بعد وقت طويل من محاولات الوصول لها أخيرًا جاءته رسالة منها مدونة بها (أنا في المستشفى ياحسن وداخلة العمليات هجهض الطفل) حدد برسالتها في ذهول لدقيقة كاملة وسرعان ما أجرى بها اتصال وهو يثب واقفًا ويقول بنفس مضطربة: "ردي.. ردي" أنزل الهاتف من على أذنه وهو يمسح على جبهته بعنف هاتفًا في اغتياظ وقلق: "غبي!! أنا إيه اللي عملته ده."
اندفع نحو غرفته وفي ظرف دقيقتين ارتدى ملابسه وغادر المنزل مهرولًا ليحاول اللحاق بها قبل أن يفت الأوان. حرك محرك سيارته وانطلق به وهو يفكر بأي مستشفى ستكون! فهي حتى أنها لم تقل له في أي مستشفى موجودة، ولكنه سيجرب الذهاب لأحد المستشفيات مستمعًا لصوته الداخلي الذي يقول بأنها ربما تكون هناك! وضع هاتفه أمامه ولا يتوقف عن محاولات الاتصال بها. وعندما يأس فكر بأن يجرب آخر محاولة لعلها تنجح حيث أرسل لها تسجيل صوتي يقول فيه
بصوت جاد به شيء من الخوف: "يسر متدخليش العملية أنا غيرت رأي خلاص، عايزة الولد. ردي عليا بقى أبوس إيدك وقوليلي إنتي فين. أنا في الطريق." وصلتها الرسالة فقامت بتشغيل التسجيل وسمعته وأعادته أكثر من مرة وعيناها تذرف الدموع بحرقة وألم. وعلى شفتيها ابتسامة مريرة وهي تتحدث في قرارة نفسها: "ليتك تراجعت عن كل شيء قبل فوات الأوان. أهنئك على انتصارك الساحق علي."
قضى النهار كله يبحث في كل مستشفى من الممكن أن تذهب إليها ولكن لا وجود لها في أي مكان. أحس بأنه سيفقد عقله وهو يفكر ويتساءل: ماذا فعلت؟ هل أجهضته أم لا؟ وماذا حدث لها؟ لماذا لا تجيب عليه؟ كلما مرت الدقائق يزداد خوفه ورعبه وتتناطح الأفكار السيئة في عقله حول إصابتها بمكروه وهي تجهض! أوقف السيارة جانبًا وهو يتأفف بعدم حيلة وملامح وجهه تقوست بعبوس شديد هامسًا لنفسه في نبرة مختلفة: "روحتي فين بس يايسر."
أعاد رأسه للوراء على المقعد وأغمض عينيه بإرهاق بعد ذلك اليوم الطويل والشاق من البحث عنها. وإذا به يسمع صوت رسالة لهاتفه فانتفض جالسًا بعدما توقع أنها هي. وبالفعل كانت هي وأرسلت له رسالة صوتية ففتحها ليسمع صوتها الغريب والمبحوح وهو تقول بقوتها المعهودة:
"أنا عندى واحدة صحبتي تعبانة ومش هقدر آجي. متتعبش نفسك وتتصل بيا عشان مش هرد عليك وهقفل التلفون. بكرة الصبح هرجع البيت.. وبخصوص الولد فأحب أقولك اتأخرت أنا نزلته خلاص." اتسع بؤبؤي عينيه بذهول وهو يستمع لآخر جملة قالتها: "نزلته!! ما معنى أجهضته!!! لماذا فعلت هذا؟! ليتها استمعت له للمرة الأخيرة قبل أن تذهب وعرفت بأنه تراجع. بدا على وجهه علامات الحزن والألم وهو يقول بصوت به شيء من الشجن: "ليه كدا.. ليييه!
حاول الاتصال بها على أمل أن تجيب ولكنها أغلقت فور إرسال رسالتها. ليتنهد بيأس ويستدر بسيارته ليعود للمنزل. وسينتظر عودتها في الصباح، فهو ليس أمامه حل سوى هذا الآن! عاد للمنزل بعد دقائق طويلة وبدل ملابسه ثم تسطح على الفراش وهو يحملق في السقف بسكون وأسى. ندم!!
أجل ندم أشد الندم لأنه طلب منها إجهاضه. ليته لم يفعل كل هذا معها بالأمس. فبعد تفكير عميق أحس بأنه قد يكون شيئًا جميلًا أن يكون لديه طفل بغض النظر عن من هي أمه ولكنه سيظل طفله. وحين تراجع وقرر إخبارها كان الأوان قد فات، والقطر حمل معه طفله وذهب بعيدًا دون رجعة!
