مرت أيام وقد توصل حذيفة لقرار أخير راسخ في ذهنه، وهو أن يطلقها ويعطيها حريتها. سيفعل ما تريده ما دامت سعادتها تكمن في ذلك. لم يتلاقيا مذ ترك البيت، ولكنه عندما اتصل للاطمئنان عليها، حادثته بنبرة باردة طالبة الطلاق، وقذفت بفؤاده بكلمات لاذعة.
لكنه تغير، أخيراً اتضح وتيقن أنه تغير، ليس لأجلها، وأنما لربه ولآخرته. فجميعنا محتاجون أن نطهر أفئدتنا، وأن نظل نستغفر في كل حين ووقت، متضرعين للرحمن بقبول التوبة ومستجيباً لدعائنا. أحذر كل الحذر من الغفلة، وسارع بالمغفرة والتوبة. لكنه لم يتغير من تلقاء نفسه، وأنما ياسين وعثمان وعمرو انتشلوه معهم من طريق الضلال، فكانوا معه خطوة بخطوة.
توقف الشباب أمام الجامع يتحدثون. بينما ترجلت البنات من سيارة أخرى، ودلفن الفتيات، ما عدا أسماء التي اقترب منها بلال باسماً وهو يقول: -ازيك يا أسماء، عاملة إيه؟ تبسمت له ببسمة مجاملة: -الحمد لله تمام. ردد عينيه على حذيفة، الذي لم يرفع عينه من عليها قط، وراح يتأملها ويروي روحه القاحلة ويدوي ندوب قلبه. همس بلال ونظره لا يحيد عن حذيفة: -بيحبك والله وتغير خالص، بقى شخص تاني، شخص كل همه ميفوتش صلاة ولا صيام ولا قرآن.
ازدادت دقات قلبها وهي تدير عينيها على ما ينظر بلال، فوقع بصرها عليه، فاصطدمت من وجوده. طرفت بعينيها تحاول أن تصدق ما ترى، هل هذا حقاً حذيفة هنا؟ هذه أول مرة تراه بها بالجامع ليصلي؟ حقاً هو يصلي؟ أتغير أم أنها تتخيل؟ وكم يبدو متغيراً، ذقنه النامية، وبذلته، وجاكته المثني على ذراعه، زادت وسامته وجاذبيته. وراحت تروي عطشها منه وتبرد ذلك الغليان بمهجتها. دهشت حينما تحاشى النظر لها ببرود، كأنه لا يراها. تبسم بلال بنظرة
مفعمة بالحزن والوجع وتمتم: -أنتِ بتحبيه وهو بيحبك، يبقى ليه البعد ده؟ هزت منكبيها بضياع، ثم استأذنت منه ودخلت المسجد، وتعقبها الشباب والجون من باب آخر. حقاً حذيفة قد ولد من جديد، فكان بكل سجدة أنهاراً من الدموع، متضرعة مخاطبة رب العالمين أن يغفر له ويعفو عنه. وما أمسنا الآن من سجدة طويلة نبث بها شجون القلب لرب العالمين، نتضرع أن يغفر لنا، كم نفتقر لذلك؟
نفتقر لطلب الرحمة والمغفرة، ونتضرع بالتوبة، سائلين الله الجنة. نحن بحاجة أن نظهر لأفئدتنا من الحين للآخر ونطهرها، وأن نردد دائماً الباقيات الصالحات والصلاة على الحبيب بورد يومي يطهر أفئدتنا وينير أرواحنا، أن نعتكف حتى ولو ساعة، متضرعين للرحمن. بعدما فرغا من صلاة الجمعة وانهى الشيخ خطبته، تجمعت الفتيات حول ورد. وتساءلت ديجا بهمس رقيق بإذن والدتها: -هتحكي لنا عن حمزة بن عبد المطلب صح؟
أومأت ورد مؤكدة، فصفقت ديجا بحماس وشغف، واتجهت جالسة بحضن لمار التي ضمتها بمحبة وهي تقبل وجنتها. رددت ورد عيناها بين الجميع، باسمه بوجه مشرق وفؤاد منشرح، وقالت بصوت عال ليسمع الجميع: -حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وسيد الشهداء، البطل الضرغام، عم الرسول ﷺ وأخوه من الرضاعة. ولعلنا نتساءل كيف أسلم حمزة؟ نظرت الوجوه بشوق لورد، وتنبه واهتمام جلي مفعم بالأعين. فتبسمت متابعة:
-ذات يوم خرج حمزة من داره، ليمارس هوايته المحببة وهي الصيد، وكان صاحب مهارة فائقة. وقضى هناك وقتاً، ولما عاد، ذهب كعادته كلما رجع من صيده للكعبة ليطوف بها قبل أن يرجع لداره. وقريباً من الكعبة، لقيته خادمة لعبد الله بن جدعان. ولم تكد تبصره حتى قالت له: "يا أبا عمارة.. لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفاً، من أبي الحكم بن هشام.. وجده جالساً هناك، فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره".
ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله. واستمع حمزة لقولها، وأخذ قوسه وثبته فوق كتفه، وانطلق بخطى سريعة حازمة صوب الكعبة. ولكنه لا يكاد يبلغ الكعبة، حتى يبصر أبا جهل في فنائها يتوسط نفراً من سادة قريش. وفي هدوء رهيب، تقدم حمزة من أبي جهل، ثم استل قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجه وأدماه. وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة، صاح حمزة في أبي جهل: "أتشتمني محمداً، وأنا على دينه أقول ما يقول؟ .. ألا فرد ذلك عليّ إن استطعت".
ونزل قوله عليهم نزول الصاعقة. فأشد فتيان مكة وأعزهم يسلم؟ وسيكون قوة لمحمد ﷺ. قال حمزة إنه أسلم، ولكنه لم يكن قد أسلم بعد. وعاد لداره وظل يفكر. لقد أساءه ما أساء لابن أخيه، فأنفعل وأخذته الحمية فأعلن إسلامه. وكيف ترك دينه ودين آبائه وأجداده، ثم يستقبل ديناً لا يعلم عنه شيئاً؟ إنه لا يشك في صدق محمد ﷺ، فهو يعلم جيداً صدق ابن أخيه، بلى وأخوه أيضاً. وأخذ يفكر لأيام لا يهدأ له بال أو خاطر. ولنضع إليه
وهو يروي بقية النبأ فيقول: ".. ثم أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي.. وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم.. ثم أتيت الكعبة، وتضرعت إلى الله أن يشرح صدري للحق، ويذهب عني الريب.. فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقيناً.. وغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري، فدعا الله أن يثبت قلبي على دينه..".
وهكذا أسلم حمزة إسلام اليقين.. وأعز الله الإسلام بحمزة، فكان يذود عن رسول الله والمستضعفين من أصحابه، حتى لقبه الرسول ﷺ بـ "أسد الله، وأسد رسوله". وأول راية عقدها رسول الله ﷺ كانت لحمزة.
وجاءت غزوة أحد، حيث زعماء قريش يهدفون بالمعركة قتل رسول الله ﷺ وحمزة رضي الله عنه وأرضاه. وكان كل هم القرشيين موت حمزة، فوضعوا خطة واختاروا رجلاً لقتله وهو "وحشي"، كان ذا مهارة خارقة في قذف الحربة. وكانت خطتهم أن يتصيد حمزة ولا يغفل عنه، ووعدوه بثمن غال وهو حريته، فقد كان وحشي عبداً لجبير بن مطعم.
وبالمعركة، التقى الجيشان، وأخذ حمزة يصول ويجول بصفوف أعدائه، وقارب المسلمون النصر لولا أن ترك الرماة مكانهم فوق الجبل، ونزلوا إلى أرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو المهزوم. لولا تركهم مكانهم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش، لكانت غزوة أحد مقبرة لقريش كلها رجالها ونسائها، بل وخيلها وابلها!! ورأى حمزة ما حدث، فضاعف قوته وأخذ يضرب عن يمينه وعن شماله. ووحشي يراقبه يتحين اللحظة المناسبة لقتله.
أدمعت عين ورد وكأنها تتخيل مقتله، وتنهدت بعمق وتابعت وهي تغض بصرها: -ولندع وحشي يصف لنا المشهد بكلماته: [.. وكنت رجلاً حبشياً، أقذف بالحربة قذف لحبشة، فقلما أخطئ بها شيئاً.. فلما التقى الانس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق.. يهد الناس بسيفه هدّاً، ما يقف أمامه شيء.. فوالله إني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني، إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى..
