الفصل 21 | من 31 فصل

رواية دموع العاشقين الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
19
كلمة
7,525
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

زينت حديقة الفيلا على أكمل وجه. فاليوم ليس كأي يوم، إنه كتب كتاب حذيفة وأسماء، وخطبة ياسين وسمر. يوم حافل بأشياء كثيرة، فهناك من سيجتمع، وهناك من ستبدأ تحطيم حياته. تلألأت الحديقة بأنوار شتى، وتألقت بأجمل زينة ذات موسيقى هادئة. توافد المدعوون، يستقبلهم يوسف والشباب مرحبين، وهم متألقون ببدل سوداء اللون تزيد من وسامتهم.

تجمعت الفتيات بالأسفل، تتألق كل واحدة منهن بفستان وردي اللون، جعلهم كالحوريات. أما أسماء، فتألقت بفستان ذهبي اللون من الأعلى حتى الخصر، ثم لأسفل قدميها باتساع باللون الأبيض الغامق. ذات خمار يغطي صدرها، ومكياج خفيف للغاية، وتاج بسيط رقيق فوق حجابها.

استأذنتهم وعد ومضت ناحية طاولة بعيدة منزويه، وبيدها كوب من العصير. فمنذ أن عادت، وهي تفضل الجلوس وحيدة ما أن سنحت لها الفرصة. كئيبة، وحيدة القلب والروح، غائبة عن العالم، موجودة وغير موجودة. ليست وعد السابقة، فإن ابتسامتها إن ظهرت، تكلفها الكثير، ويا ليتها من القلب أيضاً. شاردة بعميق، وأخته، ووالدته، وذكريات ما مضى تلوح أمام عينيها. رفعت كوب العصير وارتشفت قليلاً، وهمت بوضعه جانباً، فآتاها صوت ياسين قائلاً

وهو يجلس بجانبها: "فيكِ إيه يا وعد؟ أنتِ مش وعد اللي كانت قبل ما تسافري! أنتِ معانا ومش معانا، جسد بس إنما روحك لا." ظهرت ابتسامة على جانب فمها وقالت دون النظر له: "وهي روحي هتكون فين يعني؟ غير في مكانها ومسكنها! تنهد ياسين وقال بقلب يئن: "المشكلة يا وعد إني حاسس وعارف فيكِ إيه؟ لأن لو أنا محستش، مين هيحس بيكِ؟

إحنا من طفولتنا سوا، أحزاننا وهمومنا وأحلامنا، كل حاجة. فإزاي تفكري إني مش هحس بيكِ ولا هشاركك جرح قلبك ووجعه؟ أمال أنا أخوكِ إزاي؟ تبسمت وعد بحب له وقالت: "أحياناً يا ياسين، بنتحط في طريق رغماً عننا، فيخسرنا كل حاجة." زفر ياسين متنهداً بحزن، ونظر لها باسماً وقال: "أكتر حاجة صعبة وملناش حكم عليها هو القلب. يحب وقت ما يطمن ويفرح، من غير أي تفكير إنه هيتعذب. ما هو أصل الحب عذاب، ومش أي عذاب." تنهدت وعد قائلة:

"يا ريته كان بإيدينا، كنا ننزعنه قبل ما نفكر نحب، لأن الوجع لما بيدخله مبيطلعش أبداً، بيفضل سايب أثره لحد ما يوقف نبضه. وتفضل روحك مفارقاك عند الحبيب من غير ما ترحمك ولا ترق ليك ولا لجرحك. طب ليه الإنسان يحب؟ عشان يبقى قلبه زي ليلة، وعيونه شلال دموع، وروح تتمزق ليه؟

"يااااه، وقعتي يا وعد. عمري ما كنت أتخيل إنك تحبي في يوم، بس طالما حبيتي، فأنا متأكد إنه يستاهل. لأن مش وعد اللي تحب حد والسلام. أكيد لقيتي فيه اللي مالقيتيهوش في أي حد." ابتسمت وعد بخفة: "رجولة، هي دي، لأنها حاجة نادرة. مش في أي حد. ما هو مش كل من كان راجل فهو رجل، فالبعض منهم أبعد ما يكونوا عن صفة الرجال." تساءل ياسين بترقب وهو يلتفت لها مقرباً المقعد: "رحيم مش كده؟ رفعت وعد بصرها به بصدمة، فتابع هو موضحاً:

"فكرتي إني مش هعرف؟ أنا عارف من يوم ما كنتِ في الصعيد أصلاً. نظراته ليكِ ونظرتك، وقلبك اللي بيدق باسمه. بس هو يستاهل بجد. راجل وبيعرف في الأصول، كريم، طيب، شهم وجدع. والدليل على كده ديجا ساعدها وهو ما يعرفش أصلاً هي مين. لو حد غيره كان سابها، هو ماله؟ ولا كان رماها في أي قسم. لكن هو ما عملش كده. كرمه واستقباله لينا، رغم إننا أغراب. رحيم جدع." أدمعت عيناها وساد الصمت محملاً بالأثقال. فتنحنحت وعد متسائلة:

"بما إنك مش بتحب سمر، ليه هتتجوزها؟ وليه تحكم على قلبك بالموت وتظلم نفسك وتظلمها؟ صرف ياسين بصره ناحية سمر التي تتحدث مع عائشة وقال: "تصديقي مش عارف. بس ممكن أحبها. ليه لأ؟ سيبها على الله. ربك هيفرجها. ما خبى قلب أبداً قال يا رب ولجأ له، هتتعدل." أقترب عثمان وبلال وحذيفة يشاركوهم الجلسة، فاخذهم الحديث بالعمل.