حاول النوم ولكن عينيه أبت أن تذيقه الراحة وكان يخطف دقائق صغيرة من النوم ويستيقظ مجددًا حتى أصبحت الساعة 9 صباحًا. فهب واقفًا من فراشه واتجه للحمام ليأخذ حمامًا باردًا. ودقائق قليلة سمع صوت باب المنزل يفتح فأغلق صنبور الماء فورًا وارتدى بنطاله على عجالة وخرج من الحمام متجهًا نحو الباب ليجدها تنزع حذائها عنها وغير مكترثة له بتاتًا. فيهتف في انفعال حقيقي ممزوج بالاهتمام: "اليوم كله امبارح برن عليكي ومش بتردي!
صحبتك مين دي اللي تاخدي الليلة عندها!! وبعدين إنتي إزاي تروحي تنزلي الطفل وحدك من غير ما تقوليلي إنك رايحة! وكأنه نكرة لم تعيره اهتمام. انتهت من نزع حذائها وقادت خطواتها نحو غرفتها بصعوبة من فرط تعبها. ليندفع خلفها ويجذبها من ذراعها صائحًا بها في استياء: "أنا بكلمك ردي عليا. نزلتيه ليه من غير ما تقوليلي! وكأن عقرب لدغتها حين مسك بذراعها لتدفع يده عنها بعنف صارخة به في عينين بها نظرات عجيبة لم يرها من قبل:
"متلمسنيش فاهم ولا لا." ثم أكملت سيرها نحو غرفتها وهي تهتف بازدراء وألم دفين: "عملت اللي طلبته مني مش إنت اللي قولتلي أنزله. لو نسيت أفكرك باللي عملته امبارح لما قولتلي مش هنزله ولما قولتلي لو منزلتهوش هسقطك أنا. اديني ريحتك خالص منه وهريحك مني كمان." هتف في عصبية وعنف: "وأنا غيرت رأي وكنت عايزة." وصلت لغرفتها وفتحت الباب ثم دخلت والتفتت له هامسة في وجه محتقن بالدماء ونبرة لا تحمل أي لطف أو حب:
"لا ما أنا بصراحة فكرت ولقيت إني مستحيل أقبل إن ابني يكون أبوه واحد زيك. فاقتنعت برأيك وإن الإجهاض أفضل حل. فنزلته." كانت تتصنع الثبات والقوة أمامه وهي تتشوق للحظة التي ستنفرد بها مع نفسها لتدخل في نوبة بكائها العنيفة التي لم تتوقف من الأمس. أما هو فقد نجحت في إسكاته تمامًا بما قالته وأحس بالخزي من نفسه حقًا. ولكن تحولت قسمات وجهه إلى استغراب وهو يراها تفتح الخزانة وتخرج حقيبة الملابس وتبدأ في وضع ملابسها بها.
فيهتف في ريبة حقيقية: "رايحة فين؟ أجابت بكامل الجفاء: "راجعة بيت أهلي. وقبل ما أمشي هتطلقني عشان يبقى كل حاجة انتهت ومفيش مجال للعودة تاني." طلاق!!! هل حقًا هي التي تطلب منه الطلاق! وماذا عن جنون عشقها له؟ هل أصبحت تبغضه الآن؟ استغرق لحظات وهو يتطلع لها مدهوشًا حتى تحدث بحيرة: "أطلقك! هو إحنا مش متفقين إننا هنطلق بس لما يعدي فترة طويلة شوية على جوازنا؟ تركت الملابس من يدها بعنف واقتربت منه صائحة بسخط:
"أنا متفقتش على حاجة زي كده أبدًا معاك. ودلوقتي بقولك طلقني يا حسن لأن أنا اللي مبقتش طيقاك خلاص مش إنت. أنا عايزك ترمي عليا يمين الطلاق دلوقتي." "أنا أحلم. بالتأكيد هذا حلم فهذه ليست يسر أبدًا." كان يهمس لنفسه هكذا وهو يتطلع لها مصدومًا من انفعالها وما تطلبه بجدية تامة لا تحمل مزح مطلقًا. ولو لَـهَـلْـهَـة أحس بأنه لا يستطيع نطقها وأن يقول لها "إنتِ طالق". فهيمن السكوت بينهم لثوانٍ حتى قال بابتسامة تحمل
عدم الاستيعاب لما يحدث: "طيب رجعي هدومك في الدولاب واهدي الأول وريحي لإنك باين عليكي تعبانة وبعدين نبقى نتكلم. أنا برأي متطلبيش حاجة ممكن تندمي عليها بعدين." بادلته الابتسامة ولكنها كانت ابتسامة مستهزئة وكلها نقم. حيث قالت بانفطار قلب: "الحاجة الوحيدة اللي ندمانة عليها وهفضل أندم عليها طول حياتي إني حبيتك واتجوزتك وسمحتلك تلمسني."
