بعد اللي حصل.
صدم سفيان من حديثه وعاتبه:
أنت بتقول إيه يا أحمد؟ ليه مش هتنفع تكمل وتتخلى عن حلمك وتعب السنين لغاية ما وصلت؟
لمعت عين أحمد بالدموع وبرر ذلك بقوله:
النصيب يا سفيان ومش بإيدي، الكلية عايزة مصاريف كتير وأنا دلوقتِ زي ما أنت عارف مش حيلتي غير الهدوم اللي عليّ.
سفيان:
أنت بتقول إيه يا أحمد وأنا رحت فين؟ ده أنت قبل ما تكون ابن عمي، أنت أخويا وصاحبي.
نظر له أحمد بامتنان وقال:
عارف بس سامحني، مش هأقدر أقبل ولو جنيه واحد من أي حد. والحاجة الوحيدة اللي تقدروا تساعدوني فيها من النهاردة أو معلش كمان أسبوعين كده تتحملوني أكون فكيت الجبس، إني أشتغل أي حاجة في المحل عندكم أو المصنع.
فعارضه سفيان:
المحلات والمصنع تحت أمرك يا أحمد، بس ما يهونش عليّ تسيب كليتك.
قاطعه أحمد:
أرجوك يا سفيان ده قرار نهائي مش عايز حد يرجعني فيه، وأنا وقتي كله هيكون للشغل وبس.
ليكون له ما يريد وبالفعل بدأ العمل في أحد محلات عمه لقطع غيارات السيارات بعدما تعافى جسده وخلع عنه ما يقيده.
وهكذا بدأ أحمد مشواره من الصفر وكأنه لم يكن ابن الجمال، الرجل الثري الذي تربى في حجره منعم ولكن هكذا هو حال الدنيا. وصدق قوله تعالى (كل يوم هو في شأن).
وهذا التغير في حياة أحمد جعل أسماء تصرف النظر عنه وأصبحت لا تبالي به بعد أن تجرد من ماله ومكانته كطبيب وأصبح مجرد عامل. وليست هي فقط بل أيضًا بسمة التي كانت تريده من أجل ماله ومكانته انصرفت عن التفكير به.
أما دلال فجلست وحيدة تبكي كل ليلة على والدتها التي تم الحكم عليها بسنتين وهذا كان حكم مخفف بسبب الدفاع عن النفس.
وبعدين يا دلال هتفضلي حاطة إيديك على خدك كده؟ والفلوس اللي معاك قربت تخلص، طيب هتعملي إيه وتأكلي وتشربي وتعيشي إزاي؟ لازم تنزلي تدوري على شغل حلال من بكرة، بس هأشتغل إيه أنا ما اعرفش أعمل حاجة. بس آه أشتغل أي حاجة إن شاء الله أخدم في البيوت المهم بالحلال. أيوه دي أسهل حاجة أعملها، وهأفتح كده الفيس وأكتب في أي مجموعة إني محتاجة شغل.
وعندما فتحت أحد المجموعات الخاصة بالوظائف وجدت منشور يطلب به أحد الأشخاص:
(محتاج آنسة متفرغة بالنهار لرعاية سيدة مريضة طريحة الفراش بمبلغ شهري ****).
وترك رقم هاتفه للاتصال.
قرأت دلال منشوره فظهر على وجهها الفرحة قائلة:
حلوة أوي الشغلانة دي، وأهو ست كبيرة زي أمي آخد فيها ثواب. لما أتصل بيه. ألوووو حضرتك كنت كتبت إعلان عشان الست الوالدة.
آدم:
أيوه فعلاً.
دلال:
أنا عندي استعداد، أقدر أجي أمتى؟
آدم:
تمام بس ممكن أتعرف على اسم حضرتك الأول.
فأجابت:
اسمي دلال.
آدم:
تمام، هنتظرك الساعة تسعة الصبح وياريت ما تتأخريش عشان ميعاد شغلي والشغل لغاية الساعة سبعة بالليل يعني حضرتك هتكوني يوميًا من الساعة تسعة لغاية سبعة تمام.
دلال:
تمام حضرتك.
ثم أغلق الخط، لتتنفس دلال بهدوء قائلة:
يارب يطلع ابن ناس وصادق عشان أنا بقيت بأخاف من خيالي.
قامت ابتهال بالنداء على أسماء لتساعدها قليلاً في ترتيب المنزل.
يا أسماء، أنتِ يا آخرة صبري.
فجاءت أسماء مسرعة قائلة:
نعم يا ماما.
ابتهال:
بأقولك يا سمسمة، ادخلي يا بنتي نظفي أوضة أحمد. فرصة وهو في الشغل، عشان مش قادرة ظهري وجعني، ولما تخلصي تعالي ساعديني في الطبيخ.
عقدت أسماء حاجبيها وقالت بتذمر:
وأنا مالي بأوضة حضرته؟ ما ينظفها بنفسه، مش كفاية قاعد شارب وأكل عندنا.
ذمت ابتهال شفتيها وعاتبتها:
عيب يا بنتي، ده ابن عمك وراجل شقيان وتعبان طول النهار وكمان عنده عزة نفس ما فيش زيها. تصوري صمم يدفع جزء من مهيته نظير الأكل والشرب معانا.
أسماء باستهزاء:
لا نزيه أوي.
رفعت ابتهال حاجبيها بتعجب وسألتها:
فيه إيه يا أسماء؟ مالك مش طايقاه كده؟! مش ده أحمد اللي كنتِ هتموتي عليه وكسفتي ابن عمتك اللي كان بيحبك بسببه.
رفعت أسماء أنفها وقالت بتكبر:
ده كان زمان، دلوقتِ خلاص، ما بقاش يلزمني.
