الفصل 25 | من 31 فصل

رواية دموع العاشقين الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
21
كلمة
8,196
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

دلفت عائشة الغرفة برفقة زين، الذي لم يتخل عن صمته. جلست تنتظر أن يأتي ويرفع النقاب، لكن انتظارها طال. فجأة، رفعت هي النقاب وقالت وهي تنظر له بتعجب من وقفته صامتًا أمامها: -زين، مالك؟ إنت غريب ليه كدا النهارده؟ دون كلمة، جذبها من خصلات شعرها إليه. شهقت بتأوه شديد من قبضته، مصدومة كليًا من فعلته، وهمست بتألم: -اااه زين، شعري! إيه مالك؟ جحظت عيناه وتبدلت ملامحه لتصبح مخيفة للغاية، وانقلبت عيناه فجأة محمرة،

وتحدث بصوت كالفحيح: -ولا حاجة، انتِ مفكرة إيه؟ إني متجوزك عشان سواد عيونك؟ ولا دايب فيكِ مثلاً؟ همست بتوهان والدمع يفيض بعينيها: -انت بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة! زين، مالك؟ انت متغير ليه؟ أنا عائشة حبيبتك! قهقه بصوت عالٍ ساخرًا: -حبيبتي مين! انتِ أكتر حد بكره في حياتي. أمسكها من عنقها بحدة، بينما هي لم تستوعب بعد. كأنها داخل كابوس تريد أن تفيق منه بأي ثمن. تحدث بصوت منخفض حاد: -تعرفي اتجوزتك ليه؟

عشان أنتقم وأحرق قلب أمك اللي حرقت قلبي على أبويا، وكمان أفرق شمل عيلتك الحلوة. طرق بأصابعه بوجهها: -اتفرجي وشوفي الروابط والحب اللي بينكم إزاي هنسفه في ثانية، ومحدش هيقدر يمنعني. ضرب على مكان قلبه: -النار اللي هنا من سنين محدش هيقدر يخمدها أبدًا، غير لما أفرق عيلتك كلها وأدمركم واحد واحد. أطرحها على الفراش بغضب وهو يتحدث بصوت كهذيم الرعد: -انتِ هنا مجرد خدامة، فاهمة؟

خادمة ليا ولبيتي، مش أكتر. أخد اللي عايزه وتعملي اللي أنا عايزه من غير نفس. انتِ هنا مسجونة وفي سجن مفيش خروج منه غير بإذني. سجن أمك اللي بتسجن فيه المتهمين هيكون أرحم من هنا، وهخليكِ تتمني الموت على اليوم اللي اتولدتي فيه.

تدفقت دموعها بذهول، تحاول تصديق عينيها وأذنيها بتيه وضياع. نظرت بها أوجاع لا متناهية. فك أزرار قميصه بنظرة ماكرة خبيثة. فنظرت له كأنها جثة فقط، ترتجف رعبًا، وفؤادها غير مصدق أن هذا هو من عشقته حد الجنون ورسمت حياة وردية وهو فقط بها. لم تتخيل أن يحصل ذلك بأسوأ كوابيسها، يا ليت ذاك الكابوس المرعب يولي بلا رجعة. يا ليتها تفيق من نومها لتجد كل شيء لم يحصل.

بلحظة، لم تشعر سوى حينما انقض عليها كوُحشٍ جائع وأسد كان يتصيد لفريسته ليهجم عليها. فشق فستانها وهي تحاول إبعاده كأنها ليست زوجته، وأفقدها روحها دون رحمة.

يا ويلاه، ذاك الفستان الذي كانت تتمنى ارتداءه وحلمها الجميل تحول لكابوس مخيف للغاية، يا ليتها ما ارتدته أو حلمت يومًا به. لقد ظنت أن حياتها ستصبح وردية، ها هي تذبح على يد من ظنت به الرحمة. وها هي دموعها تذرف بلا هوادة على يد من كانت تظن سيهديها السعادة أضعافًا ويرسم بسمتها وضحكتها لكلا تفارقها. ها هو يهديها أنهارًا من الدموع وأغمسها بأحزان وندوب ذات أثر مستمر لمدى الحياة. *** دلف ياسين للغرفة بتردد وحيرة، فتنبهت سجى

لفتح الباب وهتفت متسائلة: -مين؟ رد وهو يخلع جاكته ومن ثم ساعته واضعهم جانبًا: -أنا، متقلقيش. اضطرب قلبها وازداد توترها، وحادثت نفسها وهي تتذكر أدهم وقتما كان برفقتها ليخبرها أنه كان لديه ابنة عمياء وياسين عشقها عشقًا غريبًا من نوعه لم يره بالوجود. ألهذا السبب بذاك اليوم قال لها "بحبك"؟ أكان يتخيل معشوقة قلبه أم ماذا؟

لم يحبها، أحب التقارب بينها وبين من رحلت وتركته يتعذب ببعدها. أدمعت عينيها وأضناها الألم. لعلها تستطيع يومًا التسلل بشغاف فؤاده تستحوذ على سويداءه؟ -مالك بتفكري في إيه؟ نطق بها ياسين بعدما بدل ملابسه وهو يجلس على طرف الفراش من الجهة الأخرى. شعرت بقربه حينما دق فؤادها بقوة بطريقة لم تعتدها قبلاً، فابتعدت بوجل قليلاً وهي تبتلع ريقها. فتبسم بألم حينما لاحظ خوفها وارتباكها: -انتِ خايفة مني؟ هزت رأسها رفضًا

بصدق وهي تتمتم بوجع: -أول ما تعرف مين عاوز يقتلني، هتطلقني صح؟ ضاق صدره من تلك الكلمة التي وخزت روحه وهمهم: -إن شاء الله. صمت لدقيقة ثم رفع رأسه يتأملها بهيام شديد، فكأنها كوكب دري أنار فؤاده حالك السواد. تنبه لذاته فهمهم بتفكير: -بس أهلي ميعرفوش حاجة بخصوص علاقتنا، تمام كدا؟ بعجب مصحوبًا بدهشة تساءلت: -ليه مقولتش الحقيقة؟ نفخ بضيق من كذبته ثم غمغم: -عشان أقدر أكتشف مين. ما هو مينفعش أقول قدام حد، فهمتي؟

هزت رأسها دون حرف. فتساءل باهتمام جلي: -أكلتي ولا أجيبلك؟ أيهتم به حقًا؟ لماذا دق قلبها لدرجة أنها أحست قد ينتزع من بين أضلعها لشدة دقه؟ فهزت رأسها بسرور: -أيوه، الحمد لله. نهض ياسين قائلاً: -انتِ نامي على السرير وأنا هنام في أي مكان هنا. شعرت بالحرج الشديد من فكرة نومه بعيدًا عن فراشه. لا تتدري أن نومها كأنه هو من نائم مرتاحًا، فهي راحته ألم تدرك؟