تلقت الرد منه بالصمت دون أن يتفوه ببنت شفة. فعادت مجددًا لحقيبتها ووضعت آخر القطع ثم أغلقتها وانزلتها على الأرض بحرص شديد وبطء بسبب آلامها وتعبها. ثم أمسكت بذراعها وسحبتها خلفها ووقفت أمامه هاتفة بشموخ: "طلقني! أخذ يتطلع إليها بصدمة وهو لا يصدق نظراتها ونبرتها المختلفة التي لا تثبت له سوى شيء واحد وهو أنها أصبحت تبغضه بالفعل! أحس بكف يدها الذي يضرب على كتفه وهي تصرخ بأعين دامعة:
"بقولك طلقني إنت مبتفهمش. مبقتش عايزك خلاص ولا طايقاك." أتاها صوته الرجولي الغليظ وهو يهز رأسه بالنفي مغمغمًا: "مش هطلقك يايسر." أحست بأنها ستفقد زمام دموعها وستتحول أمامه إلى الحقيقة التي تحاول إخفاءها عنه وهي أنها أضعف مما يظن. ففضلت أن تذهب الآن بسرعة وقالت قبل أن تستدير وترحل:
"هتطلقني يا حسن وإلا هرفع عليك قضية وساعتها هتطلقني بالقانون غصب عنك. أنا دلوقتي همشي لإني مش قادرة أشوفك قدامي أكتر من كده وهستنى ورقة طلاقي تجيني فاهم."
ثم استدارت وانصرفت وهي تقاوم آلامها التي تمنعها من المشي بطبيعية. وبمجرد أن رآها سائق السيارة ترجل وحمل منها الحقيبة ووضعها في السيارة بالخلف. واستقلت هي بالمقعد الخلفي وتحركت بها السيارة وهي تعلق نظرها على المنزل بألم يمزق قلبها ودموعها تنهمر على وجنتيها. فهذه ستكون المرة الأخيرة ولن تدخله مجددًا!! ***
كانت على الفراش تحدق به وهو يستعد للخروج ويسرح شعره بعناية شديدة. ثم التقط عطره الرجولي ونثره على ملابسه لتفوح رائحته النفاذة في الغرفة بأكملها فتبتسم هي بغرام. وعصف بذهنها شيئًا مهمًا فوثبت واقفة وهرولت لتقف بجواره هامسة برقة مبالغ فيها قليلًا: "كرم! حدقها باستغراب وغمغم بنبرة خافتة: "نعم ياشفق! تحركت ببطء لتقف أمامه وتهمس بنبرة لطيفة: "هطلب منك طلب بس متتعصبش. please!
رفع حاجبيه وألقى عليها نظرة فهمت من خلالها أن يطلب منها الاسترسال في الحديث. فأخذت نفسًا عميقًا وغمغمت بتوتر: "صحبتي نهلة اللي شوفتني معاها في المستشفى يوم لما عملت الحادث. خطوبتها بعد يومين وهتزعل أوي لو مرحتش." تحولت نظرته من الهدوء إلى الحزم واشاح بوجهه عنها متصنعًا الانشغال بتهذيب ملابسه كنوع من الرفض القاطع. فعادت تكمل بسرعة محاولة إنقاذ الموقف: "لا أنا مش هروح لوحدي.. أنا عايزك تروح معايا."