تجلس ريم بجانب حبيبة التي تغلي الدماء بعروقها بسبب يوسف وغيرتها عليه. جاءت ديجا راكضة ناحية ريم، وقفت أمامها وقالت وهي تدور حول ذاتها وهي ترتدي فستان وردي مثل الفتيات: "حلو يا ماما ريم؟ لم تنتبه لها ريم، فتمسكت ديجا بملابسها وأخذت تحاول جذب انتباهها وهي تقول: "ماما يا ماما." تنبهت لها ريم وهمست بزهول وتعجب: "ماما؟ "ورد مش عارفة فين. بس إيه القمر ده؟ " أنهت جملتها وهي تنظر بإعجاب لفستانها. أمسكت

ديجا كفيها وبمحبة قالت: "لا، أنتِ كمان ماما، مش ورد بس." ترقرق الدمع بعيني ريم، وضمت وجه ديجا بين كفيها وتبسمت ببهجة تسري بعروقها، وتحدثت ببشاشة: "ماما، أنتِ بتعتبريني ماما يا ديجا؟ همست ديجا ببراءة وهي تعانقها: "أيوه يا ماما." وبهمس تابعت: "هنام سوا النهاردة، ماشي؟ أومأت ريم بفرحة، فصاحت ديجا وهي تتحرك ناحية وعد: "أنا رايحة عند وعد."

جلست أسماء على المقعد بجانب حذيفة، ناكست الرأس. الفرحة لا تسعها، فمنذ أن تم كتب الكتاب بالجامع، وهي كنسمة ريح تحلق بالسماء ببهجة. تنحنح حذيفة قائلاً وهو يقترب أكثر، وأمسك كفها: "مفيش حرام صح؟ دا حقي." لاذت بالصمت وأشرق وجهها بابتسامة رائعة. مال قليلاً مطأطأ الرأس ينظر لها وهمس: "طيب ينفع القمر يداري نوره؟ رفعت رأسها قليلاً، فصاح بفرحة: "يا دين النبي! إيه القمر ده؟ القمر ده كله من نصيبي؟ مبروك يا سكني ووطني وجنتي."

لامست كلماته روحها المنطفئة، فإذ هي تتوهج. غمرتها البهجة وسرت بعروقها، ورفعت رأسها ببسمة تزداد رويداً رويداً. وبعد صمت، تحرك فكها أخيراً قائلة بنبرة حنونة رقيقة: "الله يبارك فيك يابني!! عقد حاجبيه بدهشة وهو يقول: "إيه ده، ابنك بس؟ "حذيفة." قالتها بحياء يزداد وهي تتحاشى النظر له. فقاطعها قائلاً بنبرة عاشقة هائمة: "عيونه. برضه مقلتش ابنك بس؟ التفتت له وتقابلت أعينهم، وعم الصمت. قاطعته أسماء قائلة بنبرة هادئة عاشقة:

"ابني وابن عمي وأخويا وجوزي؟ "بس كدا؟ "أيوه بس. هو في حاجة تاني؟ تصنع الحزن وهو يهمس: "نسيتي أهم حاجة يا زوجتي العزيزة!! فكرت قليلاً تحاول أن تعلم عن ماذا يتحدث، فشلت. فعادت تنظر له هامسة: "نسيت إيه؟ أقول يلا؟ اتسعت ابتسامته وهو يهمس: "نسيتي حبيبك!! دلت سجى وهي تتأبط زين، وبجانبهم إسراء. لتتسع أعين ديجا مزهولة، وقد اعترتها الصدمة ممزوجة بالتعجب، وهتفت: "عمو الملبوس هنا؟ ثم بتفكير تساءلت ذاتها وما

زالت لا تبعد عينها عليهما: "طب عمو الملبوس بيعمل إيه هنا؟ وسوسو كمان هنا." صفقت ديجا بمحبة كأنها أخيراً تصدق عينيها وحواسها أنهم أمامها حقاً، فركضت تجاههم. في آوان ذلك، قال عثمان وهو وبلال بزهول: "ملبوس؟ نظروا لبعضهما البعض، فاختلست نظرة لياسين، وجدوه متسمر ناحية سجى، ينظر لها كالمسحور وما شابه. ولكن بداخله، خفق قلبه. وضعت وعد كفها على منكب ياسين حينما تنبهت لشروده بهذه الفتاة:

"يا ياسين، دي مش فاطمة، ولا عمرها ما هتكون فاطمة. أنت بس مشدود ليها لأنها عامية زيها، بس دي مش هي. فوق يا ياسين." هجمت ديجا على سجى وهي تصرخ باسمها. انفجرت أساريرهم جميعاً، وامتزجت بالدهشة وهم لا يصدقون أنها أمامهم، تضم سجى. لحظات وتنبهت سجى لها، فهبطت لمستواها تضمها أكثر لصدرها ببكاء. ابتعدت سجى وهي تحاوط وجه ديجا بين كفيها، وهمست من وسط شهقاتها: "ديجااا، أنتِ كويسة؟ ليه هربتي واختفيتي فجأة؟ كنت هموت عليكِ والله."

عانقتها ديجا مرة أخرى، وقبلت وجنتيها، وأزاحت لها دمعاتها، وقالت: "معلش، متزعليش مني. أنا بحبك." بالمثل فعلت سجى، وأزاحت لها دموعها، وبصدق همست: "أنا مقدرش أزعل منك أبداً أبداً." ثم استطردت قائلة: "أنتِ وصلتي لأهلك؟ أومأت ديجا قائلة: "آه، هعرفك على ماما وبابا وكلهم دلوقتي. هتحبيهم." قاطعتها إسراء قائلة: "من لقي أحبابه، نسى صحابه. وأنا يا ست ديجا، مش هتسلمي عليا؟ رفعت ديجا رأسها ببسمة، وعانقت إسراء بمحبة.

وعادت ممسكة بكف سجى بحنان وعناية وهي تقول: "يلا تعالي أعرفك على ماما وبابا وكلوا." قاطعها زين الذي جلس على ركبتيه أمامها وهو ممسكاً بمرفقيها، وتحدث بفرحة: "ديجا، أنتِ بخير؟ أنا كنت هتجنن عليكِ والله، بس أنتِ ليه مشيتي كدا؟ أزاحت ديجا كفيه بزعل، وبتعصب تحدثت: "أنت مش تكلمني؟ تهجم وجه زين بعدم فهم وصمت ملياً. بدأ بتفكير وهمس لها بضيق من ذاته: "مش عايزة تكلميني ليه؟ أنتِ زعلانة مني؟ طب أنا زعلك في إيه؟

تنبهت سجى لكلماتهم، فهتفت لها بتعجب مصحوب بالدهشة: "ليه يا ديجا؟ دا زين بيحبك جداً. هو زعلك في إيه؟ ضم زين وجهها بكفيه، وبعتاب تحدث: "أنا بردوا زعلك يا ديجا؟ أزاحت ديجا كفيه بدموع وركضت تجاه ياسين المقبل إليهم، فتلقاها بين ذراعيه حاملاً إياها، وتساءل بغضب: "ماله دا؟ خايفة منه ليه؟ عملك حاجة؟ عانقته ديجا، دافنة رأسها بصدره، وهزت رأسها بالرفض.

