بإحدى الكافيهات دلفت مكه بخطوات ثابته متزنه. تبسمت لبعض الفتيات والشباب وهي تتقدم منهم، فما أن وقفت بقربهم صافحتهم بمحبه وجلست فتسامروا قليلاً. وقف شاب ناصع البياض ذو أعين خضراء، نحيل الجسد، طويلاً. خاطب مكه قائلاً: "مكه، هل تأتي قليلاً؟ أريدك بشيء على انفراد." هبت واقفه قائله بإبتسامة: "حسناً." نظرت للفتيات وتابعت قائله: "أستأذنكم لبعض الوقت، لن أتأخر."
أومأوا لها بإبتسامة. بينما خرجت خلفه خارج الكافيه بمكان منزوٍ عن الطريق. وقفت بعيداً عنه قليلاً، فبادر هو قائلاً: "أخبرتيني على الهاتف أنكِ أخذتِ قراراً بطلبي، أود أن أسمعه." صمت بقلب راجف يخشى أن تقول ما سوف يحطم فؤاده، لذا صمت بخوف. كان بداخلها صراع فيما ستفعله، وبذاك القرار الحاسم الذي سيقلب حياتها رأساً على عقب. ولكنها تود أن تخرجه من فؤادها، أن تثبت له أنه لا شيء.
كانت حائرة الفكر، لا تدري هل توافق أم ماذا، وهل ما ستفعله صحيح أم لا. أغلقت جفونها بتوتر شديد وارتباك، وتنهدت بصوت عالٍ كأنها تخرج تلك الأفكار من رأسها. نظرت له قائلة بثبات: "قراري هو إني... نظر لها بعمق وتساءل بأمل: "إنتِ ماذا؟ هيا تحدثي." زاغ بصرها، ترددت كثيراً وتحير فكرها وخفق قلبها. تحادث نفسها قائلة: "لا تفعلي هذا، هكذا ستظلميه وستظلمي قلبك. تمهلي قليلاً، فكري أكثر، خذي وقتك، ستندمين."
طال صمتها، فأنتابه القلق من أن ترفض. فهمس يحثها على الحديث والإقبال: "مكه، ما بكِ؟ أنتِ بخير؟ أود أن أسمع قراركِ، فأخبريني. لا يمكنني الانتظار أكثر من ذلك، فلتثلجي قلبي." "موافقة." نطقت بها سريعاً قبل أي تراجع، وتنفست الصعداء وهي تأخذ شهيقاً وزفيراً تباعاً. لكن قلبها ما زال مفعماً بالحزن. مهلاً، هل هذا سؤال؟ فمن اليوم سيظل الحزن والوجع جاثمين به، سيكن العذاب رفيق روحها والدموع ملاذها ليلاً، وسيكون الليل ونيسها.
فلتأتي يا دنيا بما عندك، فلم يعد هناك شيء أكثر وجعاً مما بقلبها. هل سيعلم فؤادها كيف يضحك من اليوم؟ أهلاً ومرحباً بالأحزان والهموم، من اليوم فهم دنيتها فيما بعد. أو لعلها تحب ذاك الذي وافقت على الزواج به، من يدري بالغيب؟ سيعوضها الله أكيداً على حرقة فؤادها ودموعها وتعبها، سيفرج همها كأنها لم تعِ للحزن يوماً، وسيتلاشى بيوم ما. فاقت من شرودها على تلويح كفه أمام وجهها، فتنبهت له وهمست باسمه:
"سآخذ معاداً مع أبي وسأخبرك." تبسمت عينيه وتوهج وجهه إشراقاً وسروراً. وهمس بنبرة صادقة: "يا ليتكِ تدرين كم أسعدتِ قلبي الآن... أنا حقاً لا أصدق... أني سعيد، سعيد للغاية. سأجعلكِ أسعد فتاة على وجه الأرض ولن أجلكِ تحتاجين شيئاً. فمنذ أن وقعت عيناي عليكِ، وقع قلبي أيضاً يا فتاة أحلامي. أعشقكِ وأود لو أتزوجكِ اليوم قبل الغد." وضع يده على قلبه وأغمض جفنيه هامساً: "آه، سأبرد نار قلبي الآن وأطمئنه أن معذبته له."
فتح جفنيه ناظراً بعمق عينيها وقال بعشق: "مكه، إني أحبك فوق ما تتخيلين. أعشقكِ، كلكِ، أخلاقكِ، وقلبكِ الذي أسرني. أنتِ يا فتاة أسيرة داخل فؤادي ولن أحررك أبداً، ستظلين بمسكنك." أين هي؟ هل جربت يوماً أن تنسحب روحك منك ويتوقف نبض القلب ومع ذلك يبقى جسدك باقياً بالحياة، وقد اختفت الحياة من قلبه؟ إنه فقط بحاجة لقبر يضمه وينتظره ولا يأتي. أظن ما هي الحياة؟ أين هي؟
لا عقلها ولا روحها أو فؤادها موجودين. إنهم راحلون إلى الحبيب معشوقهم حيث سكنهم ومأواهم. لم تستمع لحرفاً مما قال، فصورة من عشقته قابعة أمام عيناها لا تغيب، وصدى صوته يدوي، فلا تسمع غيره. فصوته مصدر أمانها وراحتها واطمئنانها وسكينتها. تنبهت له حينما هم بإمساك يدها، لتبعد يدها وتتراجع للخلف خطوة. فأسرع برفع ذراعيه هامساً بضحكة: "أعتذر، لا أقصد ذلك. فقط كنت أحاول جذب انتباهك. أنتِ هنا وليست هنا، فأين أنتِ؟
بدموع لامعة بمقلتيها، تبسمت بخفة وهدوء وقالت: "لا، فقط انشغلت قليلاً. لا بأس، أنا معك. ماذا كنت تقول؟ أشار بيده وما زال تأثير الفرحة يشع بنور من مقلتيه: "هيا بنا نخبر رفقاءنا بهذا الخبر السعيد ولنحتفل قبل عودتك للمنزل." سارت خلفه للداخل مطأطأة الرأس، كاسفة البال، تود لو تخرجه من فؤادها وتقذفه خارجاً، أن توقف التفكير به، وتعاتب فؤادها. لماذا... لماذا هي موجودة؟ تشعر بأن به شيئاً...
