تجمدت رحمة وارتعشت يدها ثم شهقت بصدمة حين وقع نظرها على كاسر مرددة: "أخوي.... إنت.... إنت لسه عايش؟ نظرت بعينين مجنونتين نحو فرات ثم صرخت: "هي السبب... هي السبب يا أخوي فرات! السبب في كل حاجة! خدت مني إخواتي.. خدت أدهم! هي تستاهل تموت مش أنا! وما إن أنهت كلماتها حتى كانت فرات تنهض ببطء، تتكئ على حافة السرير، وجهها شاحب لكن عينيها تشتعلان بالغضب. ثم فجأة صرخت: "أنا هاقتلك يا رحمة... هاقتلك!
وخطت نحوها خطوة قوية ثم صفعتها صفعة عنيفة على وجهها جعلت رأس رحمة ينحرف بعنف. وفي لحظة خاطفة سحبت فرات المسدس من يدها وثبتته في وجهها. فـ شهقت روح بقوة وهتفت بانكسار: "لأ يا فرات بالله عليكي… سيبيها.. هي هتاخد عقابها.. متضيعيش نفسك.. انتي الحق كله معاكي والله.. بلاش تعملي أكده أبوس إيدك! لكن فرات كانت تهتف بغضب: "لأ... لازم تموت.... أنا هاقتلك يا رحمة....
إنتي مسيبتيش غير الشر لكل اللي حواليكي.. اللي زيك لازم يموت ونخلص منه! صرخت رحمة بمرارة ودموعها تنهمر: "إنتي اللي خونتيني.... خونتيني مع جوزي! إنتي اللي لازم تموتي مش أنا.. يا أخوي اجتلها... اجتلها هي خاينة! وفجأة ارتفع صوت أدهم بغضب عاصف وهو يتقدم نحوها مردفاً: "محصلش.... أنا اللي حبيتها جوايا… وهي أول ما عرفت جالتلي إنها بتحبني بس عمرها ما قربت مني.... وجالتلي إنها هتسيب الشغل عشان متاخدنيش منك...
انتي المريضة يا رحمة مش هي... هي حتى محاولتش تتكلم معايا نص كلمة والله! اقترب كاسر بسرعة ووجهه محتقن وهتف: "نزلي السلاح يا فرات… سيبيها تتحاسب.... إحنا مش زيها... بلاش تضيعي نفسك أكتر من أكده! وانضم إليهم رائف قائلاً بحزم: "الشرطة جاية يا فرات … وهي هتاخد عقابها سيبيها هي في جميع الحالات ميته يبقى بلاش انتي اللي تتحاسبي على موتها! لكن فرات هزت رأسها بعنف والدموع تملأ عينيها وصرخت: "لأ.....
دي سرقت عمري كله عشان أكده لازم آخد عمرها! وفي لحظة خاطفة ضغطت زناد المسدس لكن روح قفزت أمامها صارخة: "لأ يا فرات! وانطلقت الرصاصة تخترق ذراعها فتراجعت خطوة وهي تتأوه من الألم… ووقع السلاح من يد فرات وهي ترتجف والذعر يجتاحها. وفي اللحظة ذاتها انفتح الباب بقوة، ودخل رجال الشرطة مسرعين. فصرخت فرات وهي ترتعش وهتفت: "لا… روح.. قومي بالله عليكي أنا آسفة... أنا آسفة والله العظيم!
بينما كانت روح تمسك ذراعها المصابة وتتراجع قليلا كان كاسر وأدهم ورائف يندفعون نحوها وهتف كاسر بلهفة: "انتي كويسة... روح… كلميني بالله عليكي جولي أي حاجة.. يا حكيم.. يا حكيم حد ييجي بسرعة! أومأت روح وهي بالكاد تتنفس ودماؤها تنساب من ذراعها قائلة بتعب: "أنا كويسة… مكنش ينفع أسيبها تضيع نفسها… كانت هتضيع نفسها بإيديها يا كاسر…" صرخت رحمة وهي تقتاد نحو الباب والعساكر يمسكون بها جيداً مرددة: "انتو هتندموا كلكم...
أدهم انت بتحبني.. انت ليا... فرات مش هتفضل عايشة! صرخ كاسر على الأطباء حتى يأتوا.... لكن روح ترنحت بين ذراعيه وابتسامتها المرتجفة ارتسمت على شفتيها قبل أن تفقد وعيها بين أحضانه. وبعد مرور شهرين… كانت روح تجلس على الكنبة الصغيرة في شقتها المتواضعة التي انتقلت إليها مع عمتها تحاول أن تتأقلم مع الهدوء الذي أعقب كل العواصف وصوت التلفاز منخفض وفنجان الشاي بين يديها فقد حرارته وهي تحدق فيه بشرود.