فتحرك ياسين تجاههم، وهو يحدج زين بنظرات كفيلة بحرقه، ولا يدري سبب ذاك الكره بداخله تجاهه. صافحه زين بابتسامة مصطنعة، وقال بصوتاً أجش: "دي تاني مرة نتقابل. بس المرة الأولى متعرفناش كويس. زين القاضي." صافحه ياسين وهو يضغط على كفه، وهتف: "ياسين ياسين الشرقاوي." لمح أدهم سجى، فأقترب منها سريعاً مرحباً بها، وأخذها من يدها وأجلسها وبجانبها إسراء، وانضمت لهما عائشة تعرفهم ببعضهم.

ابتعدت ديجا عن ياسين وذهبت تجاه والدتها على عجل، وسحبتها ناحية سجى. "استني يا ديجا، ما بالك في إيه؟ " قالتها ورد، وتسمرت مكانها أمام سجى، محدقة بها بعدم تصديق، وهمست وعينيها مفعمة بالصدمة: "فاطمة! تجمعت الدموع بمقلتيها. لم ينتبه لها أحد، بينما صاحت ديجا بسجى: "سجى يا سجى، دي ماما ورد؟ يا ماما يا ماما، ماما سلمي على سجى! صرخت بها ديجا في والدتها الواقفة بصدمة، فتنبهت ورد وهي تفوق من صدمتها، وبلعت ريقها وهمست بتغيب:

"عاملة إيه؟ ابتسمت سجى وهي تنهض تصافحها: "الحمد لله."

تراجعت ورد بصدمة، واستدارت مغادرة، وهي تكابد على حبس دموعها، حتى دلفت للمنزل بعيداً عن الحشد القائم بالخارج. فما أن وطأت قدميها للداخل، هوت دموعها بغزارة، ووضعت يدها على قلبها، وانفجرت باكية بنحيب. لحظات، ثوانٍ، فدقائق، لا تدري كم مر من الوقت وهي بتلك الحالة. لا تشعر بشيء أو أين هي، ولا بما يدور حولها، فما أن هدأت، حتى أتت بهاتفها على عجل، وأخرجت إحدى الصور، والتي بها تحمل طفلة، لا ترى، وتقبلها بحنان. لامست أصابعها الصور بشوق، وانكبت باكية وهي تضمها.

دوي صوت أدهم وهو يقول بلهفة وقلق: "ورددد، ماالك؟ أنتِ كويسة؟ بتعيطي ليه بس؟ في إيه؟ وقف عن كثب منها، فرفعت هي عينيها المكتظة بالدموع، وقالت بصوت أضناه الألم: "فاطمة، فاطمة." أدمعت عينيه وهمس وهو يتنهد بثقل: "الله يرحمها ويجعل مثواها الجنة يا رب. إيه بس فكرك بيها دلوقتي؟ أشارت ورد بيدها للخارج، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: "بره، هي بره. فاطمة والله بره. قلبي مستحيل يغفل عنها، هي أنا، أنا متأكدة!!

هوت دموعه وهو يدير رأسه للجهة الأخرى، وسرعان ما كفكفهم، حتى لا يراهم أحد، وهمس وهو يغلق جفونه بألم: "صلي على النبي. دي سجى اللي بره. أنتِ بس لما شفتيها حنيتي لفاطمة. قومي بس اغسلي وشك وتعالي. يلا، ياسين خلاص هيلبس سمر الشبكة." هزت ورد رأسها بجنون، وحادثت نفسها بهمس: "لا، دي فاطمة. إزاي يعني؟ أنا حسيت بيها إنها هي. مستحيل إحساسي يكذبني. إزاي معرفهاش؟ لو مش هي، ما كانش قلبي دق لها كدا." "بتقولي حاجة؟

" تساءل أدهم حينما تناهى لمسامعه همسها. فهزت رأسها بالرفض، وهي تزيح دموعها، وتنهض قائلة: "لا أبداً. أنا طالعة دلوقتي." أومأ أدهم باسماً وخرج، بينما بدت ورد كالمتفكرة بشيء ما تنوي فعله، وخرجت بعد لحظات. في حين ذلك، كان ياسين يتحدث بالهاتف. إذ أنه استدار، فوقعت عينه على تلك الحورية التي تجذبها ديجا نحوه. فتحرك تجاهها كالمسحور، وقد نسي تماماً أمر المكالمة. كأن المكان فرغ، فلا يرى غيرها. توقف أمامها هائماً بها،

بينما هي تحدثت بتعجب: "ديجا، أنتِ وخداني فين؟ همست ديجا ببراءة: "عند ياسين أهو." حاولت جذب انتباه ياسين الذي لا تحيد عينه عن سجى، وتحدثت بصدق: "ياسين، أنت حلو وهتتجوز سجى عشان هي حلوة، وأنا بحبها، وأنت كمان هتحبها، ماشي؟ ابتسم ياسين لها، بينما فركت سجى أصابعها بتوتر شديد وحياء أشد. فتابعت ديجا هامسة لياسين: "هتتجوزها صح يا ياسين؟ نكست سجى رأسها بحياء وتحدثت: "بس يا ديجا، عيب كدا!! "عاملة إيه؟ طمنيني عنك؟

