منذ أن استيقظت "ورد" وحالة "ديجا" الصحية تسوء، تزداد حرارتها حتى أن أسماء منذ قليل أعطتها أدوية ومع ذلك فدرجة الحرارة تزداد. جلست بجانبها وهي ممدة بجوارها تفعل لها "كمادات" باردة، حيث تضع القماشة بالماء البارد وتعيدها على جبين خديجة، ودموعها لا تتوقف عن السيلان. ترعاها بقلبها الملهوف قبل يداها. تقبل جبينها كل لحظة، لا سيما ما زالت تعاني من أثر غيابها وقتما تم اختطافها، تخشى بشدة فكرة غيابها أو فراقها.
لا ريب أن حياتها لا تكمن بدونها. ظلت تدعو له بقلب أم متضرع خاشع مناجٍ باكٍ ملهوف وجل. تناهى لها صوت فتح الباب وأغلقه معلناً عن قدوم "عمرو" من عمله، وتناهى لها صوته منادياً بوهن مما بذله من مجهود: "ورددد يا ديجا انتوا فين." وضع هاتفه جانباً باحثاً بعينه بتعجب عن رفيقة روحه التي ما أن كان يفتح الباب حتى يطالعه وجهها الدري مستقبلاً إياه. جاءه همسها لقلبه وهي تقول من وراءه: "حبيبي جيت، حمد لله على السلامة."
ثم اقتربت مسرعة تعانقه بحب وهي تهمس "وحشتني". فبادلها العناق مشدداً عليها بشوق ولهفة وتمتم بعشق: "أنتِ اللي وحشتيني، الكم ساعة دول بحس حياتي واقفة فيهم." كان لا يبدو عليها أثر البكاء أو حزن وغم وقلق، وإنما متوارياً بفؤادها، لا غرو فـ وجهها باسم ضحوك وعينيها لامعة. همس متسائلاً وهو يبتعد: "أمال فين ديجا؟ هالة قالتلي أنها هنا! تبسمت هامسة باطمئنان: "دي نايمة شوية... قعد استريح لحد ما أجهزلك الغداء."
قبل جبينها بحب ولهفة ثم جلس بإرهاق، وتوجهت هي لتجهيز الغداء. لم تريد أن تقلقه، فإن علم ما بخديجة لمه أراح جسده أو حتى أكل شيئاً، وهي لن تسمح بذلك، فليسترح أولاً ولا تقلقه، فسيمر كل شيء بخير بأمر الله. جهزت الطعام والقلق مستحوذ على فؤادها، متسلل بمهجتها حتى فرغت من إعداده. وجلس هو يأكل بعدما انتهى من تناول طعامه. هتف متسائلاً بقلق: "مالك يا ورد فيكِ أيه؟ حاسة إنك زعلانة، ديجا كويسة؟ تبسمت بتكلف وهي تنظر له ثم أردفت:
"أنت هتنام ولا إيه؟ هز رأسه نفياً وقال: "لااا مش عاوز أنام دلوقتي... فين ديجا؟ استقامت ورد بوقفتها قائلة وهي تشير على الغرفة: "ديجا كويسة الحمد لله، هي جوه بس تعبانة شوية؟! وثب واقفاً بفزع وهو يتقدم للغرفة بلهفة: "تعبانة مالها وإزاي متقوليش؟! تعقبته هامسة: "شوية سخونة بس وأسماء أدتها علاج، هتبقى بخير متقلقش."
جلس بجوار ديجا مائلاً بجذعه ناحيتها يتحسس جبينها وهو يقبلها بحنان وقلق في آن واحد، كأنه يؤكد فؤاده المرتجف أنها بجانبه. استدار برأسه لورد متسائلاً: "إزاي يا ورد مقولتليش؟ تنهدت ورد بصوتاً مسموع ثم قالت باسمة: "لو كنت قلتلك مكنتش هتأكل... هي هتبقى كويسة دلوقتي متقلقش." تبسم بحنان ووضع جبينه على جبين ابنته داعياً الله لها.
أخذت سمر الطرق ذهاباً ومجيئاً بقلق لا يرقأ لها دمع، لقد ظنت أن تلك الأيام قد ولت منذ أن أغلقت هاتفها وبقى ذاك الشاب لا يهددها، ولكن بلحظة وعلى حين غرة أرسل ظرفاً به تلك الصور لتستلمه أسماء، لا تدرى أمن حسن حظها أم لتعاسته. كيف تطمئن على أسماء التي ذهبت بمفردها؟ لا يستطيع أنس أنقذها، فقد حادثته وأخبرته بكل شيء، لن يحادثها مرة أخرى، سيكرهها حتماً بعد كل ما قصته عليه. ماذا عليها أن تفعل الآن؟ وما الذي سيحصل لأسماء؟
دعا قلبها أن تكون بخير ويردها سالمة. أخفت بنفسها ذاك القلق وهي تضع المصلاة لتصلي. وتسجد باكية لرب العالمين تدعوه أن ينجيهم وينقذهم. على حين غرة جذبها للداخل وهم بالاعتداء عليها... ولكنها ظلت تقاومه بكل ما أوتيت من قوة... وظلت تدفعه وهي تصرخ مستغيثة...
كل محاولاتها باءت بالفشل بسبيل إبعاده. فدفعته بعزم ما بها وهي تنهض بعجل راكضة لأحدى الغرف مغلقة الباب خلفها.. لكنه لم يعطيها الفرصة وسرعان ما وقف أمام الباب يدفعه بقوة وهي تدفعه بكل قوتها ودموعها لا تتوقف لوهلة. شعرت أنها النهاية، فهمست مستنجدة ببكاء: "ياررررررب." علا نحيبها وازدادت شهقاتها وهي تدفع الباب بذراعيها، ولكنه دفعه للقوة للخلف لتقع هي أرضاً ويولج هو، ناظراً بنظرة شهوة مفعمة بالانتقام والحقد والإكراه.
أسودت السبل بوجهها، ظنت أن دقات فؤادها قد توقفت، وأن روحها قد غادرتها. تجرعت مرارة الذل وهي تتسول إليه وترجوه أن يتركها قائلة ببكاء يفطر القلب: "سيبني حرام عليك أرجوك سبني، خاف ربنا يمكن أجلك قريب هتموت بأكبر ذنب، بلاش تضيع أخرتك، ترضى لأختك يحصلها كدا." اتسعت عينيه وهو ينقض ممسكاً بحجابها بقوة وخصلات شعرها من أسفله. فتأوهت بألم وتحدث بنبرة جنونية: "أختي فين أختي دي؟
بقيت جثة أختي بسبب جوزك، بقيت مكتئبة بين الحياة والموت في المستشفى، ليه يرسم عليها الحب ويتسلى؟ مفكرش في مرة أنها ممكن تحبه بجد؟ أختي حاولت تنتحر، أختي متعرفش يعني إيه شباب ولا بتتكلم معاهم لحد ما أخوكِ لف وراها لحد ما وصل لقلبها وفضل وراها لحد ما بقيت تكلمة ليييه؟
صدمة حلت عليها جعلتها تتسمر كلياً، حتى دموعها لحظة، وكان الباب يكسر ويولج أنس متلهفاً منادياً باسم "سمر" بقلق ومعه قوة من الشرطة وحذيفة الذي لا يدرك شيئاً. أخفض أنس سلاحه متمتماً بزهول: "أسماااااء." ركض حذيفة تجاه الشاب وظل يضربه بقوة حتى فصل بينهما أنس وهو يكبلة دافعه للخارج. ركض حذيفة تجاه أسماء المرتعشة وهي تضم جسدها بذراعيها، ما زالت بصدمتها لم تعِ لضم حذيفة لها ولا حديثه المتسائل عن وجودها هنا.
ثم نهض بفزع صارخاً بها بغضب: "إيه اللي جابك هنا؟ بتعملي إيه مع شاب لوحدك وجاية تقابليه كمان؟ ليييييه انطقي... جذبه أنس من قبضة يده يديره نحوه وهو يجز على أسنانه قائلاً: "قول لأختك مين دا واشكر مراتك إنها جت مكانها وفوق بقا فووووق وخد بالك من أختك اللي بتدفع تمن أخطائك وانتبه ليها وللبسها وللشباب اللي كل يوم مع واحد." اتسعت أعين حذيفة بصدمة وهز رأسه بعدم تصديق: "انت كدااااب." دفعه انس من أمامه متحركاً تجاه أسماء:
"أوعى بقا وفوووق قبل فوات الأوان وتخسر أختك." جثى بجانب اسماء متسائلاً بقلق: "اسماء أنتِ كويسة؟ عملك حاجة طمنيني بس لو أذاكِ والله هيكون موته على إيدي، أنتِ بخير اتكلمي طيب." رفعت بصرها الزائغ به بتيهة وتطلعت له لثوانٍ ثم قلبت بصرها ناحية حذيفة وأعادته مرة أخرى لـ أنس وتمتمت: "خدني من هنا." أؤمأ أنس رأسه بتفهم، فأستقام واقفاً وهي معه، ضائعة لا تصدق أنها لتوها قد كانت لتخسر أعز ما تملك. توجهت معه منصرفة من هذا المكان.