لقد غاب كأن القمر غاب ذات ليلة، أو الشمس لم تشرق. هذا هو حالها، قلب بلا نبض، جسد بلا روح، تود لو أن تحلق إليه وتعانقه وتشكِ له منه إليه. وتختبئ من العالم به. لم تدر كيف وصلت للطاولة، فكانت كالمتغيبة. فاقت لذاتها على صوت التهنئة من صديقاتها واخت "علي"، وتوالت عليها المباركات. ضمت أخته، فما أن أوشكت بالإبتعاد حتى رأته جالساً وأمامه فتاة. ترتدي ماذا ترتدي؟ هي لا ترتدي شيئاً بذاك الفستان القصير للغاية.
مهلاً، ممسك بيديها أيضاً ويحادثها. حملقت مزهولة به، وتجمدت الدماء بأوردتها، وأخذ صدرها يعلو ويهبط. أشعرت يوماً بنيران تصهرك؟ هي الآن رماد. تسمرت مكانها، تود لو تقلع له عينيه الآتي تنظران لها، وليديه الممسكتين بكفيها. استشاطت غيرة. تلاقت أعينهم بلحظة عاتبة مؤلمة، تبث الشجون بلغتها المحببة لدى العاشقين. أقترب "على" (مصري الجنسية، ولكن والدته أجنبية وكل حياته بالخارج) هامساً بقلق: "مكه، أأنتِ بخير؟ على ماذا تنظرين؟
تنبهت له، فأستدارت بإتزان وبسمة تزين ثغرها، وهتفت برقة: "لا أنظر لشيء. أنا فقط أفكر كيف ستكون حياتنا، وأطفالنا، وبيتنا أيضاً." ابتسم بحب وهم بفتح فاهه للرد، ليجذبه عثمان ولكمه دون كلمة. ليرتد على للخلف مصعوقاً دون أن يعي شيئاً. وقبل أن يعي، تلقى لكمة أخرى أسقطته أرضاً. وهجم عليه عثمان كالثور الهائج، وهو لا يرى أمامه سوى حديثه مع محبوبته، ضحكتها، لها، نظراته التي يعرفها جيداً.
شهقت مكه وهي متسعة العينين، وأرتجفت كلياً. هوت دموعها بخوف، بينما تجمع كل من بالكافيه يحاولون إنقاذ ذاك الذي أُغشي عليه، غارقاً في دمائه. أقتربت مكه ممسكة بقبضته ببكاء وهي تقول: "لا، لا. سيبه، هيموت. حرام عليك." نهض مهتاجاً وهو ممسك بذراعها الذي كاد أن ينكسر من قبضة يده، وصاح بأعين يغلفها السواد: "إيه! خايفة عليه؟ والله لأموتهولك! بتعملي إيه هنا؟
تلجلج صدرها، لم تدر كيف تجيب وهي ترتعد خوفاً هكذا منه. فتعالى نحيبها بحرقة. فلأن فؤاده قليلاً، وما زالت غيرته تسيطر عليه. جذبها من معصمها للخارج، ووصل بها للسيارة وفتح بابها. استجمعت قواها الخائرة، ونظرت له بجمود، وتجمدت دموعها. وسحبت ذراعها الذي ازرق من قبضته: "أوعى إيدك كدا." أغلقت الباب بعنف، ونظرت له، ثم دفعته من صدره وهي تصرخ به: "إنت عملت إيه فيه؟ كنت هتموتوا يا أخي، إنت إيه؟ إنت مش طبيعي والله."
أتسعت عينيه بهالة مخيفة، وعاد إمساك ذراعها لتتأوه بألم. وصرخ بوجهها: "إيه! خايفة عليه ليه؟ إنتِ مش شفتيش بيبصلك إزاي؟ كنتِ مفكرة هسيبك معاه؟ افتراضا أذاكِ؟ ظهرت ابتسامة ساخرة على جانب فمها، وغمغمت قائلة بوجع: "هو مستحيل يؤذيني، بس إنت اللي بتؤذيني. وحل عني وابعد عشان بجد حرام كده. والله أنا تعبت. كفاية بقا ارحمني وابعد عني! أشار لذاته مزهولاً، وتمتم بنبرة لاذعة: "أنا؟ أنا يا مكه هأذيكِ؟
أرادت أن تعاتبه، أن تخبره أنها بحاجة إليه كي يحميها من كل شيء، حتى نسمة هواء قد تمرضها. يكفيني رؤياكِ لكي تنبع ضحكة صافية من بين ثنايا القلب لا يغشاها شيء. لا تترك يدي. اجعل كفك يضم كفي للأبد يا وطني. فلنمضِ سوياً إلى جنة الرحمن. فلتكن السعادة لنفسي، والراحة لقلبي، والسكينة لروحي. كن لي كوكباً درياً وسط الظلام الحالك، ولتتمسك بيدي ولا تتركها. لكنك تركتها بأول الطريق. يا ليتني لم أعرفك يوماً أو أراك.
لاذت بالبكاء، وقلبها يصرخ. حتى أزاحت دمعاتها بكفت يدها، وهمت بأن تعيد أدراجها ناحية الكافيه. ولكن يده قيدت معصمها، وصرخ بغضب: "إنتِ رايحة فين؟ التفتت له بثبات وجمود، ونبرة خالية من كل شيء، وصاحت وهي تدفع يده: "ملكش دعوه اروح فين اجي منين. ملكش حق تسألني ولا تعرف. أنا بكرهك يا عثمان. بكرهك وكرهتك. فأبعد عني عشان كرهي ما يزيدش أكتر من كده. خليك الأخ اللي ما زال بقلبي وبس. مضيعش دي كمان."
أبتعد خطوتين وهو يغلق جفونه بعنف. وخفق قلبه الذي أضناه الوجع وأصبح حالك السواد. تكرهه؟ حبيبته؟ ابنته؟ تكره؟ ولكنه يستحق. فقد أوجعها وأهانها وجرحها. يستحق أكثر من ذلك. أهذه هي حقاً أميرة قلبه التي كانت مفعمة بالحيوية والنشاط كفراشة تحلق وبأي مكان تنشر البهجة وتملأ الدنيا وتغمرها حناناً. أهذه هي من أنارت جدران قلبه الحالك لتذيقه من أنوار الحياة أبهاها؟ منطفئة، حزينة، فما انكسر لا يتصلح أبداً، وهي تحطمت كلياً.
ساد الصمت وعم. قاطعته هي هامسة بنبرة مفعمة بالحزن والوجع والثقل، أضنى فؤادها والغيرة تسيطر عليها: "رووووح للبنت اللي كانت معاك. مينفعش تسيبها لوحدها. تنفعك ولايقة عليك. ذوقك حلو. ربنا يسعدكم ياررب." قالتها بسخرية وابتسامة هازئة ممتعضة على ثغرها، وقالت بنبرة لم تستطع إخفاء الغيرة بها: "روووح امسك ايدها وكلمها. أم فستان بين أكتر ما مداري. دي روح أشبع بيها. يارب تتحرقوا سوا."
