جالسه بين أحضان والدتها مغمضة عينيها، مستمتعة بشعور لم تجربه مطلقاً. على الناحية الأخرى، يجلس قاسم يطالعها بسعادة غامرة وابتسامة حالمة. نعم، هو سعيد لأنها سعيدة، وكيف لا وهي بين أحضان من حُرمت منها لسنوات. ساره: أنا كنت محتاجاكِ قوي يا ماما، كنت محتاجاكِ قوي، كنت محتاجة لحضن زي دا، كنت محتاجاكي جنبي. ميرفت بابتسامة: ومين قالك إني مكنتش جنبك؟
أنا كنت معاكي في كل لحظة وكل وقت، كنت معاكي بقلبي وبدعواتي، وكنت متأكدة إن ربنا هيطمني ويطمئن قلبي عليكي قبل ما أموت. ساره وهي تزيد من احتضان والدتها: متقوليش كده يا ماما، بعد الشر عليكي، أوعي تقولي كده، ده أنا صدقت لقيتك. ميرفت: وأنا مكنتش عايزة حاجة من الدنيا غير كده. وأبوكي كمان كان نفسه يشوفك قبل ما يموت، الله يرحمه. دمعت عينا ساره، فهي أيضاً تمنت رؤيته بشدة، تمنت أن تشعر بدفء وحنان الوالد، ولكن هذه مشيئة الله.
ميرفت: كان بيحبك قوي، لدرجة إنه كان كل يوم بيوقف يبص على آخر مكان كنتِ واقفة فيه، كان بيقعد بالساعات. ولما كنت بحاول أدخله البيت كان بيرفض، بيقولي يمكن ترجع. ساره بتأثر: هو بابا مات إزاي؟ مات موتة ربنا ولا كان فيه حاجة؟ ميرفت وهي تبعدها برفق: لا، مات موتة ربنا، بس هو كان تعب جداً من يوم ما اتخطفتي، ضغط وسكر وشوية حاجات تانية مقدرش يتحملها زي ما أنا مقدرتش أتحمل بعدك عني. ساره بدموع: الله يرحمه.
قاسم: إيه اللي جرا يا جماعة؟ انتوا وهى ضايعين؟ بتبكوا وهي موجودة؟ بتبكوا للدرجة دي بتحبوا النكد؟ ميرفت وهي تمسح دموعها: لا، مش هنبكي أهو. قاسم: يلا يا ساره قومي حضري لنا فطار عشان أنا جاي على لحم بطني. ميرفت: لا فطار إيه؟ أنا هنادي كريمة عشان تحضر لنا الغدا. قاسم: طيب، هستأذن أنا. ساره: انت رايح فين؟ متمشيش. قاسم: لا، متقلقيش، أنا هروح الشركة أخلص شوية حاجات وهاجي على الغدا، أنا ميت من الجوع.
ساره: طيب، إذا كان كده، ماشي. قاسم: عن إذنكم. غادر قاسم المنزل، وترك ميرفت وساره سوياً. ميرفت: قوميني يا ساره. أسرعت ساره وساعدت والدتها على النهوض. ساره: هتروحي فين؟ ميرفت: هنروح سوا المطبخ نعمل فنجانين ونقعد في الڤرنده على ما كريمة تحضر لنا الغدا، عشان أنا عايزة أقولك كلام كتير قوي وعايزة أسمع منك كلام أكتر. شعرت ساره بسعادة بالغة، فقد بدأ يتحقق جزء من أحلامها. ميرفت: يلا بينا. ساره بابتسامة: يلا بينا.
الحياة كالحرب، سِجال يوم لك ويوم عليك. يوم تبتسم وتغمرك السعادة، ويوم آخر لا تكاد تجف دموعك من الحزن. ولكن أنا لم يكن أمري هكذا، أنا لم أبتسم ليوم بل للحظات، ولم تدمع عيناي ليوم بل لسنوات. ظننتها ستتوقف في تلك اللحظة، ظننتها ستنتهي عند رؤيتي لوالدتي التي لم أرها منذ كنت طفلة، ظننتها ستجف عندما وضعتني والدتي في أحضانها الدافئة التي طالما تمنيتها. نعم، لطالما تمنيت ذلك العناق الدافئ المطمئن، تمنيت تلك السكينة التي شعرت بها، والتي يبدو أنها لن تدوم كثيراً.
*** في منزل رغدة. مازن بصدمة: رفضوكِ؟ رفضوكِ إزاي؟ رغدة: اتصلوا بيا وقالوا لي: إحنا بنعتذر ومش هينفع نقبلك في الشركة. مازن: كده من غير سبب؟ رغدة: قالوا لي إني كويسة بس مش بالمستوى اللي إحنا عايزينه. مازن في نفسه: ماشي يا لطفى الكلب. ثم نظر لها وقال: طيب هتعملي إيه دلوقتي؟ هتسافري؟ كان يقول ذلك وينتابه الخوف بشدة، يخشى أن تجيب بنعم، يخشى أن تتركه وتغادر. ظل قلقاً، ولكن أتته الإجابة التي أثلجت قلبه وجعلته يهدأ.
رغدة: لأ، مش هسافر. مازن: هتشوفي شركة تانية؟ رغدة: شركة تانية ولا لأ، مش هتفرق. عارف أنا اكتشفت إن في الوقت اللي كنت بسعى فيه ورا النجاح والشهرة، ضيعت من بين إيديا حاجات كتير مهمة وكنت هضيع حاجات أكتر أهم. مازن: يعني إيه؟ رغدة وهي تقترب منه: مازن، أنا بحبك. اتسعت عينا مازن وخفق قلبه بقوة. يا إلهي، أهي حقاً قالت ذلك أم أن سمعي قد خانني؟ مازن: قوليها. قوليها تاني. رغدة وهي تبتسم: مازن، أنا...
