الفصل 1 | من 29 فصل

رواية ضمير ميت الفصل الأول 1 - بقلم دنيا آلشملول

المشاهدات
21
كلمة
2,748
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

كانت تجلس فوق أرجوحتها المرفقة بداخل حديقة الفيلا، تقرأ كتاب "امرأة من طراز خاص". رغم كونها قد قرأته مرارًا وتكرارًا، إلا أنها تعاود قراءته في كل مرة وكأنها المرة الأولى. وبينما هي على حالها حاملة في يدها كوب النسكافيه الذي تفضل ارتشافه أثناء قراءة الكتب، فإذا به يحاوطها من الخلف طابعًا قبلة رقيقة فوق رأسها مستنشقًا عبير خصلاتها. ابتسمت بهدوء وهي تغلق الكتاب وتضع كوب النسكافيه أمامها، واستدارت إليه لتتقابل عسليتيهما.

غرام: -أحلى صباح في الدنيا على أحلى فروس في الكون. ضحك فراس بقوة رافعًا رأسه للأعلى ثم انخفضت تدريجيًا مع انخفاض ضحكته، ثم نظر لها بحب وهو يقرص وجنتها برفق متمتمًا: -صباح الجمال على آية الجمال، وبطلي فروس دي بقى. غرام بنظرة جانبية ماكرة: -الغزالة رايقة يعني، خير اللهم اجعله خير، قولي إنك لقيتها، ها، لقيتها؟ فراس بجانب عينه: -أنا لسه طالع من عند ماما دلوقتي وقافل معاها نفس الحوار، مش ناقص تستلميني إنتي التانية.

غرام بضحكة خفيفة: -يا حبيبي ماما عايزة تفرح بيك وتشيل ولادك، وبعدين أنا عايزة مرات أخ عشان أصاحبها وأحكيلها وتحكيلي وناخد وندي بشكل ودي. فراس عاقدًا حاجبيه: -نعم! ضحكت بشدة وهي ترفع رأسها للأعلى وتخفضها تدريجيًا مع انخفاض ضحكتها. قرصت وجنته بأناملها وهي تتابع: -يلا اتجدعن وجيبلي صاحبة يا فراس. فراس زافرًا وهو يستدير حول الأرجوحة ليستقر بجانب توأمه:

-أعمل إيه بس يا غرام، مفيش بنت قدرت تخطف قلبي لحد دلوقتي، مش لاقي، وهو يعني أنا هلاقي وأقول للـ (غمز بعينه لها وهو يتابع) لأ. غرام وهي تضع يدها على فمها شاهقة: -آه يا مهزأ، بقى ده كل اللي في دماغك، وأنا اللي قلت عليك مؤدب. ضحك بهدوء وهو ينظر لها بحب: -سيبك انتي، قوليلي الواد عمرو عامل إيه معاكي؟ ضربته على كتفه بخفة وهي تتمتم بضيق مصطنع: -ما تقولش واد، ده راجل وسيد الرجال. ضحك بهدوء وهو يتابع بمزاح:

-ومين يشهد للعروسة. نظرت له بطرف عينها ثم أمسكت بذراعه وهي تقول برجاء: -عشان خاطري يا فراس ما تتأخرش على العشا النهاردة، هو جاي يتعشى معانا. فراس بهدوء: -حاضر يا غرام هحاول، وبعدين أنا مش عارف إيه عاجبك في عمرو ده، ده شبه الـ.. قاطعته وهي تضع يدها على فمه بغيظ: -بطل تقول عليه قرد أحسن لك... تنهدت بحب وهي تتابع: -ده قمر... تنهدت من جديد ثم تابعت بهيام:

-عيونه ولونها الأسود اللي بيلمع، ولا شعره اللي ليه زلحة من الجنبين، ولا صوته، صوته فيه كمية حنية ما شفتهاش في صوت حد قبله، هيييح. نظر لها فراس بصدمة، ثم وضع يده على جبينها كأنه يقيس درجة حرارتها وهو يقول: -بت انتي في وعيك؟! غرام بابتسامة: -بحبه أوي يا فراس. كان سيضربها على رأسها بسبب وقاحتها لكنه ابتسم بهدوء وهو يقول بحنان:

-ربنا يخليكم لبعض يا حبيبة قلبي، يلا هروح أنا المستشفى وأسيبك مع كتابك اللي ما بتمليش منه ده، يا بنتي ده الكتاب اشتكى منك. غرام وهي تضم شفتيها للأمام بعدم رضا: -بحبه. فراس بمزاح: -مين ده؟ غرام ببلاهة: -الكتاب! ضحك عليها بشدة وهو يقول من بين ضحكاته: -فكرت عمرو. ضربته على كتفه بغيظ، فوقف وهو يقبل جبينها بحب: -عامل لك مفاجأة الليلة، يا رب تعجبك. غرام وهي تصفق بمرح طفولي: -بجد!! فراس بضحكة خفيفة:

-يا بت اكبري بقى ده انتي داخلة على 26 سنة، اكبري. غرام بابتسامة هادئة ودلال: -إيه هي الهدية يا فروس؟ نظر لها بجانب عينه وتحرك من جانبها وهو يتمتم: -فروس؟ أنا اللي جبته لنفسي والله، غوري بقى مفيش هدايا. ضحكت عليه بشدة وهي تقول: -هتجيب لي هتجيب لي، أنا مستنية. أرسل لها قبلة في الهواء وغادر الفيلا متجهًا إلى المستشفى الخاص به وبوالده. أخذت قدميها تتحرك بتوتر واضح وهي تمسك بهاتفها وتنظر به بين الحين والآخر. دالين بضيق:

-يوه بقى يا فاتن، ما تبطلي تحركي رجلك كده، بتوتريني. فاتن بضيق مماثل: -أعمل إيه بس، ما أنا ما عرفش عاصم عمل إيه مع بابا، بقى له فوق الثلاث ساعات قافل معايا، يعني المفروض يكلمه ويخلص ويطمني. دالين: -ما تكلميه انتي. فاتن: -بكلمه ما بيردش، أنا بدأت أقلق، خايفة أوي يكون بابا زعله ولا حاجة. دالين بهدوء: -ما تقلقيش كده يا تونا، مستحيل أونكل مراد يزعل عاصم، ده بيعامله زي ابنه، وبعدين ده ابن أخوه الوحيد. فاتن: -أوووف بقى...

مش عارفة، أنا مش عارفة، طب ما يتصل يطمني، لازم يحرق أعصابي كده. قاطعها صوته الضاحك من الخلف: -مين مزعل تونايتي بقى. فاتن بضيق: -إيه يا عاصم كل ده؟ وبعدين ليه ما بتردش على تليفونك؟ إيه حصل مع بابا؟ عاصم بضحكة وهو يجلس بجوارها: -براحة عليا طيب، كل دي أسئلة؟! فاتن بنفاذ صبر: -عاااصم بطل تلعب بأعصابي. عاصم بهدوء: -طب بس اقعدي يا حبيبتي وأنا أحكي لك كل حاجة. جلست بتوتر تنتظر حديثه.

نظر لهما بهدوء وهو يقول بابتسامته الساحرة لقلبها الذي ينطق باسمه عشقًا: -هنعمل خطوبتنا آخر الأسبوع. فاتن بعدم استيعاب: -خطوبة مين؟ ضحك كل من عاصم ودالين عليها، لتقول دالين من بين ضحكاتها: -وهو الحزين ده لابس في حد غيرك؟! البت مصدومة يا عاصم اعذرها. عاصم ناظرًا إليها وهو يغمز بعينه: -خطوبتي أنا وانتي يا تونايتي. وضعت فاتن يديها على فمها بعدم تصديق: -عاصم بتتكلم جد!! صاحت بسعادة: -بجد مش مصدقة نفسي.

عاصم بابتسامة حنونة: -لا صدقي يا قلبي، آخر الأسبوع هاجي أطلبك من عمي رسمي وتبقى خطيبتي الأمورة. فاتن: -لا لا لا، اضربيني يا دالين، اضربيني عشان أصدق. ضحكت دالين وهي تنظر لعاصم الذي نظر لفاتن بغيظ: -إيه يا بنت الدايخة هو أنا كنت ماشي معاكي! ما إحنا آخرنا هنتخطب ونتجوز، هو أنا شاقطك!! فاتن بسعادة: -فرحانة يا عصومي، فرحانة أوي. عاصم بحب: -ربنا يقدرني وأسعدك أكتر وأكتر. فاتن بهيام: -ربنا يخليك لقلبي يا كل قلبي.