"بس أنا مش فاضي اليومين دول يا شفق!! لفت ذراعيها خلف ظهرها ورسمت لوحة الوجه الحزين على وجهها وشفتيها تقوست لأسفل. ونظرت له بعينان كلها استعطاف كطفلة صغيرة هامسة بتوسل: "ارجووووك.. ارجوك! أثرته نظرتها البريئة والرقيقة. ليظل للحظات يحدق بها بسكون وهو يحاول أن يرفض للمرة الثانية ولكن قلبه لا يستطيع كسر نفسها المتحمسة لحفل خطبة صديقتها. فـتـنـهـد بعدم حيلة وهتف محاولًا عدم إظهار تأثيرها عليه:
"طيب خلاص بس هنروح متأخر شوية وهناخد نص ساعة بس عشان معايا شغل كتير." قفزت بطفولية وخطفت قبلة سريعة من وجنته هاتفة بفخر واعتزاز: "أنا ليا طرقي برضوا في الإقناع." "لا ده عشان أنا قلبي طيب وعلى نياتي بس." قالها مبتسمًا ببشاشة لتضحك هي ببساطة. ثم تنظر لملابسه وتقول بعدم إعجاب: "على فكرة الجاكت ده مش لايق." ألقى على نفسه نظرة تفحصية في المرآة وهتف مندهشًا: "بجد!
ابتعدت واتجهت نحو الخزانة لتفتحها وتبدأ في البحث عن سترة مناسبة يرتديها وتكون ملائمة على ملابسه. حتى عثرت على سترة سوداء اللون وليست طويلة. وعادت له وقالت في نعومة: "دي حلوة والأسود عليك بيبقى رهيب."
تطلع إلى السترة بتفكير ثم لنفسه في المرآة. ففكر بأن لا مانع من التجربة وهم بأن ينزع سترته الذي يرتديها. ولكنها أوقفته ومدت يدها تنزعها عنه برفق وتنظر له بابتسامة عاطفية. ولم يتمكن هو من مجابهة شعوره بالخطر حين اقتربت منه. ولكنه تصرف بثبات وتركها تفعل به كما تحب. حيث نزعت عنه السترة والبسته السوداء وهي تهندم له قميصه من الداخل ولياقته. ولمساتها على قميصه وصدره زادت من الأمر سوءًا له. ثم ابتعدت لتتركه ينظر لنفسه في المرآة
فيبتسم بإعجاب ويقول: "لا تصدقي دي أحلى فعلًا." كانت تتعمد لمسه حتى تستمتع بمشاهدة توتره وكيف ستكون ردة فعله. ولكنه تمالك نفسه اليوم وحتمًا بأحد الأيام لن يتمكن من السيطرة على اضطرابه منها. بينما هو فلم يجد الرد منها وفقط رأى ابتسامتها على شفتيها وهي تحدق به. فقال محاولًا إنهاء ذلك الوضع: "أنا همشي عشان متأخرش. عايزة حاجة؟ هزت رأسها بالنفي وهي تجيبه بهدوء: "عايزة سلامتك." ***
منظر طبيعي مذهل. حيث كانت السماء زرقاء ومزينة بقطع سحاب متفرقة تأخذ أشكالًا مختلفة وأشعة الشمس الدافئة تملأ كل مكان. وتنعكس على صفحة وجهها القمحاوية فتعطيها لمسة أنوثية مغرية مع لون عينيها الزرقاء التي تلمع مع الأشعة الذهبية فتمنحها مزيجًا مذهلًا.
كانت جالسة في الحديقة وتترك لجسدها حرية الاستمتاع بأشعة الشمس غير منتبهة له وهو يقف في شرفة غرفتهم بالأعلى ويتأمل جمالها. وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة. تسحره عيناها أكثر من أي شيء وتجذبه إليها كالمغناطيس. هو لم يعد قادرًا على مقاومة سحرها. لم يعد قادرًا عن حجب رغباته بها. ومع ذلك مازال يقاوم وحتمًا لن يصمد كثيرًا أمامها!!
رفعت نظرها بتلقائية فـتـلـتـقـت عيناها بعينيه لتبادله ابتسامته. ولكن كانت ابتسامة مرتبكة من نظرته لها. وهبت واقفة هي حين سمعته يهتف: "تعالي." تحركت ودخلت المنزل وصعدت الدرج متجاهلة نظرات الجدة العدوانية لها حتى وصلت لغرفتهم وفتحت الباب ثم دخلت وأغلقتـه خلفها ببطء هامسة: "نعم! قال بنبرة طبيعية تمامًا ليس بها أي شيء من الحدة أو الغلظة: "قاعدة تحت ليه؟! رغم أن نبرته كانت عادية إلا أن توترها لم يذهب بعد.