بحبك ومش عايزة أبعد عنك ومش عايزك تبعد عني. أغمض مازن عينيه وشعر بسعادة بالغة، فالحلم حياته يتحقق. نعم، هي تريده، هي قالت ذلك، تريده إلى جواره، بجانبها. رغدة بترقب: يا ترى أنت بتحس بحاجة ناحيتي ولا ده... قاطعها مازن وهو يضحك بشدة: يالله! هو انتِ لسه بتسألي؟ رغدة: يعني انت بتحس بحاجة تجاهي؟ اقترب مازن منها واحتضنها بحب وقال: مازن بتنهيدة: غبية. بس بحبك. *** في شركة قاسم. قاسم بانفعال: ده اسمه تهريج اللي بيحصل ده.
يوسف: اهدى يا قاسم، مش كده. قاسم بغضب عارم: لسه بيقول لي اهدى؟ أهدى إزاي؟ أستاذ، لما أغيب عن الشركة عشر أيام، عشر أيام بس، ألاقي الوضع بالشكل ده؟ مبيعات بتنخفض وموظفين بتهمل في شغلها؟ وما خفي كان أعظم. أمال لو غبت أكتر من كده هيحصل إيه؟ يوسف: ما هو أنا كذا مرة أقولك تيجي تتابع الشغل بنفسك، وأنت تقول لي جاي وبتطنش. قاسم: وأنت قاعد هنا، إيه؟ قفص كيس جوافة في الشركة، مش كده؟
يوسف: قاسم، لو سمحت، أنا مسمحلكش. أنا هنا بنفذ شغلي، والإهمال اللي حصل ده حصل لأنك انت اللي أهملت الشركة بشكل مفاجئ، وبالتالي في حاجات كتير اتعطلت. قاسم وهو يحرك رأسه: والله، يعني الغلط بقى عندي أنا دلوقتي. ماشي، أديني جيت الشركة وهتابع معاكم وهنشوف الإهمال ده جاي منين. بس والله يا يوسف، لو كان السبب في اللي حصل ده حاجة غير اللي بتسميه إهمالي ده، هتشوف مني وش تاني خالص، أنت فاهم؟ يوسف بحنق: ماشي، عن إذنك.
وهم بالرحيل، ليوقفه قاسم قائلاً: قاسم: استنى، أنا لسه مخلصتش كلامي. وقف يوسف مكانه وقال بضيق واضح: نعم. قاسم: تعالى اقعد. يوسف: عندي شغل ومش فاضي. قاسم: بلاش شغل عيال وتعالى اقعد. يوسف وهو يجلس: أهو قعدنا، خير. قاسم وهو يمسح وجهه ليهدئ نفسه: أنا آسف عشان عليت صوتي، متزعلش. يوسف: لا يا راجل، بالبساطة دي متزعلش. قاسم: أنت لو زعلت تبقى غلطان. قول لي، هو أنا اتدايقت وزعقت كده ليه؟ يوسف: عشان المبيعات نزلت و...
قاسم مقاطعاً: غلط. أنا مزعقتلكش عشان كده. أنا زعقتلك لأني حسيت إنك مش قادر تسيطر على الموظفين ولا قادر تتابع الشغل. أنا زعقتلك عشان أفوقك. طيب، أنا دلوقتي موجود. افرض حصلي حاجة، وده وارد، أنت كنت هتلحق الشركة دي إزاي؟ يوسف: بعد الشر عليك. قاسم: لازم تعمل حسابك على كل الاحتمالات ومتسيبش حاجة للظروف، فاهم؟ يوسف: خلاص، فاهم. اهدى كده بقى وقول لي، عملت إيه في حوار ساره ده؟ قاسم: إحنا في إيه ولا في إيه دلوقتي؟
يوسف: يا عم قول، عايز أعرف. قاسم: أمري لله، هقول لك. يوسف بفضول: قول. *** في منزل عائلة ساره. ساره: بس، ومن وقتها وأنا قاعدة مع قاسم، وزي ما قلت لك، يوم كتب كتابنا عرفنا كل ده. ميرفت: باين عليه حد محترم وطيب وبيحبك قوي. ساره: ماهو الظاهر إن أي حاجة بحبها أو بتحبني، مسيرها تروح مني. ميرفت: ليه بتقول كده؟ ساره: أصل قاسم... كادت أن تتحدث لولا أن أوقفها صوت رنين جرس الباب. ساره: أكيد قاسم وصل، أنا هروح أفتح له.
ميرفت: طيب، خلي كريمة تفتح له. ساره: لا لا، خليها تكمل تحضير الغدا، وأنا هفتح ثانية وجاية. ذهبت ساره لتفتح الباب، وفي اعتقادها أنه قاسم، ولم تكن تعلم أن من وراء الباب أكثر شخصية تكرهها ولا تتمنى الخير لها على وجه الأرض. فتحت ساره الباب لتجد مريهان تقف تطالعها بعيون غاضبة مليئة بالحقد والكراهية، بعكس ساره التي تطالعها باستغراب، فوجه التشابه بينهما كبير للغاية. ساره: خير، مين حضرتك؟ مريهان: أختك، مريهان أختك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!