مضى بعد ذلك للشرفة جالسًا على أقرب مقعد قابله ووضع كفيه خلف رأسه مستندًا للخلف وشردت عينيه بالسماء والنجوم. استمع لصوت سجى مناديًا وهي تقبل ناحيته، فالتفت لها وهب مسرعًا إليها وجذبها من ذراعها. فهمست هي متسائلة بإحراج: -ممكن أقعد معاك؟ فأجاب بمحبة وهم يقف مقابلها: -أكيد، هو دا سؤال؟

ساد الصمت لتستند بساعديها على حافة الشرفة وراحت عينيه ترتوي منها وخفق قلبه بجنون. نسمة باردة هبت فجأة، فأغلقت جفنيها مستمتعة باطمئنان لم تجربه قبلاً. رفعت كفها تتحسس وجوده ثم التفتت ناحيته وهي تقول بعفوية مطلقة: -تعرف بتمنى إيه؟ تنبه بكل حواسه وهو يُمعن النظر بملامحها وهمس: -إيه؟ فتابعت ببسمة: -أمنيتي إني أفتح وأشوفك، حتى لو هموت بعدها. اتسعت عيناه وهو يقول بزعر: -بس متقوليش كدا، أنا إلا أنتِ!

انصدمت من جملته وتسمرت مكانها، وعلت دقات فؤادها. فأمسك هو كفيها بحنان وقربهم من وجهه هامسًا وهو يدنو منها: -أنا أهو، شفيني. بأنملها سارت بكل خفة على ملامحه، تحفرهم بداخلها ببسمة لا تفارق ثغرها. مجرد بسمة كفيلة بأن تروي قلبه الظمآن. بأعين دامعة مفعمة بالحزن والوجع همست بصوت شجي مطرب للآذان: -برضه مش هقدر أشوفك، أنا عمياء. أبعدت كفيها عن وجهها ملتفتة بوجهها للجهة الأخرى وهمهمت بصوت مفعم بالوحدة:

-تعرف أنا كنت كل ما بروح كلام أسمع الجملة دي "دي واحدة عمياء". أنا عمياء، مش يشوف بس راضية والله ومبسوطة. ثم بكت بنحيب وصوت عالٍ ودموعها تهوى هوياً:

-نفسي أعرف مين أهلي، نفسي أحضن ماما لو كانت عايشة، نفسي أترمى في حضنها وأبكي وبس. نفسي أعرف يعني إيه حضن أم وحنانها. لما أتعب تكون جنبي وتسهر معايا. لما أزعل، لما أسمع حد بيقولي يا عمياء، أترمى في حضنها وأبكي. نفسي أحضن بابا وأستخبى من العالم كله وأحس بالأمان ومخافش. يا ترى هما عايشين؟ نسوني ولا فاكرني؟ بلحظة، كانت يده تجذبها بعنف داخل حضنه يعتصرها بداخله وهو بهمس بنبرة متألمة:

-هشششش، لما تبكي أبكي هنا بس في حضني. أنا أهو أبوكِ، أحضنيني وقت ما تخافي واطمني لأني أحميكِ من العالم كله. أنتِ بنتي، حناني كله ليكِ، إنك أمانك وسندك واحتواكِ. كل حاجة، وعيونك اللي هتشوفي بيها من النهارده. عند تلك النقطة، علت شهقاتها وارتفع صوت نحيبها ودموعها غرقت "تشيرت" وهو تتشبث به بيديها وهمست بصوت متحشرج متلعثم:

-بس أنت هيجي يوم وهتسبني، وهرجع لخوفي تاني. أنت متخيل إني ببقى خايفة حد يخطفني أو يأذيني. بخاف أنام، بخاف أقعد لوحدي. بس لما أحس بوجودك بطمن، وأنت هتبعد. ربت على ظهرها بحنان وهو يقول: -هتلاقي أهلك، ومفيش خوف تاني. أرخت رأسها على صدره وأحاط بذراعيها حول ظهره، ولم تتفوه بحرف بعدها. ***

خرج زين من المرحاض عاري الصدر بابتسامة تشفي لغليل قلبه. بينما هي كانت دموعها لا تتوقف على وسادتها. نظر لها ببادئ الأمر بنظرة ألم، ثم عاد لجموده وهو يرجع بذاكرته للخلف، حينما جاءه اتصال من والده ثم لم يأتيه رد وأغلق الهاتف. فتتبع موقعه، وما كاد أن يصل حتى لمح والده ممدًا على الأرض غارقًا بدماءه، ولمار تقف ممسكة بسكين حاد ملطخ بالدماء. فأغرورقت عيناه بالدموع. لم يكن يدري من هي تلك الفتاة لحين أخبره عمه بكل شيء يخصها. لم يتلاقى ولم يستطع أن يرى والده بتلك الحالة، ولكنه نظر له نظرة يوعده بها على الانتقام له مهما كلفه الأمر، ونظر بنظرة توعد للمار الواقفة بعيدًا.

فاق لواقعه بأعين تتأجج بالنيران مدمعة وصاح وهو يجذبها بحدّة من ذراعها الداكن من أثر قبضته: -قومي، غوري أعملي لي حاجة آكلها. الأكل دا مش عاجبني. دفعها بعيدًا حتى كادت أن تسقط، فتساندت على ذاتها وهي تستدير له بنظرة تحدٍ وقالت:

-هتندم. هيجي يوم وتندم، وقتها هيكون فات الأوان. وعمري ما هسمحلك تأذي حد من أهلي. ولو هعمل أي حاجة هتقولي عليها، فمش عشان خايفة منك، لا أبدًا. عشان أنت جوزي، ودا واجبي مش أكتر. وربنا موجود، هياخد لي حقي منك. بعنف أمسك ذراعها بحدة، يضغط على كل جرح سببه لها بيده الأخرى، وتحدث بفحيح: -مش خايفة؟ معايا هخليكِ تحسي ودوقي الخوف بجد. وأهلك هدمرهم وأدمرك وهتتفرجي وبس. غوري من وشي.

قالها وهو يدفعها بحدة، وغفل قلبه عن قواها الخائرة وعيناها التي طرفت بوهن تحاول الصمود. شعر بجسد صلب يقع مصدرًا صوت قوي، فالتفت فرآها مغشي عليها. فهرع إليها بقلب متلهف وحملها برفق ووضعها على الفراش، وتجمعت الدموع بمقلتيه من كم الأذى الذي سببه لها. ولكنه لم يلبث أن عاد لجموده وقسوة قلبه. هم أن يقترب ليحملها للمرحاض، ولكنها صرخت بوجل وهي تهذي وتلوح بيدها كأن ما حدث دقائق يحصل مرة أخرى:

-أبعد عني، أبعد. متقربش، لااا، لا حرام عليك. لان قلبه وعنفه معاتبًا، كيف تجرؤ على أن يغتصبها؟ مهما يكن هي زوجته، ولكن نار الانتقام غشت عينيه فتناسى جل ما حوله. *** بفزع فتحت لمار عينيها وهي تهب معتدلة بجلستها وتتصبب عرقًا. صدرها يعلو ويهبط، ودق قلبها ك الطبل بلا هوادة، وتعالت بتسارع أنفاسها تتصبب عرقًا. فاق أدهم على صوت أنفاسها العالية ونهض معتدلاً وقال وهو يربت على ظهرها: -مالك يا حبيبتي؟ فيكِ حاجة؟