" همس بها ياسين مقاطعاً سجى، التي تسمرت محلها على سماع صوته، تحاول تصديق أذنيها وجوارحها أنه هو، ياسين، لا غير. كابدت لتنظيم ضربات قلبها المنفعلة، وهتفت وهي تتنفس بصعوبة: "ياسين، أنت صح؟ ياسين؟ "نعمم. أيوه أنا ياسين." رفعت ديجا الحائل بينهما، رأسها تقلب نظرها بهم بتعجب، وهي تهمس: "هما إنتوا إزاي تعرفوا بعض؟ هو أنا قولت اسمهم وأنا ناسيه؟ هزت كتفيها بعدم فهم، وصاحت: "أنا رايحة أغلس على أسماء." ابتعدت ديجا،

فارتبكت سجى بخوف وهي تقول: "استنى يا ديجا، متسبنيش لوحدي. وديني عند إسراء!! أمسك ياسين كفها وهو يقترب، وبحب قال: "أنا هنا، متخافيش." دق فؤادها بعنف، ولكن شعوراً بالأمان توغل لداخل حناياها، مطمئنة. وراحة استقرت بروحها، فتبسمت ببشاشة مصحوباً بالحياء. عم الصمت، قاطعه هو قائلاً: "تعالي نقعد." أخذها من يدها، أجلسها، وجلس على مقعد بجانبها، وما زال ممسكاً بكفها، كأنه يخشى أن يفقدها أو أن تضيع. تنحنحت سجى بتوتر،

وقالت ببسمة ورقة: "كنت عايزة أقولك... صمتت بتوتر، فقال هو محثها على الحديث، وكل ما به يهفو شوقاً لسماع صوتها المبث لروحه بالبهجة، فإن تحدثت توهجت روحه، والدنيا كلها تتوهج وتشرق: "إيه؟ اتكلمي!! ابتلعت ريقها قائلة: "كنت بس هشكرك وهعتذرلك، لأني رنيت عليك ومش فاكرة قولت إيه، بس أنا والله كنت مضايقة، فلقيت نفسي بكلمك." "أنتِ تكلميني في أي وقت وأي لحظة، وهكون موجود دايماً أسمعك." قالها بعفوية ولهفة. فتابعت قائلة بإبتسامة:

"شكراً ليك بجد، معلش لو كنت ضيقتك أو شغلتك." بإمتعاض وضيق تكلم بصدق: "بطلي كلام عبيط بقى. أنتِ تشغليني براحتك، مفيش أي حاجة ممكن تشغلني عنك، كله في داهية إلا أنتِ. ويا ستي مش شغلتيني ولا حاجة، ولو مشغول أفضالك." تورّدت وجنتاها، وتلألأ النور بعينيها. "مين دي يا ياسين؟ أول مرة أشوفك بتتكلم مع واحدة بالطريقة دي، ولا بتبتسم حتى. فمين دي؟ دا أنا مش بتعاملني كدا؟ " تحدثت بها سمر بعصبية.

فنفخ ياسين بضيق، وثب واقفاً، جذبها من ذراعها نحوه، وهمس بجانب أذنها بحيث لا يستمع صوته لأحد غيرها: "امشي دلوقتي لحد ما أجي أخلصك." تكلمت سجى باسمة بهدوء: "في حاجة يا ياسين؟ مين دي؟ "أنا خطيبته يا ختي، أقصد خطوبتنا النهاردة، يعني مراته إن شاء الله." تلاشت الابتسامة من وجهها، وكسا الوجع فؤاده، وطل من عينيها، وغزا الوجع فؤاده، وتحدثت بدموع متحجرة: "مبروك يا ياسين، ألف مليون مبروك، يتمم لك على خير يارب."

تبسم ياسين بسمة خفيفة، ورد باقتضاب: "الله يبارك فيكِ، عقبالك يارب! تلاشت البسمة، وبحزن همست: "عقبالي إيه بس؟ هو في حد ياخد واحدة عامية؟ بتلقائية رد ياسين: "ليه بتقولي كدا؟ أنا متأكد إن ألف واحد يتمناكِ، مش ألف بس، شباب العالم كله. هيكون محظوظ اللي من نصيبك! بخفوت همست بتعجب: "محظوظ؟ ليه يعني؟ وعلى إيه؟ على واحدة عامية؟

"محظوظ عشان عنده قلب زي قلبك، أبيض ورقيق ومش بيحمل كره تجاه حد مهما كان. قلب يسع الدنيا بحالها واللي فيها، قلب صافي وطيب ورقيق وبسيط، وروح جميلة هادية جداً ومرهفة الإحساس، وكمان جميلة!!! ضحكت بخفة وهي تقول: "دا من ذوقك والله، جامّل براحتك! رد بصدق وهو هائم بها: "مش بجامل أنا." ثم غير الحديث قائلاً بتذكر: "عرفتي مين كان عايز يؤذيكِ؟ ببساطة ردت: "لا، الموضوع مش مهم أوي." "سجى قاعدة ليه هنا؟

" قالها زين، قاطعاً حديثهم. فنهضت سجى باسمة، وقالت: "قاعدة مع ياسين." أشار زين بإمتعاض: "طيب تعالي عشان إسراء بتدور عليكِ." أومأت برأسها وتوجهت معه، بينما ظل ياسين ناظراً بأثرها، وقد سلبت روحه منه.

وقف ياسين بجانب سمر على المنصة، تشع نوراً من تحتهم بألوان متعددة. أمسك كفها وألبسها الخاتم، بينما كان يقف أنس بجانبه زينب، بوجه خالٍ من التعبير، بعيون يغرقها الدمع، والحزن تخلل شغاف قلبه. ضج المكان بالتصفيق، فتبسم ياسين وهو يتصور مع سمر عدة صور، وتوافدت عليهم التهنئة. حتى جاء دور أنس وزينب. نظرت لهم سمر بضيق لا تدري سببه بتاتاً. كان الحزن يخيم على ملامحهم جميعاً.