حيث أجابته بخفوت: "إنت كنت نايم وأنا صحيت بدري النهاردة ومليت من القعدة لوحدي فنزلت أقعد في الشمس شوية." سار باتجاهها حتى وقف أمامها مباشرة وهتف بابتسامة سلبت عقلها وبنبرة كانت حانية أكثر ما كانت آمرة: "طيب يا ملاذ من هنا ورايح لما أكون نايم متتحركيش من جمبي يعني أصحى ألاقيكي جمبي! ولما تنزلي تحت تاني تلبسي نقابك عشان ممكن حد يدخل فجأة.. تمام؟!
هزت رأسها بالموافقة وهي تحملق به بدهشة من ما يقوله. وقد تحول توترها إلى ريبة حقيقية وحيرة من أمره. بينما هو فحين تلقى الرد منها بإيماءة رأسها بالموافقة فالتفت بجسده كاملًا وهم بأنه يبتعد عنها. ولكنه التفت لها برأسه وهتف بلطف: "أنا هاخد شاور سريع. ممكن تجهزيلي هدومي لغاية ما أطلع عشان مستعجل." أماءت له للمرة الثانية كالمتغيبة وهمست بصوت يكاد لا يسمع: "حاضر." انتظرته حتى دخل الحمام وأغلق الباب لتهمس لنفسها بذهول:
"هو ماله!!! لما يتصرف معها اليوم بلطف زائد قليلًا وحنو. ذكرها به بعدما عقدوا قرانهم واصطحبها معه لمرتين ليقضوا بعض الوقت معًا. وكان لطيفًا هكذا وحنون ورومانسي. والآن لا تنكر سعادتها لأنها رأت ذلك الجانب منه مجددًا بعدما فقدت الأمل في أن تحظى به مرة أخرى حتى ولو سامحها.
تحركت نحو الخزانة وبدأت في إخراج ملابسه وتجهيزها له كما طلب منها. وبعد دقائق قليلة رأته يخرج ونصفه العلوي عاريًا وفقط يرتدي بنطال منزلي أسود. فـأشـاحـت بنظرها وتصنعت الانشغال بأي شيء حتى لا تنظر له. ولكن عيناها أبت الخضوع حيث كانت تنحرف وتختلس النظر إليه خلسة. فلاحظت الندبة التي في ظهره. ولم تكن ندبة عادية أو بسيطة بل كانت غريبة. حيث أثارت فضولها. فاعتدلت في وقفتها وظلت تحدق به. وتحركت قدماها دون إشارة نحوه ووقفت خلفه ثم مدت أصابعها تضعهم على تلك
الندبة وهي تهتف باستغراب: "إيه دي يا زين؟! لمستها تركت أثرًا سلبيًا في نفسه الرجولية التي يحاول كبحها عنها. فالتفت له وقال بصوت رخيم: "عملت حادث قبل كده." "حادث!!! قالتها بدهشة ليكمل هو بمرارة:
"كنت أنا وبابا ومسافرين لشغل وأنا اللي كنت بسوق. وكنت سايق بسرعة عشان نوصل أسرع. والصراحة مش فاكر كويس إذا كان أنا اللي مخدتش بالي ولا العربية دي هي اللي ظهرت في وشي فجأة. بس بعد الحادث ده بابا اتوفى وأنا كنت بين الحياة والموت لأن العربية مكنش فيها حاجة سليمة. واللي خبطنا فيها كانت عربية نقل كبيرة. بس أنا كان لسا ليا عمر ونجوت بصعوبة و أخدت سنة مبتحركش بعديها. وبمشي على كرسي متحرك. ومع العلاج الحمد لله رجعت أمشي تاني. وفضلت الندبة دي في ضهري عشان تفكرني دايمًا باللي حصل. وكل ما بشوفها أحيانًا بيجي الشيطان في وداني ويقولي إنت السبب. بس بستغفر ربنا وبقول ده قضاء وقدر."
ثم سكت لثانية واستكمل مبتسمًا: "تعددت الأسباب والموت واحد! كانت نظراتها متأثرة ومشفقة عليه. وحين انتهى ابتسمت له بحب وحنو. ثم مدت يدها تضعها على وجنته هامسة بنبرة ناعمة: "بالظبط إنت ملكش ذنب ده نصيب. وهو كان عمره انتهى على كده. ولو مكنش اتوفى بالسبب ده كان هيموت بأي سبب تاني وبرضوا كان هيموت في نفس اللحظة والدقيقة اللي كتبهاله ربنا. ربنا يرحمه."