فلما رآه حمزة صاح به: هلم إليّ يا بن مقطعة البظور.. ثم ضربه ضربة فما أخطأ رأسه.. عندئذ هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه.. ونهض نحوي فغلب على أمره ثم مات.. وأتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى المعسكر فقعدت فيه، إذ لم يكن لي فيه حاجة، فقد قتلته لأعتق..] ثم رددت بصرها بالجميع بأعين مستدمعة وقالت وعن وحشي أيضاً:
-فلما قدمت مكة أعتق، ثم أقمت بها حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فهربت إلى الطائف.. فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم، تعيّت عليّ المذاهب، وقلت: الحق بالشام أو اليمن أو سواها.. فوالله إني لفي ذلك من همي، إذ قال لي رجل: ويحك..!
إن رسول الله، والله لا يقتل أحد من الناس يدخل دينه.. فخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يرني إلا قائماً أمامه أشهد شهادة الحق، فلما رآني قال: أوحشي أنتَ؟ قلت: نعم يا رسول الله.. قال: فحدثني كيف قتلت حمزة، فحدثته..
فلما فرغت من حديثي قال: ويحك.. غيّب عني وجهك.. فكنت أتنكب طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان، لئلا يراني حتى قبضه الله إليه.. فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة.. فلما التقى الناس رأيت مسيلمة الكذاب قائماً، في يده السيف، فتهيأت له، وهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه.. فان كنت قد قتلت بحربتي هذه خير الناس وهو حمزة.. فإني لأرجو أن يغفر الله لي إذ قتلت بها شر الناس مسيلمة..".
وتوفى حمزة رضي الله عنه، وقال عنه الرسول ﷺ: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". وفي رواية: "سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب". لقد جاهد حمزة في سبيل الله تعالى جهاداً شديداً، وكان بلاؤه ليس بلاء رجل واحد، ولكنه كان يبلي بلاء جماعة من الناس. ولو أن ما أصابه في سبيل الله تعالى وزع على الجماعة من الناس لأوسعهم ألماً. ثم صمتت ملياً وتابعت قائلة
ونظرها يتردد بين الجميع: -ولقد أمرت هند بنت عتبة، زوجة أبي سفيان، وحشي أن يأتيه بكبد حمزة. وانصاع وحشي وجيء لها بالكبد، وأخذ منها قرطها وقلائدها، مكافأة له على إنجاز مهمته. ومضغته هند، ولكنه استعصى عليها فلم تستطع أكله. أخذته لتشفي غليلها وحقدها على موت زوجها ووالدها. وحزن الرسول حزناً شديداً على موت حمزة، الذي لم يكن عنه فقط، بل أخ وصديق وتربيا سوياً. وإذ يستمع الرسول ﷺ بكاء
النساء على الشهداء فيقول: "لكن حمزة لا بواكي له". وحينما فرغا من جلوسهم، خرجت الفتيات من المسجد ينوين المغادرة. فإذا بأسماء يقع بصرها على حذيفة المنتظر. فما أن لمح طيفها أسرع إليها قبل أن تصعد بجوارهم بالسيارة، وقال وهو يغلق الباب: -استنى عايزك... ارجعوا انتوا، أنا هبقى أرجعها إن شاء الله. أومأت له لمار موافقة وغادرا هم، بينما التفتت له أسماء قائلة بتساؤل: -مالك، ليه قولت لهم يمشوا؟
تجاهلها تماماً وهو يتقدم ليوقف سيارة أجرة. فاقتربت منه متسائلة بضيق من تجاهله الذي لأول مرة تعتاده: -أنت مبتردش ليه؟ بكلم نفسي أنا؟! هتخدني فين؟ زفر بضيق وهو يستدير لها واضعاً يديه بجذعه، وتحدث بنبرة خالية من أي مشاعر بكل هدوء: -هعمل اللي يرضيكِ ويريحك، واللي ليكِ كم يوم بتزني بيه ورايده. هطلقك وأريحك مني، ومش هتشوفي وشي تاني. مبسوطة كده؟ "هطلقك!!! أهو قذف جمراً مقيداً بفؤادها دون أن يرف له جفن؟
ما تلك النار المقيدة بفؤادها؟ كيف تخمد؟ أروحها تنسحب الآن أم ماذا؟ لما تشعر بالاختناق فجأة؟ لماذا وجعتها؟ شعرت بأنها طفلة قد فقدت أبويها، الأمان، الحنان والاحتواء. فقدت ماذا؟ كل ما بها لم يتبق بها شيء على ما يرام. تلك النغزة بسويداء القلب تميتها فوراً، مصدومة. ألم تطلب هي ذلك؟ فلماذا تظن ذاك الوجع؟
لا غرو فإن فكرة البعد عنه عذاب، وهي التي ذاقته في ليالي بعده وتجرعته، فكان قاسياً مؤلماً لم تستحمله. فالنفس توّاقة مشتاقة لقربه، لضم عينيه لها، لأمانه. فاضت عينيها بالدمع المفعم بالزهول والصدمة، وأطرفت عينيها عدة مرات عليه، تنبهت لصوته وهو يقول بحسم: -اركبي.
رددت بصرها نحوه ونحو السيارة، فصعدت وأغلق الباب وجلس بجانب السائق. كان يسترق النظر لها من المرآة، دموعها تحرقه حرقاً ويتجرعه مراراً كالحنظل، بينما هي لم تحيد بصرها عنه. رن هاتفه، فأنشغل بالهاتف، بينما خفضت هي رأسها وسمحت لدموعها العالقة بالسيلان، فأنسكبت عسى أن تهدأ من نيران فؤادها، ولكن كيف؟ كفكفت دموعها وهي تتنهد بضيق وشعرت بالدوار فجأة، ولكنها تنبهت لصوته الهامس:
-هروح الشركة بس همضي على ورق مهم، وبعد كدا نطلع على المأذون، تمام يا بنت عمي. هزت رأسها دون حرف. وطرفت عينيه بألم، منذ متى يناديها بابنة عمه؟ وصلا للشركة ودلفت معه لداخلها، ومضيا للمكتب وأشار لها بالجلوس، وهم بإمساك الهاتف لكِ تأتي السكرتيرة، حتى استمعا طرقاً على باب المكتب ودخول السكرتيرة. فغض حذيفة بصره للأسفل وهو يقول: -جيتي في وقتك، كنت هطلبك. تبسمت السكرتيرة وهي تمد بيدها الملف: -دا الملف اللي عاوز إمضاء حضرتك.
رمقتها أسماء بغيرة شديدة، ولكن صدمة حينما رأت حذيفة يغض بصره وهو يتناول منها الملف ويقول بحزم: -تمام، اتفضلي أنتِ على مكتبك. لكنها تبسمت لأسماء وهي تتساءل: -دي مراتك؟ في ذات الوقت، رفعا بصرهما لتتلاقى الأعين بصمت، ثم أغلق حفنيه متحاشياً النظر لعيناها المهلكة وقال بنبرة نمت عن وجع دفين: -لا، دي بنت عمي. تبسمت "آية" بسمة رآتها أسماء، ثم صاحت: -يعني أنت طلقت؟ طَرَقت أسماء بيدها على المكتب بعنف وصاحت وهي تحدق بها:
-لا يا حبيبتي، مطلقتش. مراتّي وهفضل مراتي... ليه وليا وبس. ومش هنبعد عن بعض. لم يستطع أن يخفي ابتسامته، فتبسم رغماً عنه، وقد أشرقت روحه، ثم قال بهدوء: -اتفضلي دلوقتي، قولت. أومأت السكرتيرة وهي تخرج، ترسل رسالة لـ مكة بأن الأمر قد تم. ألتفتت أسماء برأسها ناحيته، فتقابلت أعينهم التواقة، كأنها لها سنين لم تلتقي. فأخذ يتفرس في ملامحها الذي اشتاقها وهمهم وهو يتنهد بضيق وينهض: -يلا نروح للمأذون عشان عندي شغل.