بينما وقف حذيفة مصدوماً يحاول استيعاب ما سمعه لتوه، ثم غادر من المكان مستقلاً سيارته منطلقاً بسرعة فائقة بدون وجهة، وكلمات أنس اللاذعة تتردد على مسامعه مراراً وتكراراً دون هوادة، فشتت انتباهه. لذا وبدون سبب إنذار لم يدر ما يدور حوله ولم يستشعر بشيء سوى بنور قوي اخترق عينيه ليغمض عينه بعنف وهو يغط وجهه بذراعه متراجعاً بوجهه، وكان عاملاً حادث وتجمع حشد هائل من الناس حوله بالطريق مسرعين بإنقاذ حياته.
في أوان ذلك وصل أنس لتترجل أسماء بضياع تحدق بالفراغ بصمت. أسرعت سمر للخارج بوهن وتمسكت بذراع أسماء التي كانت شبه متغيبة وغمغمت: "أسماء طمنيني أنتِ كويسة فيكِ حاجة حصلك حاجة؟ أبعدت أسماء كفيها ودون النظر إليها ابتعدت للداخل لتقابلها هالة مبتسمة وهي تقول: "أسماء مالك يا حبيبتي فيكِ حاجة؟ لم تجب وأنما ارتقت الدرج دون حرف متوجهة لغرفتها بصمت، فهزت ريم رأسها بقلق: "مال أسماء؟ حاسة إنها مش كويسة، يارب تكون بخير."
تمتمت تالا بزهول: "هي مالها بجد؟ ليكون فيها حاجة ولا حصلت حاجة؟ بالخارج نظر أنس بأثر أسماء بحزن وهو يترجل، فالتفتت له سمر متسائلة وهي تشير على طيف أسماء: "هي مالهااا؟ إيه اللي حصل طمني." صرخ بوجهها بغضب: "بتسألي ليه، يهمك يعني؟ بنت عمك الزفت كان هيعتدي عليها لولا وصولي في الوقت المناسب، وكله بسببك، فوقي بقا يا شيخة أنتِ إيه؟
اللي بتعمليه دا غلط وهتتعاقبي عليه دنيا وآخرة، فووووقي عشان متخسريش حد، أقسم بالله أنا بحمد ربنا ليل نهار." هم أن يقول لأنك لست من نصيبي، ويا ليتني لم أحبك، فاستدرك متراجعاً وهو يرمقها بغضب وتابع بنبرة حنونة ما أن رأى دموعها:
"فوقي يا أسماء، ليكون أجلك قريب وتموتي وتخسري أخرتك، استغفري ربك وقربي منه، تعلمي من ورد، من أسماء، وعد، من ديجا الصغيرة، بلاش تخسري أخرتك عشان حاجة عمرها ما هتدوم. استغلي أيامك واسعي لجنتك، خاطبي ربك في سجدة بجوف الليل وتضرعي واسأليه مغفرة لكل ذنوبك، فووووقي قبل ما يضمك القبر، فوقي متخليش القطار يمضي ويفوتك، دا بيعدي بأقصى سرعة، ألحقيه." بكت بنشيج وهي تتمتم: "أنس أنااااا."
رفع كفه لتصمت ثم استدار مغلقاً جفونه بألم واستقل سيارته مغادراً. ظلت واقفة محلها بصدمة لبعض الوقت ثم كفكفت دموعها وصعدت لغرفتها. لم تمض إلا دقائق قليلة وكانت تولج وعد بغضب كفيل الأخضر واليابس وهي تأخذ شهيق وزفير وعينيها متسعة مكورة قبضتي يدها. بتوجس ابتلعت سمر ريقها الجاف وهي تنهض هامسة: "وعددددد." بلمح البصر كانت تتلقى صفعة تليها الأخرى بلا هوادة حتى سقطت أرضاً. أمسكتها وعد بغضب من ملابسها: "إزاي تعملي كدا؟
هي دي التربية اللي تربيتيها؟ افترض أسماء كان حصلها حاجة انتي عايزة تربية من جديد؟ المسترجلة اللي مكنتش تعجبك وبتعيبي عليها في الطالعة والنازلة هتربيكِ." أنهت وعد جملتها وهي تصفعها، وسمر لا تبدي شيئاً سوى البكاء، فهي تستحق ذلك. نزفرت وسال دماءها. همت وعد بضربها مرة أخرى فتسمرت كفها على صوت بكاء ديجا آتي من الخلف. ديجا التي ما أن تحسنت قليلاً توجهت للسمر تقرأ لها قرآن، ما أن رأتها تبكي.
تسمرت وعد لدقائق ثم التفتت ناحية خديجة ونهضت متوجهة إليها، فما أن همت بالاقتراب ابتعدت ديجا بخوف لتهمس وعد: "أنتِ خايفة مني يا خديجة؟ بكت ديجا بصوتاً عالٍ ونهضت راكضة تجاه سمر تعانقها. فجثت وعد على قدميها واضعة رأسها بين كفيها بدموع وتمتمت: "ليييه يا سمر تعملي كدا ليييه؟ لو أسماء حصلها حاجة كان إيه هيحصل طيب؟ أجهشت الفتيات بالبكاء. لحظة ونهضت ديجا باكية ناحية وعد تبعد يديها عن وجهها وتضمها وتبكي، فعانقتها وعد باكية.
بعد دقائق نهضت ديجا مبتعدة تجذبها من ذراعها تجاه سمر، فضمتها وعد بحنان ونحيج. همست سمر وهي تتمسك بوعد بقوة كطفل صغير أوشك على الغرق وها هي يدين تنقذه وتجذبه خارج البحر: "متسبنيش يا وعد، محدش غيرك هيقدر يهديني، خليكِ جنبي." جفت دموعها وهدأت من هيجانها وهي تضم وجهها بين كفيها بحنان وتمتمت بوعيد وأعين يغلفها الغضب: "احكيلي يا سمر اللي حصل ومين عمل كدا؟ مين غير تفكيرك وحياتك كدا؟
لم ترقأ دموع فؤادها أو عينيها وهي تقص لها مذ أن تقابلت بأصدقاء جدد، أخذا رويداً رويداً بتغيير تفكيرها من حيث ملابسها الواسعة وخمارها وكيف أنها ترتدي تلك الملابس. وأخذت هي بالانصياع لهم، فما أوهنها وهي تراهم يرتدون تلك الملابس البغيضة لتتدبل حياتها، ثم يولج ذاك الشاب حياتها، ليس هو فقط بل إن تلك الفتيات قلبن بالها وجعلنها تحادث الشباب. لقد استطاع الشيطان بنزغ فؤادها وتغييرها كلياً.
والآن كيف تطهر فؤادها، كيف تنجو من شيطان نفسها؟ والتحرر من كبريائها الذي يكبلها؟ تركتها وعد وهي ترحل، ثم ضمت ديجا رأس سمر لصدرها، لا تدري ولا تفهم ما يدور حولها، ولكنها تبكي لبكائهم لأخواتها التي ما أن وعيت الدنيا كانوا هم أول هم بحياتها. استشعرت أن هناك شيئاً لكنها لم تدر مكنونه، لذا همهمت بصدق كما علمتها والدتها وهي تزيح دموع سمر بكفيها الصغيران:
"متبكيش يا سمر يا حبيبتي عشان خاطري." قالتها بشهقة. "ماما بتقول إن الشخص لما بيضايق يستغفر ويصلي على النبي ﷺ ويسبح ويحمد ربنا ويهلل." تمتمت سمر وهي تبكي بحرقة لكلمات ديجا: "ربنا هيتقبل مني، أنا عملت ذنب كبير أوي يا خديجة." انفتح الباب ودلفت ورد وهي تقول ببسمة:
"بيقبل يا حبيبتي، بس طهري قلبك واستغفريه كتيرر أوي، اسجدي وخطبيه وبثي له شجون قلبك بسجدة طويلة، اتكلمي وقولي كل اللي حاسة بيه، هيقبل توبتك طالما قلبك أطهر من كل دول." أقبلت ورد من سمر تنصحها، وهي لا تدري ما يحدث، ولكن تحدثت بما شعرت أنها بحاجة إليه.