قالتها وهي تغادر من أمامه بغضب وغيره متوجهة للبيت. ليزفر هو بضيق. سرعان ما ابتسم ضاحكاً لقولها. وأسرع على عجل خلفها شبه راكضاً. أمسك ذراعها قائلاً: "استنى عندك هنا." التفتت له بوجهها الغاضب وبحنق هتفت: "خير، عايز إيه تاني؟ أشار للسيارة: "امشي اركبي، خليني أوصلك." وضعت يديها بخصرها وبسخط هتفت: "وأنت توصلني ليه أصلاً؟ روووح وصل اللي كانت معاك. مينفعش تسبها كدا، عيب." ببرود تام جذبها من يدها عنوة وهو يقول:
"اسمعي الكلام وأنتِ ساكتة." فتح الباب ودفعها للداخل. حاولت بشتى الطرق أن تتحرر من قبضته، لم تستطع حتى النزول من السيارة. استقل السيارة وأنطلق بها. نظرت من خلف النافذة للطريق بشرود ودموعها تهوى على وجنتيها بألم. لاحظ دموعها من مرآة السيارة التي كانت تتقاذف على قلبه كالجمر. دون أن ينظر إليها قال متسائلاً: "مكه، أنتِ كويسة؟ ماااالك بتعيطي ليه؟ "مفيييش." نطقت بها بجفاء وحدة وهي تعقد ذراعيها. وفاضت عينيها بالدمع أكثر.
كثّ الضيق وجهه... وخفقت دقاته بوجع... وأضنى الحزن روحه ونفسه وروعه... لذا ركن السيارة على جانب الطريق... وعم الصمت والهدوء إلا من شهقاتها هي. "وبعدين." نطق بها عثمان بنبرة حانية وهو يستدير بجلسته قبالتها. أختلست نظرة بطرف عينيها، ولوت فمها بطفولة وهي تقلده: "وبعدين." "متجننيش." "وأجننك ليه؟ نطقت بها مكه وهي تلتفت له. فأخرج منديلاً ورقياً وهم بتجفيف دمعاتها، فأرجعت رأسها للخلف بجمود وامتعاض. فتنهد وهو يكابد على كبح
غضبه وتساءل بنبرة هادئة: "ممكن أعرف بتعيطي ليه؟ تأففت وهي تنظر أمامها متأملة الطرق وهتفت بنبرة حادة: "يهمك في إيه بعيط أو لأ. مش خلاص عملت اللي عليك وهنتني قدام صحابي كمان وضربت على." تخللت الغيرة ثنايا فؤاده وغلت الدماء بعروقه ودق قلبه بعنف. كيف لها أن تنطق اسم رجلاً غيره؟ هو فقط من يحق لها أن تنطق حروف أسمه بصوتها الرقيق الذي يترنم بأعذوفة عذبة تريح فؤاده وتبهج روعه. لكم النافذة بغضب وهو يصرخ بأعين
متسعة تشع شرارة الغضب: "اسكتييييي! مسمعش صوتك بيجيب اسم أي راجل تاني على لسانك." أنتفضت برعدة ونظرت له قائلة بتريث: "ليه يعني؟ وبعدين الرخيصة دي إزاي تركبها عربيتك وتقعد جنبها كده؟ لا وكمان كنت عايز تمسح دموعها." تألم قلبه وغض بصره وانعقد لسانه فلاذ بالصمت. يود أن يقول إنها ليست كذلك، بل أنتِ أغلى من كل شيء. آه لو تدري أن كل دقة تدق من أجلها، وأنها شمساً تضي فؤاده المظلم وتنيره.
بصمت قاد السيارة حتى توقف أمام الفيلا، لتترجل هي ركضاً مهرولة للداخل. غادرتها روحها تهفو ناحية رحيم الذي استعاد وعيه. طلت البهجة من شرفة عينيها، وتوهج قلبها مسروراً مشرقاً، وأنشرح صدرها. كانت كنسمة تسير شبه راكضة بشوقاً تقبل ناحية الغرفة والبسمة لا تفارق وجهها. تراقص قلبها وتمايلت روحها فرحاً. فما أن أوشكت على الدخول حتى ظهرت الحجة صفية تسد الباب وهي فاتحة ذراعيها بوجهها كي لا تعبر، وهتفت بنبرة حادة جافة ساخطة:
"وه وين رايحة؟ نظرت لها بأعين تذرف الدمع، تترجاها أن تفسح لها الطريق أن تتلاقى مع روحها التي بالداخل لتطمئن ذاتها قليلاً وتسكن هيجانها. همست بتلعثم وهي تشير للداخل بنبرة مترجية: "معلش خليني أدخل بس أطمئن عليه وأرجع على طول. ولو مش عاوزين تشوفوني همشي، بس أطمئن عليه." دفعتها للخلف وأغلقت الباب وراءها، ورفعت سبابتها بوجهها تصيح بها بنبرة لاذعة.
انتفضت وعد بخوف من أن لن تراه وتملكها الاشتياق أكثر وفاق الحد، وخفق قلبها بوجع. "عايزة تشوفيه ليه؟ ما هو مين مرقد الرقدة السودا دي غيرك. وولدي كنت هخسره بسببك. عارفة يعني إيه كان هيموت ومش هشوفه تاني؟ تلجلجت قليلاً وفاضت عيناها بالدمع وتابعت من بين شهقاتها: "كنت هخسره هو وأبوه بشهر واحد. ليه؟ إنتِ شايفاني إيه؟ دا ولدي." ضربت بكفها موضع قلبها:
"ولددددي اللي جوه دا لو كان حصله حاجة كنت روحت فيها. معرفش أعيش من غيره. دا سندي، دا بيتي. عارفة يعني إيه؟ أنا فتحتلك باب بيتي ورحبت بيكِ وحبيتك كبنتي بالظبط، ويمكن أكتر كمان. بس كفأتيني بإيه؟ إنك طلعتي وحدة كدابة. كنتِ جاية تسجني ولدي، وفي الآخر إيه؟ أهو متلقح ما بين الحياة والموت لولا ستر ربنا. امشي يا بتي، متخلينيش أكرهك أكتر من كده. لو مكنتيش دخلتي حياتنا، مكنش كل دا حصل لوالدي."