خطى بخطوات وئيدة، حتى وقف على صوتها الباكي يقول بهمس شديد: -إزاي هتقدر تبعد عني؟ هان عليك تقولها؟ لدرجة دي أنا بالنسبالك ولا حاجة؟ أمال أنا كنت ليك إيه؟ بعصبية، استدار عائداً أدراجه ناحيتها وأمسك منكبيها يهزها بعنف وجنون: -أنتِ عايزة إيه بالظبط فهميني؟ ملقيش كلمة غير طلقني ومش عايزك، هجبرك مثلاً تفضلي معايا؟ تحدثت دموعها تسبق كلماتها وهي تهز رأسها:
-أيوه، أجبرني واتمسك بيا أكتر. عرفني إنك اتغيرت ومتسيبش إيدي، بس أنت بعدت وسبت البيت، سبتني وحيدة. ودلوقتي تقولي هطلقك بسهولة كدا؟ هو اللي بينا كان إيه؟ لم يجيب، وأنما جذب يدها واضعاً كفها على موضع قلبه، وتحدث وهو ينظر بعينيها:
-اسأليه أنتِ بالنسباله إيه، وهو هيقولك إنك كل حاجة بمعني كل حاجة، وإنه من غيرك ضايع ملهوش مأوى ولا حضن يدفيه، وإن كل دقة بدقة باسمك وليكِ، وإن بعدك عنه يعني توقف نبضه، وإني ميت من غيرك، وما أصعبها الحياة وأنا عايش فيها ميت جوه قبر. دا أنتِ الروح والقلب. رفع يده خلف رأسها وسند جبينه على جبينها وهو يزيح دموعها برقة، وتحدث: -مكنتش مستحمل بعدك عني، ولا مرة تخيلت إننا نوصل للمرحلة دي ونبعد البعد ده، وإنك تطلبي الطلاق بجد.
تحدثت بتغيب: -وأنا مخطرش على بالي أبداً إن يجي يوم وتقولي هطلقك. هز رأسه نفياً: -كنت هعمل كدا عشان سعادتك صدقيني، وكنت... قاطعته قائلة ببكاءه مزق قلبه أشلاء: -وهو يعني إيه سعادة وأنت مش سببها؟ ومش معايا ومش ليا؟ قبل جبينها قائلاً بصدق: -حقك عليا يا بنتي، حقك عليا بكل دمعة نزلت من عيونك، كنت أنا سببها، وحقك عليا بكل اللي حصلك بسببي. ثم رفع يده أسفل ذقنها ورفع رأسها إليه، وقال بمرح: -مش يلا عشان نطلق؟
ضربته بخفة على منكبه عدة مرات وهي تقول بضحكة: -يا خاااين، عايز ترميني أنا وعيالك في... أب يرمي عياله؟ اتسعت عينيه وهو يقول: -عيالي؟ هما فين دول؟ ولته ظهرها بحياء وهي تقول بمرح: -أنكر وجودهم، أنكر. أمسك ذراعها يديرها إليه وضم وجهها بين كفيه بحنان، وتحدث بنبرة صادقة وأعين تتوهج:
-خلينا ننسى اللي فات ونبدأ من جديد، عايزك تثقي فيا بس ومتبعديش عني أبداً، لأن بعدك بيحسسني إني غريب في بلد الغربة، مش عارف فيها حاجة ولا أروح فين ولا ليا مأوى ولا حد. تبسمت له وهي تهز رأسها، فأتى جاذباً جاكته مثنياً على ذراعه وألتقط هاتفه، ومد يده لها، فناولته كفها ليضم عليه بقوة، كأنه يخشى أن تتوه منه وسط الازدحام. وقال بنبرة محببة أنارت فؤادها المنطفئ:
-تعالي نخرج النهارده نقضي اليوم كله سوا، نعوض أيام بعدنا، مع إن يوم واحد مش هيكفي، بس يلا تصبيرة لحد يوم فرحنا. تبسمت باستحياء، بينما اتصل هو بـ يوسف ليستأذنه، وخرجا. السعادة تعم الدار بأكمله. مرت أيام ذات سهد وأرق، بسبيل ما بذلوا من مجهود عظيم بمساعدة بعضهم البعض لتجهيز شقة كل منهم. حتى انتهوا من كل شيء ليرتاحوا أخيراً. وتم كتب كتاب كل من (ياسين وسجى، عثمان ومكة، زين وعائشة، حذيفة وأسماء)
آبت سجى حفل زفاف، بما أن الزواج فقط حتى يقضي مهمته، فما الداعي لذلك، وخضع هو لقرارها. لم يرها مذ أن كتب كتابه عليها، أصبحت زوجته له وحده. لا يصدق للآن ذلك، حلماً ظن أنه حلم فقط، ولكنه أضحى حقيقة وواقع جميل قد ظن أنه مستحيلاً. -ممنوع تدخل، يلا بقا بره؟ نطقت بها لمار بوجه ياسين بحسم، فتمتم هو بضيق: -بره؟ ليه بقا إن شاء الله! دا حتى النهارده خطبة وكده هاا. هم بالدخول، فرفعت لمار كفها تدفعه للخلف، وبجدية تحدثت:
-محدش هيشوف مراته غير يوم الفرح، إيه مش هتصبروا لبكرة يعني؟ شوفولكم مكان أقعدوا فيه، وودعوا عزوبيتكم كدا، وسيبونا لوحدنا، يلا بقا هوّيينا. أشار بأصبع متوسلاً: -طب نظرة؟ دفعته لمار للخلف بقسوة: -يلاااااا يا بابا من هنا، وبلغ الباقيين محدش يجي. أغلقت لمار الباب بوجهه وانضمت للفتيات. كانت سجى تجلس وحيدة بمكان منعزل عنهم، تشعر بالغربة، خاصة معاملتهم لها الجافة. ومعهم حق، فقد كانت سبباً في انتهاء خطبة ياسين وسمر.
وضعت الفتيات الحناء، وصدح صوت الأغاني، وعلت الزغاريد. ووقفت الفتيات "يتراقصن" وضحكات صاخبة تغمر المكان. وقفت ديجا والضحكة لا تفارق وجهها وهي باسطة كفيها وصاحت قائلة بوجوههم: -أنا رسمتي أحلى منكم. ثم أخرجت لسانها بمكر، فضحك الفتيات لقولها، بينما تبسمت ورد بمحبة. ولمحت سجى ودموعها التي تحاول تخفيها، فأشارت لـ ديجا أن تأتي بها، فأومأت ديجا موافقة وهي تستدير راكضة ناحية سجى. ودنت منها وهي تنادي باسمها، فتنبهت لها سجى
باسمه وهي تقول برقة وهدوء: -نعم يا ديجا يا حبيبتي. قبلتها ديجا من وجنتها وهمست بجانب أذنها: -أنا فرحانة أوي عشان أنتِ اتجوزتي ياسين وهتكوني معايا على طول. أجابت ودموع عينيها تسابق كلماتها: -يا ريتك لو تعرفي إيه سبب الجوازة دي. أزاحت ديجا بحزن لها دموعها وبنبرة حزينة تحدثت: -يعني إيه؟ أنتِ مش فرحانة؟ طرفَت بعينيها وهي تردف:
-مفيش حاجة تفرح، ولا بقينا نفرح يا ديجا. يا ريتني فضلت صغيرة عشان أكون تلقائية زيك كدا، معرفش إيه في قلوب الناس من حقد وكره وأنانية، وأفضل متوهمة أنهم بيحبوني وطيبين... صمتت حينما جذبتها ديجا وهي تقول: -قومي عشان تحطي حنة. فتحدثت بضيق مخافة أن وجودها يضيق أحدًا: -لا يا ديجا يا حبيبتي، أنا مش هحط. همست ديجا بحسم: -لا، هتحطي. أخذتها ورد من يدها وأجلستها لتشاركهم البهجة، ولكنها كانت بعيدة رغم قربها منهم.
هل الليل سريعاً وهدأت الضوضاء؟ جلس الفتيات بجانب بعضهم البعض، وتمتمت حبيبة قائلة بغيرة للمار: -أموت وأعرف ليه يا أختي بعتيهم لوحدهم وحفلة عزوبية قال. اعمل فيكِ إيه طيب؟ حرام عليكِ دول أكيد دلوقتي جايبين بنات، ياربي. كتمت لمار ضحكتها بصعوبة وجحدتها بنظرة أسكتتها. بينما رن هاتف أسماء معلناً عن اتصال من حذيفة، فنهضت تتحرك ناحية النافذة وتطلعت من خلفها مستندة بكتفها على الجدار، وردت بحياء: -الو، السلام عليكم.