حتى قاطعها صوت رنين جرس الباب فنهضت بتردد وفتحت… وتجمدت في مكانها. كان كاسر واقفا أمامها. نفس الوقفة نفس العينين، لكن نظراته اليوم كانت مختلفة… هادئة وصادقة وفيها شوق الدنيا. حتى ابتسم بخفة وقال: "مشوفتكيش بقى لي كتير." لم ترد فقط حدقت فيه بدهشة. فتنحنح وقال: "سبتك تهدي... وجلت آخد وجتي بس مجدرتش أسيبك أكتر من أكده." ثم أضاف بنبرة جادة: "أنا لازم أتكلم معاكي يا روح." اتسعت عيناها قليلا وهمست:
"اتفضل.. جول كل اللي انت عايزه واتفضل ادخل." لكن كاسر هز رأسه برقة: "مش هدخل... أنا جاي أقولك كلمتين وبس ومينفعش أدخل قبل ما أقولهم أصلاً." ابتلعت روح ريقها بصعوبة، وتابعت صمته حتى قال بصوت متزن: "أنا بحبك يا روح.... ومش قادر أعيش من غيرك لحظة واحدة. عارف إني غلط لما سكت علشان كنت خايف على أختي لما افتكرت إن أميرة هي اللي عملت كده.. أنا ندمان والله ومعترف بغلطي." بدأت روح دموعها تنزل بهدوء. فاقترب خطوة وتابع:
"أنا جاي أطلب منك تسامحيني... انتي وفرات." في تلك اللحظة انفتح باب الغرفة الخلفية وخرجت فرات وجهها هادئ، ونظراتها مليئة بالنضج. وقالت بهدوء وهي تقترب: "أنا مش زعلانة منك يا كاسر... بالعكس أنت طول عمرك كنت كويس معايا. واللي عملته مع رحمة مش سهل... إنك تسلمها بإيدك للشرطي حتى وهي أختك... دا كان القرار الصح. وهي دلوقتي خلاص هتتحاكم والإعدام مستنيها... لكن إحنا لازم نعيش ونكمل ونسامح وأنا مسامحة." نظر كاسر إليها بتأثر
ثم أعاد بصره إلى روح وهمس: "أنا آسف... آسف من طلبي... ومفيش لحظة عدت عليا إلا وأنا بدعي إنك ترجعيلي. أنا بحبك يا روح... بحبك أكتر من أي حاجة والله." كانت روح تبكي واقتربت ببطء ونظرت إلى عينيه ثم وضعت يدها على قلبه وهمست: "وأنا كمان بحبك... ومش قادر أعيش من غيرك لحظة واحدة. بس كنت مستنياك تيجي... تيجي وتجولها زي دلوقتي." ثم ارتمت بين أحضانه واحتواها بذراعيه كمن احتضن وطنه بعد غربة طويلة.
وبعد مرور ثلاث اشهر في شرم الشيخ كانت الشمس تغازل صفحة البحر بلونها الذهبي والنسيم يداعب خصلات الشعر المفرودة. بينما خطوات ثلاث عرائس بالفساتين البيضاء ترسم ضحكة على رمل الشاطئ الناعم....... روح وفرات وسارة كانوا يركضن بفستان الفرح يضحكون بأعلى صوتهم والدانتيل يرفرف خلفهن كأن الفرح نفسه يجري معهم. وصوت المصور ارتفع من خلف الكاميرا بحماس: "بس كده... كفاية اللقطة طلعت تحفة!
وفجأة خرج من بعيد كاسر ورائف وأدهم، ووجوههم مرسوم عليها مزيج من الانزعاج والسخرية. حتى ارتفع صوت كاسر وقال: "خلصنا بقى يا عم! الفرح هيخلص واحنا لسه بنتصور.. والله أنا غلطان إني وافقت أعمله هنا ما كنا عملناه في الصعيد! ضحك رائف وردد: "من أول اليوم وهما بيتصوروا صور أكتر من اللي في جوازات السفر! هز أدهم رأسه بمرح وقال: "بس كله يهون عشان العرايس.. خلاص بقى سيبوهم براحتهم." واقترب كل واحد من عروسته... ومد أدهم يده لـ
فرات وقال بلطف: "عارفة... لولاكي مكنتش هعرف يعني إيه حياة هادية وجلبي مستريح. انتي البداية الجديدة، وعمري الجاي كله.. أنا بحبك قوي والله العظيم." ابتسمت فرات وهي تهمس له: "وانت أول راجل حسيت معاه بالأمان... ومش هسيبك أبداً طول العمر.. أنا كمان بحبك... بحبك قوي! أما رائف فوقف أمام سارة وعيونه تمتلئ دفء وقال:
"من ساعة ما شوفتك وأنا عارف إنك انتي اللي هتبقي مرتي مع إنك ضايجتيني كتير قوي وأنا الصراحة كمان مكنتش بسكت بس والله بالرغم من كل ده عمري ما حبيت غيرك." ردت ساره بضحك: "طيب ما تقول كده من بدري بدل ما دوختني وراك بالشهور! ضحكوا الاثنين ثم التفتت الأنظار إلى كاسر وروح الذي كان يقف أمام روح واخذ نفس عميق مردداً: "كل حاجة عدت الحمد لله أنا بحبك يا روح، ومش ناوي أعيش ثانية من غيرك."
وضعت روح كفها برفق على صدره ثم همست بصوتٍ يحمل كل ما في قلبها من حنين: "وأنا يا كاسر... عمري ما كنت هبقى بخير من غيرك أنت روحي وكل حاجة ليا والله العظيم." في تلك اللحظة، ارتفع صوت المصور من جديد يقطع سكون المشاعر مردداً: "يلا يا جماعة عشان نجمعكم كلكم مع بعض في صورة واحدة." تجمعوا جميعا... وفساتين العرس البيضاء تضيء المشهد والبدل الرسمية تزيده بهاء والضحكات المتبادلة كانت أصدق من كل العهود...
لحظة من العمر لقطة ستبقى ذكرى لا تنسى محفورة في الوجدان قبل الصورة. وقبل أن تلتقط الكاميرا آخر صورة... مال كاسر نحو روح وهمس في أذنها بصوتٍ لا يسمعه سواها مردداً: "أنا بحبك." ثم... التقطت الكاميرا الصورة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!