دالين بحمحمة: -إيه يا جدعان، أنا مرزية هنا، راعوا سنجلتي شوية. ضحك كلاهما، وقام عاصم بطلب الغداء لثلاثتهم. دالين بهدوء: -ناويين تعملوا الخطوبة فين؟ عاصم: -مكان ما تونا تحب. فاتن بسعادة: -في الفيلا عندنا، إيه رأيك؟ عاصم: -إشمعنى الفيلا؟ فاتن: -عشان أنا والبنات نظبطها على كيفنا، ولا إيه يا دالين؟ دالين بتأكيد: -أيوه يا عاصم، إحنا هنظبط جو في الفيلا. عاصم: -ماشي ما عنديش مانع. هاتفت دالين صديقتهم شدا. شدا: -نعم؟

دالين بغيظ: -يا بنتي الناس بترد تقول ألو أو تقدم السلام، إيه نعم دي؟ شدا بضحكة: -معلش يا دالي قلبك كبير. دالين بهدوء: -طب يلا هاتي زوما وبدور وتعالوا على النادي عشان نتفق ونظبط جو في الفيلا عشان خطوبة فاتن وعاصم. شدا: -ياااس، وأخيرًا، مسافة السكة ونكون عندكوا. دالين: -أوك، سلامات يا برنسيس. حل الليل سريعًا.

ألقت نظرة على نفسها بالمرآة لآخر مرة قبل أن تخرج من غرفتها متجهة لحديقة الفيلا تنتظر قدوم عمرو أو فراس أيهما أولًا. تنهدت بحزن فمن المفترض أن تكون بانتظار والدها الآن، على الأقل الآن، فهو لا يحضر معهم أي مناسبة عائلية ولا يعطي لحضور عمرو أهمية. لن تنسى أبدًا أنه بعد أن تم كتب كتابها على عمرو ترك الحفل وغادر بحجة العمل. أغمضت عينيها بحزن. وما إن فتحتها حتى ابتسمت بسعادة حينما لمحت سيارة فراس تدلف لجراج الفيلا. وقفت

لتستقبله بسعادة وهي تهتف: -كنت عارفة إنك هتيجي بدري عشاني. ابتسم لها بحنان وأردف: -وأنا عندي كام غرام يعني؟! حاوطته بحب ثم ابتعدت وهي تمد يدها له. نظر فراس ليدها الممدودة أمامه وضحك بهدوء وهو يقول: -ما بتنسيش أبدًا؟! .. ما تقلقيش يا ستي .. هديتك في الحفظ والصون.

فركت يديها معًا بحماس بينما تحرك هو وفتح باب السيارة الخلفي وأخرج منه علبة هدايا ملفوفة بعناية بورق ملون بألوان الطيف التي تعشقها للغاية ومعقود من الأعلى بربطة على شكل وردة. مدت يدها له وحملتها وهي تبتسم بحماس .. ثم قبلت وجنته بسرعة وركضت لأرجوحتها ووضعتها أمامها وبدأت في فك عقدة العلبة بهدوء.

فاجأها كثيرًا حينما وجدت أن العلبة مليئة بالروايات الخاصة بـ "أجاثا كريستي" وكذلك رواية الجريمة والعقاب لـ "فيودور دوستويفسكي" .. والعديد من الكتب والروايات المختلفة .. بالإضافة لوجود قطعة إسفنجية سوداء وموضوع فوقها سلسال بسيط على شكل كتاب مفتوح ومطرز على صفحات الكتاب المتقابلة اسم "غرام".

نظرت لمحتويات العلبة بدموع لم تستطع السيطرة عليها فوقفت واحتضنته بحب .. مما جعله يبتسم بهدوء وهو يربت على ظهرها بحنان بالغ متمتمًا: -طب بتعيطي ليه؟! .. هي هديتي ما عجبتكيش؟! غرام بسرعة: -لا لا أبدًا .. بالعكس .. دي جميلة أوي وعجبتني أوي أوي. فراس بغيظ: -ولما هي جميلة أوي وعجبتك أوي أوي بتعيطي ليه! صفع وجنتها بخفة وهو يتابع: -ولا انتوا جنس النكد .. تفرحوا تعيطوا، تزعلوا تعيطوا! قاطعهما صوت من خلف فراس يقول بمزاح:

-سيب مراتي في حالها .. ملكش دعوة بيها. غرام بفرحة: -عموري. قفزت إليه محتضنة إياه بسعادة وهي تتابع: -وحشتني أوي .. مهماتك اللي بتقعد بالأسبوع دي بتخليك توحشني كتير. فراس: -طب أنا واقف حتى .. جذبها من يد عمرو لخلفه وهو يتابع: -حيلك يا عم .. انتوا حيالله كاتبين كتاب .. ما تسوقش فيها أوي كده. عمرو بضحكة: -أنت برضه مش هتبطل غيرة على البت .. يا جدع دي مراتي. فراس بغيظ:

-وتوأمي .. لما تبقى في بيتك ابقى احضن براحتك .. ويلا اتفضل ادخل .. بدل ما أخليك تلف من ع الباب. استدار ليواجه غرام وهو يدحجها بنظرات حانقة: -اتفضلي أنتِ كمان .. ويارب أشوفك قريبة منه حتى .. هنفخك. غرام وهي تكتم ضحكتها: -حاضر حاضر .. هو بس كان واحشني. فراس بغيظ: -ادخلي يا غرام ادخلي بدل ما أعمل منك كفتة. ضحك عمرو وغرام ودلفوا جميعًا لتستقبلهم والدة فراس بترحاب وجلسوا جميعًا إلى سفرة العشاء. فراس بضيق:

-الوالد الكريم فين؟! السيدة جومانة بتبرير: -مشغول يا حبيبي .. هو اتصل واعتذر. فراس بضحكة جانبية: -آه ما أنا عارف. عمرو بحرج وقد أراد أن يهون من حدة الموقف: -عادي .. ربنا يعينه .. برضه شغله مش هين .. وأنا بعتبر نفسي في بيتي على فكرة. فراس بهدوء: -ده فعلًا بيتك يا عمرو. ابتسم له عمرو بود .. بينما تنهد فراس بضيق من تصرفات والده. أمسكت غرام بيده التي يضعها فوق فخذه وضغطت عليها بهدوء وهي تتمتم بصوت خافت حتى لا يسمعه غيره:

-أنت أهم عندي .. وجودك أهم .. ما تشغلش بالك بيه يا حبيبي. ابتسم لها بهدوء وبدأوا جميعًا بتناول الطعام في جو من المرح الذي تضفيه غرام كعادتها على أجواء المنزل .. فهي تنشر الحيوية والبهجة أينما كانت. كانوا يجلسون جميعًا في جو مليء بالضحك والسعادة .. فهم أصدقاء أقل ما يُقال عنهم عصبة واحدة .. يفرحون معًا، ويحزنون معًا .. دومًا ما يُشكلون مجموعة رائعة. شدا من بين ضحكاتها:

-فاكرين لما فاتن جت على الفصل بتاعي أنا وحازم أيام الثانوية العامة وجت تقولي والنبي يا شدا عايزة أخرج من المدرسة .. عاصم في المستشفى تعبان ولو ما رحتش دلوقتي هموت؟! حازم متابعًا: -أيوه أيوه ويومها شبكتلها بإيدي وقامت نطت من على السور رجليها اتلوت. فاتن متابعة بضحكة: -أيوه ويومها عملولي جبيرة على رجلي وشدا فضلت تقول كنتي عايزة تيجي عشان تفضلي جنبه .. أهو جيتيله مجبسة وهو هيطلع بعد شوية ويكون هو اللي جنبك.

ازدادت أصوات ضحكاتهم على ذكرياتهم معًا. بدور: -عايزة ألعب سلة .. تيجوا نلعب كلنا؟! رحب الجميع بالفكرة .. وتقاسموا بحيث تكون دالين وشدا وبدور بفريق بينما عاصم وحازم وفاتن بالفريق الآخر. بدأوا جميعًا في اللعب بحماس .. ويسود الأجواء جو من البهجة والسعادة.

كان حازم يحاول قدر المستطاع أن يُبقي على الكرة معه حتى تتقدم منه بدور .. كان يحب كثيرًا لحظات اقترابها منه .. وأحيانًا كان يستسلم تاركًا الكرة لها وكأنها استطاعت أخذها بمجهودها الشخصي .. فقط ليرى لمعة عينيها السعيدة باستحواذها على الكرة.