رد حذيفة السلام بحب، وساد الصمت بينها، وتوترت كثيراً حينما همهم قائلاً: -بتعملي إيه؟ تبسمت بأعين لامعة متلألئة وهي تقول: -مفيش، يلا مخلصين كل حاجة وتعشينا وكنا بنتفرج بس كدا. ليقول هو بمحبة وهدوء: -مش مصدق إن خلاص بكرة هتكوني من نصيبي، يا أحلى نصيب جالي. ومعايا لبقية العمر. تنهد بصوتاً عالٍ وتحدث بسعادة: -لحد الآن مش مصدق بجد، ربنا يديمك ليا. علا الاستحياء وجهها وخفق قلبها وهي تقول ببسمة: -ويديمك ليا يا رب.
تناهى لها أصوات صاخبة وغناء، فتمتمت قائلة بغيرة واضحة: -حذيفة، عايزة أسألك سؤال؟ تنهد قائلاً بسعادة تغمره: -قلب حذيفة، أنتِ تسألي براحتك من غير استئذان. ترددت كثيراً وتحير فكرها، ثم نطقت بتلعثم: -هو أنتوا جايبين بنااات؟ ضحك رغماً عنه وهو يؤكد قائلاً: -أمال إيه يا حبيبتي، مش آخر ليلة وكدا يبقى نعمل اللي عايزينه. ثم تبسم بمكر متسائلاً: -أنتِ بتغيري عليا؟ بتلقائية ردت بتعصب وهي تضرب الأرض بقدمها: -مش جوزززز! بِثَخَط
قالت: -وهغير عليكِ ليه أصلاً؟ اعمل اللي أنت عايزه وأخرج مع ألف بنت، أنا مالي أنا. بتقولي ليه تخرج تقابل تكلم تتجوز حتى البنات كلها وأنا مالي أنا! فما أن أنهت جملتها المرتجفة حتى أغلقت الهاتف وهي تتنفس بصعوبة، وتتمتم. ضحك حذيفة كما لم يضحك قبلاً، ثم اتجه جالساً بجانب الشباب الممدودين بإرهاق جلي من كثرة ما بذلوا من مجهود الأيام الماضية. رن هاتف يوسف، ففصل متأففاً، فأنعاد الاتصال مراراً وتكراراً. فبنفاذ صبر
تحدث وهو يلكم أدهم بسخط: -منك لله يا شيخ، يعني لازم تقولهم هنجيب بنات، بلا خيبة. يارتكم كنتوا جبتم، وأهو جه فوق راسي أنا. منك لله، كل ثانية بترن صدعتني. ضحك الشباب، بينما أشار لهم يوسف بالصمت، ورد قائلاً بتأفف: -يا بنتي حرام عليكِ، 50 رنة في دقيقة، ليه يا ماما ليه.. -ببببتبعملوا إيه يا يووووسف، قووول؟ صرخت بها حبيبة بغيرة على الجانب الآخر. فتحدث حذيفة بصوت أنوثي بجانب الهاتف:
-ما تخلص بقا يا يوسف، الله. اقفل التلفون دا بقا وتعالى جنبي يا حبيبي. انفجر الشباب ضحكاً، بينما أسرع يوسف بغلق الهاتف وهو يركض خلف حذيفة. وإذ بـ ياسين ليس معهم، هو في دنيا غير الدنيا، حيث حبيبته فقط. هنالك، لا سيما أن صورتها لم تفارق مخيلته بتاتاً. غمزة عثمان قائلاً بمرح: -متسرحش كتيرررر يا عم العاشق. جذب ياسين الوسادة وقذفها به، فتلقاها عثمان مسنداً عليها بذراعه وهو يغمز له: -إيه يا باشا، عقلك رايح فين؟ تنفس
ياسين بضيق وتحدث بضحك: -ياااخي كدا تطلعني من حلمي الجميل. _أغلقت حبيبة الهاتف بعينين تطلق شراراً وتحدثت وهي تجز على أسنانها: -جيبين بنات؟ سمعت صوتها بودني بتقولوا يلا يا يوسف بقا، يا نهار مش معدي. نظرت للمار قائلة: "أخوكِ الخاين الغشاش بيخوني بعد العشرة دي كلها". ضحكت لمار بخفة: -بس يا مجنونة، اهدي. بنات إيه بس اللي يجبوها. وقفت حبيبة محتجة بسخط وترزع المكان ذهاباً وإياباً: -بقولك بيخوني، مبتفهميش؟
بيخوني، سمعتها بودني والله. حدقت مكة مزهولة وهي تنهض مقتربة منها: -بجد والله؟ سمعتي صوت بنت، يعني عثمان بيخوني دلوقتي؟ تحدثت ريم بزهول: -يا نهار أسوح! بيخوني؟!!! بينما ضحكت ورد قائلة بمناغشة: -خليهم يا جماعة براحتهم، مالكم بس؟ يغيروا شوية، زهقوا مننا. جذبت مكة هاتفها صاعدة لغرفتها وهي تتصل بـ عثمان، الذي رد قائلاً وهو يجاهد على السيطرة بضحكاته: -كنت عارف والله إنك هترني. تحدثت بنبرة غاضبة وهي على وشك البكاء:
-بتخوني يا عثمان، ماشييى؟ ابقى شوف مين هيتجوزك يا خاااين. دا إحنا لسه متجوزنٰش عشان تخوني؟ طلقني يلاااا، وخليك مع اللي بتخوني معاااها.... صمتت حينما علا صوته صارخاً: -اسكتييييي، أنتِ ما بتصدقي تتفتحي، اهدي. صرخت بصوتاً عالٍ وهي تبكي: -وكمان بتزعقلي بدل ما تصالحني؟ أنهت جملتها وهي تغلق الهاتف، لينظر عثمان بالهاتف بصدمة ممزوجة بالزهول وهو يغمغم: -يا بت المجنونة، والله لأربيكِ.
صمم البنات على الذهاب، فتوجهوا بغضب جميعهم ناحية الشقة التي كانت قريبة جداً منهن. جلس الشباب مندمجين بفلم رعب، متنبهين بكل حواسهم له. وعلى حين بغتة انطفأ الضوء، فتمتم فيكتور قائلاً وهو يتشبث بـ ياسين بجانبه: -النور قطع صح؟ يعني يعني هو هي هتطلعلنا صح....
توقفت شفتيه عن التحرك حينما رأى ظل فتاة تتقدم، تتطاير خصلاتها بالهواء، ووجهها يخيف من يراه. فوقفا الشباب جميعاً مزهولين بدهشة، وتحسسوا طريقهم ليلتصقوا ببعضهم وأخذا بالارتجاف. تسلل عثمان من جانبهم.
في هذا الأوان، كان الفتيات يضحكون بهمس واستمتاع لظنهم بنجاح خطتهم وإخافتهم. كانت حبيبة تضيء كشاف الهاتف بلحظة، وقع منها وهي تبتلع ريقها الجاف بصعوبة، وارتعدت جسدها. تسمر البنات مكانهن مزهولات، عكس لمار التي نظرت للظل بكل حدة وهدوء. ارتعدت حبيبة وهي ترتجف، وسرى الخوف بعروقها واستحوذ الرعب ثنايا فؤادها، وتلعثمت قائلة وهي تهز رأسها وتتراجع لاصقة بالفتيات خلفها:
-أنا مش مش أنا، والله هما أجبروني، أنا أنا أنا معملتش حاجة، صدقني. ظل يقترب منها حتى كادت بالبكاء، وصرخت صرخة مدوية هي والفتيات وهم يركضون هنا وهناك ويصطدمون ببعضهم بعضاً. جاء النور قوياً، ووقفا الشباب عاقدي ذراعيهم. فتوقف الفتيات يهدئون من أنفاسهم اللاهثة وضربات قلوبهم. وإذ بـ عثمان يخلع ما كان يرتديه وهو يقهقه. أشار يوسف بجدية ونبرة مخيفة: -بتعملوا إيه هنا؟ وازاي تطلعوا كدا؟
حاد بصره لـ حبيبة التي رمقته بدموع. فرق قلبه وتخلى عن تصنعه الجدية والغضب، وخطى بخطى سريعة تجاهها. هم بإمساك كفيها وهو يقول: -حبيبتي.... أبعدت كفيها وهي تتراجع للخلف وتواري دموعها كي لا تنحدر بجهد عظيم. فبدون حرف تقدم مختطفاً إياها بين ذراعيه، فكانت تغطي وجهها بكفيها وهي مسندة على صدره، مجهشة بالبكاء. فتحدث بحنان: -بس يا حبيبتي، أنا آسف، متزعليش، مكنش قصدي أخوفك كدا، صدقيني...