التفتت له ورمقته بضياع كأنها تحاول استيعاب ما بهِ، وتلجلجت قائلة بتوتر: -مفيش حاجة، حلم وحش بس. وضعت يدها على قلبها مغلقة جفنيها وتمتمت بنفسها: -ليه قلبي مش مطمن وحاسة بحد محتاجني؟ ربت أدهم على ذراعها قائلاً وهو يناولها كوبًا من الماء: -استعيذي بالله وسمي، وخذي شربي شوية مياه عشان تهدي. مفيش حاجة يا قلبي، أنا جنبك أهو. أومأت برأسها موافقة ببسمة وتجرعت بعضًا من الماء ثم وضعته جانبًا وأشارت له بهدوء وهي تربت على كتفه:

-معلش قلقتك، نام يا حبيبي، أنا تمام. تبسم لها وهو يطوق كتفها وقال بمرح: -قلقيني براحتك يا ستي، كله فداكِ.

مالت برأسها على كتفه ببسمة رائعة رفرفت ثغرها. ثم نهضت لتتوضأ وفردت المصلى وشرعت في صلاتها بسجدة طويلة بقلب مخاطب الرحمن يبث له شكواه وشجونه، تناديه أن يمحو خطاياه أن جاء أجله وتسأله الجنة وتستجير من نار جهنم. ما أمسها الآن لتوبة من سويداء القلب تمحو الذنوب. بأن تلهج بالاستغفار لعله يطهر فؤادها. أن تضرع له بقلب خاشعًا باكيًا مناجيًا بكل الجوارح أن يستجيب لدعائها. فكم هي تفتقر لتوبة تمحو كل ما يؤلم فؤادها وأرقها.

لم يمض طويلًا وأحست بأدهم يشاركها الصلاة. *** تململت متقلبة بكسل في مضجعها. وانبلجت بسمة متسعة على ثغرها، عيناها لامعة بها ضياء منير. قلبه مشرق وروحها مطمئنة مستكينة. ونظرت يمينًا ويسارًا لم تجده. فنهضت وهي تعدل من شعرها المشعث وعقصته على شكل "كعكة". وجابت عيناها الغرفة بحثًا عنه، فدلف بمرحه المعتاد وهو بحمل صنية عليها الإفطار وقال بحب وهو يقترب: -يا صباح الجمال والفل والياسمين على أجمل عروسة في الدنيا.

قبل وجنتها وهو يجلس مقابلها وغمز لها قائلاً: -صبحيه مباركة يا عروستي. طرفَت عيناها بحياء شديد وهي تغض بصرها واعتلت الحمرة وجنتيها. فتبسم متفهمًا خجله وأبدل دفة الحديث قائلاً: -حضرت لك الأكل أهو بنفسي وكمان هاكلك بأيدي. رفع يده بلقمة لفمها فأبعدت يده ببسمة نفيًا وهي تقول: -هاكل قبل ما أصلي يعني؟ قوم نصلي الأول، ولا صليت؟

هز رأسه بأسف. فتوضأ وصلى خلفه. ثم جذبت المصحف مقتربة منه وقرأ سويًا سورة الفاتحة وبعضًا من سورة البقرة. ثم نظرت له قائلة ببهجة: -نتفق من دلوقتي بعد كل صلاة نقرأ صفحتين أو تلاتة أو خمسة غير وردنا اليومي، اتفقنا؟ هز رأسه موافقًا بشغف. فهمهمت: -وكمان نطلع صدقة كل فترة. وأمسكت بكفه بحب وهي تنظر لعينيه. وكمان نقرب من ربنا سوا عشان تبقي من نصيبي في جنة الرحمن.

قبل كفت يدها بعشق وهو لا يستطيع أن يحيد ببصره عنها. ثم نهضا وجاء بصنية الإفطار وظل يأكلها بنفسه. وقع بصرها على حقائب بجانب الباب. فردت بصرها بينه وبينهم متمتمة: -إيه الشنط دي؟ تبسم بمناغشة: -احذري كدا؟ نكزته بخفة وهي تقول بتذمر: -حذيفة، قولي إيه الشنط دي يلاااا! ضحك ببطء وهو يشير لها قائلاً: -إحنا مش اتجوزنا؟ رمقته دون فهم. -يبقى لازم نطلع شهر عسل. نظرت له بصمت تام، مفكرة وخطرت ببالها فكرة. فشرعت بتنفيذها

وهي تعقد ذراعيها قائلة: -طلقني يا حذيفة دلوقتي. -حاضر يا قلبي، هطلقك أول ما نرجع إن شاء الله، متقلقيش! لوت فمها ساخرة: -شمعنى لما نرجع يعني؟ ضرب جبينه بيأس وصاح بها: -روحي يا حبيبتي ربنا يهديكِ، غيري لحد يجي. *** لم يمض طويلًا وخرجت بخصلاتها المبللة واقفة أمام المرآة تمشط خصلاتها. فوقع عينيه وهو يتقدم نحوها ببطء. وعلى حين بغتة، طوقها بذراعيه ومال بوجنته على وجنتها وهمس بصدق ونبرة حب: -مش ناوي تريحي قلبي وتقوليها؟

فـ الأول كان مينفعش لأني مش حلالك، طب ودلوقتي؟ نظرت بعينيه وقد حلقت روحها فرحًا واتسعت بسمة رائعة على وجنتها. ثم التفتت له مؤيدة وأحاطت عنقه وهمست بكل رقة: -أنا بحبك يا حبيبي. امتلأت عينيها بالدموع فجأة. فقبض حاجبيه متسائلاً بلهفة: -أسماء، مالك؟ ليه الدموع دي؟ وضع كفه على وجنتها فهوت دموعها وهي تغلق جفنيها وهمهمت بشهقات وهي تضمه بقوة: -خايفة نفترق تاني، وبعد الفرحة دي يجي حزن. خايفة تبعد عني ومصحاش على صوتك.