طرقت وعد باب المكتب بهدوء وهي متيقنة أن عمها بالداخل، فآتاها صوتاً يقول "ادخل". دلفت للداخل بإبتسامة ليبتسم يوسف ببهجة وهو يدعوها للجلوس، متأكداً أن هناك خطباً ما فعيناها بثث له ذلك، فترقب حديثها، فما أن جلست تلجلجت قائلة: "كنت عاوزة أكلمك عن حذيفة! تنبه لها بكل حواسه ظناً منه أن حذيفة قد فعل شيئاً ما، فمال بجذعه هامساً باهتمام جلي: "قولي يا وعد في إيه؟ حذيفة عمل حاجة؟ صمتت ملياً تستجمع كلماتها وتنحنحت قائلة بارتباك:
"حذيفة أنت لازم تشد عليها، لازم يكون قد المسؤولية، هو للآن مش بيشتغل ومش عارفة إذا تغير أو لا." ابتسم لها بمحبة من اهتمامها بالجميع وهمس بنبرة حانية: "حبيبتي حذيفة فعلاً ابتدأ يدور على شغل ومتقلقيش، أنا متابع أول بأول، هو اتغير فعلاً، محتاج قرصة ودن بس عشان يرجع يصلي ودي على ياسين وعثمان وربنا يهديه... قطع حديثه رنين الهاتف، فصرف بصره ناحيته وهو يجيب، فآتاه صوتاً غريباً يخبره بأن حذيفة افتعل حادث وهو بالمستشفى.
اتسعت عينيه بقلق تسلل مستحوذ ثنايا فراده، فنهض بصدمة، سرعان ما استجمع شتات أمره متنبهاً وهو يسير للخارج، فلحقت به وعد بقلق متسائلة: "عموو في إيه؟ قولي." أجاب بإختصار وهو يسير شبه راكضاً: "حذيفة في المستشفى عمل حادثة." ضربت هالة على قلبها بصدمة وحالة من الهرج والمرج دوت وضج المكان بالبكاء، فاسرعوا للمستشفى جميعهم ما أن تناهى لهم الخبر.
ما عدا أسماء التي أبت الذهاب معهم، ونزل الخبر على قلبها نزول الصاعقة ليشطره نصفين أو لعله انتزع منها، وظلت تبكي وهي تدعو له.
مر بعد الوقت والجميع بالانتظار يلتهمهم القلق، تأخذ لمار الطرق ذهاباً ومجيئاً بقلق، وهالة تبكي خوفاً، والفتيات حولها يحاولون مواساتها. لم يمض طويلاً وخرج الطبيب مطمئناً إياهم على حالته يبث لهم الأمان ويهدأ روعهم. دقائق وتجمع الجميع حول حذيفة ما عدا سمر التي تبقت بالخارج منحرجة من أن تريه وجهها. أحاطوه الجميع يسألونه عن حاله، لكنه ليس معهم، فعينيه زائغة بعيداً تبحث بالوجوه عنها، حتى فؤاده أيضاً انصرف فكره وخاطره به.
انتظارها بفارغ الصبر لعلها ستدلف الآن، ظل بصره معلقاً على الباب بشغف، لكن لم تقر عينه وطال الوقت، فقلب بصره بهم هامساً: "هي أسماء فين؟ مجتش؟ صمت الجميع، بينما تنهد يوسف قائلاً: "لا مجتش، أنا كلمتها وكانت تعبانة شوية فمقدرتش تيجي." هل بصدق؟ القليل من التعب قد يمنع مجيئها وهي التي كانت أول الملبين إذا حصل له أمراً.
أحقاً لم تأت لرؤيته والاطمئنان عليه، هو لا يصدق ذلك، قد يكون هناك أمر آخر لا يدري به، لكن لماذا قلبه يؤلمه يخبره بمغادرته لمها؟ فاق متنبهاً على صوت حبيبته تتحدث بالهاتف: "ايوة يا أسماء... " فاق، حبيبتي كويس أهو اطمني متبكيش هو تمام...... تجرع مرارة الأسى والخوف من فقدانه، وأشغل ذاته متوجهاً لهم بجسده دون قلبه وروحه.
ودارت الأيام وتحسن حذيفة، لاسيما أنه لم ينصب بجروح بالغة، فتم شفاءه سريعاً، وإذا بـ أسماء فجأة تريد مقابلته، لا يصدق أنه سيراها، يا الله كم اشتاقها وحن إليها، لا يدرك ما تلك القسوة والجفاء الذي صدر منها، لم يرها منذ الحدث أو تطمئن عنه، وها هي الآن تطلب مقابلته مع والدها. طرق على الباب فآتاه الإذن بالدخول، فدلف بأعين تبحث عن موطنها ومسكنها، وها هو يسكن بها وتقر عينه برؤيتها، ولكنها لم ترفع عينيها به ليعتصره الألم.
جالس مقابل لها وساد الصمت، لا تحيد عينيه عنها، قطع الصمت يوسف حينما طال متأففاً: "في إيه يا أسماء؟ اتكلمي، قلتي عايزكم في موضوع وطلبتي حذيفة، جه أهو." ها هي ترفع عينيها الدامعة لتسحق فؤاده، فانتفض بموضعه هامساً بلهفة: "أنتِ كويسة يا اسماء؟ اتكلمي! أغلقت جفونها بألم وصرفت بصرها لوالدها، وفاضت عينيها بالدمع الذي هوى بمرارة وهي تبتلع ريقها الجاف وهمهمت قائلة: "بابا أنا عايزة أطلق لو سمحت، مش عايزة."
عم الهدوء صدمة سكنت وجه حذيفة وهو يتطلع لها بالألم. ثم صاح يوسف وهو يضرب على الحائط، نزع نظاراتهم، المعاتبهم دون كلام لبعضهما: "إيه الكلام ده؟ هو لعب عيال؟ إيه اللي عايزة تطلقي ده؟ أنتوا كاتبين كتاب بس، ليه وافقتي من البداية؟ نظرت له باكية، فصمت يحاول تهدئة قلبه الهائج وتمتم وهو يخطي بخطوات سريعة للخارج: "حلووا مشاكلكم مع نفسكم، بلاش لعب عيال، انتوا كبرتوا بقا."
عبئ الصمت الآفاق بعد صوت إغلاق الباب، ينظر لها بدموع تأبى النزول، ويا ليت دموع قلبه تتوقف وتسمد، يا ويلاه ما ذاك الألم الذي غرس بقلبه دون رحمة، فاق لواقعه وهو ينهض مستقيماً وجذبها لتقف أمامه وهو يقول: "إيه اللي بتقوليه ده؟ طلاق إيه؟ دفعت كفيه بحدة، لأول مرة، وهمهمت ببكاء: "أنا مش عايزك، افهم بقا، أنت مستحيل تتغير." ابتسم بضحكة هازئة: "مستحيل إيه؟ اتغير!! وهو أنا متغيرتش بالنسبالك؟
أنا بسببك اتغيرت وبقيت أحسن من الأول وبعمل أي حاجة ترضيكِ." ولته ظهرها وهي تحاول مداراة عذاب فؤادها وعقد ذراعيها مغمغمة: "طلقني يا حذيفة لو سمحت، إحنا مش لبعض!! طلقني، كان يستمع إليها طيلة حديثهم، ولكنها كانت تنبع بمرح ومزحة، الآن ما تلك اللهجة التي لم تختر بباله قط؟ أهذه هي حبيبته؟ كيف لقد أهداها كل ثقته ليحلق معها خلف الغيوم والسعادة تحيطه، ثم تلقيه دون أدنى اكتراث؟ ويحها من ألم قلبه وكلماتها اللاذعة؟
نحن ليس لبعض، أظن لمن؟ ودق قلبه يدق باسمها وعشقها، هي تلك النسمة التي تنعشه، فترد به الحياة. لكنه لن يتخلى عنها، هي له وستظل له. أدارها نحوه قائلاً بإستماتة: "مش هطلقك، مستحيل أنسى! همت أن تتحدث ولكنه تركها مستديراً مغادراً من المكتب وهو يغلق الباب خلفه بعنف. بكت أسماء بقهر وحزن، فكيف لها أن تحيي بدونه، وكيف معه ستظل باقية حياتها تعاني؟ لقد كانت أن تضيع بسببه، كيف لها أن تسامح بتلك البساطة والتناسي؟
ما من خيار إلا النسيان والبعد. أحزم حذيفة ملابسه وهو متوجهاً للمغادرة، فهبط للأسفل لتقف هالة مقتربة بفزع وأعين مترقبة بقلق: "حذيفة رايح فين؟ وأيه الشنطة دي؟ بنفاذ صبر تحدث، فهو لا يريد البقاء معها طالما لا تود رؤيته، سيرحل، ولعله يرحل للأبد: "مفيش يا أمي." خرجت هي من المكتب بأعينها الزابلة الباكية، فنظر لها بألم نظرة يغلفها الوداع والعتاب، وأمسك حقيبته وغادر دون كلمة، كأنه لا يستمع لنداء والدته.