استقر نظر ياسين على سجى، لا يحيد عنها، فهو منشغل الذهن، يصافح بآلية. ثم جلس بجانبها وزفر بضيق، والتفت برأسه لها، وتحدث: "سمر، أنا لازم أكون صريح معاكِ من البداية، مش عايز علاقتنا تبدأ بكذبة." تبسمت بحياء وهي تهمس والبهجة تسري بعروقها وأوصالها: "قول اللي أنت عايزة! تنهد ياسين بضيق وصمت ملياً، قبل أن يقول وهو يمعن النظر بها:

"أنا مش هكدب عليكِ وأقول إني أتجوزتك لأني بحبك، لا. أنا وعيت على الدنيا وأنتِ بالنسبالي أخت مسؤولة مني وبس، غير كده لا. فهاخد وقت لما أتقلم، مع إني لاحظت حاجات كتير ما أخدتش بالي منها قبل كده، بس أنا مطمن إن اللي فيه خير هيقدمه ربنا." عقدت حاجبيها سائلة بدهشة: "لاحظت إيه؟ شرد بـ أنس وهمس وهو على حاله: "مش مهم." وتوسم بوجهها وقال بضيق بعد لحظات: "المكياج ده ما أشوفهوش على وشك تاني!!

أومأت سمر برأسها بطاعة، وأقبل مراد مهنئاً ياسين، وما أن أوشك أن يصافح سمر، صافحه ياسين جاذباً كفه إليه، فتفهم مراد. اقتربت لمار من ورد الشاردة بـ سجى بتمعن، وتحدثت وهي تضع يدها على كتفها: "ورد، أنتِ كويسة؟ هزت ورد رأسها إيجاباً، فهمست لمار قائلة: "ممكن تروحي الأوضة اللي تحت، هتلاقي فيها التلفون بتاعي، تجيبيهولي معلش." "حاضر، حاضر من عيوني." همست بها ورد وهي تنهض.

ومضت للغرفة، فما أن دلفت حتى أغلق الباب من خلفها. حاولت فتحه، فلم تستطع. "إيه؟ بتعملي إيه؟ " كست الصدمة وجهها، لا تصدق أذنيها ها هنا، فالتفتت بذهول وهمست: "عمرو، أنت بتعمل إيه هنا؟ تحرك خطوتين وهو يعقد ذراعيه: "أنا اللي سألت الأول. ومع ذلك ديجا قالتلي تعالى عايزك، ودخلتني هنا واختفت. وأنتِ؟ بدت كالمتفكرة قليلاً قبل أن تهمس بتعجب: "ديجا!

غريبة ليه. أنا لمار قالتلي هاتيلي التلفون، وأول ما دخلت الباب اتقفل، معرفش بقى إيه؟ تحرك تجاه الباب وهو يشير لها بيده: "طب اوعي كدا." تنحت جانباً، فأقترب هو يحاول فتح الباب مراراً وتكراراً، لكنه لا يفتح. دوى صوت وعد بالخارج قائلة بحسم: "متحاولوش، الباب مش هيفتح، ومش هيفتح غير بكرة الصبح! اتكلموا واتفاهموا عشان الباب دا يتفتح وتطلعوا متصالحين. ورد، أنا شرحتلك كل اللي حصل من شوية، فشوفي بقى اتكلمي معاه."

صاح عمرو وهو يقرع الباب: "افتحي يا وعد، بلاش الحركات دي، افتحي يا بت يا لمار، حد يفتح." ما أن يأس، نظر لها بصمت، فبادلته النظرات مفعمة بالصدمة والتوتر. فساد الصمت، قاطعه تحركه هو تجاه أحد المقاعد وجلس بيأس، وحذت هي حذوه. فتوسم بوجهها، فزادها ارتباكاً.

بالخارج، كان بلال ينظر لهم بأعين تفيض بالدمع، مفعمة بالوجع. أما قلبه، فكان يدعو لها بالسعادة. فابتسامته تلك التي تتوهج من فؤادها تنير قلبه، فلا يجد سوى أن يدعو لها بالبقاء دائماً وأبداً. تجاوره أنجي أخته، واقفة بضيق شديد ووجهها مكتسي بالحزن. أما زينب، فلاحظت نظرات أنس لسمر. رأت الوجع بعينيه والغيرة، وأحست بألم قلبه، فغلت بداخلها وتذوق فؤادها العذاب، ولاذت بالصمت.

أعطت مكة موافقته على علي، ولكنهم بانتظار مجيء والديه لتتم الخطبة. أقبل علي برفقة أخته وبعد الزملاء ناحية مكة، التي اتجهت لهم مباشرة وعانقت الفتيات مرحبة بهم. فأقترب علي هامساً بفرحة: "إيه الجمال ده كله؟ عاملة إيه؟ كان ينظر لها من رأسها لأخمص قدميها بنظرات لم تدر معناها، فتبسمت قائلة: "تسلم يارب. الحمد لله." مد يده ليصافحه، فما أوشكت أن تصافحه، حتى كانت يد عثمان الأسرع، ودفع علي للخلف، وجذبها هي دون كلمة.

حاولت التملص من قبضته تجاهد مراراً وتكراراً بلا فائدة، وهي تصيح بانفعال: "أوعى يا عثمان كده، في إيه؟ بتجرجرني وراك كدا ليه؟ دفعها لتقف أمامه بمكان بعيداً عن الحفلة والناس، وصرخ بوجهها: "إيه اللي بتعمليه دا؟ أنا مش قلت الزفت دا متقفيش معاه؟ عقدت ذراعيها بعند وثبات، وقالت: "عملت إيه؟ وبعدين أنت مالك؟ أقف معاه أو لا، دا خطيبي! تحولت عيناه بلحظة، واستشاط غيرة بغضب، قبض على مرفقيه وهمس بصوتاً كالفحيح ونبرة لاذعة:

"خطيب مين؟ أنا أدفهنه وأدفنك قبل ما يفكر يقرب، وأبعدي عنه أحسن لك عشان ما أموتوش. أنتِ فاهمة؟ نزعت يدها بجهد عظيم وبهدوء، قالت: "لا مش فاهمة. أنت مالك أصلاً؟ يخصك في إيه؟ وليه أصلاً تتحكم فيا كده؟ وبعدين أسلم براحتي، أنت مالك." كور قبضة يده ولكم الحائط وهو يصرخ بها: "اسكتي، اسكتييييي." أمسك مرفقيها، دفعها نحوه لتنصدم بصدره بصدمة، وصرخ بغضب كفيل بإحراقها:

"عشان أنتِ ليا، ليا أنا وبس. وأياكِ إيدك تلامس راجل تاني، قسمًا بالله أقطعهالك. والزفت دا تنسيه، فاهمة؟ ومتنسيش، أنا بحذرك، أي حاجة هتحصله هيكون أنتِ السبب فيها." دفعها للحائط بقسوة، واستدار مغادراً بغضب وهالة سوداء تحيط عينيه. دفع إحدى الطاولات بغضب، هادراً بطريقه، وتابع سيره ناحية علي، الذي ما أن وقع بصره عليه، ارتجف جسده وابتلع ريقه بخوف، وهرول للخارج. لحقه عثمان وأمسكه من ياقة جاكته بالخلف، وهو يجز على أسنانه:

"رااايح فين يا جبان أنت؟ دفعه على السيارة بقسوة، وأمسكه من عنقه هامساً: "أقسم بالله، إن فكرة تؤذيه، لأكون دفنك مكانك، ومحدش يعرف لك طريق. ابعد عنها تمام." أنهى جملته وهو يلطمه على خده، فأومأ علي بخوف شديد يسري بعروقه. فأشار عثمان وهو يتركه: "شاطر، بتسمع الكلام يا حبيبي." واتجه للداخل، بينما نظر له علي بتوعد. زلت مكة محلها مصدومة مما حدث، تحاول استيعاب ما سمعته لتوه. تحسست مكان يده بألم وهي تتاوه بخفوت، وهمست بدهشة:

"يا ربي، المجنون دا ماله؟ مكنش كدا وهو صغير. دا عايزله دكتور، أكيد مش طبيعي. آآه يا أمي، إيدي إن شاء الله صاروخ يجي ياخد إيدك." صمتت ملياً بتفكير، وهمست: "صاروخ إيه تاني؟ ماهو واحد صاروخ أرض جو، مش أي صاروخ. دا صاروخ غريب عجيب، بس قمر. يخربيتك، خاصةً وهو متعصب." ثم تبسمت وغادرت مكانها ناحية الحفلة، وتوجهت ناحية ياسين.

أخذ حذيفة أسماء لإحدى الأماكن، وقبل وصوله، وضع قماشه حمراء على عينيها، وترجل من السيارة، وأسرع ناحيتها، وفتح الباب، وأمسك كفها ليعاونها، وهمس بهدوء: "انزلي على مهلك." همست وهي تترجل: "حذيفة، هتوديني فين؟ وإيه لازمة تربط عيني طيب؟ مش شايفة حاجة." همس بجانب أذنيها: "أنتِ مش واثقة فيا؟ بصدق تحدثت: "هو أنا لو مش واثقة فيك، كنت تجوزتك؟

تبسم وهو يسير بها للداخل، فما أن دلفوا، فك الربطة، ففتحت عينيها ببطء، سرعان ما هوى عليها ورود حمراء، لتضحك بروح متوهجة، وهي تقف فاتحة كفيها بفرحة، فتأملها بعشق. شهقت بفرحة ما أن وقعت عينيها على طاولة متزينة بالورود والشموع، ففتحت فاهها وعيناها تجوب المكان بعدم تصديق. كانت الأنوار هادئة على الشموع فقط، وموسيقى أيضاً، الورود والبالونات بكل مكان. وقف خلفها هامساً بجانب أذنيها وهو يضع سلسال: "عجبك المكان؟

شهقت مرة أخرى وهي تتلمس السلسال، المحتوي على صورتهما على شكل قلب مزخرف، ومكتوب بها "أعشقك"، واسمه واسمها. أدمعت عينيها من شدة الفرحة، وهمست وهي تستدير له: "عجبني بس؟ أنا مش مصدقة نفسي، أنا مبسوطة أوي أوي." قبل رأسها بحنان، ثم ضم وجهها بكفيه، وبهمس همس: "وطول ما فيا النفس، سعادتك دي مش هتغيب أبداً. أنتِ كنتِ فين من زمان عشان تلوني حياتي كدا وتديها معنى؟ همست ودموعها تهوى على وجنتيها:

"كنت دايماً جنبك، بس أنت اللي ما كنتش شايفني، كنت دايماً غايب مع دي ودي." بهمس تكلم بحب وكلمات تنبع من سويداء الفؤاد: "مين قال كدا؟

أنتِ كنتِ دايماً في روحي، بس كنت غبي. بس خلاص، ننسى اللي فات. من النهارده مفيش حاجة ممكن تفرقنا أبداً. عايزك تثقي فيا يا أسماء، أنا هشيلك جوه عيوني وقلبي، حتى ما تبتعديش أو ترحلي، سأسجنك بداخله ومش هحررك. بس خليكِ دايماً جنبي ومتسبش إيدي، كوني دايماً النور اللي يضئ طريقي، يا قمري، اهديني وخديني من الدنيا للجنة، عايز قرب من ربنا بيكِ."

"مش عايزك تبعدي عني أبداً، حسسيني دايماً إني ابنك، لأني دايماً بحسك أمي، مش حبيبتي وبس. أنتِ كل ما ليا، أنتِ نبض الفؤاد، يا سكينة روحي. خلينا قصاد أي عاصفة نواجهها سوا، متتركيش إيدي وتبعدي، لأن وقتها العاصفة هتهب وضيعنا من بعض. قصاد أي موجة، خليها تيجي بكل ما تحمله، بس هنكون قصادها كالحصن المنيع، أوعديني." هزت رأسها بدموع لا حصر لها، وقالت:

"أوعدك، وأنت خليك دايماً قد ثقتي، ومتخببش عني أي حاجة، ومتخونيش. ولو حصل وخبيت عني حاجة وعرفتتها من غيرك، أنا هدمر. مش عايزة حد يدخل بينا أبداً، عايزة أنا، أنت وبس. همومنا، مشاكلنا، خناقتنا، تبقى بينا وبس، متطلعش لأقرب قريب." أومأ برأسه وهمس وهو يأخذ رأسها لصدره: "أنا بحبك يا سكني، لا، أنا فوقت الحب، أنا بعشقك." ضمته أسماء باكية، سرعان ما ابتعدت بحياء وصدمة، فانفجر ضاحكاً عليها.