هزت وعد رأسها بجنون، وأسهم محمية بالنار ترسى داخل فؤادها. أشارت وعد لها بتوسل: "هشوفه من بعيد بس. إنتِ معاكِ حق تزعلي عشان كدبت عليكم، بس دا شغلي. صدقيني، أنا حبيتك أكتر من عيلتي والله." همت أن تعبر من جانبها للغرفة، فبيد من فولاذ قبضة الحجة صفية عليها وجذبتها بحدة تسير بها للخارج رغم معارضة وعد. وعلى بغتة، تسمروا موضعهم، وتركت الحجة صفية وعد وهي ترى قوة من الشرطة أمامها. بجمود وثبات اقتربت وعد
سائلة بثبات ونبرة جادة: "في إيه؟ "عندنا أمر بالقبض على رحيم لقناوي." ضربة الحجة صفية على صدرها بصدمة. بينما لم تتأثر وعد وهتفت بحدة: "إيه السبب؟ مد الشاب يده ببعض الأوراق وقال: "أنا بنفذ الأوامر بس يا فندم." أومأت وعد برأسها إيجاباً وهي تتفحص الورق، وأخبرته بجدية وعملية أن رحيم ما زال مريضاً، وأول ما يتحسن ستأتي هي به. غادرت القوة، بينما انشغل ذهن وعد بالتفكير وهي تقبض على كفت يدها.
اقتربت الحجة صفية منها وجذبتها من ذراعها تديرها نحوها، وبلهجة غاضبة قالت: "أهوو شفتي مصايبك؟ هتودينا لحد فين؟ بهدوء تحدثت وعد: "دي مش مصايبى. أنا أخو زوجك هو اللي متهم. رحيم وكل العمليات بإسمه. أخو زوجك اللي هو عمه السبب، وهو اللي وقعه. دي حاجة أنا مليش فيها. واحمدي ربنا إني هنا، لأني هبرئ ابنك وهثبت براءته. فكري بقا لو مكنتش، كنتوا هتعملوا إيه؟ صمتت الحجة صفية بتفكير، تقلب كلماتها، فتنبهت أنها محقة بكل ما قالته.
زفرت وعد بضيق وقالت: "لحد ما نقبض على قاسم، فخلي بالك من رحيم وغادة، وأنا رايحة القسم. لو عاوزتوا أي حاجة، رني عليا، هتلاقيني عندك، تمام؟ أومأت الحجة صفية برضا، وتوجهت وعد للمغادرة، وهي لغرفة رحيم. دلفت الحجة صفية لداخل الغرفة التي بها فلذة كبدها. شاردة الذهن تنظر بالفراغ أمامها تفكر بوعد وبما قالته. تقلب كلماتها مراراً وتكراراً بداخل فؤادها. ما يؤلم فؤادها أنها كذبت عليهم، اسمها ليس اسمها، وهي لا هي لمين؟
لقد أحبتها كابنة وأكثر. أتتكفئها هكذا بالآخر؟ لو كانت فقط أخبرتها من هي ولما جاءت حقاً، لم تكن لتحزن أو تحمل لها بقلبها شيئاً. على العكس تماماً، لكانت ساعدتها. ومضات بلحظاتها معها لاحت أمام عينيها، ففاضت عيناها بالدمع حزناً وألماً، وخفق قلبها بوجيعة تضنى روحها. فاقت لواقعها على صوت غادة وكفها على منكبها: "مالك يا أمه؟ إنتِ زينة؟ ثم أستطردت بنبرة فرحة: "رحيم فاق يا أمه وزين." "صوح يا بتي؟
همست بها الحجة صفية بعدم تصديق. فما أن وقع بصرها على رحيم ذو الوجه الشاحب الهزيل، فأقتربت بلهفة وروحاً تهفو. تطل البهجة من شرفة عينيها، وضمت وجهه بين كفيه وهمست دامعة بسرور ووجهها مشرقاً كالبدر ليلة تمامه: "رحيم يا جلب أمك، طمني عليك. إنت بخير يا ضنايا؟ حاسس بحاجة؟ هز رحيم رأسه بالرفض، وجذب ظهر يدها مقرباً من شفتيه، وطبع قبلة حانية وهمس: "ولدك زين يا أمه، متجلجيش إنتِ. إنتوا زينين كلكم. وعد زينة."
جابت عيناه الغرفة بحثاً عنها، فلم تقع عيناه عليها، فانحصر بداخله القلق وتساءل وهو يعيد النظر لوالدته: "وينها وعد يا أمه؟ ليكون حصلها حاجة؟ هي زينة؟ ظهر الامتعاض بوجهها وقالت بنبرة ساخطة: "يهمك في أي هي زينة ولا لا؟ هي السبب في اللي إحنا فيه. وبسببها كنا هنخسرك وهتموت." رفع رحيم جذعه قليلاً وهو يعتدل وتحدث قائلاً بتعجب: "كيف يعني هي السبب؟ وهي دخلها إيه؟ زفرت الحجة صفية بضيق:
"ما هو لو مكنتش خدتك معاها، مكنش حصلك حاجة! حملق بها بزهول وبنبرة جادة قال: "يا أمه، خدت مين بس؟ وهش دخلها؟ أنا اللي روحت لحالي. وبعدين لولا إني روحت، مكنش زمنا اكتشفنا حقيقة عمي." رمقته الحجة صفية بعدم تصديق وقالت: "إذا كِده، أمال روحت ليه أهناك؟ ليك إيه إنتِ عجل؟ تحاشى رحيم النظر لها وتصنع الانشغال بالأشياء. بحنق قالت الحجة صفية: "عمك والله دا راجل مكنتش بطيقه، بس بردك بنته ملهاش ذنب."
