الفصل 17 | من 30 فصل

رواية دواء القلب الفصل السابع عشر 17 - بقلم مصطفى محمد

المشاهدات
21
كلمة
1,631
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

لم تكُن يوماً أحلامي وردية، بل كانت كوابيس كئيبة غامضة مخيفة. كمنزل مهجور لا روح فيه، كل ما يسكنه هو الغبار. غبار كثيف يغطي كل الأرجاء، معتم وبارد، لا سكينة به ولا راحة. تلك الكوابيس عادت لتغزو مناماتي من جديد، عادت لتؤكد لي أنني ما دمت أتنفس وما دامت الدماء تدب في عروقي، فلن أحظى بحياة هادئة، حياة كما يجب أن تكون.

ذلك ما كان يدور بعقلها، تلك الأفكار المعتمة جعلتها تنفصل عن الواقع ولا تعي ما الذي يحدث حولها. حتى أنها لم تشعر بوجود قاسم الجالس أمامها وممسكاً بيدها ويحاول مواساتها، رغم أنه يعلم أن كل كلماته قد تكون بلا جدوى. قاسم: سارة.. سارة بوصيلي... سارة بوصيلي... التفتت له بملامح جامدة، ليتحدث قائلاً:

سارة، أنا عارف إن الموضوع مش بسيط وإنك كان نفسك باباكِ يكون عايش وتشوفيه، بس دي إرادة ربنا وإحنا مينفعش نعترض على حكمه. وبعدين.... قاطعته سارة قائلة بجمود: كان نفسي أشوفه، كان نفسي أحضنه، كان نفسي أكلمه ويسمعني. ثم تابعت بدموع: زمان كنت بشوف الأطفال وهي ماشية مع باباها وبيشتريلهم شوكولاتة وكنت بغير قوي. وكنت مستنية أكبر بفارغ الصبر علشان أدور عليه وأروحله، وأديني كبرت ولما لقيته كان خلاص الوقت فات. قاسم

وهو يضغط على يداها برفق: سارة، باباكِ خلاص عند ربنا الله يرحمه، وأنتِ متقدرشِ ترجعيه. بس تقدرِ تبصي للي باقي ليكِ. سارة بإستنكار: اللي باقيلى... قاسم: والدتك يا سارة، أنتِ ناسيه إن والدتك عايشة ومحتاجاكِ جداً. ويمكن محتاجالك دلوقتي أكتر من أي وقت فات. وعندك أختك كمان. سارة وهي تطالعه بتعجب: أختي... قاسم وهو يحرك رأسه:

اممم، أختك اسمها مريم، بس عايشة في أمريكا ومبتنزلش. حتى لما روحنا ملقينهاش. جايز لما تسمع إنك رجعتي ترجع هي كمان ويتلم شملكم من تاني. سارة وهي تغمض عيناها بتعب: أنا بجد تعبانة ومش قادرة أفكر ولا أعمل حاجة. قاسم بإبتسامة متعبة: يبقى متعمليش حاجة يا سارة. نهض قاسم من على الفراش وقال وهو يدثرها: أنتِ نامي دلوقتي وريحي أعصابك وحاولي متفكريش في أي حاجة خالص. وبكرة إن شاء الله هتبقي تمام وكويسة جداً. وهم ليغادر

الغرفة لتوقفه سارة قائلة: قاسم... توقف قاسم وقال: نعم يا سارة... سارة بإمتنان: شكراً. قاسم بإبتسامة: تصبحِ على خير. وتركها وغادر الغرفة ليتركها لترتاح قليلاً، فغداً سيكون يوم حافل بالأحداث. وليرتاح هو أيضاً فقد شعر بالتعب، وكأن جسده يعاقبه على إهماله، ليستلقي على فراشه ويغط سريعاً في ثبات عميق. *** في اليوم التالي. في إحدى الكافيهات. مازن: عارفة يا رغدة، زمان لما كنت بشوفك مع قاسم كنت بسأل نفسي نهاية العلاقة دي إيه؟

الخطوبة وكده. تخيلي بقى إن عمري ما تخيلت إنكم هتتزوجوا. حتى بعد ما حددتو ميعاد الفرح برضه مكنتش متخيلة إنكم هتكملوا. رغدة بتعجب: ليه يعني... مازن: أحياناً لما بيكون في اتنين مرتبطين ومش مناسبين لبعض، كل الناس بتبقى شايفة وحاسة بكده، ماعدا هما. إنتوا الاتنين شخصياتكم مختلفة جداً عن بعض في كل حاجة. وكمان.... رغدة مقاطعة: مازن، أنا مسيبتش قاسم عشان عرفت إنه تعبان. أنا مش وحشة قوي كده. مازن: أمال إيه؟ بس فهيميني.