همت حبيبة بالتحدث، فصمتت حينما شرع عثمان قد تكلم متسائلاً وبصره يجول بالمكان بقلق جلي: -امال فين مكة؟ وخزات بفؤاده طيلة اليوم نبأته أن هناك شيئاً سيحدث، وها هو يتأكد شكوكه وإحساس فؤاده النابض بعشقها. شعر بمناداتها واستغاثتها. صمتت همهمات الجميع وهم يتناقلون النظر فيما بينهم. بينما ازدادت دقات قلبه وخزاً وألماً، وهو يركض للمنزل.
_أنهت مكة المكالمة بغضب وغيرة، فما أن همت بالخروج من الغرفة حتى كان أحداً ما يكمم فمها على حين غرة وهو يسحبها للخلف مرة أخرى ويغلق الباب. حاولت بكل جهد نزع كفه ودفعه للخلف، ونجحت بذلك لتستدير قائلة بصدمة: -علي؟! ماذا تفعل هنا؟ ما هذا التصرف؟ كيف تجرؤ؟ همت بالمغادرة، فجذبها من ذراعها بقسوة وهو يدفعها بقوة للخلف لتسقط أرضاً مزهولة، وتحدث وهو يفترس النظر بجسدها:
-لم أكن أنوي فعل ذلك، وكنت أود أن أتزوجك، ولكنك خدعتني، لذلك أنا مضطر لذلك. منذ أن رأيتك وأنتِ تعجبيني. "أنهى جملته وهو ينظر بنظرات شهوانية لجسدها". فاتسعت أعينها وتجلى فيهما نظرة صدمة ممزوجة بعدم التصديق، وهي تضم جسدها بذراعيها من عينيه المفترسة بها، كأنها عارية رغم ما ترتديه من ملابس محتشمة. وهمست متوسلة: -لا، أرجوك، ماذا تقول؟ أنا بمقام أختك.
أنقض عليها كالأسد الجائع يحاول نزع ملابسها وتقبيلها. ظلت تصرخ بصرخات تشق القلب، وصراخ قلبها كان يعلو، ولكن لم يستمع أحد. حاولت دفعه، فسرعان ما تذكرت بعد الحركات التي دربها لها، لتضربه بجبينها أعلى أنفه وهي تدفعه بقدمها وذراعيها، ونهضت وهي متجهة ناحية الباب وحاولت فتحه، لكنه أبى ذلك، فظلت تقرع عليه وهي تبكي ودموعها كالسيل على وجنتيها، منادية باسم حارسها معشوق فؤادها.
على بغتة، جذبها عليّ من قدمها ليوقعها تحته، وقبض على خصرها بقوة مقيداً ذراعيها، فحررت يدها وهي تحاول دفعه بكل قوتها، وبلحظة كان يكسر الباب بغضب جامح، مصدراً صوتاً عالياً، ليلتفت علي بصدمة محدقاً بعينيه بـ عثمان الذي برزت عروقه من شدة غضبه وجحيم من النيران تكونت بعينيه، وهرع إليه كالثور الهائج وجذبه من ياقة قميصه ليطرحه ضرباً مبرحاً.
فانعدلت مكة مطمئنة وانزوت بركن بعيد تبكي بحرقة وهي تضم قدميها لبعضهما محاوطة إياهما بذراعيها، منكبة عليهما مجهشة بالبكاء. تجمع الفتيات حولها، بينما بلحظة هجموا الشباب على علي بكل قسوة، ليتمنى الموت أرحم من براثنهن. ابتعد عثمان عنه مقترباً من مكة ليتنحى الفتيات جانباً مفسحين له الطريق، وأخذت الدموع مجراها لمرآهم مكة بتلك الحالة، وأكثرهم شعوراً بها أسماء.
جثى على ركبتيه ودون حرف أو همس، جذبها محتضناً إياها بحضنه كأنها طفلة صغيرة، فعلا نحيبها أكثر ويداها تحوط عنقه بقوة وخوف. فهمس هو بألم: -خلاص بالله عليكِ، متبكيش، دموعك بتوجعني، أنا هنا جنبك، مفيش حاجة. شددت من احتضانه، فاعتصرها بداخله وتمتم بنبرة متحشرجة: -شفت حصلي إيه لما بعدت عني، متبعدش عني تاني. شدد من ضمها بصمت، ثم قال بقلب أضناه الوجع: -عرفتي دلوقتي ليه كنت بضايق لما بشوفه قريب منك، وسجنتك عشان تسيبيه.
علا نحيبها وشهقاتها وهي تدفن رأسها بصدره، فقال حذيفة مازحاً: -يا نهارررر أسوح، منييييل يا بنتي، كفاية، أنتِ ما صدقتي، اقالولك عيطي، غرقتي البيت، الله يحرقك، كفاية يا ماما، كفاية. ثم تساءل بنبرة مازحة: -بقا ياربي، واد فرفوش زيي يعيش مع العيلة النكد دي ليه يعني؟ ذنب دا بس ولا إيه. ثم نظر لها قائلاً: -كفااايه ياااختي، ولا قولتي فرصة تضمي الواد عثمان.
نظر عثمان حوله باحثاً بعينيه عن شيء يلقيه عليه، فلم يجد، فبدون وعي أمسك الهاتف قاذفاً به بوجهه، فتلقاه حذيفة مشيراً له وهو يرفع حاجبيه: -ليه كدا يا ضنايا؟ التلفون خسارة، دافع فيه فلوس. أما أنا عادي، ممكن ترميني على حد. -برررررره، اطلع بره. صرخ بها عثمان بنفاذ صبر، ليهرول حذيفة خارجاً وهو يضحك. لم تكد تبرح لمار مكانها حتى جذبت علي الذى أغدى كالجثة من ملابسه وغمغمت له: -أنت عامل إيه في حياتك عشان تقع في طريقي؟
شكل أمك داعية لك. ثم ضغطت على عنقه بحدة وجذبته للخارج وهي تقول بحسم مشيرة لياسين: -ورررايا. ضحك ياسين بخفة قائلاً: -خلاص يا لمار، الواد هيموت، كفاه. حدقته بنظرة غاضبة لا تقبل النقاش، فلحق بها فوراً. وقع بصره على "سجى" الجالسة منزويه بركن على الدرج، فأنفزع قلبه وهو يهبط الدرج بسرعة فائقة، وتحدث وهو يجثو أمامها: -سجى، ماااالك؟ في إيه؟ بتبكي ليه؟ حد عملك حاجة؟ قالها وهو يضع كفيه على وجنتها، فشاهقت هي قائلة بصوتاً
متحشرج من أثر البكاء: -أ أ أنا يا يا ياسين، سمعت مكة بس معرفتش هي فين ولا أساعدها، كنت موجودة وسامعها بتصرخ وأنا مش عارفة أعمل إيه؟ صمتت وعلا نشيجها أكثر، فأدمعت عينيه وهو يقول بنبرة حانية: -لا، أنتِ مش ذنبك حاجة، متبكيش. وقع بصره على قدمها النازفة، فضيق عينيه بهلع وهو يجذب قدمها قائلاً بلهفة: -إيه الجرح دا؟ اتعورتي في إيه؟ بتلعثم قالت وهي تشهق: -مش عارفة، بس دلوقتي وأنا بحاول أوصل لمكة. أمسك ياسين ذراعها يساندها
على الوقوف وهو يتمتم بحنو: -طب تعالي، أقعد أعمل لك الجرح دا. نهضت معه وهي تتمسك بذراعه، فكادت أن تخطئ، فزلت قدمها متأوهة، ليحملها بين ذراعيه بخفة وهدوء، كأنه يخشى عليه أن يؤذيها. هبط بها للأسفل وأنزلها برفق ورقة على الأريكة، وصرخ بـ عائشة أن تأتي، بعدت الإسعافات الأولية، فلبت على الفور. جلس ياسين واضعاً قدمها على قدميه وشرع بتضميد جرحها رغم اعتراضها.