رفع ذقنها إليه وبحب تحدث: -مش هتبعد تاني، مش هسمح لأي حاجة تفرقنا. تعرفي إن النهارده أول مرة أحس بالفرحة أول ما أفتح عيني. ضم وجهها بكفيه وهمس وهو يُمعن النظر بهِ. النهارده لما صحيت وأول حاجة شفتها وشك الجميل اللي بيبهج روحي، حسيت إني اتولدت من جديد. فمش هسمح لحاجة تفرقنا أبداً. ضمه بقوة فاستكانت فجأة. دفعته للخلف بفزع وهي تصيح بنفضة: -يالهوووي! نسيت إزاي؟ نسيت إزاي؟ أحس بشيءٍ ما. فبقلق تسأل: -نسيتي إيه؟ في إيه؟

-عيد الأم! مجبتش هدايا لسه. جحظت عيناه بذهول ثم ضرب جبينه بنفاذ صبر وتمتم وهو يصر على أسنانه: -يعني دفعتيني الدفعة السودة دي عشان افتكرتي عيد الأم؟ أنهى جملته وتحرك تجاهه بنظرة ماكرة وخطوات بطيئة. فترجعت للخلف باضطراب وهي تبتسم بخفة: -ااه، أصل خوفت لـ أنسى؟ -خوفتيييييي إيه! قطعتيلي الخلف يا ختي! ما كاد ينهي جملته حتى ركض خلفها وهي تركض بضحكات رنانة. ***

ظلت عائشة ليلها باكية، تبكي حالها ووجع فؤاده ممن ظنت به خيرًا ولم يخطر بباله قط أن يجرحها يومًا بحرف. ها هو اختار يومًا تتمناه أي فتاة ليكسرها ويحطمها ويهشم فؤاده. كم هي قاسية تلك الحياة، فقد يتقلب القدر بلحظة فيقلب حياتنا وأفئدتنا رأسًا على عقب. حسمت أمرها على تحديه، ولكنها أصبحت تخشاه للغاية من أن يعيد ما فعله ليلاً مجددًا. صدح صوت أذان الفجر، فجرت قدميها جرًا لتتوضأ وشرعت بصلاتها وأدامت سجودها وركوعها تبث شكواها وشجونها للرحمن، تخرج جل ما بجعبتها برضى وقد استأصلت ذرة التسخط من فؤاده.

لم تدر كم مر من الوقت وهي على مصلاها تناجي مولاها حتى تسللت أشعة من نور الصبح من بين أخْشَب النافذة لتضيء الغرفة وترفها النسمات العطرة. دلف "زين" دافعًا الباب بقوة، أرجفتها وانتفض لها فؤادها، فارتعش جسدها وهي تنهض تبتلع ريقها الجاف. تحدث بنبرة ساخرة قائلاً: -هي العروسة مفكرة أنها عروسة ولا إيه؟ ثم صاح بصوت عالٍ وبطرف عين كان يلوي ذراعها خلف ظهرها:

-أول ما أفتح عيني ألاقي قهوتي موجودة وفطاري جاهز، ونومك وقعدك هيكون تحت في غرف الخدم من هنا ورايح، أنتِ فاهمة؟ تلوت بين يديه تحاول نزع يدها وتساقطت دمعاتها بحرقة من شدة الألم الذي فاق تحملها وهمهمت: -أيددددي! أنتِ مبتحسش. رق قلبه لدموعها فأرخى قبضة يده وهو يدفعها بعيدًا. والتفتت له قائلة بنظرة وجلة وصوت حاد: -أنت مفكر لما تمد إيدك عليا هاخاف منك ولا مفكر نفسك راجل كدا؟

جرحت تلك الكلمة كرامته، فهوى على وجنتها بصفعة قوية صائحًا: -أنا راجل غصب عنك. ثم جذبها من حجابها هامسًا بفحيح: -لسانك دا هقطعهولك قريب، غوري اعملي اللي قولتلك عليه. لما نشوف بنت الشرقاوي لما تيجي وتشوفك كدا هتعمل إيه؟ ابتعدت بخوف عنه، توارت بفؤادها وتمتمت بتحدٍ: -ربنا يهديك وينور بصيرتك وتفوق من أوهامك.

هم بتحريك شفاهه إلا أنها ابتعدت تاركة إياه. لم يمر طويلًا وجاءت إليه بفنجان قهوة. كان جالسًا وحاسوبه على قدميه يحادث أسراء التي ذهبت لدي أحدى صديقاتها. فقدمت إليه القهوة، فأشار لها أن تضعها جانبًا. فوضعتها وما كادت أن تخرج حتى صاح هو وهو يثب واقفًا ما أن لمست القهوة شفتيه. وقذف الكوب تحت قدميها وصاح: -إيه ده؟ دي قهوة دي؟ حتى دي مش عارفة تعمليهاااااا؟ انتفضت راجعة للخلف فدفعها بحدة وهو يغادر قائلاً:

-لمي القرف دا ونزلي أهلك جايين. تنهدت بوجع وانكفأت تجمع بقايا الكوب المتناثرة، فأنجرح إصبعها وهي تفكر به. وصل الجميع لدار زين الذي استقبلهم بوجوم وهو يرحب بهم. فدلفوا لبهو الفيلا وجلسوا جميعهن وتساءلوا عن عائشة. حد بعث لطلبها وهو يجلس معهم وذهنه منشغل، ولم تبرح عينه عن لمار يبغي أن يرى وجهها ما أن تقع عينيها على ابنتها بتلك الحالة المزرية. جلس ياسين محدقًا النظر به بدقة، فلاحظ زين نظراته وتساءل قائلاً:

-سجى مجتش ليه معاك؟ هي كويسة؟ بنظرة غامضة أجابه: -آه كويسة الحمد لله، عروسة بقى وسبتها نايمة. كور زين قبضته حتى شعر ببسمة لمار وهي تنظر ناحية الدرج. فخمن أنها عائشة، لكن ما أثار لهفته ما سبب تلك البسمة؟ خاب كل توقعه وسقط كل ما خطط له هباءً. ظن أنها ما أن ترى أبويها ستلوذ بهما، منه ستبكي وتشتكي وحتمًا ستبتعد. لكن ما الذي يرى؟ ترتدي عباءة بيضاء اللون ونقابها يغطي وجهها، لكن عينها مبتسمة كأنها أسعد فتاة على الأرض.

فزهل وهو يتمتم بنفسه: -بتتحديني؟ ماشي. رمقته عائشة بنظرة تحدٍ وجلست معهم تتحدث وضحكاتها رنانة تضج بالمكان، عكس صراخ فؤادها وأنين روحها. دقق "ياسين" النظر به ثم أشار لها وهو ينهض: -عائشة، لحظة عايزك في كلمة. ابتلعت ريقها بوجل من أن قد يكون أحس بشيء ونهضت معه. ووعد خلفهم. وقفا بركن بعيدًا عنهم وتساءل قائلاً: -فيه إيه الزفت دا؟ أزاكِ اتكلمي، مالك؟ جذبتها وعد من ذراعها لها وتحدثت بغضب: -عمل إيه؟ اتكلمي، متخبيش.

قاطعتهم عائشة قائلة بهدوء: -مفيش حاجة، ليه بتقولوا كدا؟ ومتنسوش زين جوزي، مستحيل يأذيني. نطق ياسين بغضب: -كدابة! فيه حاجة، أنا متأكد. أنتِ مش مبسوطة هنا، وقولتلك بلاش تتجوزيه. نظرت له عائشة بحنان وتحدثت: -متقلقش يا ياسين، مفيش حاجة صدقني. تعالى نقعد معاهم عشان طولنا كدا. همت أن تغادر. فوقف أمامها قائلاً: -أنا موجود وقت ما تحتاجي أي حاجة، تمام.