تنبه رحيم لجملتها، فألتفت لها قائلاً: "لا يا أمه، وأنا من إمتى بأخذ حد بذنب حد تاني؟ بنته هتبقى مراتي إن شاء الله، وأنا جد كلمتي." وقع بصره على غادة المنزوية على المقعد تبكي بصمت، فناداها: "غادة، بتبكي ليه؟ تعالي هنا! كفكفت دموعها وجاهدت على حبسهم بمقلتيها، ونهضت مقبلة نحوه، فمد يده لها وهو يقول: "ما لكِ يا حبيبتي؟ أنا بخير اهو قدامك، هتعيطي ليه عاد؟
ناولته كفها، وأستعبرت عينيها بحزن، ثم انكبّت على صدره مجهشة بالبكاء، وقلبها يتضرع بالشكر لربها أنه نجى أخاها. حمدته. لم تكن تصدق حواسها أنه ها هو أمامها بخير، ولكن فكرة فقدانه تجعل قلبها يشعل بالنار يكويها كوياً. شدد من ضمها يحتويها بين ذراعيه، يبث لها الأمان والراحة ويدثرها بدفئه. فما أن استكانت وهدأت قال باسماً بخفوت: "خلاص عااد يابت، مكنتش أعرف إني غالي عليكِ قوي كده!! ضحكت من بين دموعها وبريق عينها يتلألأ،
وضربته بخفة قائلة بمشاكسة: "لاااه مش غالي ولا حاجة، امال إنت مفكر إيه يعني؟ ثم بنبرة يفعمها الحزن والثقل والخوف: "إني مليش غيرك بالدنيا كليتها. من غيرك أنا ولا حاجة. لما قالولي إنك عملت حادثة مصدقتش، حسيت إن الدنيا ضاقت جوووي وإنت مش موجود. كنت خايفة." ابتسمت الحجة صفية رافعة كفيها تدعي: "يا رب يا رحمن احفظهم لي وديمهم سند وأمان لبعض، وماتميزنيش في حد فيهم واصل يا رب."
آمنوا على دعائها، ثم استطرد رحيم بقلق وعينيه متعلقة بالباب على أمل أن تطل عليه لتضيء ظلام روحه الحالك: "برضك مجولتليش وين وعد؟ وعد؟ وعد؟ ترددت تلك الكلمة، وحادثته نفسه: وعد، تلك الفتاة التي كذبت عليك. لم تعبأ بأن تخبرك الحقيقة، أو حتى حقيقة اسمها. فقط ميار؟ من ميار؟ أظن الذي عشق كل حرفاً من اسمها. وعلى حين غرة، ليس هناك ميار، أو حتى اسمها. لماذا؟ بماذا لعبت بهم هكذا؟ لماذا لم تخبره بالحقيقة؟
أيعاتب فؤاده أنه أحبها، أم يعاتبها هي؟ يا ليت الحب له موعد، حتى لا يتأذى الإنسان هكذا بلهيبه. "رحيم يا ولدي، فيك إيه ومالك سرحان؟ هتفكر في إيه؟ قالتها الحجة صفية بتعجب من ابنها الشارد. ليتنبه لها وهز رأسه قائلاً: "مفيش يا أمه. وين تلفوني؟ تطلعت الحجة صفية حولها حتى وقعت عينها عليه، فجذبته لتناوله لها وهي تقول: "برضك مش هتقولي إيه وداك الجبل؟ بامتعاض تحدث رحيم:
"بكفياكِ عاد يا أمه. حولتلك موضوع كده وحصل اللي حصل. إيه هنعترض على قضاء ربنا يعني؟ وبعدين ما أنا زين آهه." تطلعت به بشك وهتفت بحنق: "أقطع يدي يا ولد بطني لو مكنتش مخبي عني حاجة." "خد التلفون أهو. هطلع أشوف الدكتور وأتصل بميار." ثم تراجعت متذكرة: "قصدي اسمها إيه دي؟ وعد؟ إنك فوقت عشان طالبينك في القسم." أومأ رحيم وتناول منها الهاتف. انتظر خروجها، فبادر بالاتصال على أحداً ما. دقائق وهتف بجدية وحسم:
"عملت اللي جولتلك عليه؟ رد الطرف الآخر قائلاً: "أيوه يا رحيم بيه. كله تنفذ زي ما أمرت، ومتجلجش. متوصين بيه زين جوي." ابتسم رحيم بغموض ومكر، وأعتراه الكره وهو يقول بنبرة مخيفة: "عااال عال يا ولد. روقوه لحد ما أجيله، وعينكم متغفلش عنيه واصل." "من عنيا يا رحيم بيه. دا إنت تؤمر. هنروفه آخر رواق، ومتشلش هم. إنت أهم حاجة ترجع لنا بخير وسلامة وتخلي بالك من صحتك." رد رحيم بامتنان: "تسلم يا رب. يلا السلام عليكم."
رد الآخر التحية وأغلق، فتنفس رحيم بصوتاً عال. بمنزل لمار جلس يوسف وحامد وزيد وأيهاب مع علي الجالس بتوتر بجانب حامد. تحدث حامد مخاطباً علي: "كيف حالك يا بني؟ ووالدك ووالدتك، ما أخبارهم؟ تنحنح علي بتوتر مصحوباً بالحياء قليلاً من ذاك الموقف وتمتم: "بخير يا أونكل." همس حامد: "لماذا لم تخبرني بمجيئكم إلى هنا؟ لقد حزنت منكم كثيراً." رد علي بلهفة: "لم تسمح لي الفرصة بإخبارك، وها أنا قد أتيت." ثم استطرد قائلاً بإرتباك:
"ولكني قد أتيت لشيء آخر." أخرج يوسف صوتاً بدليل نفاذ صبره، فحثه فيكتور على الحديث قائلاً: "تكلم، ما السبب؟ تنحنح علي وهو ينقل بصره بينهما، وهم بالحديث ليقاطعه دخول ياسين وحذيفة ملقيين السلام. فرد الجميع وجلس ياسين بجانب علي، وحذيفة من الجانب الآخر. ألتصق علي بينهما، فغمغم بضيق. أمسك ياسين بوجهه وهو يتمعن النظر به وتمتم: "بسم الله ما شاء الله! مين يا بني معلم عليك كدا وعملك خريطة مصر العربية؟ دا أنت مطشفلط شفليط."