ثم تجمع الشباب بغرفة واحدة، والفتيات كذلك، إلا أن غلبهم النعاس ليذهبوا في سبات عميق. تجمع الشباب بإحدى غرف الفندق المقام به الحفل، يتألقون ببدل سوداء اللون زادت من وسامتهم. كان يوماً حافلاً بالعمل الشاق، فمنذ أن فتحا أعينهما لم يستريحا ولو قليلاً. وقف حذيفة بمرحه المعتاد أمام المرآة يحاول بجهد تعديل كرفت البدلة، لكن كل مرة تأتي بالفشل، فأحتج وهو يقول بتأفف طفولي نوعاً ما: -مش راضية تتربط ليه دي كمان؟
هو محدش هنا مهتم بيه ليه؟ حدجه عثمان باللامبالاة وهو يصفف شعره بجانبه وينثر عطره المميز ذو رائحة جذابة. فزم حذيفة شفتيه بضيق وطفق يحاول عقدها مرة أخرى بتذمر. فجأة، جذبه ياسين واقفاً أمامه دون حرف، وأبعد كفيه وعقدها له، ليقول حذيفة بكل غبطة: -تسلم لي إيدك يا غااالي، والله كنت حاسس إن مفيش غيرك يا حبيبي هتعملهالي. تبسم ياسين رابتًا على منكبه بود: -لو أنا معملتهاش مين كان هيسأل فيك يا زفت؟ ثم استطرد قائلاً بحنو
وهو يسند كفيه على منكبيه: -ألف مبروووك يا حبيبي، يتمم لك على خير يارب ويسعدك. ضمه حذيفة بتأثر أثر كلماته وهمس بدمع: -الله يبارك فيكِ، أوقات بحسد نفسي على نعمة ربنا ليا رزقني بأخوات مكنتش أحلم بيهم، ويمكن لو عندي أخوات مكنش هيكون بينا الرابط القوي دا، أنتوا مش بس قرايب. أقترب عثمان رابتًا على منكبيهم وقال بحنو: -إحنا واحد، مفيش غير كدا.
ضما بعضهما بحضن أخوي، وكأنهم يتعهدون على أن تكون سعادتهما واحد وأحزانهما أيضاً في السراء والضراء، ضحك ودمع. بعنف ابتعد ياسين وهو يشير إليه بنبرة محذرة: -بس إياك تفكر تزعل أختي ولا تنزل دمعة من دموعها، ولا تيجي في يوم تشتكي، وقتها هوريك وشي التاني، أنت فاهم؟ متفكرش إني اسكت، أبيعك في ثانية. ضحك عثمان ساخراً وهو يقول: -هيبيعك أهووو، قولتلك يا بني دا ملوش أمااان. رمقه ياسين بنظرة هازئة وقال بتحذير وحزم:
-الكلام ليك أنت كمان، مش هو بس. أمال مكة وأسماء إيه يعني؟ الاتنين أخواتي. نظر حذيفة وعثمان لبعضهما البعض بسخط ورمقوه بنظرة مغتاظة، وشرع كل واحد بتجهيز نفسه. انفتح الباب وطل منه يوسف يتبعه فيكتور وأدهم وأحمد وزيد وفهد. توجه الشباب مصافحين فهد بعناق طويل وهمس ياسين متسائلاً: -إيه يا عم فهد، بطلنا نشوفك ليييه؟ تبسم فهد بسمة خفيفة سرعان ما تلاشت بالتدرج وصمت ملياً متذكراً "رعد"، ثم همهم: -على أساس بتسأل أوي يعني.
قالها بضحكة، لكنه لم يستطع إخفاء مرارة الفراق بها، فروحه هنالك عالقة مع من ضمه القمر دون معاد وتركه بلا روح وقلب، فقط دموع لا نهاية وجسد بالاسم حيّ، وهو ليس بذلك. طوقه يوسف من كتفه وهو يقول بمرح ليخرجه من دوامته التي لها سنوات، لكنها لم تنتهِ، وكيف بالله تنتهي؟ وهو مجرد جسد متفقد لروحه. # يا عم سيبك من الواد اللي ملوش نفع دا. رفع ياسين حاجبه بدهشة، فتحدث يوسف بحسم: -كل دا بتجهزوا ليه يعني؟ اخلص منك ليه يلا..
دنا فيكتور من عثمان قائلاً بنبرة مبهجة: -عايزك تخلي بالك من مكة وحبها، حبها كأنها أنت، وعاملها كـ بنتك اللي لو غلطت مش تعاقبها، لااا، فهمها واحتويها ومتزعلهاش، وإلا. ضيق عثمان حاجبيه قائلاً: -وإلا إيه يعني؟ هتعمل إيه؟ أمسكه يوسف من ياقة قميصه بالخلف وهو يهتف: -هعمل كدا. وهعلقك وهعمل اللي محدش ممكن يتصوره. أبعد عثمان يده وهو يقول: -لااا يا عم، عليها بـ.. إيه؟ مش مستغني عن نفسي أنا. ثم نظر لـ فيكتور بحنو
وربت على منكبه بود وتحدث: -أنا ومكة مرتبطين ببعض من يوم ولادتنا، دي جزء مني وحتة من قلبي. لو زعلتها يبقى بجني على نفسي بالموت. أطمن، أنا أعمل أي حاجة بس تكون هي بخير. دَلَفَت ديجا بصحبة عمرو فجأة بحماس وعفوية، متألقة بفستان أبيض مطرز باللون السكري وحجاب أبيض زاد من جمالها جمالاً آخر. فصفر حذيفة بإنبهار، لتبتسم هي بحياء وهي تغطي وجهها تواريه منهم. فدنا حذيفة ممسكاً بكفها وهو يديرها وقال بزهو:
-واووو، إيه القمر دا يا بت يا ديجا، لو كنتِ كبيرة كنت تجوزتك. خطفها عثمان بين يديه قائلاً بشغف: -وحشتينييي يا بت يا ديجا، الكام ساعة دول؟ إيه يابت القمر دا؟ مرررراتي، مرررراتي. هوى ياسين على عنقه بقبضته قائلاً وهو ينتشل ديجا منه: -بس يا بابا، دي مراتي أنا. ثم قبلها من وجنتها على حين بغتة، فوارت وجهها بكفها ودفنت رأسها بكتفه، فصاح بضحكة: -يااا ناااس، على القمر المكسوف ده، بس. مقولتيش إيه رأيك في عريسك انهارده؟
رفعت ديجا بصره بها وهي تقول بصدق: -الله طالع حلو أوي يا ياسين، بس أنت اتجوزت سجى. قالتها بزعلاّ مصطنع وهي تعقد ذراعيها، فهز ياسين رأسه: -تؤ تؤ، أنتِ اللي مراتي، هاااتي بوسة يلا. قبلت ديجا وجنته بحياء، ثم دعت يوسف لحملها، فأخذها وهو يقذفها للأعلى ويتلقاها بين ذراعيه، فضحك عمرو بشدة عليهن. تنبه لطرق على الباب ودلف عثمان ليخطو الشباب تجاهه بسعادة صادقة وعانقوه بمحبة. وظلت توسيات الشباب لوقت دام لدقائق دون ملل.
ثم خرجا متجهين للأسفل، واقفين قرب الدرج بانتظار الفتيات. وقفا يتحدثون والسرور بادٍ على وجوههم، وكلماتهم وأعينهم لامعة. انضم معهم أنس وبلال وزين أيضاً. بلحظة شعروا بصمت رهيب وسكون تملكهم، فألتفتوا للخلف وجحظت أعينهم بإنبهار وزهول وهم يروا الفتيات يرتدون النقاب. خفقت قلوبهم كالطبل، وكالمسحورون. تقدموا حتى وقفا الفتيات بجانب بعضهم البعض. نظرا الشباب لبعضهم بتوهان، لا يدرك أي منهم زوجته.
بينما الفتيات واقفون بإستمتاع، مطأطئين الرؤوس، البسمة لا تفارق وجوههم المشرقة وأعينهم اللامعة بضحكة، وأرواحهم المتوهجة، وقرع أفئدتهم المضطربة. تألقت لمار بفستان جعلها كالحورية، ووقفت أمامها بثبات رهيب وجدية، تحدثت: -يلا بقا وروني، هتعرفوهم إزاي؟ واللي مش هيعرف مراته يبقى ينسى الجواز.