هز رأسه بالإيجاب يوافقها على ما قالته وما يقوله لنفسه دومًا كلما يتذكر والده أو صديقه. ويستغفر ربه مرارًا وتكرارًا ليخرج ذلك الشيطان اللعين من عقله.
وجدها تعانقه وتلف ذراعيها خلف عنقه ليمد هو كفه ويمرره على ظهرها برفق مبتسمًا. وبعد لحظات أبعدت رأسها عن كتفه ونظرت له بابتسامة أذابت على آثارها كل ما كان يحاول بنائه طوال الفترة السابقة. وكانت عيناها وابتسامتها سببًا في خروجه عن كهفه الذي اعتكف به قرابة الشهرين وهو يجاهد في كبت رغبته بها. فوجد نفسه بدون وعي يقترب منها. وكان على وشك أن يسرق معها لحظاتهم الغرامية الأولى. ولكن عكر لحظتهم طرق الباب وسماعه
لصوت والدته وهي تهتف: "زين.. زين يا حبيبي." أعاد رأسه للوراء محاولًا تمالك نفسه المغتاظة من قدوم والدته في اللحظة الخطأ. وهتف: "أيوة يا ماما." "يلا يا حبيبي تعالى إنت ومراتك عشان الفطار جاهز تحت وجدتك مستنياكم." "حاضر يا ماما نازلين وراكي." لاحظت ملاذ غيظه فكتمت ابتسامتها وابتعدت عنه فورًا بعد أن انتابها الخجل وهمست باستحياء: "أنا هسبقك على تحت وإنت البس وتعالى."
لم يجيبها واكتفى بنظرته المتقدة ومسح على وجهه متأففًا بعدما انصرفت. وبدأ في ارتداء ملابسه وهو يتحسر على حظه السيء!! *** في تمام الساعة التاسعة مساءًا..... فتح كرم الباب ودخل ثم أغلقه خلفه. وكانت أضواء المنزل كلها مغلقة وكأنه فارغ. فعقد حاجبيه بتعجب ومد يده ليفتح المصباح ويضيء المنزل. وبدأ في نزع حذائه عنه ثم قاد خطواته نحو غرفتهم ولم يجدها. فاتجه وبحث في بقية الغرف.
وحين فتح غرفة مكتبه الخاصة وكان ضوء المصباح فيها هادئ من اللون الذهبي. وكانت هي ممدة على الأريكة ومتكورة من فعل البرودة والغطاء يصل لنصف جسدها فقط. وبرغم من ذلك كانت في ثبات عميق. ليسمع صوت الهاتف البسيط بجانب الأريكة على المنضدة مصدرًا نغمة موسيقية هادئة ومريحة للأعصاب. ثم رفع نظره وتطلع إلى صورته مع أخيها وفهم سبب نومها هنا.
يتنهد بعدم حيلة ومد يده يلتقط الهاتف ليغلقه. ثم اقترب منها وانحنى بجزعه للأمام ولتنطلق على شفتيه ضحكة خفيفة حين رأى كفوف يديها الصغيرة وهي ترتدي فيهم قفازات ثقيلة تحميها من البرد وتلف حول رقبتها شال طويل. فمد يده وازاح خصلات شعرها التي تخفي وجهها. ثم رفع الغطاء عنها وانحني إليها أكثر ليحملها على ذراعه ويتحرك بها ناحية غرفتهم.
دفع الباب بقدمه ثم دخل وسار إلى الفراش ووضعها بحرص شديد. امسك بيدها الناعمة ينزع عنها القفازات بلطف وسحب الشال من حول رقبتها برفق. وأخيرًا اتجه إلى قدميها لينزع عنها الشراب الشتوي. هم بأن يسحب اللحاف الدافئ عليها ولكن وجدها تنتفض جالسة بفزع وهي تضم قدميها إليها بنظرات مرتعدة. ليهمس هو مبتسمًا بنبرة دافئة ليطمئنها: "اهدئي اهدي ده أنا!!