"وريني كدا؟! قالها حذيفة وهو يتمسك بذقن علي ممعناً النظر به، وحملق به وهو يتحدث بصدمة: "إيه دا يااالهوي! دي مش خريطة مصر العربية، دي خريطة العالم." أنهى جملته وهو يضحك بصخب. فشاركه يوسف الابتسامة هو وايهاب وزيد، بينما رمقهم حامد نظرة خانقة. نظر لهم علي بزهول، وأبعد كفوفهم وصرف بصره لحامد قائلاً: "أود أن أطلب منك يد مكه، وإن تم القبول سأجلب أبي وأمي إلى هنا، وأنت تعلم عني كل شيء." هم حامد أن يجيب، فقاطعه يوسف قائلاً
بضيق وحسم: "معندناش بنات للجواز." رمقه حامد بضيق، ثم خاطب علي قائلاً: "إن شاء الله يا بني، سآخذ رأي مكه وأرد عليك." تبسم علي ببهجة تسري بعروقه وأوصاله، وهو يعلم رأيها. لحظة ودلف عثمان شبه راكض، وعلى وجهه غضب كفيل بأن يحرق الأخضر واليابس. تبسم يوسف وهو يتكأ للخلف بإستمتاع، بينما تمتم زيد: "دا احنا هنشوف أيام! غمغم حامد راداً على زيد: "الله يرحم مكه بنتي." لكمه إيهاب قائلاً بضحكة:
"قول الله يرحم الراجل الغلبان دا. والله كان ابن ناس وراجل كويس." قبل وصول عثمان لعلي، توقف ياسين بوجهه حائلاً أمامه من المرور، وغمغم بجوار أذنه: "اهدأ يا عثمان، والدك ووالدي قاعدين. اهدأ وخلّينا نتكلم بعدين." رمقه عثمان بغضب وكظم غيظه قائلاً من بين أسنانه: "حسابك بعدين." نظر علي لعثمان، فتذكره سريعاً، فأنتفض بفزع وهو يتحسس وجهه. تبسم عثمان بسخط وهو يكظم غضبه، وأقترب منه ومد يده ليصافحه وهو يقول:
"أهلاً بعريس بنتنا. عامل إيه؟ ابتلع علي ريقه بصعوبة، وأتسعت عينيه بفزع وخوف، بينما كبت حذيفة ضحكاته وهو يميل لأيهاب قائلاً: "حد يلحق المرحوم يا جدعان." صدرت ضحكة من الجميع خافتة. بينما برعشة مد علي كفه مصافحاً عثمان، فضغط عثمان على كفه بكل ما أوتي من قوة، فتأوه علي بصوتاً عال، ولكن شدد عثمان من قبضته حتى كاد أن يكسر كفه بين يديه. تركها أخيراً بعد دقائق، كأنه يعطيه إنذاراً بعدم الاقتراب منها. وقف علي بخوف وهو
يتمتم بكلمات غير مفهوم: "أنا ذاهب، أقصد سأذهب، أقصد سأغادر الآن، وانتظر رد حضرتك." صافحه حامد وهو يخرج معه للخارج. كان ينظر لجسده ويديه بخوف، كأنه يحاول تصديق أنه خرج سليماً من الداخل. نظر عثمان لياسين بغضب وقال بما يشبه الفحيح: "تعالى عايزك." "لاااا! تعالى، أنا اللي عايزك! قالها يوسف وهو ينهض مغادراً ناحية المكتب. فهمس عثمان بأدب: "حاضر، جي اهو." ثم نظر لياسين بنظرة ذات معنى وقال جوار أذنه:
"بقا عشان كده طلبت مني أجي، ماشي." نظر ياسين له ببرود. فمضى عثمان للمكتب، طرق الباب، فأذن له يوسف فدلف غالقاً الباب خلفه. أشار له بالجلوس، فجلس مقابله. تنهد يوسف وهو يتكأ للخلف بظهره وهتف: "خيرررر! في إيه؟ عايز أعرف؟ مخبين عني إيه؟ هز عثمان رأسه سريعاً: "مش مخبين حاجة. هيكون مخبين إيه؟ مال يوسف بجذعه قليلاً وغمغم قائلاً وهو يمعن النظر به: "عثمان، إنت بتحب مكه بس خايف." قاطعه عثمان قائلاً بتوتر ظاهر جلياً بمقلتيه:
"أبداً، حب إيه بس، مش بحب حد خالص." هز يوسف رأسه بإصرار: "لا بتحب وخايف تتجوزها وتموت وتسيبها تتعذب من بعدك، وحاطط صورة بباك قدامك وحالاته مع بسنت وموتها كئيب." نكس عثمان رأسه، وجحافل من الذكريات اخترقت ذهنه وروعه مع والدته حبيبته وعائلته السعيدة التي لم تدم، وسرعان ما تشتت بفراقها. ومضات لها تضيء أمام عينيه، فادمع. ربت ياسين على قدمه وهو يقول:
"أنا عارف إن الفراق صعب، وحالة بباك كانت أصعب. بس الموت علينا حق، والأعمار بيد الله. وربنا يديمكم لبعض. استغل الحياة قبل ما تستغلك، استغل كل لحظة فيها معاها، واخلقوا دنيا حلوة مع بعض وذكريات جميلة، وقربوا لربنا سوا عشان تكونوا في جنته. يا بني، هي دي الدنيا، إحنا عليها مجرد ضيوف ولينا وقت وهنفارق، فاستغلها وتوكل على الله وبلاش الخوف ده لأنه هيعذبك أكتر. وألحق الفرصة قبل ما تضيع من إيدك." تألم فؤاده، فهي قد ضاعت حقاً.
ونظر له بألم وقال بوجع: "أظن أنها ضاعت خلاص!! تحدث يوسف باسماً: "مفيش حاجة ضاعت. الحاجة اللي بضيق بتضيع بس لما إحنا نسمحلها بكده، لكن عمر ما في حاجة بتضيع طالما إحنا متمسكين بيها. اعمل كل اللي تقدر عليه، وصلح اللي كسرته." ابتسم عثمان لعمه، ورفرف فؤاده وانشرح. ها هو يتولد من جديد، والفضل لذاك العم الذي يفهمه من نظرات عينيه، وينتشله من الضلال إلى طريق مستقيم ليس به اعوجاج.