هم أن يقترب، فأبتعدت بفزع، فرفع ذراعيه هامساً بضحك: "بس بس، مش هقرب. تعالي ناكل، أنا جعان." لوت فمها ساخرة: "أنت على طول جعان." "إيه اللي وعد عرفتهولك؟ " قالها عمرو، قاطعاً ذاك الصمت بعد وقت طويل كان مشحوناً بالتوتر والارتباك، ولم يخلو من التفكير. تبدلت ملامحها كلياً للحزن وعتاب للنفس، ونهضت واقفة خلف النافذة، وأزاحت دمعة فرت هاربة.

"لقد ظلمته، حكمت على علاقتهم بالانتهاء دون أن تدري الحقيقة كاملة." ثم استطردت هامسة بصوتاً مسموع لم يخلو من الحزن: "قالتلي إن البنت اللي كانت معاك لما شفتكم شربتك حاجة، وإنك ما كنتش في وعيك، وإن في حد وزها عليك، بس لسه معرفتش مين." تألم من نبرتها، ولكنه وارى ذلك خلف ضحكة هازئة، وقام من مجلسه مقترباً منها، ينظر من خلف النافذة، وتحدث:

"ياااه، عرفتي متأخر أوي. يا أما قولتلك اسمعيني، ولكن لا حياة لمن تنادي. حكمتي إني خاين ومستهلكش، وسبتيني. سبتيني في أكتر وقت كنت محتاجك فيه. أنتِ والشركة اللي اتحرقت في نفس اللحظة، كل اللي بنيته في سنين عمري انتهى في لحظة." أنهى جملته بصوتاً عالٍ، جعلها تنتفض مفزوعة، ورفع قبضته ضارباً الحائط خلفها، لتنفزع وهي تغطي وجهها مجهشة بالبكاء المرير. ثم بصوتاً عالٍ تابع بنبرة وجع بجرح غائر بسويداء القلب:

"عارفة يعني إيه إنك تخسري كل اللي بنيتيه في لحظة؟ إن أكتر إنسان محتاجاه يمشي، ميسمعيكيش يأمر ويحكم من غير ما يسمع." أمسك كتفيها وهزها بتغيب، وهو يصيح: "أنا حبيتك، ما كنتش عايش من غيرك، كنت مجرد جسد بيتحرك، بقيته عندك." "ضحكتي وفرحتي وبسمتي، قلبي وروحي وعقلي وكياني، كانوا عندك." "اترجتك تسمعيني ومتسبنيش، اديتك عذرك وقد إيه صعب عليكِ، سبتك ورجعتلك تاني، بس رميتيني من سابع سما، ليه مسمعتنيش؟

إزاي متثقيش فيا، وإحنا قضينا عمرنا كله سوا؟ ازززززززاي." علا نحيبها وازدادت شهقاتها، وجثث على الأرض بإنهيار، فجلس معها مقابل لها، وتابع: "كله انتهى في لحظة. أكتر حاجة وجعتني إنك موثقتيش فيا، بس صدقتي عنيكِ. دمرتيني بكل برودة نفس، ونهيتي كل اللي بينا في كلمة. الشركة اتحرقت، كنتِ الوحيدة اللي عايزك جنبي، عايز حضنك يواسيني، بس ولتيلي ضهرك ومشيتي. عارفة انتِ الكسرة دي؟ أنا كنت ميت، مستني القبر يضمني."

بلهفة، ووضعت سبابتها على شفتيه، وهزت رأسها بجنون. وتقابلت أعينهم، فهمست هي بعد دقائق: "مقدرتش والله. كان صعب عليا أشوف واحدة تانية في حضنك غيري. كانت في نار جوايه." وضعت كفها على موضع قلبه، "لأن قلبك ودقاته دول ليا أنا بس، اللي يحق لي أسمعه. حضنك ليا لوحدي أنا وبس، أنا بس." ضم وجهها وهمس: "من يوم ما وعيت على الدنيا، وهو ليكِ أنتِ وبس. كنت مقدر حالتك ووجعك، بس أنتِ ما ادتنيش فرصة تسمعيني."

قاطعته هي هامسة بقلب يتقطع أرباً ودموعاً لا تهدأ:

"أنا معرفتش يعني إيه فرح من غيرك. كنت عايشة بس مش عايشة. كنت طول الوقت خايفة، ماهو أنت أماني الوحيد. من بعدك ما حستوش نهائي، كنت ليل نهار مفتقدة وجودك جنبي. سلبت مني كل ما فيا، ما كنتش عارفة أعيش من غيرك. ما هو أنا لو كنت أعرف معنى الحياة من غيرك، ما كنتش بقيت كدا، ضايعة وخايفة من كل حاجة، حتى الهموم منتظرة تشاركني كل دا، مستنية وطنك يضمني، وعايزة قلبك يسكن فيه من تاني، ولروحك تحتويني، عشان خايفة. أنا مش زي ما أنا، صدقني، أنا جوابا خوف من كل حاجة في الدنيا، خوف عمره ما ينتهي غير بوجودك."

"الحياة من غيرك قبر مظلم مفيهوش بصيص نور." "مش عايزة أعيش، هي الدنيا من غيرك إيه؟ نهض واقفاً، فنهضت، ولاها ظهره، وهمس بوجع وبرود: "اللي انكسر مبيتصلحش أبداً، واللي انتهى مبيرجعش." أغمضت عينيها، فتدفقت الدموع أكثر، وكتمت أوجاع وآهات بفؤادها، وبداخلها تتمنى أن تلقي بذاتها بين ذراعيه. أرادت أن تقول: لا تترك يدي، فإن تركتها سأموت حية، فلا أستطيع فراقك بعد اليوم.