أدركت صورته جيدًا فتنهدت بارتياح وهي تضع كفها على صدرها الذي يصعد ويهبط بعنف. وأصدرت زفيرًا حارًا حين شعرت بأنفاسها التي تضيق. فعندما شعرت بلمساته ظنته ذلك الوغد ولذلك وثبت من نومها فزعة. هتفت في عينين مرتعدة: "اتخضيت وافتكرتك هو. لإن من ساعة اللي حصل في بيتنا لما دخل عليا بقيت أخاف ما أنام لوحدي. والنهاردة نومت غصب عني من غير ما أحس وكنت مستنياك بس مقدرتش أقوم ونمت." هتف في هدوء وصوت رجولي:
"ميـقـدرش يدخل أصلًا وميقدرش يتجرأ ويقربلك تاني. ولو فكر وهوب ناحية البيت بس الحرس اللي برا هيمسكوه ويجبوه ليا علطول. فاطـمـنـي. لإن مفيش غيري هيدخل عليكي البيت هنا أساسًا." هزت رأسها بتفهم وهي تقابل كلماته بابتسامة باهتة. ليمد يده على اللحاف ويرفعه على جسدها هاتفًا بمشاكسة: "الجو مش برد للدرجة دي على فكرة! ضحكت وبادلته مشاكسة قائلة:
"لا برد جدًا ده أنا كنت بتنفض من البرد قبل ما تيجي. وأوضة المكتب بتاعتك كانت دافية شوية فقعدت فيها وغلبني النوم." هب واقفًا ونزع سترته عنه هاتفًا بضحك: "لا وعلى إيه أنا أجيبلك دفاية وتعيشي جمبها اليوم كله لأن شكلك من النوع اللي بيبرد أوي." "جدًا فوق ما تتخيل. أنا في بيتنا أحيانًا كنت بمشي وسطهم بالبطانية وكان سيف الله يرحمه يفضل يتريق عليا هو وماما!!
ابتسم لها بأسى عند ذكرها لشقيقها وصديقه الحميم. ولكن اختفت ابتسامته حين رأى ملامح وجهها التي عبست بانكسار وحزن. ليقترب منها مجددًا ويجلس بجوارها هامسًا في نبرة تنسدل كالحرير ناعمة: "شفق أنا معاكي ومش عايزك تحسي إنك وحدك أبدًا. اعتبريني سيف ومامتك وكل حاجة. أنا معنديش مانع." استقرت منها نظرة منطفئة عليه وقالت بصوت متحشرج:
"أنا مش عارفة أوصفلك اللي بحسه كل ما أفتكر إنهم خلاص مبقوش جمبي ولا معايا ولا هشوفهم تاني. بس إنت أكيد حاسس بيا صح؟! وضع كل شيء جانبًا وسمع لصوته الداخلي الذي يطلب منه أن يخفف عنها ويحتضنها لعله يهدأ من نيران قلبها الذي هو أكثر من يشعر بآلام الفراق. فمد يده لرأسها وجذبها إليه لتدفن هي وجهها بين ثنايا رقبته وتسمع همسه المتألم: "صدقيني مش هتلاقي حد حاسس بيكي أكتر مني."
انفجرت في البكاء الشديد وتشبثت بذراعيها حول رقبته بقوة ليسمع نبرتها المتقطعة وهي تهتف من بين بكائها: "وحشوني أوي يا كرم. نفسي أشوف ماما وأحضنها وسيف وحشني جدًا.. وحشني صوته وهزاره معايا." لمعت عيناه بالدموع هو الآخر ليجيبها في صوت به بحة بسيطة: "وأنا كمان وحشني أوي." أكملت نوبة بكائها وتركها تخرج كل ما في نفسها المكتظ بـآلام وهي بين ذراعيه هامسًا في أذنها يسترسلها في البكاء: "عيطي!
ازدادت حدة بكائها وظل يملس على ظهرها حتى أحس بها هـدأت قليلًا. وبعد دقائق أبعدها عنه وتمتم بحنان دفين: "ها حاسة نفسك أفضل؟ جففت دموعها بعدما شعرت بأنها أزاحت ثقلًا من على قلبها حين بكت بقوة. فهزت رأسها بالإيجاب. ثم تطلعت له ورأت عينيه اللامعة بالدموع لتبغض نفسها وتلعن أحزانها التي تسبب له الحزن أيضًا. ووجدت نفسها لا تتحكم في دموعها مجددًا وتقول باعتذار وخنق وهي تبكي من جديد:
"أنا آسفة. عارفة إني نكدية وبنكد عليك كل شوية!! رغم الأجواء الكئيبة التي صنعتها هي ولكنها نجحت أيضًا في إضحاكه. حيث أجابها بضحكة بسيطة: "لا إله إلا الله.. افهم بس بتعيطي تاني ليه دلوقتي!؟ قالت باحتجاج على نفسها وضيق: "عشان أنا نكدية!!! لم يتمكن من منع ضحكته المتأججة وأجابها في رقة من بين ضحكاتها: "وهو أنا اشتكيتلك وقولتلك إنتي نكدية وأنا مبحبش النكد!! قومي يا شفق بس اغسلي وشك وصلي العشاء لو مصلتهوش وهترتاحي.. قومي."