بغرفة مكه جلست معها أسماء يتسامرون عن العريس، بينما مكه شاردة غائبة تفكر بقاسي القلب الذي لا تدري بما يفكر. لحظة تشعر أنه يعشقها، وبلحظة يكرهها. فمن هو العاشق أم القاسي متبلد القلب؟ دلفت ديجا وهي تأكل شوكولا تلتهمها بتلذذ. جلست بجانبهم، فصمتت. ونغرتها أسماء متسائلة: "إيه اللي حصل تحت يا بت؟ اتكلمي." أشارت ديجا لها: "لما أكل الشوكولا عشان جوزي جابهالي لما كنت عنده." أنهت جملتها وهي تنظر لمكه مغيظة إياها. فأستشاطت
مكه وجذبتها من يدها قائلة: "طب هاتي دي، مش هتأكليها." زمت ديجا شفتيها قائلة: "مش عايزها، خوديها. هو جاب لي كتير لما كنت أنا وبابا عنده." "عااااااا." صرخت بها مكه وهي توثب واقفة لتغادر. وقبل أن تفتح الباب قالت ديجا بصوتاً عال لتسمعها: "بس العريس دا مش حلو، أنا جوزي أحلى." ثم بهمس لأسماء قالت: "اصل أنا كنت مستخبية في المطبخ، وجه عثمان والعريس فلسع." "فلسع." نطقت بها أسماء ومكه التي اقتربت بزهول. لتؤكد
ديجا بإيماءة من رأسها: "أه، أول ما شافه مشي وهو خايف." دفعتها مكه بخفها وهي تقول: "وهو جه ليه دا؟ ثم استدارت مغادرة وهي تحادث نفسها حتى ارتدت للخلف نتيجة اصطدامها بأحد، فلم يكن سوى عثمان الذي قال: "يا بنتي، فتحي! مينفعش كده كل شوية تتخبطي فيه، أكيد مش صدفة." نظرت له بسخط وهي تتحسس جبينها وتمتم وهي تنظر للحقيبة بيده: "إنت رجعت؟ وأنا أقول الدنيا ضلمت ليه؟
أقترب بمكر وهي تتراجع حتى اصطدمت بالحائط، فالتصقت به وهي تكش على ذاتها. فعمس بجانب أذنها: "اكيد قلبك دلوقتي مش مصدق إنه شايفني ونور كمان." دفعته بغيظ للخلف وبجمود قالت: "إنت بتحلم." تخطته مغادرة، فتمتم هو: "هنشوف." وابتسم بإستمتاع.
استطاعت وعد بمهارة تبرئة رحيم من كل التهم المنصوبة إليه من جهة عمه، حيث جعلت رحيم يقابله ووضعت كاميرا برفقته لتسجل كل ما يدور بالداخل. لذا سجلت الكاميرا اعتراف عمه بكل ما ارتكبه، وهو يعترف لرحيم بكل جريمته من أول ما بدأ إلى أن تم الإمساك به. كان رحيم على وشك الخروج مغادراً من القسم، فالتقى بـ وعد صدفة، فتسمرت قدماهما قبال بعضهما، لقاء كانت تنتظره كثيراً. فبادر هو قائلاً بإبتسامة وهو يقطع المسافة بينهما:
"كيف حالك زينة؟ أومأت وعد باسمة: "الحمد لله. إنت بقيت كويس؟ أومأ برأسه حمداً ربه واستطرد متسائلاً: "شكراً ليكِ. لو مكنتيش كان زماني في السجن دلوق شايل تهم أنا بريء منها." ابتسمت وعد وهي ترفع رأسها به وهمست: "أبداً، دا واجبي. أنا معملتش حاجة." تعمق النظر لها كأنه يحفر صورتها بقلبه وتساءل بوجل وهو يتذكر شيئاً: "على كده يا بشمهندسة ميار؟ فقاطعته هي بلهفة: "وعد، وعد يا رحيم."
غرق هائماً بها، وصدى صوتها الناطق لاسمه يتردد على مسامعه. فحادثته نفسه قائلة: "أنا ليست لها، وهي ليست لي. ستكون لغيري زوجة وأبنة وسكن ووطن وأمان. هي لا تحق لك ولا يحق النظر لها. أنساها! ولكن كيف أنساها وقد توغلت حصون قلبي؟ أبيت الرحيل." ظهر الضيق بأساريره وتمكن من حناياه، وفاق على صوتها المنادي باسمه بقلق، فتنبه لها، لتهمس متسائلة: "إنت كويس؟ مااالك؟ حاسس بحاجة؟ رمقها بحب وبنبرة حانية ووجه باسم قال:
"أنا بخير، متجلجيش." ثم بنبرة وجلة هتف بترقب: "كنت عايز أعرف بس. بما أنك خلصتي القضية وتقفلت على كده، هترجعي بلدك؟ صمتت ملياً، بدأت بالتفكير وهي تغض بصرها، فبعد دقائق نظرت له قائلة: "أيوه، المفروض أنا كده دوري خلاص وهرجع. بس لسه لما نمسك قاسم." كث الحزن وجهه وألم الفراق فؤاده، وتنهد قائلاً: "متشليش هم قاسم، همي معايا." قطبت وعد حاجبيها بعدم فهم وهي تتساءل: "أجي معاك فين؟ تخطاها رحيم وهو يقول بجدية:
"همي، وهتعرفي دلوج." تعقبته وعد واستقلت السيارة إلى داره. ترجلا من السيارة، وتوقفت وعد بحياء من أن تدخل. توترت، فنظرت له هامسة: "إنت ليه جبتني هنا؟ أشار رحيم للداخل: "ادخلي دلوج لحد ما أجي." هزت وعد رأسها بالرفض: "لا، أنا مستحيل أدخل." بحسم أشار لها بعينيه وهو يتقدمها للداخل: "جولت يلا، همي معايا لجوه." سارت خلفه بارتباك واضطراب. فما أن أوشكوا على الدخول حتى هرعت تجاههم رابحة مولولة ببكاء وهي واقفة أمام رحيم:
"الحقني يا واد عمي، أبوي اتسجن. طلع عمك يا رحيم." ألتفت رحيم لوعد وأشار لها بأمر وحسم: "ادخلي جوه دلوج." أنصاعت وعد له بإرتباك وخطتت للداخل، وجلة من ردة فعل الحجة صفية. الذي ما أن رآتها حتى رمقتها بجمود. أم غادة بنبرة حزينة معاتبة، فتقدمت منها وعد بصمت، فتعانقا بمحبة. "ألحق مين وعم مين؟ عمي اللي اتهمني بحاجات مليش دخل فيها؟ ولا عمي اللي بيكرهني وكان هيموتني؟ يستاهل السجن يا رابحة." ضربت رابحة كفها على
موضع قلبها بصدمة وقالت: "إيه اللي بتجوله ده؟ أنا أبوي عمل فيك كل دا؟ ويعني إيه أنت هتسيبهم يحاكموه؟ أدار رحيم ظهره قائلاً بنبرة حادة: "والله كل واحد لازم يتحاسب على جرايمه، وهو لازم يتحاسب." ثم متذكراً استدار لها: "إنتِ كيف تطلعي من بيتك لحالك كِده؟ "لا هي جايه معاي." نطق بها ابن عم رحيم وهو واقف على أكتاف الدار، ثم صرف بصره لرابحة: "يلا نرجع... الظاهر جينا مكان غلط. على آمال كدابة، واد عمك شكله عايز يسجن أبوكِ."