أومأت برأسها ببهجة وذهبا للجلوس معهم حتى غادروا جميعًا. فما أن خلا المكان حتى جذبها زين من ذراعها قائلاً: -لييييه مقولتيش قدامهم عن حقيقتي واللي عملته فيكِ؟ لييييه؟ أزاحت ذراعه بهدوء وتحدثت ببسمة: -مينفعش حد تاني يعرف أسراري أنا وجوزي واللي بيحصل في بيتنا! ضحك ساخرًا وهمهم: -جوزك إيه؟ أنا هعيشك في جحيم. تبسمت بنظرة راضية أدهشته وأردفت: -أنت جوزي واعمل اللي عايزة براحتك خالص. وتركته مغادرة للأعلى. ووقف هو حائرًا

ولكنه تبسم بمكر وهو يقول: -مااااشي، اشربي بقى اللي هيحصلك ووريني هتتحملي قد إيه. دلفت للغرفة بجسد مرهق محطم لأشلاء متفقد الحياة وجلست على مكتب صغير موضوع جانبًا ووضعت يدها أسفل ذقنها وتمتمت بدموع متساقطة: -برضه بحبك يا زين ومش قادرة أكرهككك أبداً، يارررررب. بكت بحرقة ثم جذبت دفترًا صغيرًا وقلمًا وأخذت تدون به ما بجعبتها: "يا متبلد المشاعر والأحساس، كيف بربك أصبحت هكذا وتجردت من جل طيبة ورقة قلبك وأحساسك؟

أهن عليك جعل حياتي مشقة وطريقي شوكًا جارحًا؟ أهان عليك طعنك لي بسهام مسمومة بسويداء القلب لتترك لي جرحًا غائرًا؟ فكيف بربك ذلك؟ أغدقتني من الحنين ما يكفي لجعلك تملك قلبي يا حبيب القلب ونبض الحياة وتوهج الروح، كيف استطعت أخماد كل ذلك وتركتني مجرد بقية متبقية من شظايا متهشمة. أحببتك فوق المحبين حبًا آخر، أحببتك كما لم يحبك أحد قبلاً، وها أنت ذا أبدلت حبك ليصبح خوفًا، كيف بربك أصبحت متبلد القلب؟

لعل تلك الأيام الكئودة تولي أم أنها لن تمر؟ ثم تمتمت بصوت متحشرج: -أييبه يا زين، أنا وثقت فيك إزاي؟ قدرت تكسرني كدا وتحطمني وهديت كل أحلامي في ثانية؟ دخلتني دنيا ما تمنيت أدخلها في حياتي، الله يسامحك. أجهشت بالبكاء بنحيب حتى جاء هو وجذبه من ذراعها للأسفل لأحد الغرف التابعة للخدم وصرخ بسيدة كبيرة بالعمر: -اطلعي فوق جهزي شنطتها ونزليها، وكله ليه إجازة من النهارده، مشوفش حد فيكم هنا.

نظرت المرأة نظرات حائرة زائغة بينهما ثم ذهبت لتنفذ ما طلبه. وجذبها مرة أخرى للمطبخ وهي مسالمة كرمتها هادرة كروحها وفؤادها. أطرحها بأرضية المطبخ ثم صاح بوعيد: -دا مكانك من النهارده، أنتِ فاااهمه؟ نامي، كلي هنا، هنا وبس؟ ثم غمز لها بتشفٍ ورحل. انعقد لسانها ودموعها تهوى وهي تجوب بعينيها بالمكان بصدمة. *** جلست مكة تتأجج النيران من مقلتيها، تغلي مهجتها بأوردتها، تأخذ زفيرًا وشهيقًا لـ تخمد نيرانها، وحادثتها نفسها بغيظًا

قائلة: -كيف استطاع تركك طيلة الليل وحيدة وذهب لعمله؟ ألتلك الدرجة عمله أهم منكِ أم ماذا؟ من أنتِ بالنسبة له؟ كيف هان عليك بأول يوم لكما سويًا تركك؟ وتذكرت وقتما أبدل ملابسه. لم يمض طويلًا وجاء اتصال، فما كاد ينهيه حتى أبدل ملابسه ورحل سريعًا دون كلمة. تناهى لها فتح الباب وإغلاقه مرة أخرى. فحدقت بالفراغ بدموع على وشك السقوط. وقع عينيه عليه، فحرك أنامله على ذقنه بحيرة وتفكير كيف يراضيها. ثم دنا مقبلًا جبهتها وهمس بأسف:

-حقك عليا، متزعليش. دفعته بعيدًا من صدرها وهي تهب واقفة وصاحت بأعين باكية: -بالسهولة كدا مزعلش؟ أنت متخيل يعني إيه تمشي وتسبني كدا؟ من غير كلمة ولا تقولي رايح فين وتسبني صاحية طول الليل قلقانة؟ أشار لها بكفيه بوهن: -طب اسمعيني بس، والله غصب عني كان عندي شغل. نظرت له بنظرة ألمت قلبه وأهلكت روحه وهي تقول ساخرة: -شغلك؟ آه طبعًا طبعًا شغلك أهم أكيد، أنا مين يعني؟

تغاضى عن سخريتها واقترب محاولًا إمساكها إلا أنها ابتعدت وهي تتحاشى النظر له وتحدث بضيق: -معلش، متزعليش، حقك عليا. نظرت له بغضب صائحة: -على أساس يهمك زعلي؟ أنت كل حاجة، شغلك بس. أنت حتى رفضت تطلب إجازة ورفضت نسافر... قاطعها صارخًا بوجهها: -يوووه بقا! أنا راجع تعبان مش ناقص وجع دماغ، مش من أول يوم كدا. بقولك غصب عني، أنتِ مببتفهميش. حدقت به بوجع، فزفر بضيق من نفسه وهمست بتيه: -مش بفهم؟؟

متخيل أنت إنك تمشي كدا من غير ما تقولي؟ في إيه؟ أني مش هقلق؟ أنا فضلت طول الليل قاعدة قلقانة وعقلي بيجي ويروح في أفكار سودة. شهقت ببكاء حاد: -كنت خايفة يحصلك حاجة، أنت عيشتني في رعب وفي الآخر مش بفهم. طوقها من خصرها رغماً عنها وضمها بقوة. فحاولت الابتعاد لكنه أحكم قبضته عليها، فاستكانت باكية. رفع ذقنها إليه وتحدث وانفاسه تلفح وجهها: -غصب عني والله، مكنتش هسيبك بس دا شغل يا مكة، مقدرش اتخلى عنه ولا أتأخر. دي حياة ناس.