قابله عثمان بطريقه، فأمسكه من ذراعه متسائلاً: "أنت رايح فين؟ إيه الشنطة دي؟ انطق." أزاح حذيفة ذراعه متنهداً بضيق وتمتم: "هشوف مكان أقدر أقعد فيه، لازم أبعد." رأى الحزن يسكن عينيه والغموم تملكته، فهمهم دون سؤال وهو يربت على كتفه بتفهم: "وكنت هتروح فين؟ هتبات في الشارع يعني؟ امشي معايا يلا على الشقة." هم أن يرفض، فجذبه عثمان من يده وهو يقول بحسم وحزم: "امشي يا بني بقولك، مفيش كلام، إحنا واحد."
بخطوات وئيدة حذرة هبطت "سجى" الدرج تنوي فزع "زين" بمكتبه، وهي تتلمس الدربزين ك مرفق لطريقها، والأبتسامة تزين ثغره بنظرة أنارت وجهها الطفولي. خطت بحذر لباب المكتب وهمت بمد كفها للمقبض، ولكنها تسمرت مكانها حينما تناهى لها صوت زين الصارخ: "أنت خلاص رصيدك معايا نفذ، نهايتك أنا اللي هحطها، أنت انتهيت أصلاً، أنا صدقتك كتير بس خلاص." قلب كفيه ذات اليمين وذات الشمال، وهاج قائلاً بنبرة حادة جافة: "أنت انتهيت، هدمرك."
جاءها صوت عمهما يقول: "هتبعيني عشان مين؟ عشان واحدة جاية من الشارع وعشان ااااايه؟ شغلي ده شغل، افهم بقا." هنا لوى زين فمه ساخراً وبنبرة سخرية تحدث: "شغلك؟ إنك تتجر بحياة البشر داااا شغل؟ اااازاي؟ دا أنت ناقص تقولي أشتغل معايا." هتف عمه بثبات: "دا المفروض لو انت بتفهم!!! صفق زين بسخط وزأر قائلاً: "بررررافو، اشتغل معاك بتجارة البشر؟ أنت مجنون؟ اطلع بره؟ أنهى جملته وهو يشير للخارج، فتمتم عمه بزهول: "اطلع بره؟
أنت بتطردني؟ والله عااال اللي جاية من الشارع مالكة البيت وعمك طرده." بغضب صاح ياسين بصوتاً ك الفحيح وهو يطرق على المكتب: "مسمهاش جاية من الشارع، سجى أختي وهتفضل لآخر يوم في عمري ااااااختي، وكل دا ليها هي وبس." شهقت سجى بصدمة وهي لا تعي ما يحدث حولها، كأنها أصبحت بعالم غير العالم. اعتراها الوجع والوحدة، لم تشعر إلا بيده تجذبها بعنف لتتنبه لذاتها وهي تستند على الجدار وتناهى لها همهمة زين: "سجى." ثم تلجلج وهو يتسائل:
"أنتِ هنا من أمتى؟ سالت دموعها بغزارة وهي تدنو منه بحذر ثم تلمسته وهمست بتيهة: "صحيح اللي أنا سمعته؟ " ثم أشارت لذاتها بتلعثم. "أ أ أ، ن، ا أنا مش اختكم ولا انتوا اخواتي." أغلق جفنيه يكابد أن يواري ألمه وتمتم بهدوء وهو يقترب منها بحنان: "حبيبتي إيه بس اللي بتقوليه دا؟ م.... " قاطعته وهي تهز رأسها تصيح بهيجان: "متكدبش عليا أكتر من كدا، أنا دلوقتي فهمت ليه عمو سليم مبيحبنيش."
ثم شهقت ببكاء وصمتت إلا من تدفق دموع عينيها وفؤادها بدا كالمتفكرة، ثم علا نحيبها وهي تقول: "انتوا مش أهلي... أنا مش أنا.. ولا دا اسمي ولا دا مكاني، أنا مين وانتوا مين؟ أدمعت عينيه لأول مرة مذ نشأته وغمغم بعذاب: "أنتِ سجى حبيبتي وأختي وبنتي وكل ما ليا في الدنيا دي، أنت أغلى وأحلى وأعز حاجة عندي، أنتِ حياتي اللي من غيرها أنا ميت، أنت أنا يا سجى."
غطت وجهها بكفيها ولم تحملها الأرض، فجثت ببكاءه رج المنزل رجاً ومزق قلبه ألماً وجاءت عليه إسراء ركضاً. هوت دموعه بقهر، فقد شطرته دموعها فؤاده، دموعها التي تتقاذف كالجمر بفؤاده دون رحمة، فكيف السبيل للنجاة منها؟ جثى بجوارها قائلاً وهو يمسك بكتفيها: "سجى افهمي، اللي سمعتيه كله غلط، أنتِ أختي وأمي وحبيبتي وبنتي وهتفضلي كدا دايماً." تدفقت دموعه رويداً رويداً بتذكر: "فاكرة لما كنت بتعب وبتهتمي بيا كأنك أمي وأكتر؟
ولا طفولتك؟ طب أفكرك بـ إيه ولا إيه؟ ولو فضلت عمري كله أحكي مش هخلص." ضمتها إسراء باكية وقد تيقنت أنها علمت بجل شيء. صرخة سجى من ألم فؤادها وهي تغمغم: "أنا عايزة أعرف كل حاجة، متخبيش عني حاجة، عشان خاطري، أنا مين وفين أهلي؟ كله." تلجلج زين في بادئ الأمر ثم شرع بقص لها بكل شيء.
جذبة مكه عثمان للحديقة وهو غير معارض لذلك، كان مسالماً للغاية، فوقفت أمامه بوجهها غاضباً عبوس وعقدة ذراعيها بسخط، فابتسم ابتسامة سريعة سرعان ما توارت خلف قناع البرود وهو يتمتم: "افهم بقا في إيه؟ بتجريني ليه كدا؟ اتسعت عينيها وتجلى بهما الغيظ وهي تدفعه قائلة: "هو أنت مبتحسش نهائي؟ والله لو هنفضل كدا صدقني هتخسرني، أنا تعبت بقا." رق قلبه ولان وتاقت روحه لضمها بين ذراعيه وهو يرى دموعها العالقة بمقلتيها، فتحدث
بحنان ونبرة حانية هادئة: "أنا عملت إيه زعلك؟ زفرت بضيق وغمغمت وهي تتحاشى النظر له: "قول أنا معملتش إيه؟ اعملوا... متخرجيش، متطلعيش، متسلميش، لما أرن خير بترني ليه؟ قولي آخر مرة رنيت تسأل وتطمئن عني إمتى؟ وقتك كله شغل شغل وأنا فين من حياتك؟ بصدق تحدث وهو يضع كفيه بجانبيه: "مكه أنتِ عارفة شغلي، معنديش وقت حتى إني أرد، فلما بقولك كدا بيبقى معايا حد فبختصر." ثم نفخ بضيق:
"أيوه مش عايزك تطلعي لوحدك لأني بخاف عليكِ، أجرمت كدا يا ستي، اخرجي براحتك." هزت رأسها بيأس، لن يفهمها، لن يدري بما تود قوله وأنها تريده لا غير. رفعت نظرها به بنظرات عاتبة، فتألم لها، فما أن أوشكت على أن تتخطاها وتدلف حتى مسك ذراعها قائلاً ببسمة: "قوليلي طيب أعمل إيه عشان أصالحك بس متفضليش زعلانة كدا."