تحدث رحيم مستوقفه، ينوي أن يحدثه بكل ما علمه عن والده: "وجف يا فرج، رايدك في كلمة." شوح له فرج يده بغضب وغمغم وهو يغادر وخلفه رابحة: "هندمك يا رحيم... في الأول رفضت تزوجني غادة، ودلوج سجنت أبوي. والله لندمك واخليك تركع تحت رجلي." واخرج هاتفه متصلاً بأحداً ما. غادر رحيم من فوره، بينما ألقت وعد نظرة للحجة صفية التي أدارت وجهها على الفور بضيق.
صعدت وعد وأعدت حقيبة أغراضها، أمسكت الحقيبة ودارت عيناه بالغرفة بوداع، ومضات كل لحظة قضتها بها لاحت أمام عينيها. وأخذت يديها تتلامس كل انش بها، وانسدلت دموعها بوجع يخترق ثنايا فؤادها ويتخلل شغافه. لامست يدها مصحفاً صغيراً، فضمته بكفها ونظرت له لبعض الوقت، وجحافل الذكريات اخترقت ذهنها. ذات يوم خرجت تسعى، مقبلة ناحية الملثم، فرحب بها وأخذها ناحية البحر، جالسون أمامه يتسامرون بخصوص الجبل ورجاله، ويبثها ببعض المعلومات.
تحفهم الأشجار الكثيفة، وتهفو نسائم عطرة تبرد أفئدتهم وتنعشها. وأمامهم البحر وسكونه الهادئ الذي يبث الأمان. وإذ به يخرج المصحف من جيب جاكته، مداً يده به وهو يقول: "المصحف دا عشانك. هديّة مني، خليه معاك دايماً عشان يحميكِ وعشان تفتكريني." ثم أردف قائلاً بنبرة حنونة هادئة:
"بصراحة، فكرت كتير أجيبلك إيه واحتترت، فملقتش أغلى من كده هدية. وأنا متأكد إنك هتحبيها جداً وهتحافظي عليها في قلبك كمان، ولأني دايماً عايزك تكوني بخير." كانت عيناه تبثها بما داخل فؤاده. فعلت وجهها ابتسامة مشرقة، ووقع كلماته على فؤادها كما تقع قطرات الماء على أرض يابسة متلهفة للسقيا. وتناولته من يده وصرفت بصرها للبحر وراحت ترتوي منه. فاقت من شرودها وعينها تدفق بالدمع، وضمت المصحف من فؤادها بعدما قبلته قبلة حانية.
وأخذت حقيبتها وهبطت للأسفل بعدما تناهى لمسامعها صوت ضجة عالية من الأسفل. تسمرت أعلى الدرج بصدمة حينما وقع بصرها على قاسم يقع تحت أقدام غادة، بالكاد تظهر ملامحه والدماء تغرق وجهه وملابسه، شاحباً، هزيلاً، ورحيم يدفعه بقدمه وهو يصيح: "طلقها! ارمي عليها يمين الطلاق." بوهن لفظ قاسم الطلاق. فجئ رحيم بأوراق ورفعه من عنقه معتدلاً، وثبت الأوراق أمامه وصاح بصوتاً غليظ: "أمضي يا *********."
أمضى قاسم بتعب وهو يكاد يمسك القلم بمجهود عظيم. وقف رحيم قائلاً وهو يصرخ: "حسين! يا حسين! دلف المدعو حسين قائلاً بأدب: "أؤامرك يا رحيم بيه." بصق رحيم على قاسم وتحدث: "تاخد الكلب ده تسلمه بالمركز." وقفت وعد عن كثب منه بزهول وتحدثت بتعجب: "إنت امتى عملت كل دا؟ ابتسم رحيم وقال: "موضوع طويل. هو اتجرأ ومد يده على حاجة تخص رحيم، وعشان كده قطعتهاله. وهو مد يده عليكِ، وكمان اتجرأ وحاول يضحك عليا ويتجوز أختي."
بكت غادة وركضت إليه متوارية به من قسوة الحياة، فضمها بحنان وأمان واحتواء. رن هاتف وعد، فأبتعدت قليلاً للخارج وما زالت ممسكة بالحقيبة. أجابت وهي تبتعد: "الووو! أيوه... تمام الحمد لله... لا كله تمام والقضية خلاص اتقفلت وكله تمام. هما بقا هيكملوا هنا... لا لا أنا هرجع انهاردة." ضحكت بصخب وهي تقول: "حب؟ حب إيه ده؟ أحب إيه بس يا بنتي. هو أنا فاضية للكلام ده؟
أنا ممكن أمثل الحب، آآه ما هو أنا بعمل كده في كل قضية. وأمثل الحب، بس مينفعش أحب أصلاً. وبعدين ما إنتِ عارفة إني بحب... "تمثلي الحب وعلى كل شخص تمسكي قضيته؟ هتف بها رحيم الواقف خلفها، فاستدارت بقلب يخفق. هتف هو موجوع وكلماته اخترقت قلبها لتضنيه بالألم: "تمثلي عليا يا وعد؟ حتى حبك لأمي واختي؟ صمتت وعد قليلاً، وعلى مضض قالت بوجع: "أيوه، كنت بمثل. كله كان تمثيل عشان أكشف حقيقتك، بس....
لم يعطها فرصة الإكمال، فقاطعها قائلاً: "يااااه، قلبك حجر أوي... بتقدري تعملي كده إزاي؟ تخلي الناس تحبك وأنتِ بتضحكي عليها. أنا ندمت ندم عمري ما حسيته أبداً إني سمحت لقلبي يحبك في يوم. قلبي دا." قالها وهو يشير لقلبه: "أول مرة يعرف يعني إيه حب. كان حبك إنتِ. إنتِ بس اللي قدرتي تدخلي قلبي وتعششي فين وتسيبي ليكِ مكان وأثر عمره ما يزول." ضحك بإستهزاء من نفسه: "مكان؟ قال! أنتِ ملكتيه كله كله، بقي ملك ليكِ إنتِ وبس."
ثم بنبرة جافة أردف: "بس الحمد لله إني عرفت حقيقتك، لأن عمري ما هسمح لأسمي يرتبط بإسمك. أنا ملك لرابحة بنت عمي وبس، وهي ملكِ. إنتِ ولا حاجة وهتتنسي قريب، وقريب جوي كمان." أدمعت عينيها بعدم تصديق لكلماته الجارحة. تحاول تصديق حواسها أن هذا صوت رحيم الذي عشقه الفؤاد. حاولت الحديث، ولكن انعقد لسانها. وتركها رحيم واستدار مغادراً، فجثّت على ركبتيها باكية بقهر من حب انتهى قبل أن يبدأ، وعشق سطّر نهايته قبل بدايته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!