تنحت جانباً بحسم وحزم، فدنا عثمان أولاً، ناظراً بتدقق للبنات الذين يخفون وجوههم حتى أعينهم، وأستدار متصنع عدم معرفته بـ مكة وهو يهز رأسه بـ أسف، فأدمعت مكة حزناً. وبلحظة جذبها عثمان من يدها لترفع بصرها به، الذي شع نوراً وبهجة. فأخذها بركن منعزل وضم وجهها بين كفيه وهمس بعدم تصديق: -إيه دا؟ اتنقبتي؟ مش مصدق؟ ضاقت ملامحها باقتضاب وهي تهمس بتوجس: -أنت اتضايقت إني اتنقبت؟ بخفة ضربها على رأسها قائلاً:
-يا عبيطة، أنا مبسوط أوي. "ثم بصوتاً منخفض تابع" كدا محدش هيشوفك غير عيوني أنا بس، لأنك ليا أنا لوحدي، وكنت ناوي أنقبك بعد الجواز فعلاً. نظرت له بتمعن وتلاقت أعينهم بلقاء غريب ساحر، وأدمعت عينيها وهي تقول بسعادة تسري بأوردتها:
-بصراحة، كانت فكرة ورد، ربنا يخليها. أنا رفضت في الأول، بس فكرت في الأمر لقيت إن دا أفضل حاجة وطريقي للجنه، لأني خوفت أكون من الكاسيات العاريات، وبعد كدا قولت بإنِ ليك أنت وبس، وحدك ليك الحق يشوفني ومحدش غيرك، فـ عشان كدا، لأني ملكك لوحدك. قبل جبينها بقبلة عميقة بثّ فيها سعادة نفسه وراحة قلبه، وهم برفع النقاب، فدفعت كفيه صائحة: -أنت هتعمل إيه؟ مينفعش، مين سمحلك تشيله أصلاً؟ استأذنتني يعني. كتم فمها بكفه قائلاً:
-هشششش، يخرب بيت صوتك يا شيخة، امشي قدامي. تعالت ضحكاتها، فرمقها بنظرة محذرة. دنا حذيفة بمرح وخطوات عشوائية، ثم على حين غرة ضم أسماء قائلاً بضحك: -وربناااا، هي دي عروستي، اه والله، با نااااس. تعالت ضحكات الجميع عالياً، فأبعده إيهاب عنها قائلاً: -تعالي هنا يا هببببل. كشر حذيفة قائلاً: -أهبل؟ في أب في الدنيا يقول لابنه العريس يا أهبل. ثم دفع كفه واقترب من أسماء هامساً بصوتاً منخفض بجانب أذنها:
-وحشتيني وعايز أخطفك دلوقتي وأطلع بيكِ على مكان بعيد مفيهوش حد يزعجنا. أزداد ارتباكها بحياء واضطراب. وأثناء ذلك، قطع ياسين همسه وهو يقبل جبين أسماء بمحبة قائلاً: -ألف مبروك يا أختي وبنتي وصحبتي. فرحااان جداً لفرحك، وهدعيلك من كل قلبي إنها تفضل دايماً.
ثم ضمها لصدره بحنان جم. وأبتعد باحثاً بعينه عن سجى، فوقع عينه عليها وهي تهبط الدرج بفستان وردي اللون فقط، آبت أن ترتدي فستان أبيض وحفل تماماً، مطأطئة ذراع أدهم، مكياجها هادئ بسيط، وعقصت شعرها بتسريحة رائعة ذات خصلات متدالة على جبينها بحرية، وأشتد مسحوراً ناحيتها وتحدث دون وعي وهو يمسكها من أدهم الذي ابتعد: -إيه القمر دا؟ بسم الله ما شاء الله.
تبسمت بحياء وضغطت على كفه بصمت، حتى دلف بها لداخل القاعة، وأسراء ترافقهم، وتعقبهم الجميع، حتى الشباب ما عدا الفتيات.
هدأ الضجيج بالقاعة وعم الهدوء، إلا من أغنية هادئة رومانسية علت وانطفت الأنوار، ما عدا أنوار خافتة للغاية. كانت القاعة مزينة بطريقة تخطف الأبصار، وهل ضوء أبيض فجأة مسلط على رواق بالأعلى مضيئاً على مكة، ليقفا جميع الحاضرين، وتعلق الأعين بها، وأحاطتها فجأة شباب وبنات يدقون الطبل ويتراقصون من حولها، حتى هبطت الدرج درجة تلو الأخرى، وظهر عثمان منتظراً إياها أسفل الدرج، فأمسك يدها بحنان وبسمة، وهم يسيرون ناحية المسرح. وعن قرب منهم يقف ياسين، حتى لو احتاجوا شيئاً، يمسك بكف سجى بكل رقة يصف لها كل ما حولها، حتى ظنت أنها ترى حقاً.
وقفا مكانهما حينما تدرجت الأرضية للأسفل، فجحظت أعين مكة هامسة بتعجب: -إيه دا؟ هو في إيه؟ امتزجت تعابير الحضور بالدهشة، وصمت عثمان باسماً وهو ينظر لها للأسفل، فظهر وجه حذيفة وأسماء وهم يرتفعون للأعلى، فما أن استقروا، ضجت القاعة بالتصفيق والصياح.
نصب الضوء على مقعد ذهبي يشبه مقعد الملكات بزخرفته المميزة، جالسة عائشة عليها، وهل زين دالفا من الباب واقفاً وهو يغمز لها. تجلى المقعد للأسفل، فحمل زين عائشة برفق وارتفع المقعد مرة أخرى، ثم حملها ودار بها مرات عدة، لتضج القاعة بالتصفيق. تبدلت الأغنية ودوت أغنية "أوعديني"، فجذب الشباب كلاً منهم زوجته إليه وهم يتراقصون على الأغنية، وأعين كل منهم لا تحيد عن بعضها البعض. انتشر الدخان حولهم والنار تشع من الجوانب تحفهم.
# أوعديني لو زعلتي في مرة مني تعرفيني. همس بها بكل رقة عثمان وهو منصب عينيه بأعين مكة مطوقة بذراعيه، مشدداً من ضمها. خفق فؤادها وهي ترمقه بنظرة عاشقة ووجه مسرور مشرق، وروح أحست أنها امتزجت بروحه بجسده. ضم جبينه على جبينها لتحيط هي عنقه بتملك أكثر وهمس: لو جرحتك غصب عني تحسسيني، متشليش جواكِ حاجة، تحكي ليا كل حاجة. ثم غمز لها هامساً بجانب أذنها: -موعدتيش؟ اوعديني. ضحكت بخفوت وغبطة وهي تقول:
-اوعدك، وأنت اوعدني متزعلنيش أبداً، ولو جرحتني تداويني، ومتسبش بينا فراق، عشان أنا مش هستحمله ولا قد بعدك. اتسعت ابتسامته تدريجياً وحملها يدير بها وهو يصيح "بحبببك"، ثم أنزلها برفق وقال لاهثاً وهو يميل على أذنيها: -بعشقككك، ووعد نفضل طول العمر سو، وأديكِ واكون كـ ظلك، وهعتبرك بنتي، حتة مني، عشان لو حصل بينا أي حاجة، بس فكريني إنك بنتي، هتلاقيني بـ لاين في ثانية. أسندت رأسها على صدره بأمان جلي بمقلتيها.
لو خدتني الدنيا منك رجعيني. همس بها حذيفة بنظرات تعبر عن ما بداخله، كأنه يخبرها أنها منفاه الوحيد، ابنها، فلا تتخلى عنه مهما حصل، ولتتحد كل العواصف معه حتى لا يتفرقا. مال برأسه على أذنها هامساً بصدق: -أوعي تسبيني. "نظر لعيناها ملياً ومال على أذنها مرة أخرى متابعاً" أنتِ قلبي وأنتِ روحي وأنتِ عيني، حد عايز أعيش معاه لآخر سنيني. أنتِ بالنسبالي مش حب في حياتي، أنتِ كل حياتي فعلاً، افهميني.
وكأنها الآن كـ فراشة تحلق بسماء قلبه الواسعة، وترفرف على أوتار قلبه، لامست كلماته روحها لتغدقها سعادة وبهجة. فأدمعت عينيها حينما همهم قائلاً وهو يتأمل عينيها: -الأغنية قالت كل كلمة عايز أقولها، فـ افهميها كويس. ثم ابتسم بمرح قائلاً: -أنا مش قادر أصبر، عايز أشوفك ياما، ارفعي النقاب دا. ضحكت بخفوت هامسة بحياء: -اسكت بقا. تأمل عينيها هائماً بهما وهمس: -بحبككك، لا، أنا غرقان في عشقك.