توهج وجهها وأشرق وانشرح صدرها ولمعة عينيها وانفجرت أساريرها وهي تعيد أدراجها واقفة أمامه وقالت بحماس كأنها تناست تماماً ما تم بينهما مذ ثواني، لم تك تحمل بقلبها شيئاً، وأبسط الأشياء تسعدها: "نخرج نتعشى بره ونتمشى، صالحني يعني بخروجة حلوة كلها أكل." ضحك ببهجة وهو ينظر للسماء: "الجو مش مناسب أنهاردة للخروج وشكلها كدا هتمطر، وافترض قامت عاصفة، بلاش أنهاردة، يوم تاني إن شاء الله." لوت فمها بضيق وهي تجتنب النظر له وتمتمت:
"كنت عارفة إنك هترفض، مش عايزة أخرج." تنهد بنفاذ صبر قائلاً: "يا ستي ولا تزعلي، يلا نخرج، روحي اجهزي الأول." تمايلت روحها فرحاً وهي تصفق وتقفز بسعادة وأسرعت ركضاً للداخل. لم يرقأ لهم دمع خوفاً من فقدانها أو أن تصر على الهجرة أو أن تتبدل نحوهم. أما هي كانت تبكي حالها بلحظة، هي ليست هي وما عاشته مجرد كذبة، كيف تجتاز تلك المحنة؟
ضج المكان ببكائهم العالي الذي يفطر من يسمعه، تحاول استيعاب ما اعتراها من صدمة، فكل شيء سلب منها، أنها جثة ليس لها اسم تتحرك فقط. ك ريشة تتقاذفها الرياح، نهضت بتثاقل، هي فقط بحاجة لمن ترتاح له، للشخص الوحيد الذي بحياتها، فهو ليس كذبة مثلهن. انتفض قلبه لمرآها تنهض مغادرة، فنهض بفزع وتمتم كاسف البال أضناه الوجع: "سجى رايحة فين؟ أشارت بتيهة وضياع: "هادور على نفسي، يمكن ألاقيها، أنا خارجة محدش يلحقني."
انقبض قلبه واختنقت روحه، ثم استدركت هي هامسة ببسمة: "أنا راجعة متقلقوش، بس محتاجة أفضل لوحدي شوية." اتصلت بياسين ولا شيء سوى بكاءها، لعل فؤادها يرتاح أو يطمئن. ولكن كيف يطمئن قلبه هو دون أن تقر عينه برؤيتها، فبكاءها مرارة صعب الابتلاع. سألها عن مكانها وأخبرته أنها قريبة من منزلهم، كانت تنزوي بركن بعيد تبكي حالها، ظل معها على الهاتف وهو يقود سيارته، بينما فؤاده موقداً بنيران العذاب، نيران كيف يخمدها؟
حياته أظلمت فجأة، أعدت كاحلة السواد. أخذت السماء تبرق وترعد وزخات المطر تهوي هوياً. ها هو يتجلى من السيارة بلهفة يسبقه قلبه قبل جسده، وجالت عينيه بحثاً عنه، إلا أن وقع بصره عليها بقلب أنتزع من محله، فنادى باسمها بفزع من منظرها الباكي ذاك الذي أدمى قلبه.
ما أن تناهى لها سماع اسمه حتى شهقت بوجيعة ونهضت تحاول استدراك مصدر الصوت للتتبعه سيراً بخطى سريعة، وحذا هو حذوها سيراً شبه راكضاً، بلحظة ألقت ذاتها بحضنه تضمه باكية، تسند رأسها على صدره، ليعتصرها بداخله مغلق جفنيه، كأنه يطمئن قلبه أنها بخير، وشهد البرق والرعد والمطر تلاحم أرواحهما وتلاقيه، أخذ نحيبها يعلو وهي تقص عليه ما سمعته وعلمت به، ثم رددت بجنون: "أنا مش سجى يا ياسين، أنا مش عارفة اسمي حتى، أنا مين؟
أنا خايفة، أنا وحيدة، وحيدة اوي، مليش حد، حاسة إن الوحدة وخايفة، خبيني." ضمها أكثر دون كلمة وهو يشدد من قيد ذراعيه حولها، ثم بتغييب همهم: "تتجوزيني يا سجى؟ هل سجى هتوافق أو لا؟ هل يستطيع حذيفة اكتساب ثقة أسماء؟ "تتجوزيني يا سجى؟ كلمة همهم بها دون وعي وتفكير... فارتعدت أوصالها وجف حلقها من هول الصدمة، وأبعدت رأسها عن صدره متسائلة بزهول جلي: "أنت بتقول إيه؟ ثم تنهدت وهي تفرك ذراعيها من شدة البرد وملابسها المبللة،
وبضحكة ساخرة أردفت: "شفقة، شفقت عليا عشان كدا عاوز تتجوزني صح." صمتت شاهقة ببكاء مصحوباً بماء المطر الهاطل عليهن: "أنا مش بحكيلك عشان تشفق عليا... ولكني بحكيلك عشان أنت الوحيد اللي أعرفه في الدنيا من بعد زين وإسراء." همت أن توليه ظهرها فأمسك معصمها مانعها عن السير وتمتم: "استنى يا سجى." ثم خطى بثبات واقفاً أمامها ودنا منها أكثر، ثم ضم وجهها بين كفيه بعشق جارف وبهجة تسري بعروقه وفرحة تغمده كلياً،
فقال بأعين تفيض بالدمع: "ليه فهمتيني غلط؟ مفيش حد في الدنيا هيتجوز شفقة أبداً... أنا خايف تضيعي مني بعد ما لقيتك خلاص، سنين وأنا بدور وبعد ما لقيتك مستحيل أسيبك تضيعي مني تاني، افهميني... أنا حبيتك من أول مرة شفتك فيها، من يوم ما أنقذتك وأنت ملكتي قلبي وكياني وكلي، فمش هسمح تصيغي مني؟
تسارعت أنفاسها ودق قلبها بعنف وذابت روحها من ملامسة كفيه على وجنتيها، فرفعت كفها تتلمس كفيه وأناملها تسير بحركات دائرية على كفه الخشنة الغليظة، وفتحت فاهها تود أن تقول أنها أيضاً أحبته، لم تكن تدر ما معنى الحب وها هو يتسلل رويداً رويداً بداخلها. لقد وجدت موطنها التي لطالما بحثت عنه، عن أمان واحتواء وسكينة، وظل يحميها من عواصف القدر ورياح الزمان ليكون سداً منيعاً لها. أماااان، وهل ترجو غير ذلك؟
أن تكون مطمئنة دائماً بحضوره وغيابه، ما دام روحه تحوطها. ولكنه لا يستحقها، هي لا تصلح زوجة، هي عمياء لا ترى. فأغلقت جفونها بالم على صوته وهو يقول بتساؤل: "مالك يا سجى؟ بتفكري في إيه؟ دفعت كفيه بإمتعاض... فتعجب لا يدرك ما أصابها فجأة... فغمغمت هي وهي تتراجع خطوتين: "ياسين فوووق، أنت خاطب وأنا مش ليك أبداً، أنا عمياء أنت فاهم."
تبسم ما أن فهم وأدرك ما يدور بذهن تلك البلهاء، لم تدر للآن أنه يهيم عشقاً بها، ربما لم تدر بعد، ولكنها حتماً ستدرك أنه قد يضحي بحياته بسبيل ضحكتها وحياتها. اخترق صوت الرعد أذنيها فأرتجفت ووثب قلبها فزعاً، ثم ألقت بذاتها بين يديه محتمية متوارية، فاطمئنت، فتبسم هو قائلاً حينما ازدادت زخات المطر: "تعالي نقعد في العربية بدل ما تأخدي برد."