بينما عاصم وفاتن .. فكانا يتغازلان أكثر بكثير من تركيزهما في اللعبة .. فكونهما في فريق واحد يجعلهما مقربين من بعضهما .. تاركين حِمل الفريق بأكمله على حازم الذي نظر لهما بحنق حينما استشعر عدم تركيزهما في اللعب .. حازم بتهكم: -إيه يا عم الحنين أنت وهي .. كلها أسبوع وابقوا سبّلوا براحتكوا .. إنما دلوقتي فيه لعب المفروض تركزوا شوية .. ولا أنا هغلب الثلاث بنات لوحدي هنا. ضحك عاصم غامزًا له وهو يتمتم في أذنه بصوت منخفض:

-الحق عليا إني بسيبلك فرصة تخطف فيها قرب بدور. حازم بصدمة: -هو أنا مكشوف أوي كده؟! عاصم بضحكة: -لا أنا بس اللي كاشفك ما تخافش. بدور من الخلف: -بتتودودوا على إيه ها؟! عاصم رافعًا يديه باستسلام: -كل خير يا بدورة .. أنا عن نفسي ماشي. حازم فاركًا رأسه من الخلف: -تيجي نعمل حاجة غير اللعب. جلست بدور أرضًا وهي تنظر له بتساؤل: -حاجة زي إيه؟! حازم بمزاح: -نسبّل مثلًا زي عاصم وفاتن. ضحكت بدور وهي تقول:

-لا يا عم دول حبهم من الطفولة .. يعني كل ما بيكبروا بيكبر معاهم .. حاجة كده جميلة مالهاش وصف .. تنهدت وهي تتابع: -أوقات بحسدها عليه بجد. حازم بضيق: -وتحسديها عليه ليه إن شاء الله؟! بدور باستغراب من لهجته: -أنا مش قصدي كشخص .. أنا بتكلم بمجمل الحب اللي بينهم .. مش قصدي على عاصم نفسه.

أومأ حازم بضيق فابتسمت بدور بهدوء .. إنها تستشعر الغيرة في نبرته .. حتى لو لم تكن متأكدة من ذلك .. هذا كافٍ جدًا ليرضي قلبها النابض لأجله. -مسا مسا على أحلى جنات في الدنيا. قالها لؤي وهو يقترب من والدته التي تجلس في الشرفة ناظرة للسماء بشرود قاطعه صوته الذي يملأ حياتها دفئًا وسعادة. السيدة جنات بحب: -حمد الله على سلامتك يا حبيبي .. عما تغير هدومك هكون جهزتلك العشا. لؤي مقبلًا يدها بهدوء: -ماشي يا قلب حبيبك.

ذهبت السيدة جنات للمطبخ في محاولة يائسة لأن تكف عن التفكير في نفس الأمر الذي يجعلها تخشى فقدان لؤي .. فهو كل شيء لها في هذه الحياة .. ولن تتحمل أبدًا مرارة فقدانه إن علم بالحقيقة التي أخفتها عنه لسنوات طويلة. قاطع شرودها محاوطته لها بحب: -سرحانة في إيه بقى لدرجة إن البيض يتحرق كده؟! شهقت بخفة حينما وجدت أن البيض حقًا قد احترق. أغلقت الموقد ثم استدارت ناظرة إليه بحزن استطاع قراءته .. فحاوط وجهها

بيديه وهو يسألها بحنان: -مالك يا أمي؟! .. ليه الحزن اللي شايفه في عينك ده؟! السيدة جنات: -ما فيش حاجة يا حبيبي .. أنا بس ببقى قلقانة عليك في كل مرة تخرج فيها وتتأخر بره. قبل جبينها بعمق وحب وهو يتمتم: -ما تخافيش عليا يا حبيبتي. ابتسمت بهدوء .. ثم استدارت لتنهي ما كانت تفعله بصمت .. بينما خرج لؤي إلى غرفة الجلوس وبدأ يتابع أحد البرامج المعروضة على التلفاز حتى عادت والدته بالطعام وبدآ في تناوله بهدوء

قاطعته والدته بسؤالها: -حبيبي مش ناوي تشوف حياتك بقى؟! لؤي وقد فهم ما ترمي إليه: -أنتِ زهقتي مني ولا إيه؟! ابتسمت له بحنان وهي تقول بصدق: -عمري يا لؤي .. عمري .. بس حبيبي لازم تكون بيتك وعيلتك .. ولا أنت مش عايزني أفرح بيك قبل ما أموت؟! لؤي وقد زحف الضيق لوجهه: -إيه بس يا أمي اللي بتقوليه ده؟! .. ليه كده طيب؟! .. بعد الشر عنك يا ست الكل .. وبعدين هو أنا لقيت واحدة شبهك وقلت لأ؟!