أخرجت ابتهال زفيرًا حارًا وتابعت:
ليه كده يا بنتي؟ مرة تميم ومرة أحمد اللي لو لفيتِ الدنيا كلها مش هتلاقي زيهم. يا بنتي البطران آخره قطران، خديها مني نصيحة.
تأففت أسماء وقالت باستياء:
يووه وأنا إيه ذنبي آخد حد أقل مني؟ واحد ميكانيكي وواحد بعد ما كان دكتور بقى صبي في محل.
فسخرت منها ابتهال:
وأنتِ يعني يا شملولة إيه؟! ده أنتِ دي تالت سنة ليكِ في الثانوية العامة ومش باين لها برضه نجاح السنة دي عشان مخك جزمة.
عقدت أسماء حاجبيها وضربت الأرض بقدميها قائلة:
كده يا ماما؟ لا أنا هأنجح السنة دي وهأدخل الكلية وبكرة تقولي أسماء قالت.
ابتهال:
لما نشوف، بس خشي انجري يلا نظفي الأوضة زي ما قلت لك.
فسارت أسماء رغمًا عنها إلى الغرفة وفتحتها، لتجدها تنبعث منها رائحة جميلة وكل شيء مرتب في مكانه ونظيفة.
فتعجبت وقامت بالنداء على والدتها التي ابتسمت حين رؤية الغرفة هكذا وقالت:
ما شاء الله عليك يا أحمد، إنسان جميل في كل حاجة ونظيف حتى عنك، ده أوضتك أنتِ مقلب زبالة.
ولج شفيق إلى والدته فاستدارت بوجهها عنه، فتقدم منها قائلًا:
الحاجة زعلانة مني ولا إيه؟ لا أنا ما أقدرش على كده.
زينب بحدة:
ما تقدرش على كده! أومال نسيت اللي عملته فيّ بنت ابتهال وقلت هأعمل وأسوي ولا عملت حاجة ولا أخذت بتاري منها.
شفيق:
لا ما نسيتش بس كنت مستني اللحظة المناسبة. وأهي جت، بوز النكد أشجان وهي وأختها نازلين مع العيال يجيبوا لبس جديد عشان الشتا داخل. والبيت هيفضى علينا وساعتها هتصل بيها وأقول لها إني اتخنقت مع أشجان وهي مصممة تسيب البيت وياريت تيجي تهديها عشان خاطر العيال.
حركت زينب رأسها مستطردة بتهكم:
_وهي هتصدق؟ دي بت مخها يوزن بلد، وممكن تتصل بأختها عشان تتأكد.
شفيق: لا مش هتعرف تتصل أكمني حدفتها بيها ودشدشته، خسارة يا ريت دماغها اللي دشدشت مش التليفون وخلصت.
وهتصدق متقلقيش.
زينب: لما نشوف.
وفعلًا بعد خروج الأختين اتصل بها شفيق.
لترد أسماء بفتور:
_خير يا جوز أختي عملت إيه تاني؟
شفيق: أنا برده؟ ده أنا طيب وأعجبك يا قمر، بس هي أشجان اللي مش عارفة تفهمني وعشان كده بتعصب ومن غير ما أقصد بمد إيدي عليها.
بس خلاص آخر مرة بس هي مصممة تسيب البيت، يعجبك كده تخرب البيت؟ طيب والعيال؟
أسماء بحنق: مهو من عمايلك السودة.
شفيق برجاء مصطنع: صدقيني أنا خلاص توبت وآخر مرة وعشان كده بكلمك عشان خاطر عيال أختك، تعالي كلميها وحنني قلبها عليا شوية.
أسماء: ومع إنك متستهلش، بس عشان خاطر العيال، هاجي وأمري لله.
شفيق بمكر: في انتظارك يا سمسم.
وهكذا وقعت أسماء في المصيدة بسهولة ولم يأتِ في إدراكها أي مكر أو خيانة، لذا صدقته على الفور واتجهت إلى منزلهم.
ليفتح لها ويرحب بها بحبور قائلًا:
_ أهلًا ببنت عمي الغالية، ادخلي يا قمر.
فولجت أسماء للداخل وقالت:
فين أشجان أمال والعيال مش سامعة صوت.
شفيق: بتلبسهم ومصممة تمشي، هدخل أعرفها إنك هنا.
ثم ولج للمطبخ وأحضر عصير ووضع به منوم ثم خرج به وقدمه لها قائلًا:
_خدي بلّي ريقك عشان تقدري تكلمي معاها عشان ريقك هينشف.
فأخذت أسماء العصير وقربته من فمها وارتشفت بعضًا منه لتشعر بثقل في رأسها ثم بدأ يختفي النور من أمامها ويحل مكانه السواد لتذهب في عالم آخر وشفيق ينظر إليها بمكر ويتطلع إلى كل إنش في جسدها برغبة وما أن ذهبت عن الوعي حتى حملها ودلف بها للداخل ووضعها على التخت برفق وأخذ يقبلها بلهفة ويده تزيل كل عائق بينهما.
لمعت عين شفيق من الرغبة: إيه الجمال ده؟ ده أنا ياما شوفت بس أنتِ حاجة تانية، حاجة مرسومة بحلاوة زيادة.
ليصل إلى مبتغاه ليتركها بعد أن رأى بعينيه آثار عفتها على الفراش، ليبتسم قائلًا: أحلى تار خدته في حياتي ده ولا إيه.
آه يا أسماء ده أنتِ طلعتي حتة جاتوه حلو ميتشبعش منه.
.........
استقل أحمد أحد الموصلات العامة من أجل الذهاب للمحل الذي يعمل به.
وجلس يذكر الله طوال الطريق قائلًا الباقيات الصالحات:
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
حتى وجد من تشير إليه من مركبة كانت بجانبه ......
.....