ما كاد ينهي جملته حتى ابتعدت عنه وهي "تعطس" بوجهه، فمال بجذعه على بغته وحملها دون حرفاً، فانتفضت صارخة: "أنت هتعمل إيه؟ إزاي تشلني كدا؟ مين سمحلك؟ لم ينبس، ثم فتح باب السيارة وأجلسها وركض هو الناحية الأخرى وصعد بجواره وهو يشعر بالأحياء، ازدادت الجو برودة، فأنتفضت وهي تضم ذاتها لتستمد الدفء من نفسها، فزفر بضيق وهو لا يستطع فعل شيء. تحير فكرها بأمرها وتردد بآخبارها، ثم همس بترقب وهو يستدير لها:
"سجى أنتِ هترجعي لمنزل زين تاني؟ شردت بتفكير ودموعها تهوى هوياً وجحافل من الذكريات اخترقت ذهنها، لا تصدق أنها ليست منهم، أنهم ليسوا لها، ليس بأخواتها، ما يوجعها كذبهم عليها، لا تصدق للآن أنها ليست أخت لهم. فتلعثمت بأعين مفعمة بالحسرة والوجع: "لا، أنا مش هقدر أعيش معاهم، هما استحملوني كتيررر فلازم أريحهم مني؟ أغلق جفنيه بألم من كونه لن يستطع أخذ وجعها، فهمس بصدق:
"لا يا سجى، هتفضلي أختهم، هما بيحبوكِ جداً وزين عمره ما فرق بينك وبين إسراء، بلى على العكس، أنتِ هتفضلي أختهم، محدش يقدر يغير دا يا سجى، عمر العلاقات والرابط كانت بالدم، فكام من علاقات دم كانت منها الأذى للإنسان، في علاقات بالقلب، القلوب لما بتتجمع عمرها ما بتفارق أبداً ودي أفضل العلاقات صدقيني واصدقهم لأن الروح والقلب بيبقوا واحد." ثم استدرك بغيرة:
"بس مينفعش تقعدي مع زين في مكان واحد، حتى ولو هو معتبرك أخته بس مينفعش! هشت وبشت وهي تقول: "فعلاً معاك حق، هما هيفضلوا أخواتي وهيفضل زين الأب والأخ والسند والابن، هيفضل دنيتي وإسراء بردوا، أنا من غيرهم ولا حياة. ومعاك حق بردوا، مش هينفع أرجع أعيش معاهم، ولكن زين مش هيقبل." تبسم ياسين وأوشك على الحديث، فرأى جرحاً برأسها، فبقلق وهو يكور قبضة يده هتف: "إيه الجرح دا؟ من آآيه؟ فزعت من صوته العال وتحسست جرحها وهي تتذكر،
ثم استطردت هامسة: "أصل النهاردة في ناس حاولت تخطفني من البيت، بس زين قدر يساعدني فتخبط وأنا بقاومهم بس؟ اتسعت عينيه وأقسم أن يقتل ما كان سبب جرحها، ثم غمغم بنبرة غليظة: "مين اللي عايز يقتلك؟ هزت رأسها نفياً وهي تهز منكبيها: "معرفش مين! فتبسم هو بفكرة خطرت على باله: "أنتِ كدا مش أمان في بيت زين لحد ما نعرف مين عايز يقتلك؟ هزت رأسها إيجاباً، فتبسم هو بسمة ماكرة وما لبث أن عاد لصمته بشرود وتفكير.
ضرب عثمان على عجلة القيادة بغضب حينما توقفت السيارة معلنة عن عطل بها، فارتفعت ضحكات مكه، فنظر لها بغضب سرعان ما تلاشى وهو يتأملها ويروي فؤاده الظمأن الجاف. وراحت عينيه تمتلئ من النظر لها بلمعة العشق، ثم تنبه لذاته حينما نظرت له بتعجب وقد هدأت نوبة ضحكها، فتنحنح قائلاً بغضب: "بتضحكي ليه؟ دا وقت ضحك ده."
ثم جال بعينه من نافذة السيارة للطريق الخالي وزخات المطر الذي يزداد بضيق من تلك الليلة الكئودة، وود لو تنتهي بخير، ثم عاد بصره لها قائلاً بغلاظة: "هنعرف إيه دلوقتي؟ شكلنا مش هنعرف نرجع البيت." لم يأتيه رد، فقد كانت تنظر للطريق والمطر من خلف النافذة، لم تستمع إليه حتى فهم أن يهزها، فعلى حين بغتة فتحت باب السيارة وترجلت راكضة وهي باسطة ذراعيها تقفز وتصفق، وضحكاتها صاخبة... فاتسعت عينيه بصدمة وتمتم وهو يترجل بدوره:
"المجنونة دي بتعمل إيه." وجز على أسنانه يحاول كبح غضبه. ظلت تدور حول ذاتها، بينما كان يحاول هو بشتى الطرق التحامي من المطر الذي يزداد ك السيل الجارف، وغمغم بغيظ: "مش هتهدي غير لو حصلت مصيبة انهاردة." وصل عن كثب منها فجذب ذراعه، فالتفت بسهولة لدورانها الذي لا يهدأ، ثم تمسكت به قائلة ببهجة أضأت روحه المنطفئة لتتوهج: "يا بني المطرة حلوة، سيب الجاكت دا."
ثم جذبة الجاكت وألقته دون اكتراث وعادت لوهلتها تحت المطر، وراح هو يتأملها كأنها طفلة صغيرة، وهو والدها، سعيد لسعادتها ويضحك لضحكتها، وراحت عينيه ترتوي منها وتتشبع، وعينيه تشع بريق خاص بعشقها، كأن حبها يتسلل من جديد بحناياه ليمكث به، فما لبث أن ظل يضحك معها، لأول مرة من بعد وفاة والدته، من سويداء قلبه تنبع. اشتد البرق والرعد لتصرخ بفزع وهي ترتعش، ثم تمسكت بكفت يده، فهمهم قائلاً بإستمتاع: "أحسن خافي كدا عشان تتهدي...
وكفاية تنطيط، دا أنا بكرة هينقلونا المستشفى." زمت شفتيها قائلة وهي تفرك ذراعها: "أنا برداااانة." جذبها من ذراعها قائلاً: "يلا يا يختي ركبي العربية." جلسا بجانب بعضهما، فهمهمت هي: "هو إحنا مش هنمشي؟ أسند رأسه للخلف وأغلق جفنيه وهو يتمتم: "لو هتقدري تمشي، امشي." مدت كفيها تمثل خنقة، ففتح جفنيه لترتد للخلف، وهي تتصنع النوم، فتبسم وأغلق جفنيه.
فتحت جفنيها متأوه من تلك الرقده وهي تعتدل على المقعد تدلك رقبتها، تمنعت النظر بجانبها فلم تبصره، فجالت بعينيها من النافذة فلم يتبين له طيف، ففزعت من كونه قد تركها وحيدة، فترجلت وهي تتلفت حولها، فجأها صوته من وراءها قائلاً: "إيه مالك؟ بدوري على إيه؟ ضربته على صدره بسخط وهي تصيح: "كنت فين؟ ازاي تسبني كدا لوحدي؟ قلب كفيه ذات اليمين وذات الشمال قائلاً بتأفف:
"يا بنتي كنت بشوف أي نيلة أمشي، خلينا نرجع، ما هو دا آخر اللي يتبعك ويخرج معاكِ." فتح لها باب سيارة الأجرة وهو يتمتم: "يلا يا يختي خليني أوصل وأشوف شغلي." فتح ياسين باب شقته وهو يتنحى جانباً: "أدخلي يا سجى، اتفضلي." دلفت بوئيدة وجل للداخل، فأجلسها هو برفق وغمغم: "الشقة اعتبريها بتاعتك وخذي راحتك ووقت ما تحسي إنك تمام وارتحتي قوليلي، أنا بس عندي مشوار هعمله وأجي، تحبي أدخلك جوه؟ هزت رأسها نفياً، فتبسم هو قائلاً:
"ترني على أخواتك تطمنيهم عشان ميقلقوش." أومأت إيجاباً، فناولها هاتفه لترن هي على زين الذي رد متلهفاً لتخبره أنها بخير وستعود قريباً، وأغلقت بعد ذلك. تركها ياسين متجهاً لـ زين وقضى معه وقتاً لا بأس به، ثم عاد للدار ولج للداخل مسرعاً وطلب رؤية سمر، فجاءت على الفور وخرجا سوياً جالسون بالحديقة بمقعدين متقابلين، تنهد ياسين بصوتاً عالٍ وابتلع ريقه بنظرة مفعمة بالهموم: "سمر أنا عايز أتكلم معاكي وياريت متفهمنيش غلط."
أحست من نبرته أن هناك شيئاً ما، فتنبهت بكل حواسها باهتمام جلي، وقالت: "قول يا ياسين، سمعاك!! أطرقت بعينيها عليه تدقق بالنظر له عسى أن تكتشف شيئاً، فقال ياسين بنبرة امتزجت بالحزن والصدق: "سمر إحنا مش هينفع نكون لبعض... أنا مش هقدر أسعدك، حاولت صدقيني، اتخيل حياتي إزاي هتكون معاكِ، بس مش شايفك غير أخت ليا." أطرقت بعينيها تحاول أن تخفي دموعها وتحدثت بمرارة لم تستطع إخفائها: "بتحب البت اللي شوفتها معاك يوم الحفلة صح؟
أنا شفت نظرتك اللي كانت بتشع نوراً وكنت فرحان ومبسوط، هي مش كدا؟ برغم أن صوتها كان هادئاً، ولكن لم يخفى عليه تلك المرارة ودموعها المتوارية، فهز رأسه قائلاً: "أيوه، هي... سمر أعذريني بس صدقيني لو كملت هظلمك وأظلم نفسي، وإلا الظلم... أنا مقدر حبك ليا، ولو مكنتش حبيت سجى كنت هحبك أكيد، بس للأسفل من يوم عيني ما وقعت عليها وهي مش شايفة غيرها... استقرت بقلبي وقفلته بعدها، فمش هقدر أحب."