رغدة: هفهمك. أنا قبل ما ارتبط بقاسم، كنت مقدمة على الوظيفة اللي برا مصر دي. وبعد ما ارتبطت بقاسم بفترة وكنت خلاص صرفت نظر عن الموضوع، رجعوا بعتولي وقالولي إنِ لازم أسافر عشان أعمل مقابلة في وقت محدد. وقتها عرضت الموضوع على قاسم بس هو رفض. معرفش إزاي وقتها أنا عملت كده وسبته وسافرت من غير ما يعرف. بس صدقيني، أنا معرفتش بموضوع مرضه ده غير بعد ما وصلت. وأنا حاولت أتواصل معاه كتير عشان أطمن عليه وأعتذرله، بس هو رفض يكلمني نهائي. فيين بقى بعد فترة لما اتكلمنا، وقتها أنا كنت غبية وافتكرت إننا ممكن نرجع زي الأول، بس الواضح إن اللي بيتكسر مبيتصلحش.

مازن: جايز مينفعش نصلح، بس ينفع نتجاهل ونكمل. وبدل ما نبص على اللي عدى، نبص على اللي جاي ونركز فيه ونخليه أحسن. رغدة بسخرية: لا، وأنا ذكية قوي، بدل ما أكحلها جيت عميتها وسودت صفحتي مع الكل وبقيت لوحدي. مازن وهو يمسك يدها: أنتِ مش لوحدك يا رغدة، مش لوحدك. أنا معاكي. وقولتلك قبل كده أنا مش هسيبك. رغدة وهي تبتسم:

أنا عارفة إنك معايا وجمبي. بس أنا قصدي إني خسرت أصدقائي والناس اللي كانوا فاكرين إن لسه في أمل إن علاقتنا تتحسن وترجع زي الأول. مازن: لسه في إيدك تغيري ده وترجعي حياتك أحسن من الأول. رغدة: إزاي... مازن وهو يتنهد: هساعدك وأمرّي لله. أعمل إيه؟ أنا أصلاً معرفش أنتِ كنتِ هتعملي إيه من غيري. رغدة: طب متنتفخش قوي في نفسك كده لتفرقع. وبعدين على فكرة، أنت اللي بتعرض تساعدني وبتلح كمان. مازن بخبث خفي:

صحيح، بس أنتِ كمان كنتِ تقدرِ ترفضي مساعدتي دي، ولا إيه؟ *** أمام منزل عائلة سارة. قاسم: هو ده بيتك يا قمر. سارة: قمر مين... قاسم: نسيت أقولك إمبارح، أنتِ طلع اسمك قمر. بس أنا مش هقول لك غير يا سارة عشان بحب الاسم ده قوي. سارة بتوتر: قاسم، أنا مش عايزة أدخل. قاسم: ليه يا سارة... سارة: مش عارفة، بس حاسة إني خايفة وقلبي مش متطمن خالص. يللا نرجع. قاسم وهو يحاوط وجهها بيداه:

سارة، متخافيش من أي حاجة. اللي جوا دي مامتك. أنتِ مشوفتيش هي كانت عاملة إزاي وفرحت إزاي لما عرفت إنك لسه عايشة وإنك راجعة النهاردة. وخوفك ده شيء طبيعي عشان مش عارفة ردة فعلهم هتكون إيه. بس مع الوقت هتتعودي عليهم وهتحبيهم قوي كمان. سارة: تفتكر... قاسم: دول أهلك وأكيد هيحبوكي. يللا ندخل بقى، مش هينفع نفصل كده كتير. سارة وهي تتنهد: ماشي، يللا ربنا يستر.

وقف قاسم وبرفقته سارة أمام منزل عائلتها، ومن ثم طرق قاسم الباب لتفتح لهم المساعدة (الخادمة) بعد لحظات. قاسم: صباح الخير. كريمة: صباح النور. قاسم: مدام ميرفت موجودة... كريمة: أيوه موجودة. أقولها مين... قاسم: قولي لها قاسم ومعاه قمر بنتها قمر.

كانت ميرفت تستمع لهم، وفور سماعها قاسم يقول تلك الجملة، نهضت مسرعة وهي لا تعلم أي اتجاه تسلك، ولكنها تريد أن تحتضن ابنتها بل طفلتها. وأثناء سيرها وهي لا ترى إلى أين تتجه، تعثرت في إحدى الكراسي وسقطت على الأرض. ليراها كل من سارة وقاسم وكريمة ويسرعوا لحملها. لتسرع ميرفت وتتشبث بابنتها سارة دون أن تراها بعينيها. ولكن ما وظيفة العينين إن كان القلب يرى ويشعر بما يحدث وما سيحدث قبل أن يحدث. سارة: أنتِ كويسة... ياماما.

ميرفت بدموع: قمر... آآآه يا قمر أخيراً. دمعت عينا سارة وهي ترى والدتها بهذا الضعف، وهي تراها وقد وهنت وهي لم تكن بجوارها كل تلك الفترة. على الناحية الأخرى، كانت ميرفت كشخص تائه في الصحراء ويكاد يموت من الظمأ، لتأتي السماء وتمطر عليه سيلاً من الماء وتروي ظمأه. فبكلمة واحدة دبّت بها الحياة، حتى ظنت أنها ستبصر من فرط السعادة، فقد عادت ابنتها، لا بل قد عادت طفلتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...