سرح بملامحها الباكية فبأناملها أزاح دمعاتها وهم بتقبيلها. فاستمعا طرقًا على الباب. غمغم بغيظ. فضحكت ببهجة. فتح الباب فوجد ديجا أمامه تتخصر وهتفت بسخط: -على فكرة كدا مينفعش، أنت قولتلي هتجوزك أنتِ. ضحك عثمان بخفوت ثم تنحى لها جانبًا مشيرًا للداخل: -اتفضلي بيتك يا زوجتي العزيزة، يلا. رفعت ديجا قدمها تهوي بها على قدمه ونزلت ركضًا للداخل وهي تصيح: -حذذذذذيفه قلي روحي خبطي عليه. غمغم عثمان بوعيد وسخط. ***

رن جرس المنزل فمضت سمر التي كانت تهبط لتوها لفتحه، فتراءى لها أنس. لم تر عيناها غيره. لم تدر سر مكنون تلك البهجة التي غزت قلبها وجعلتها تتمايل فرحًا. وإذ بعينيها تتوهج، شرد بها مزهولاً ولم يستطع أن يحيد عينيه عنها. حجابها سدالها، تغيرها الجليّ، وجهها المتوهج. أدمعت عينا زينب سريعًا ما تمسكت بتملك بيد زين الذي تنبه لذاته وأبتسم لسمر وهو يغض بصره معنفًا ذاته وغمغم: -آه ياسين وكل إل موجود؟ تنحت سمر جانبًا وهي تشير بيده:

-أيوه، اتفضلوا. خرج يوسف مرحبًا بهم وحضر الشباب وتجمعا جميعًا بالأسفل. كانت يجلس بينهم غائبًا رغم ذلك، باحثًا بعينه وروحه عنها. يحتاج أن يروي ظمأه من النظر لها ليتشبع. أخذا الفتيات عائشة وأسماء للأعلى، بينما تبقت سجى مع ورد. نهض ياسين متحدثًا بالهاتف، وكذلك عثمان وقف محادثًا فيكتور من بعيد. وجاءت سمر بصنية عصائر فقدمت لـ أنس الذي نظر لعمق عينيها لتتلاقى الأعين وتحدث بهمس وهو يتناول كوبًا: -شكراً، أنتِ متغيرة جدًا.

ازدادت دقات قلبها وهي تضع الصنية على الطاولة وتمتمت: -العفو على إيه، آه الحمد لله اتغيرت أوي عن سمر الأولى. حدق بها وهو يهمس: -كانت أمنيتي دائمًا أنك تتغيري وتبقي أحسن، وكنت دائمًا عايز أقولك بس كنت برجع في كلامي. تذكرت شيئًا فألتفتت له مهللة وهي تقول: -أنا نويت أتنقب كمان، بس مش دلوقتي، لما آخد على اللبس الشرعي الأول. أشرق قلبه وأستنار وببشاشة هتف: -بجد والله، فرحتيني جدًا. ألف مبروك وربنا يثبتك.

تبسمت بحياء شديد ثم لوحت له باستحياء وهرولت بعيدًا خجلة، فتبسم ببهجة. لم يمر طويلًا وتجمع الشباب برفقته جالسون معه ويتسامرون حتى استدعتهم لمار بالمكتب فمضوا خلفها ولحقت بهم وعد وبلال. جلسا على مقاعد متجاورة. دققت لمار النظر بهما جميعًا وأردفت بجدية وحدة مبسطة: -عندنا مهمة جديدة وهمة وهتكون سرية طبعًا. تعلقَت الأعين بها باهتمام جليّ وتنبه شديد. ثم نهضت لمار تدور حول المقاعد الجالسون عليهم وشرعت قائلة:

-خديجة لما اتخُطفت مكنتش لوحدها وكان ممكن مترجعش، بس رجعت الحمد لله. فيه بنات كتير مش بترجع، ودي مهمتنا. صب نظر ياسين عليها وغمغم بجدية: -إننا نعرف البنات دي بيسفروها فين.. ومين في البلد اللي بيقوم بتدريجهم وبيعهم.. وننقذ البنات صح؟ ربتت لمار على كتفه وهي تستدير جالسة بمقعدها وشرعت بقص وشرح الخطة على مسامعهم وهم ينصتون بكل اهتمام وتنبه. حتى انتهت وتملكهم الحمية بسبيل ذلك وشحذت همتهم. ***

عاد أنس من بيت الشرقاوي. مر الطريق بصمت تام بينه وبين زينب. عقله مشغول الفكر بمن أسرت. يبتسم ما أن لاح له صورتها فتستقر بخلده، وابتسامتها تستحوذ فؤاده. دلفا سويًا للمنزل فما أن كاد بالجلوس حتى صاحت زينب بنبرة وجع: -لامتتى هتفضل راميني على الحرف كدا؟ لدرجة دي بتحبها؟ حتى متشوفش عينك حد غيرها؟ نفخ بضيق واعتدل بوقفته ملتفتًا لها وبنفاذ صبر تحدث: -وبعدين بقا؟ فيه إيه؟ أنتِ غاوية نكد دلوقتي؟ هوت دموعها بوجع:

-لا يا أنس، أنا مش غاوية أنكد عليك، بس أنا مش هقدر أعيش معاك وأنت أصلًا ليها. عملت كل اللي أقدر عليها بس لأمك. قفلت بيبان قلبك، مقدرتش لا أكسره ولا أفتحه عشان أدخل. شهقت وهي تغطي وجهها بكفيها مجهشة بالبكاء. ثم رفعت رأسها بعد دقيقة قائلة: -هي فيها إيه أزيد مني ولا أحسن مني؟ حرك كفه بعشوائية على شعره. ثم بنبرة ضائعة همس:

-ياريت لينا القدرة نتحكم بقلوبنا، ياررريت. لو كنت قبلتك قبلها كنت هحبك. أنا عن نفسي مش عارف ليه بحبها كدا. أقترب منها وضم وجهها بكفيه وبحنو قال: -أنتِ مراتي يا زينب، مسؤلة مني. هي مش أحلى منك ولا حاجة، أنتِ جميلة كأنتِ بصفاتك وسماتك، لكن القلب دا الحاجة الوحيدة اللي مقدرش أتحكم فيها. صدقيني. -أنا حاااامل! قالتها بوجع. فحدق بها بدوره لا يدري ما اعتراه. حتى تحدثت هي لتخرجه من صدمته:

-دي غلطة ابني. هيجي لأب مبيحبش أمه، بيكرهه ويمكن يكره. هزها بعنف قائلاً: -أنتِ أتجنيتي! بتقولي إيه؟ هكره ابني؟ أنتِ مبقاش فيكِ عقل خلاص. ومين قال إن أنا بكرهك بس؟ علا نحيبها هامسة بتلعثم: -أمال إيه؟ لو مش بتكرهني. ضمه لصدره بحنان يهدأها ويكاد يحلق عاليًا فرحًا من وقع الخبر على قلبه ليوهجه أكثر. فكيف يمحو ذكراه وحبها من فؤاده وهو المحب العاشق؟ واه من الحنين حينما يشتاق. *** ضمت وعد لمار وهي تقبل وجنتها قائلة:

-كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي. ربنا يديمك ليا يا ست الكل وميحرمنيش منك ولا منكم أبداً. قالتها وهي تردد عينيها بين ريم وهالة وحبيبة وتالا. فأبهج محياهم ببسمة هادئة. عادت ناظرة لوالدته وتابعت هامسة: -أنا عارفة إنكم مش بتحبوا الهدايا، فـ عشان كدا... قاطعتها أسماء وهي تضع يديها على منكبيها من الخلف مسندة ذقنها ونظرت للمار وهي تقول: -عشان كدا جمعنا سوا وروحنا اتبرعنا بالمستشفيات. غمز له ياسين قائلاً:

-كل عيد وأنتِ قرفانة يارب. بزهول أشارت لمار لذاتها: -أنا قرفاك يا ياسين؟ هز رأسه نفيًا: -لا وربنا به... صمت حينما وقع بصره على سجى وهي تهبط الدرج برفقة ورد. فنهض على الفور ركضًا ممسكًا بكفها وأجلسها بجانبه بكل حب وهو شارد بها. صاحت ديجا وهي تقفز مهللة: -وأنا كمان عملت زيهم. حملتها لمار بخفة وغمغمت بسعادة: -عملتي إيه؟ -فضلت أحوش كتيررر وروحت تبرعت معاهم صدقة. قالتها ديجا بكل فرحة وهي تبسط ذراعيها. ثم تساءلت:

-ربنا هيحبني صح؟ أومأت لمار برأسها وهي تقبلها بعمق وروحها تحلق عاليًا من شدة الفرحة. من ذا الذي قال أن الفرحة بهدية لا نفع لها بتلك الحياة؟ وهل هناك أسعد من صدقة جارية تنير قبرك وتظلك بظل الرحمن عز وجل؟ ربّاه، هل هناك أفضل من رضاك؟

القلب المخموم هو من يسعد فقط. الفؤاد المخموم هو من تهفو الأفئدة إليه بكل لهفة وشغف. تبسم يوسف متنهدًا وهو يردد بصره بالجميع وبجانبه إسماعيل الذي جاء لتوه. فلم تفارقه ديجا مذ أن جاء كظل له. وعم المرح إلا من سجى لم يصيبها، فقد كانت تشعر بالوحدة حتى صعدت لغرفتها جالسة بها بصمت. حتى جاء حذيفة فجأة وهو يقول بكاهة ويقبل وجنة لمار: -كل سنة وأنتِ طيبة يا مامتي. ثم فعل المثل مع هالة وتالا وحبيبة وهو يدندن. فضج المنزل بالضحك.

*** دلف ياسين غرفته تبحث عيناه عن مسكنهما حتى وجدها تجلس بصمت غريب وهي تضم قدميها. فمضى ناحيتها وجلس على الفراش وتحدث برفق: -مالك يا سجى؟ ليه قاعدة لوحدك؟ تعالي انزلي اقعدي معانا. رأى دمعات عالقة تحاول إخفاءها وهي تهز رأسها رفضًا بصوت به مرارة الوحدة: -لا، أنا قاعدة هنا، هنام شوية. انزل أنت اقعد معاهم. هز رأسه نفيًا وهو يقول: -لا، مش هنزل، هقعد معاكِ هنا. تيجي نقف في الهوا شوية. هزت منكبيها قائلة بمرح:

-لو مش يضايقك، اااه. نهض ممسكًا بكفها وأخذه ليجلسا على المقاعد ونسمات الهواء تلفح وجوههم. ساد الصمت إلا من نظراته التي لم تحيد عنها هدوءها، رقتها، بساطتها، كل شيء بها يسحره. مالت بجذعها مستندة بذقنها على كفها وتمتمت: -ياسين. دَق قلبه بعنف لوهلة، ارتبك وأُعقد لسانه من نبرتها الناعمة. جعلته يعشق حروف اسمه حرفًا حرفًا. ثم تمتم بهدوء: -نعم. غمغم وهي تكتم دموعها:

-سامحني إنك مضطر تستحملني لحد ما تكشف مين عاوز يقتلني. وسامحني لأني تعبانك معايا وقضيت أغلب اليوم هنا بسببي. أنا آسفة. ألم تفقه تلك البلهاء إن سعادته تكمن بسعادتها، راحتها، بسمتها. أنه لا شيء بدونها. ربما لم تدرك بعد أنها وتينه الذي لا يحيا بدونه. انْفَعَل وهو يقول متنرفزًا: -إيه الكلام العبيط دا؟ متقوليش كدا تاني، ممكن؟

تجنبت الحديث معه من نبرته الغاضبة واكتفت بهزة خفيفة. فتنبه لذاته وهدأ من نفسه وجذب كفها بين كفيه بحنو، فأرتجف فؤادها وأنتفضت بتوتر وهمس هو بصدق: -أنتِ عندي بالدنيا وما فيها.. ومستعد أسبب الدنيا كلها وأفضل جنبك بس.. أنتِ ناسيه إننا أصحاب ولا إيه؟ تبسمت بحب ثم قالت بتذكر: -ممكن أكلم أسراء وزين؟ أومأ برأسه مؤكدًا وجاء بهاتفه متصلاً لها على إسراء أولاً ثم زين. وعادا لصمتهم مرة أخرى.

فجأة ولجت ديجا منادية عليه بموجة من الغضب. فتنبه لها ياسين. وقفت أمامه عاقدة ذراعيها تتحدث بغضب: -شوف، محدش راضي يخليني أتنقب، وكلهم اتنقبوا. جذبها ياسين وأجلسها على قدميه قائلاً بهدوء: -حبيبتي، اكبري بس كم سنة وأنا بنفسي هجبهولك تشتريه. ظهر الوجوم بوجهها بعدم اقتناع وضيق. فتمتمت سجى متسائلة ببسمة: -أنتِ لسه صغيرة يا ديجا عن النقاب. ابتعدت ديجا عن ياسين جالسة على قدم سجى وهمست لها بصوت منخفض:

-أنا مش صغيرة، أنا كبيرة. ولا أنتِ مش عاوزة ني أدخل الجنة. مسحت سجى على شعرها قائلة: -عاوزاكِ طبعًا. نظرت ديجا لياسين بأعين بريئة براقة وهي تهمس: -ياااااسين، مش هتساعدني؟ تمتم ياسين متنهدًا: -والله يا ديجا، أنا مبسوط جدًا برأيك بس لما تكبري شوية عشان... قاطعته ديجا قائلة بغضب: -بقا كدا؟ أنا مخصماك ومش هكلمك تاني غير بحاجة واحدة؟ قالتها وهي تشير له بإصبعها. فرمقها بحب قائلاً: -إيه هي؟ حدقته بنظرة مبتهجة وهي تصيح:

-تاخدني أكل آيس كريم. خطر بباله فكرة فوجه حديثه مخاطبًا سجى: -بتحبي الآيس كريم يا سجى؟ هزت رأسها بحياء. فتابع هو: -طيب يلا نخرج إحنا التلاتة. هزت سجى رأسها بالرفض: -لا، اطلعوا انتوا، أنا مش عايزة. بنبرة ماكرة بريئة همست ديجا: -لو مش هتيجي معانا مش هروح. هتيجي صح ولا تزعليني؟ وافقت سجى بعد جدال بينها وبين ديجا وخرجت ديجا لتستأذن والديها. بينما همست سجى متسائلة بحياء: -ياسين، أوصف لي أنت عايز زوجتك إزاي؟