تنفس الصعداء كأن حملاً قد أنزاح عن عاتقه. فأطرقت بعينيها وهي تتحاشى النظر له، تحاول على كبت دموعها الكئودة، ثم رفعت بصرها به باسمة: "ربنا يسعدك." قالتها وهي تنزع الدبلة تناوله لها، فتناوله منها قائلاً: "أتأكدي بأني هفضل سندك وأمانك واحتوائك وأخوكِ اللي مستعد يهد الدنيا كلها عشانك، مفيش حاجة هتتغير بينا." تبسمت له بأعين تفيض بالدمع وبادرت قائلة: "وأنا متأكدة من دا." ثم نهضت متوجهة لحجرتها، لماذا لم تشعر بالحزن؟
لماذا ما زالت كلمات أنس تتردد بأذنها مراراً وتكراراً فتقطع قلبها لأشلاء؟ بعد دقائق دلف ياسين براحة لم يعتادها من قبل، داعياً الجميع بأمر هم، فحضر الجميع ما عدا لمار وأدهم وعمرو الذين لم يأتوا بعد. وصب يوسف نظره عليه وتحدث بجدية وحسم: "في إيه يا ياسين؟ ليه طلبتنا؟ خير؟! جال بصره بينهما ثم صرف بصره لوالده وغمغم: "بابا أنا وسمر انفصلنا، إحنا مش مناسبين لبعض!! احتج يوسف وهاج واتسعت عينيه على آخرهما ووثب صارخاً:
"هو إيه اللي هتنفصلوا ده؟ ثم نظر لأسماء: "في اااايه؟ كل يوم واحد فيكم يجي يقولي هننفصل؟ خلااااص أنا متُ بالنسبة لكم." نظر ياسين لـ أسماء بعدم فهم، ثم استدرك أن هناك مشكلة بينها وهي وحذيفة، فرد بلهفة على والده: "بعد الشر عنك يا بابا متقولش كدا." شوح له يوسف بغضب وأستدار ينوي المغادرة، فأوقفه صوت ياسين الذي علا:
"بابا متزعلش بالله عليك، بس الجوازة دي لو تمت أنا كدا هظلمها وأظلم نفسي، صدقني لأني مش هقدر أديها الحب اللي عايزاه واللي أنا متأكدة إنه ملهوش مكان في قلبي من الأساس." استدار يوسف قائلاً بأسى: "أعملوا اللي عايزينه براحتكم... اللي يريحكم اعملوا." ثم بنبرة ساخرة: "وياريت متتعبوش نفسكم وتبلغوني... بما إنكم بتاخدوا قراراتكم من نفسكم، إيه لزمة تقولولي بيها؟ تغاضى ياسين عن نبرته الساخرة وأقبل نحوه ممسكاً بكفه يقبله
بود واحترام وهمهم بصدق: "أبداً يا بابا، وأنت عارف أنت مش بس أب ليا، أنت صديق كمان، بس صدقني لو كملنا هظلمها، أنا هتجوز سجى." حدجه يوسف بنظرة ذات معنى بعدم فهم، فأستدرك ياسين قائلاً وهو ينظر للجميع: "دي مهمة خاصة متكلف بيها، وإني أتجوز سجى فـ دا لحمايتها وكمان عشان أعرف مين عايز يقتلها." تمتم يوسف بشرود: "يقتلها؟؟؟ ليه دا بنت وعمياء ملهاش أعداء يعني؟ # مش عارف بقا، قالها ياسين ناظراً له. فردد يوسف: "تمام؟
دقق يوسف النظر بـ أبنه: "متأكد إنك هتتجوزها بس عشان تحميها؟ زاغ بصره ناحية ورد التي أشرق وجهها فجأة. شيئاً ما بداخله وجل عليها حقاً، حتى ولو اتضح أنها ليست فاطمة، فأنه أحبها ويخشى عليها من أي شيء قد يؤذيها. غادر يوسف متنهداً بثقل، بينما نظر ياسين لورد نظرة أدركت معناها وخرج وتعقبته بصمت، فوقفا بعيداً بالحديقة، وألتفت لها ياسين قائلاً: "سجى مش أختهم فعلاً."
ابتسمت ورد متمتمة بشرود وهي تتذكر يوم الحفلة حيث ما أن خرج أدهم وتبعته، توجهت لياسين تخبره بما شعرت به ليؤكد هو أيضاً ذات الشعور لديه: "مش قولتلك هي دي فاطمة، هي صدقني! زفر ياسين بتوجس: "خايف في الآخر تطلع مش هي ويكون مجرد أمل وراح." هزت ورد رأسها بإصرار: "أبداً مستحيل، إحساسي يكون خايب، هي أنا متأكدة، بس مش عايزين نعرف حد أبداً دلوقتي لحد ما نتأكد، بذات لمار." # إيه اللي سمعته دا؟
قالها عثمان بصدمة وهو واقفاً خلفهم، حيث كان والجاً للداخل فلمح طيفهم فتوجه لهم وسمع ما سمع. اتسعت أعينهم بصدمة وهم يتناقلون النظرات فيما بينهم بصمت، وطفقا يقصان عليه جل شيء من بداية رؤية ياسين لها وأنقاذه لوقتهم ذاك، فنفى عثمان تلك الهواجس قائلاً: إن فاطمة قد توفت، وكيف للميت أن يعود بالحياة؟ جلست مكه مع سمر تحاول معرفة منها أي شيء، ولكنها أبت ذلك، حتى أسماء أبت أن تخبرها، فرن هاتفها لتزم شفتيها قائلة بغيظ:
"عنكم ما تحكوا، أنا غلطانة أصلاً إني حاولت أعرف حاجة!! ثم خرجت من الحجرة وهي تجيب على الهاتف الذي أعلن عن اتصال من صديقتها التي بالخارج: "الوو يا توتو." صمتت حينما تناهى لها صوت علي وهو يقول بعجل: "أريد مقابلتك الآن، أنا بالأسفل واقفاً عند الباب الخلفي!! ردت مكه بزهول وخوف من أن يعلم عثمان بالأمر: "علي؟ أنت هنا لماذا؟ حسناً سآتي حالاً."
أطمئنت من أن عثمان بغرفته وهبطت مسرعة بخطى سريعة للخارج متوجهة لرؤيته، فما أن وصلت للباب الخلفي أشار لها على الذي لمحته يقف جانباً، فأسرعت مقبلة نحوه وغمغمت وهي تتلفت يمنى ويسرى: "ماذا أنت فاعل هنا... إلا تخف إن رآك عثمان! هز رأسه نفياً وهو يقاطعها قائلاً: "انصتي لي حبيبتي، أنا لن أتركك لذاك الشاب المجنون، سأفعل أي شيء لنكون سوياً." طرفت بعينيها بصدمة وفركت يدها بتوتر شديد وتلجلج صدرها في بادئ الأمر، ثم أردفت:
"ولكني سأتزوج عثمان قريباً جداً، وأنا أحبه وأريده.... قاطعها قائلاً بفزع وعدم تصديق: "ماذا تقولين؟ تحبينه؟ متى وكيف؟ لماذا وافقتي إذاً؟ إلا أنها أحست بالوجع بنبرته، فتحاشت ذلك وتمتمت سريعاً: "أنا لم أحبك، فقط وافقت عليك لأني ظننت أنه لا يحبني، أني أعتذر لذلك علي حقاً من كل قلبي أعتذر لك، أرجو أن تسامحني ونظل أصدقاء، سأحاول بكل جهدي أن أحسن علاقتك بـ عثمان، أنا متيقنة أنكم ستحبون بعضكم كثيراً."
