عاد قاسم إلى المنزل وهو لا يعلم ماذا يقول، فما سيقوله كان من المفترض أن يجعلها سعيدة، ولكن يبدو أنه لا سعادة بلا ألم. دخل قاسم المنزل وهو يبحث عنها بعينيه، ويدعو أن تكون نائمة ليؤجل هذه المحادثة إلى الغد حتى يستجمع قواه ويرتب كلماته. ولكن حدث ما كان يخشاه، كانت مستيقظة وتجلس تشاهد إحدى المسرحيات القديمة وتضحك بملء فاهها. ليغمض عينيه ويتألم قلبه، فهو يعلم أن ما سيقوله سيمحو هذه الضحكات.
وعلى الناحية الأخرى، كانت سارة تشاهد التلفاز وهي تضحك، ولاحظت وجوده ولكنها لم تُظهر ذلك. وانتظرت أن يأتي ويجلس بجوارها ويشاركها هذه الضحكات كعادته، لكن تبدلت ملامحها من السعادة إلى الوجوم والقلق عندما رأته يغمض عينيه بقوة ويضع يده على قلبه. لتنتفض مسرعة من مكانها وتذهب لتطمئن عليه. ساره: قاسم، أنت كويس؟
فتح قاسم عينيه ورأى نظرات القلق تتخللها، فاقترب منها واحتضنها بعطف وحنان. بينما تعجبت سارة من فعلته وتساءلت ماذا به، في الصباح لم يخبرها إلى أين هو ذاهب، والآن هو صامت ولا يتحدث. ما الذي حدث؟ تساءلت كثيراً، ليجيبها قاسم وكأنه يقرأ أفكارها. قاسم بتنهيدة: أنا كويس يا سارة، مفيش حاجة. ساره وهي تبتعد من بين أحضانه: طيب مالك ساكت ليه؟ قاسم وهو يجاهد
ليرسم ابتسامة على وجهه: مفيش حاجة، هو أنا عندي خبر سعيد عايز أقول لك عليه. ساره: كل دا وخبر سعيد؟ أمال لو كان حزين كنت عملت إيه؟ وبعدين انت خرجت الصبح من غير ما تقولي وكلمتك بتقول لي في مشوار وهبقى أقولك عليه بعدين، هو إيه الموضوع بالظبط؟ قاسم وهو يضع يداه على كتفيها: الموضوع إننا عرفنا مين أهلك. اتسعت عينا سارة بدهشة وسعادة. أخيراً بعد كل هذه السنوات، أخيراً بعد كل هذا العناء ستعلم هويتها، ستعلم من هي.
ساره: انت شوفتهم؟ اتكلمت معاهم؟ قابلتهم يعني؟ قاسم وهو يتنهد بألم: آه قابلتهم، أنا ويوسف، وكان معانا الظابط اللي عرف يوصلهم. ساره بلوم: طب مقولتوليش ليه؟ كنت جيت معاكو، دا أنا كان نفسي أشوفهم قوي، بابا وماما وإخواتي. صحيح هو أنا عندي إخوات ولا لأ؟ وبابا وماما شكلهم عامل إيه؟ و... لم يستطع قاسم أن يتحمل. يريدها أن تصمت، فهي تزيد ألمه وستزيد ألمها إن تابعت. فاحتضنها بقوة وقال وهو مغمض لعينيه:
قاسم: سارة، باباكِ توفى، ومفيش غير مامتك هي اللي موجودة، وهي كفيفة، و... كاد أن يتحدث، ولكن شعر بثقل جسدها بين يديه. أبعدها قليلاً ليتفاجأ أنها مغمى عليها. ليحملها مسرعاً إلى غرفتها ويضعها بهدوء على الفراش. ويخرج هاتفه مسرعاً ليتصل بطبيبه الخاص ليأتي لكي يطمئن عليها. وبعد لحظات أجاب الطبيب قائلاً: الطبيب: خير يا قاسم بيه؟ قاسم: محتاجك تجيلي البيت يا دكتور، سارة أغمى عليها ومش عارف أعمل إيه.
الطبيب: طيب عشر دقائق وأكون عندك. قاسم: طيب متتأخرش يا دكتور، أنا في انتظارك. أغلق قاسم الهاتف وجلس إلى جوارها وهو ممسكاً ليداها بحنان. وأخذ يفكر ويقول في عقله: "لقد تحملتِ الكثير، ووضع على عاتقكِ الكثير. أعلم أنكِ قوية وصمدتِ كل هذا الوقت، ولكن لم أعد أعلم إن كنتِ ستستمرين في الصمود. ولا أريد أن أعلم، لأني لن أترككِ، ولن أجعلكِ تواجهين أي شيء بمفردك، أياً كان. أنا لن أترككِ ولن أتخلى عنكِ ما دمت حياً."
في مكان ما في أمريكا. في أحد أرقى الكافيهات وعلى إحدى الطاولات تجلس فتاة في العشرينات من عمرها، ويبدو على وجهها علامات الغضب، وتشِع من عينيها نظرات مشتعلة تكاد تحرق المكان المتواجدة به. مريهان بنبرة غاضبة: إيه اللي انتِ بتقوليه دا؟ أخت إيه وكلام فاضي إيه؟ أنا مليش إخوات. كريمة: حضرتك زي ما بقولك كدا، في ناس جوه البيت لـ ميرفت هانم وقالولها إن بنتها عايشة وإنها معاهم، وإنها هيجمعوها بيها في أقرب وقت.