كنسمة هبت فجأة، فإذا بروحها تتوهج والدنيا حولها تتوهج، فلمعت عينيها بسرور. كان زين بصره زائغاً، إلا إذا تلاقت عينيه مع عينيها، تبسم لها فتبادله الابتسام، وبادرت هي متسائلة بتعجب حينما لاح لها ذاك الضيق بوجهه: -مااالك يا زين؟ أنت كويس؟ أكتفى بهز رأسه مشيراً بعينيه مطمئناً، فهامت هي بملامحه وهي تهمس بأعين يفيض بها الدمع من الفرحة: -مش مصدقة نفسي إن خلاص بقيت ليك وبقينا مع بعض.
ضمه لصدره بصمت. وفي حين ذلك انضم عمرو وورد وياسين برفقة سجى لساحة الرقص. هوت دموع لمار بفرحة، فربت أدهم على منكبها قائلاً: -ليه يا حبيبتي الدموع دي بس؟ تبسمت له وهي تنظر بسعادة تطل من شرفة عينيها للشباب: -مش مصدقة إني فرحت بيهم، مش عارفة كبروا بالسرعة دي إزاي. ضمها أدهم لصدره بمناغشة وقال: -يا حبيبتي، انسي بقا خلاص اتجوزوا، إحنا النهارده نجدد جوازنا، وغمز لها بمكر. لتضحك لمار وهي تضربه بخفة على منكبه.
وقف بلال بعيداً بجانب أنس، تمتلئ عينيه بالدمع مفعمة بالوجع وآهات جمة بفؤاده، لا يدرك كيف يعبر عنها، وصراخ حاد لا يستطع تحمله، تحول فؤاده لشظايا متناثرة على شاطئ الأوجاع. بينما سمر جالسة بجانب وعد وديجا العاقدة ذراعيها، وتمتم: -كلهم بيرقصوا ونسيوني كدا، والله لأوريهم. كانت تسترق من اللحظة والأخرى نظرة تشمله وتشمل زوجته بضيق شديد واشتياق أشد، وروحاً تهفو للقاءه، وقلباً متعطشاً لكلمة واحدة تبرد ناره.
أما وعد فبدت شارده بعيدة، رغم وجودها. لا بد أنه تزوج، وقد يكون أيضاً نساءها، وأصبحت في بند النسيان، كأنها لحظة وولّت ولم تكن. لحظات وأندمجت بالحفل حينما جلسوا الفتيات وانضم الشباب لبعضهم يتراقصون سوياً. عاد الشباب جالسون، كل منهم بجانب زوجته، فأقتربت ديجا ناحية عثمان بسخط وهي تعقد ذراعيها بغضب وتحدثت: -أنا بكرهك على فكرة عشان رقصت مع مكة وأنا لا. وأشاحت بوجهه الجهة الأخرى.
وعلى حين بغتة، دفعها ماجد لتعنفه راقية وهي تهنئهم بسعادة وتجادل ماجد وديجا. بعدما قل توافد الناس المهنئين لهم، ولمار تجلس مع من هم بالداخلية يتسامرون، انطفئ النور فجأة، وعم الهدوء، وعلا همس الحضور بغرابة. وفجأة ظهر الشباب ممسك كل واحد منهم بميكروفون، وبدأ ياسين: "إحنا بقينا لبعض حقيقي".
تشارك الشباب بغنائها، وذهب ياسين لسجى مقترباً منها وهو يسحبها بخفة لتتحرك معه كنسيم خفيف وفراشة رقيقة. فما أن أنهى الشباب أغنيتهم، غناء الفتيات وهما ما زالا واقفان أغنية "يا بخت اللي إحنا من بخته". مرت ساعات وفرغ الفرح، وودع الجميع عائشة ببكاء اعصر أفئدتهم ألماً وفرحاً في آن واحد.
وصعد الشباب، كل منهم سيارة، وتسابقا مع صرخات الفتيات وصحكاتهم، بينما شاركهم ياسين وبلال وأنس السباق بالدراجات النارية، وطفقا بحركات خطرة. جحظت أعين مكة حيناً مالت السيارة فجأة، وفعل بالمثل حذيفة وصاحت أسماء بالمثل، بينما تصنع ياسين الاصطدام بهم، وباخر لحظة ارتفعت الدراجة. وصلا للمنزل وتجمهر الجميع لأسفل، وتعالى الهمس، بينما ديجا كانت تبكي على عائشة وتحاول لمار تهدئتها بشتى الطرق.
صعدا كلا العرسان لشقتهم. فتح ياسين باب الشقة وأشار لها بالدخول: -اتفضلي يا قلبي، ادخلي بيتك ومطرحك ومسكنك؟ هزت رأسها رفضاً وهي تلتفت واقفة أمامه، فهم برفع الحجاب، فأبعدت كفه قائلة: -لا، مش هشيله دلوقتي. فتأفف قائلاً: -ادخلي. وقفت قبالته قائلة: -لحظة بس عشان أنت غلطان في حاجة. "تنبه لها بكل حواسه فأردفت" دا مش بيتي ولا مسكني. قطب حاجبيه بعدم فهم، فأوضحت هي قائلة: -قلبك، واحدة بيتي ومسكني ومأويا وأماني.
وقعت كلماتها على قلبه كما تقع قطرات الماء على أرض يابسة متلهفة للسقيا، فهام بها بعشق جلي وتمتم: حملها دون كلمة، فشاهقت بفزع، دخل بها صافقاً الباب خلفه، وصاحت لينزلها، فأنزلها وهو يقيد حركتها، ثم نظر لعيناها مباشرة وبلهفة وشغف، رفع النقاب عن وجهها، فأشرق وجهه مبهوراً من جمالها، وضم وجهها بين كفيه، تورّدت وجنتيها وهي تغض الطرف، ودفعته بعيداً وهي تقول بارتباك: -هروح أغير أنا بقا.
استدارت راجعة بظهرها بتوتر شديد واضطراب، فهمت أن تستدير، فاصطدمت بقوة بالحائط، فتأوهت بصوتاً عالٍ وهي تتحسس جبينها، واستدارت ضاحكة له كأن شيئاً لم يكن، ولوحت له بكفها، ودون وعي استدارت فانصدمت مرة أخرى بالجدار، فامسكت جبينها بالألم. فضحك هو ضحكة صاخبة وهو يغمض جفنيه، فلويت فمها قائلة: -أنت بتضحك على إيه؟ لم الحيطة بتاعتك دي شكلها بتعاكسني كل شوية نيجي قادمي. أومأ برأسه قائلاً:
-حيطة قليلة أدب، هربيها لكِ يا حبيبتي من عيني. هزت رأسها برضى ودلفت للغرفة، جلس على المقعد بإهمال بانتظار انتهائها، فمرت ساعة دون أدنى حركة أو همسة أو ظهور لها، فتملكه القلق ودنا ببطء وقد استحوذ القلق ثنايا الفؤاد، وطرق على الباب هامساً: -مكة، أنتِ كويسة؟ في حاجة ولا إيه؟ لم يأتيه رد، فأزداد القلق متمكناً منه، وقرع الباب قائلاً: -مكة، ردي وإلا هكسر الباب.
تسمرت قبضته حينما طالعه وجهها وهي تفتح الباب، وأنسدلت دموعها بصمت، فمسح دمعها المتساقط قائلاً بلهفة تسللت ثنايا روحه: -مالك يا مكة؟ بتعيطي ليه؟ فيكِ حاجة؟ خايفة؟ متخافيش، أنا عمري ما أذيكِ. هزت رأسها نفياً، فتسائل بوجل: -طب ليه العياط بس؟ علا نحيبها وهي تهمس بتحشرج: -مش عارفة، افتح سستة الفستان. تسمر كتمثال لوحي يحاول استيعاب ما لفظته لتوها، تفعمت عينيه بالصدمة وهمس بزهول ودهشة: -أنتِ قولتي إيه؟
العياط دا والقلق اللي صابني عشان إيه؟ صمت عن بكائه ناظراً له بقلق، فحرّك هو يده على وجهه مهداً من غضبه وقال: -عملت إيه أنا يا رب عشان تبتليني بالمصيبة دي. احتجت قائلة بغيظ: -أنا مصيبة يا عثمان؟! يارب أموت ومتلاقنيش جنبك أبداً وتستريح مني...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!