صمتت ملياً تدقق النظر بملامحه التي امتزجت بالضيق والغموض والكره في آن واحد، ثم اردفت بنبرة هادئة: "علي أرجوك لا تفهمني خطأ، لم أقصد جرح قلبك، وكنت أنوي أخبارك بكل شيء، سأغادر الآن، حسناً." استدارت لتغادر، فتوقفت على صوته قائلاً: "متى العرس؟ ألتفتت برأسها هامسة: "بالكثير أسبوعين، سأخبرك متى بالتحديد." ثم لوحت بيدها وقالت باسمة: "سلام."
همت بالدخول للمنزل، فأرتدت للخلف مصعوقة من اصطدامها بعثمان، ليلحق بها ممسكاً بكفها، لتنظر له وتبتلع ريقها بصعوبة وهي ترى عينيه تحيطها هالة مخيفة جداً، وتمتم بلهجة أرعبتها: "كنتِ فين؟ ترددت كثيراً بإخباره عن علي، ولكنها خشت غضبه وأن يفعل شيئاً ما به، فتحير فكرها وهي تبتسم تارة بوجهه وتتهجم ملامحها تارة، فغمغم هو بحسم: "اتكلمي ومتكدبيش؟ لم تريد أن تكذب عليه وأن تبدأ معه بكذبة، فتمتمت:
"أبداً مش بعمل حاجة، كنت بتكلم في التلفون بس." أؤمأ برأسه موافقاً وأشار للأعلى بحزم: "اطلعي أوضتك طيب." أومأت برأسها وسارت خطوتين وهو توجه للخارج، ولكنها نادت تستوقفه: "عثمان استنى." وقف مستديراً لها، فأقتربت أمامه متوترة وهي تطرف بعينيها بتردد وهمست: "كنت عاوزة أقولك حاجة بس من غير ما تتعصب ممكن؟ تبسم بهدوء ابتسامة خفيفة وقال: "قولي سامعك اتكلمي."
تحيرت بأخبره وبذات الوقت لا تريد أن تخبئ عنه شيئاً، هو ليس بحبيبها فقط، هو روحها، ثم تبسمت بتوجس من تلك الهواجس التي استقرت فؤادها، فهمهمت وهي تهز رأسها ببسمة تيهة: "لا لا خلاص مفيش حاجة! رفع حاجبه مشيراً لها بعدم تصديق: "متأكدة؟ أؤمأت برأسها بتوتر وأشارت له: "أيوه لو في هقولك." # مخبية إيه اتكلمي ومتخافيش؟ غمغم بها عثمان وهو متيقن أنها تخفي شيئاً ما، استطاع إدراكه بسهولة. فنفت ذلك قائلة وهي تتحاشى النظر له:
"مفيش حاجة يعني هخبي عنك إيه بس؟ دقق النظر بها، فأرتعشت وهي تغير مجرى الحديث: "أنت رايح الشغل." # أه، آخرتيني سلام. قالها وهو ينظر لساعة معصمه وغادر. زهدت من الحياة بعدم وجوده بجانبها، لم يرقأ لدمع قلبها دمع، وصورته قابعة أمام عينيها تراها في كل الوجوه... وصوته يتردد كأنه يحادثها تماماً... جحافل من الذكريات اخترقت ذهنها وفؤادها... كيف لليل أن يمر؟ كيف لتلك الليالي الكالحة أن تولي وهو ليس بها؟
كيف لعيناها أن تغفى ولم تكن تطمئن سوا على صوته؟ مسكت هاتفها متصلة به، فلم يمض طويلاً وجاءها صوته قائلاً: "السلام عليكم، أيوه يا أسماء! جاءه نشيجها الذي شطر قلبه لأشلاء كأنه حمم بركانية تصهره، ظلت تبكي لوقت طويل وهو ينصت لبكاءها بدموع عالقة بمقلتيه ويتنهد بألم من الحين للآخر. هدأ نحيبها إلا من دموعها التي تهوى هوياً وقالت بنبرة باكية:
"أنا بكرهك، بكرهك أوي يا حذيفة، ياريتني ما حبتك، أنا مش هقدر أقعد في البيت وأنت مش موجود، مش حاسة بالأمان فيه من غير صوتك." زفر بألم وهو يميل بجذعه للأمام مستنداً على الطاولة بصمت، فعادت متمتمة: "متبعدش عني يا حذيفة، مش هقدر أكرهك، صدقني مفيش أم تكره ابنها مهما عمل، مش قادرة أنام من غير ما أسمع صوتك زي كل يوم، ليه تعلقت بيك كدا؟ ليه؟ أنا بحبك أوي." تمتم هو بتوهان ودون تفكير: "وأنا بعشقك يا قلب حذيفة."
عادت لصمتها مرة أخرى مصحوباً بالبكاء الحاد، ثم سرعان ما استمع لصوت غطيطها كأنها اطمئنت.
وها قد ولى الليل وبسطت الشمس بالسماء متلألئة، فاقت أسماء بصداع حاد يفتك رأسها، واعتدلت مسندة ظهرها للخلف ودموعها الذابلة ما زال أثر البكاء يحيطها، كانت تفتح عينيها على رنين هاتفها معلناً عن اتصالاً منه، يخبرها أن يومه لا يبدأ سوا بسماع صوتها، تحن إليه، وسرعان ما يعود الجفاء لقلبها فتتذكر ما كان سيحصل لها بسببه، فتفيض عينيها بالدمع ويشهق فؤادها وجعاً.
دوى رنين هاتفها ليقشعر فؤادها وهي تنتفض بلهفة لتجد اسمه مضيئاً، لتتذكر اتصالها به ليلاً وكلامها وما قالته، فردت قائلة بإقتضاب عكس فؤادها المشتاق المتعطش لرؤياه: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... رانن ليه؟ معلش إني رنيت وازعجتك بالليل." تبسم وهو متوجهاً لمكتبه بشركة عمرو الذي عرض عليه الشغل كأي موظف، فوافق بإمتنان: "إزعاج؟ إزعاج إيه ده؟ أنا أصلاً قفلت على طول، كان عندي ميعاد."
كان يدرك تماماً أنه يطرق على أبواب الغيرة بقلبها، فكتم ضحكته بأعجوبة حينما صاحت وهي تنهض بفزع: "ميعاد؟ ميعاد إيه ده ومع مين؟ بنت صح؟ أنت أنت أنت معندكش دم." جلس خلف مكتبه مستمتعاً وهو يقول بمرح: "أنت أنت أنت هي أنت واحدة كفاية ليه تلاتة." استشاطت غضباً وهي ترزع الغرفة ذهاباً ومجيئاً وقلبها يدق دكاً بالغيرة: "أنت هتشلني؟ كنننننت فين؟ موعد إيه ده؟ أبعد الهاتف وهو كاتماً فاهه حتى لا تستمع لصوت ضحكته
وتمتم بنبرة اعتيادية: "كنت سهران يعني وكدا، بنوتة بقا قمر." # طلقني طلقني طلقني طلقني يا حذيفة دلوقتي أنت فاهم... وروح ياخويا للقمر. صرخت بها بغيرة واضحة، فهمهم هو مازحاً: "طيب غيرانة ليه طيب؟ وبعدين مش قولت هطلقك بعد ما اتجوزك." صمتت باسمة ثم صاحت بتذكر وجدية: "أنا مش بهزر زي كل مرة وبجد مش عاوزة أكمل معك." جاءها صوتاً معلناً عن إغلاقه للهاتف، فتمتمت وهي تنظر بالهاتف بزهول مصحوباً بصدمة: "دااا قفل في وشي؟
ااه والله قفل في وشي، عاااااااا هموته بقا يقفل في وشي." جلست على الفراش غاضبة. أوصل ياسين سجى لمنزل زين الذي كان بانتظارها بشغف، ولكنها حادثته بنبرة مختصرة حزينة بعد الشيء، ثم جلسا جميعاً سوياً، وتحدث زين مخاطباً سجى: "سجى، أنتِ حياتك خطر هنا في البيت... أنا امبارح وصلت في الوقت المناسب... ممكن يرجعوا يعملولك حاجة ومش هلحق أنقذك." أنصتت له جيداً ووجهها ممزوجاً بالصدمة، ثم غمغمت بأعين دامعة: "أنت عايزني أمشي؟
هز زين رأسه نافياً ذلك كأنها تراه وقال بنبرة صادقة: "لا والله، دا بيتك يا سجى وهيفضل بيتك دايماً، مفيش حاجة هتتغير، ولكن ياسين عاوز يعرف مين كل همه يأذيكِ، وعشان يساعدنا أنت لازم تسكني معاه، هتبقي في أمان." شرد زين متألماً
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!