مريهان: ومعرفتيش الناس دول مين؟ كريمة: لا، أول مرة أشوفهم، بس فيهم واحد ظابط. مريهان: امممم، طيب اقفلي، وأي حاجة تحصل عندك تقوليلي عليها، انتِ فاهمة؟ كريمة: حاضر يا هانم. أغلقت مريهان الخط وهي تزفر بغضب. كيف عادت؟ ولما عادت الآن؟ فهي سبب كل شيء، هي من دمرت حياتها. أسماء: مالك؟ في إيه؟ مريهان بتفكير: أنا شكلي هضطر أنزل مصر في أقرب وقت. أسماء: تنزلي مصر؟ طب وشغلك؟ وبعدين مين أختك دي؟ أنا عمري مشوفتها.
مريهان: ولا أنا، ومش عايزة أشوفها، بس لازم أنزل مصر، في حاجات كتير أوي عايزة أعرفها ومسائل لازم أحلها. أسماء: تحبي أحجزلك على إمتى؟ مريهان: أقرب وقت. وبالنسبة للشغل أنا هعتمد عليكي الفترة اللي جاية. أسماء: تمام، أنا هشوف أقرب حجز إمتى وأحجزلك، والشغل أنا ههتم بيه. حركت مريهان رأسها وهي شاردة، فعَوْدة أختها جعلها تتذكر طفولتها المؤلمة والمعاناة التي عانتها منذ اختفائها. في منزل يوسف.
رندا: يعيني عليكي يا سارة، يعني يوم ما تلاقي أهلها يكون أبوها متوفى وأمها مريضة. يوسف وهو يمدد جسده المتعب على الفراش: لا، عندها أخت كمان. رندا: طب أمال هي فين؟ يوسف: بتشتغل في أمريكا وبيقولوا إنها ناجحة هناك ومبتنزلش خالص. رندا بتأثر: يعني بتشتغل هناك وسايبة مامتها المريضة في الحالة دي لوحدها؟ معندهاش قلب ولا رحمة. يوسف: مهو دا اللي أنا مستغربه، إزاي واحدة تسيب أمها في ظروف زي دي؟ أكيد فيه حاجة. رندا: حاجة زي إيه؟
يوسف: معرفش، بس أكيد فيه سبب يخليها تعمل كدا. رندا بحدة: مفيش أي سبب يخليها تعمل كدا، دي واحدة معندهاش دم ولا إيمان، رامية أمها ورايحة تسافر وتعيش حياتها. يوسف: طيب اهدى كدا، مالك في إيه؟ أنا بفكر معاكي بس والله. رندا وهي تهدئ نفسها: أنا آسفة، مقصدش أعلي صوتي وأتكلم كدا، بس الموقف ضايقني وعصبني جداً. يوسف وهي يربت بيده على كتفها: أنا عارف يا حبيبتي، أنا مش زعلان. صحيح سارة مطلعش اسمها سارة، طلع اسمها قمر.
رندا: امممم، طيب أنتم هتعملوا إيه دلوقتي؟ يوسف: قاسم هيقول لـ سارة عن كل اللي سمعتيه دا، وبعدين هياخدها يعرفها على والدتها، لحد ما نعرف موضوع أختها دا إيه. رندا: ربنا يكون في عونها سارة، أنا بجد مش عارفة هي هتتحمل حاجة زي دي إزاي. في منزل قاسم. قاسم: خير يا دكتور، عندها إيه؟ الطبيب: هبوط حاد، الظاهر إنها اتعرضت لصدمة عصبية أو سمعت أخبار وحشة. عموماً هي هتكون كويسة، وأنا كتبتلها الأدوية دي وتاخدها بانتظام.
قاسم: يعني هي هتبقى كويسة يا دكتور؟ الطبيب: متقلقش، شوية وهتفوق وهتبقى كويسة جداً كمان. قاسم: الحمد لله، متشكر جداً يا دكتور. الطبيب: متشكر على إيه بس، دا واجبي، زي ما واجبي أحذرك. قاسم بتعجب: أحذرني من إيه يا دكتور؟ هو في حاجة؟ الطبيب: انت بقالك فترة مبتجيش ميعاد الفحص، وكل ما أكلمك يا إما مبتردش أو بتقول لي جاي وبتطنش. قاسم: أنا بس كنت مشغول الفترة اللي فاتت دي، وبعدين منتا عارف يا دكتور نهايتها إيه.
الطبيب منفعلًا: انت اللي عايز تكتب النهاية بسرعة من غير حتى ما تحاول، دا انت حتى العلاج مبتاخدهوش. قاسم: لا، باخده. الطبيب: كذاب، أنا كلمت الدكتور اللي بتجيب من عنده العلاج وقال لي إنك مبتجيبوش من فترة. قاسم بحدة: انت بتتجسس عليا يا دكتور ولا إيه؟ الطبيب: يا قاسم يا قاسم، أنا مش عايزك تضيع الوقت اللي بين إيديك. أنا بكلمك زي ابني، وانت عارف معزتك انت ووالدك عندي قد إيه. وأبوك الله يرحمه كان موصيني عليك، ولا نسيت؟
قاسم وهو يمسح وجهه بتعب: لا منسيتش يا دكتور، المطلوب مني إيه دلوقتي؟ الطبيب: تجيب علاجك وتاخده بانتظام وتيجي تعمل الفحص في ميعاده. قاسم: حاضر، في حاجة تانية؟ الطبيب: آه في يا قاسم، في، بس مش وقته، لما تيجي ميعاد الفحص هنتكلم، ولازم تيجي، فاهم؟ قاسم: حاضر يا دكتور. وضع الطبيب يده على كتف قاسم وقال: "خلي بالك من نفسك يا ابني."
ثم غادر، ليترك قاسم غارقاً في همومه. من ناحية سارة وعائلتها التي يبدو أن خلفها الكثير من الأسرار، ومن ناحية أخرى صحته التي بدأت في التراجع بشكل كبير وشعوره بأن أيامه القادمة قليلة جداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!