ابتسمت بحنان وهي تنظر لعمق عينيه بحزن التمع في عينيها وكأنها تودعه .. فمهما طال الوقت .. سيأتي اليوم الذي يعرف فيه الحقيقة .. لكن ما يقلقها حقًا .. هل سيسامحها؟! كان يسير في رواق المستشفى متجهًا لغرفته .. يلقي عليه السلام كل من يقابله بينما يكتفي هو بإيماءة خفيفة دون التحدث لأحد .. مما يجعل البعض يظنه مغرورًا والبعض الآخر يظنه مريضًا. فهو لا يتحدث مع أحد، وإن حدث فيكون بعصبية بسبب خطأ ارتكبه أحدهم أو ما شابه.

حتى الأصدقاء لا يملكهم. جميع الأطباء أصدقاء مع بعضهم البعض عداه هو. حتى خارج نطاق العمل لا يملك أصدقاء. صديقه الوحيد هي غرام. دلف لغرفة مكتبه وجلس على مقعده وهو يمسد جبهته بضيق. ثم طلب قهوته الصباحية وبدأ بفحص التقارير المتروكة على مكتبه منذ أمس. دلف الساعي إليه ووضع له القهوة بهدوء ثم خرج دون أن يتفوه بكلمة. قاطع تركيزه صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال. نظر لشاشة هاتفه ثم ابتسم بحنان وهو يرفعه إلى أذنه. وقبل أن يتحدث

وصل لمسامعه صوت صراخها: -فراس الحقني يا فراس.. ماما الحقني. تحرك فراس بسرعة ملتقطًا مفاتيحه وخرج من الغرفة راكضًا وهو يتحدث بلهفة: -إهدي إهدي يا غرام.. إهدي.. فيه إيه؟ .. قوليلي إيه حصل؟ .. مالها ماما؟ غرام من بين شهقاتها: -معرفش أنا جيت أشوفها في أوضتها عشان مخرجتش زي عادتها بدري لقيتها نايمة مبتتنفسش.. أرجوك بسرعة يا فراس. فراس محاولًا تهدئة ذعرها:

-طب اهدي خلاص أنا جاي أهو على الطريق.. افتحي الأوضة وخلي الهوا يتجدد وأنا على طول أهو جاي. تركت غرام الهاتف وركضت تجاه الشرفات الخاصة بالغرفة وقامت بإبعاد جميع الستائر وبدأ الهواء يتسرب للغرفة منعشًا إياها. بقيت تدور وتدور حتى سمعت صوت اصطكاك إطارات سيارة فراس بالأرضية. فتنفست الصعداء. دلف بسرعة إلى الغرفة وبدأ بفحص والدته التي وجد نبضها ضعيفًا للغاية. قام بعمل الإسعافات الأولية ثم حملها بين ذراعيه ونزل بها بسرعة.

لحقت به غرام واستقلوا السيارة بسرعة واتجه بهما إلى المستشفى. أخذت تسير في الممر بقلق يتفاقم كلما مر الوقت. انتشلها صوته من دوامة ذعرها: -غرام.. حبيبتي في إيه؟ ألقت بنفسها بين أحضانه وبدأت في البكاء بقوة. أخذ يربت على ظهرها بحنان. ثم أجلسها على أحد المقاعد وجلس جوارها ولا تزال متعلقة بأحضانه. أخذت يداه تمسد شعرها بحنان حتى بدأت تهدأ شيئًا فشيئًا. عمرو بحنان: -متقلقيش يا حبيبتي.. هتبقى بخير. أومأت بصمت.

تزامنًا مع خروج فراس من الغرفة وهو يمسد جبهته بتعب. انتفضت غرام وركضت تجاهه وأمسكت بيده وهي تتحدث بلهفة: -هي كويسة مش كده؟ .. قولي إنها كويسة. أخذ فراس يربت على خصلاتها بحنان وهو يقول بهدوء: -حبيبتي متقلقيش.. هي كويسة فعلًا.. حتى هتخرج بليل كمان. غرام: -طب إيه حصلها؟ فراس بهدوء: -هبوط في الدورة الدموية.. وكمان واضح إنها مخدتش علاج القلب من فترة. غرام بحزن: -أنا السبب.. أنا اللي مباخدش بالي منها.

اقترب منها عمرو محاوطًا كتفيها بحنان: -لا يا حبيبتي انتي مش السبب.. احمدي ربنا إنها كويسة دلوقتي.. واعتبريها إشارة عشان تكوني جنبها أكتر وتراعيها. أكد فراس على حديثه وهو يقبل جبينها بهدوء. أتاه صوت أحد الأطباء الذي جاء إليه مسرعًا: -دكتور فراس.. جاتلنا حالة طارئة محتاجين تدخل جراحي بسرعة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...