صمت وطال صمته حتى ظنت أنها تدخلت فيما لا يعنيها. فتأسفت بحرج قائلة: -أنا آسفة لو... قاطعها قائلاً وهو يسند رأسه للخلف متأملًا النجوم والقمر، منعشًا بنسمات الهواء الباردة، أسيرًا بدنيا الأحلام وهي أميرته:

-عايزها هاااادية جدًا، طيبة وروحها حلوة، عفوية ولطيفة. بتخجل من أقل كلمة بسيطة، متواضعة ورقيقة. بتحب الخير للجميع وبتساعد أي حد محتاج مساعدة. بتصلي وقريبة من ربنا وبتتنقب لأني بغير من أي راجل ممكن يلمح طيفها. ومش كدا وبس، عشان تكون من أهل الجنة. عايزة نصلي سوا ونصوم سوا ونقرأ قرآن سوا ونعمل الخير سوا. بالمختصر، عايز شريكتي في كل حاجة، حتى في جنتي. عايزة تأخدني من إيدي للجنة ولو لقيتني بتعوج من الطريق تهديني ونطهر قلوبنا سوا من كل الذنوب. بالأحرى، عايزها كاملة مكملة بأخلاقها وجمال روحها وصفاء قلبها. عايززززها زيك يا سجى؟؟؟!!!

كانت كلماته تقع بقلبها مباشرةً فتتخيل ذاتها هي. ثم تساءلت بدهشة: -زيي إزاي؟ أنا معنديش كل المواصفات دي! تمعن النظر لها بمحبة وتحدث: -لاااا، فيكِ المهم ياستي. وعايز أصنع دنيا ليا وليها لوحدنا ونبعد عن العالم شوية لمكان أقدر أعبر لها فيه عن حبي صدقًا. -كلمني عن النقاب. ممكن؟ همست لها بترقب وتردد. فرحب جدًا وشرع قائلاً ببسمة ساحرة:

-النقاب يا سجى تطهير للقلوب، والنقاب ستر من الفتن ومن كل عين تبصلك. أما تلبسي النقاب هتكوني زي وردة متفتحة ومزدهرة ومتألقة ما بين ألف وردة دبلانة. فهل العين الحلوة اللي بتحب الجمال هتقع على وردة دبلانة؟ لا وألف لا. والنقاب بيحميكِ من إنك تكوني من الكاسيات العاريات، والجنه أهم بكتير من دنيتنا لأنها دايمة. أما إحنا على أرض فانية مجرد حاجة عابرة وهننتهي ومحدش هيفتكرنا. فتعمل لدنيتنا اللي مش دايمة وهنسيبها ولا لآخرتنا؟

النقاب هيحسسك إنك جوهرة غالية محدش ياخده إلا من يستحقها. هو عفة وستر وهيصونك من أعين الناظرين والفتن. أشرق وجهها بضياء غريب، لأول مرة ينتابها سكينة فـ راحة فـ اطمئنان. فتبسمت خجلة من ذاتها وهي تقول بهدوء: -عندك مشكلة لو أنت خدتني عشان أقرب من ربنا لحد ما نطلق وتعلمني أكتر وتحفظني قرآن وتساعدني أتنقب؟ بس لو مش هتكون فاضي خلاص مفيش مشكلة، مش عايزة أتعبك. حلقت روحه عاليًا فرحًا من قرارها وصاح معنفًا إياها:

-إيه تتعبيني دي؟ أنا تحت أمرك. علا صوت خديجة فجأة قائلاً وقد يبدو أنها استمعت لحديثهم دون أن يتنبهوا لها وهو غارق بها: -وأنا كمان هساعدك. ابتسمت سجى بفرحة. ولم يمض طويلًا وأخذهم ياسين لإحدى محلات الآيس كريم. جلسوا على أحد الطاولات وظلت ديجا وسجى يلهوان سويًا بالآيس كريم. صاحت سجى بهدوء ونبرة طفولية: -بس بقا يا ديجا، يا ررربي وشي كدا. شعرت بمنديل يجفف وجهها ويزيل تناثرات الآيس كريم عليه. فهمست وهي تتلمس تلك الكف:

-شكراً يا ياسين. تبسم قائلاً وهو يتأمل ضحكاتها النابعة من فؤاده: -العفو. وبهمس لا يسمعه غيره تابع: يا قلب وروح ياسين. تساءلت سجى بتعجب: -أنت مبتحبش الآيس كريم إزاي بس؟ بسط ذراعه على ظهر مقعدها وهو يقول بهدوء: -عادي، يعني مش محبة ولا حاجة. تتبعت حيث مصدر صوته ومدت يدها ببراءة قائلة: -طب خد دوق كدا. أبعد رأسه للخلف وهو يقول: -لا لا، مش عايز، مش بحبه يا سجى. هتفت بترجٍ وأعين لطيفة: -عشان خاطري با ياسين، كدا تكسفني.

ثم مدت يدها مرة أخرى. فجذب يدها لفمه ملتقطًا حطة صغيرة وهو مبتسمًا ببهجة تستحوذ فؤاده لاول مرة. وراحت عينيه تدور بالمكان يتأكد أن لم يره أحد ولم تفارق البسمة محياه. ***

شق سكون الليل قرعًا عنيفًا على الباب ليستيقظ لأثره من بالدار نيام. فتحت وعد عينيها متقلبة بنعاس في مضجعها، وشهقت منتفضة بفزع جليّ من ذاك القرع العالي الذي جعل روحها تنتزع خوفًا وقلقًا من أن يكن أحد قد أصابه شيء. فتحت الباب بلهفة ودقات قلب متسارعًا. فطالعها وجه ورد الشاحب وهي تقول: -وعد، انزلي بسرعة، فيه حد عايزك تحت. ضيقت عينيها قائلة بدهشة: -حد عايزني أنا؟ مين طيب؟ عثمان وباسين تحت؟ هزت ورد رأسها بتيه:

-لا، عثمان مش موجود، وياسين مش عارفة. بس يوسف وكلنا تحت، انزلي بسرعة. هزت رأسها قلقًا والتقطت حجابًا سريعًا وضعته بعشوائية وهرولت ركضًا للأسفل. قبلها حتى وقفت جاحدة عينها بصدمة. فتحدثت لمار متسائلة: -فيه إيه يا وعد؟ ردت عينيها بتيه بين الحضور. رأيكم؟ من ذا الذي جاء بذاك الوقت ولما وعد بالتحديد؟ هل انتهت علاقة أنس وسمر؟ وما رأيكم بذلك؟ هل يتوصل زين لقاتل والده أم سيكون فات الأوان بشخص لا ذنب له؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...