أشتاق لحضن عينيك، لن تكفيني ساعات، أحتاج لسنين، فحضن عينيك أمان، لا أريد البعد عنه. لا تبتعد، فل تضمني واخفيني من ذاك العالم القاسي، وخذني لدنيا ليس بها سواك. فلنرحل سوياً لعالم آخر، وضمني، اعتصرني بداخلك، وأضئ نور روحي المنطفئة، لتتوهج وتتوهج الدنيا نوراً، وأذقني السعادة ألوان، وانشر ألوان الطيف حولي. مر الليل، لم يغمض لهم جفن، ولم يرقأ لها دمع، ولم يرق قلبه. انفتح الباب حينما هلت الشمس تتلألأ وتنشر أشعتها الفضية.

طلت لمار من الباب، وتلاشت ابتسامتها. فنهض عمرو ودفعها بعيداً، وتخطاها وصعد شبه راكضاً للأعلى. نهضت ورد بثقل، وقد أضناها التعب، كابدت أن تبدو بخير، فوقفت أمامها باسمة بوجع، وهتفت: "اللي انكسر مبيتصلحش، واللي انتهى مبيرجعش." ثم استطردت هامسة: "لمار، أنا آسفة، بس مش هقدر أعيش معاه تحت سقف واحد. أنا هاخد ديجا وأمشي على شقتي، وأوعدك وقت ما تحتاجيها هتكون عندك." قاطعتها لمار قائلة بهلع: "لا، مس... قاطعتها

ورد رافعة كفها وهي تقول: "معلش يا لمار." صعد عمرو لشقته، مهموماً ويفكر بما ينوي فعله بعلاقتهم. جلس واضعاً رأسه بين كفيه بغم وكآبة. "الحياة فيها إيه عشان نضيعه في الحزن والهم والبعد؟ "ليه منسرقهاش قبل ما تسرقنا؟ "ونخطف لحظات تجمعنا مع اللي بنعشقهم قبل ما القبر يخطفنا." "ليه منسامحش ونعاند قلبنا ونيجي عليه وندفنه ونظلم نفسنا؟ ليه؟ "ما ننسى اللي فات ونعيش الدنيا، مش دايمة، والفرص ما بتتكررش."

رفع عمرو بصره لـ يوسف المقبل نحوه باسم بشوش الوجه. أقترب يوسف جالساً بجانبه، وتوسم وجهه وقال: "انتوا الاتنين غلطتوا، متحملهاش الذنب لوحدها. أنت مقدرتش وجعها. أصعب حاجة على الوحدة إن تشوف زوجها حبيبها مع واحدة تانية، واخده مكانها. دي مش أي خيانة، هي شافتها بعينها في حضنك." "أنت كان لازم تصبر، تفهمها وتحاول تعرف الموضوع، مين دي وليه عملت كدا."

"مش تاخد بعضك وتسافر وتبعد. اللي راح راح وخلاص، عدي. إحنا دلوقتي في الحاضر، ولازم نستغله كويس. إحنا دلوقتي موجودين، يا عالم بكرة هنكون ولا هنكون، خلاص رحنا الدار التانية." "الحقها قبل ما تمشي، واستغل الفرصة واخطفها من الأيام. يلااااا." عم الصمت، يحاول التوصل لحل ما. ثم دون كلمة، وثب راكضاً للأسفل، فوجد لمار، فضحكت وهي تشير له للخارج، فهرول خارجاً وعينيه تبحث عنها، فوجدها توشك على الخروج وبيدها ديجا. فنادى بلهفة:

"ديجا، استني!! التفتت ديجا مشرقة الوجه له قائلة: "بابااااا." اقترب هامساً وعينيه لا تحيد عن ورد: "استنوا، قصدي رايحين فين؟ تحدثت ورد وهي شاردة بالفراغ: "راجعين الشقة." صمت، لا يدري ما يقوله أو كيف يبدأ وبماذا يبدأ، فتلجلج قائلاً: "طب طب، أنا هوصلكم يلا." أومأت ورد برأسها، فدعته ديجا لحملها، فحملها بين ذراعيه، وفتح الباب لورد، واستقلا السيارة وانطلقا. مدى الطريق بصمت، حتى ركن سيارته أمام البناية وترجلا.

همت أن تمضي للداخل، فناداها قائلاً: "ورد، استنى." وقفت محلها بصمت، وخفق قلبها، فأقترب هامساً بجانب أذنها بنبرة حانية: "لاحظت إني مش هقدر أعيش من غيركم، من غير خديجة اللي ضحكتها بتنور نهاري، كأنها الشمس هللت أو القمر أنار الليل، ومن غير دعواتك ووجودك. من غيرك ماليش سكن ولا مكان أعيش فيه، كأني وسط الشارع في جو برد ومفيش مكان يأويني، لأنك أنتِ الوحيدة اللي هتأويني. بالاختصار، حياتي من غيركم مش حياة."

"عايزك تهللي في سماء قلبي وتنيري الظلمة اللي سكنته في غيابك." أدمعت عينيها وهزت رأسها بالرفض، ومدت ناحية العمارة، ارتقيت الدرج بارتباك وتردد، تخشى أن تنظر للخلف. بينما تملكه الأسى والقهر، وهو يرى حياته تضيع من بين يديه، وهو عاجز، ليس بيده شيء. فاضت عينيه بالدمع، وهم أن يستدير لسيارته. فاستدارت هي هامسة بصوتاً مسموع: "عمرو." استدار لها بأمل، ووجهه توهج، وعينان تلألأت. فتابعت قائلة ببكاء: "هتبعد وتسيبنا تاني؟

هز رأسه بهلع: "مقدرش أبعد عن روحي. هو في جسد في الحياة عايش من غير روح؟ شهقت ببكاء، وتركت يد ديجا وركضت ناحيته. ليفتح ذراعيه متلقفها، وهو يدفنها بداخله أكثر، يكاد أن يضعها بقلبه. همست من بين دموعها وهي تشدد من ضمها له: "إياك يا عمرو، تسبنا تاني. دا أنا أموت والله، ما تبعد أبداً، متحرميش من أمانك." لم يتحدث، وإنما اعتصرها بداخله. لتصفق ديجا بفرحة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...