نهضت من جانبه واتجهت للحمام. بينما هو فضرب كف على كف ضاحكًا. ثم استقام وبدأ في تبديل ملابسه!! *** دخلت ملاذ المطبخ لتشرب وإذا بها تجد ميار تقف وتقوم بتحضير كوب قهوة. فظنت أنها تحضره لنفسها. تجاهلتها وفتحت الثلاجة لتخرج زجاجة المياه وتسكب في الكوب لتشربه كله. حتى سمعته يسأل بلؤم: "زين موجود في مكتبه يا ملاذ؟ التفتت لها بجسدها كاملًا وحدجتها باستحقار قائلة بقرف: "آه موجود خير." أكملت ميار بنفس نبرتها المستفزة
قاصدة إثارة غيرتها: "أصل أنا شوفته جاي من بدري من الشغل ومطلعش من Büro (المكتب) وقاعد بيشتغل فقولت أعمله فنجان قهوة." اشتعلت نيران الغيرة وتأججت حتى كادت أن تصل إلى السقف. فاقتربت منها وهي تحاول تمالك أعصابها المتغاظة وهتفت جازة على أسنانها بقوة: "زين مش بيشرب القهوة ولو شربها مبيشربهاش غير من إيدي. فأنا من رأي يا تكبيها يا تشربيها لأنه مش هيشربه." "بس أنا واثقة إنها هتعجبه!
قالتها بثقة تامة ودلال أنوثي مستفز. ففقدت ملاذ السيطرة على نفسها الملتهبة وجذبتها من ذراعها بعنف هاتفة في تحذير مخيف: "بقولك إيه يا بت إنتي تبعدي عن زين بالذوق أحسنلك بدل ما والله العظيم أخليكي تندمي على اليوم اللي شوفتيني فيه. فاهمة ولا لا."
تطلعت إليها ميار بنظرات شيطانية غير مكترثة بتحذيرها المباشر لها. ثم دفعتها بعيدًا عنها وامسكت بكوب القهوة الساخن وسكبته على يدها لتصرخ بأعلى صوت أوتيت به. فيجتمع كل ما في المنزل على أثر صراخها وأولهم الجدة التي ركضت إليها فزعة وهي تهتف بهلع: "مالك يا ميار يا حبيبتي حصل إيه؟
ابتسمت ميار لجدتها بمكر. ففهمت فورًا حيلتها. ونظرت الجدة إلى ملاذ المتسمرة بأرضها تحدق بهؤلاء الشياطين في ذهول. حتى تجمعوا الجميع وآخرهم زين. وبمجرد دخوله صاحت الجدة بملاذ في غضب موجهة الكلام لزين في الأساس: "تعالي شوف مراتك اللي بتقولي محدش يضايقها، هي دي اللي اخترتهالوا يا هدى." هتفت هدى بتعجب وهي تنقل نظرها بين زوجة ابنها وميار التي سرعان ما انهمرت دموعها على وجنتيها: "حصل إيه يا ماما طيب فهمينا." هتفت ميار
من بين بكائها بصوت مرتجف: "أنا كنت بعمل قهوة لزين وهي شافتني وفضلت تزعق معايا وتقولي إنتي تعمليله قهوة ليه وإنتي مالك وكبتها عليا." كانت ملاذ غير مستوعبة ما يحدث ونظرها معلق على ميار وهي تبكي. ولا تجد ما تقوله لتدافع عن نفسها حتى. لحظات وجاءت رفيف بمرهم للحروق واعطته لجدتها وبدأت الجدة تضعه على ذراعها. ثم رفعت الجدة نظرها إلى ملاذ وقالت بلهجة آمرة ومتشفية: "اعتذري منها!
نقلت ملاذ نظرها بينهم جميعهم في دهشة حتى استقر نظرها على زوجها وطالعته بنظرة ضعيفة تتوسله أن لا يصدق هذه التفاهات التي يقولونها. وبالفعل هو لم يكن يصدق أي شيء. وحين وجد الجدة تنظر له وكأنها تطلب منه أن يجعلها تعتذر. فهتف بخشونة ونظرة قاتلة: "مراتي مغلطتش عشان تعتذر وأنا واثق إنها متعملش حاجة زي كده. والصراحة أنا معنديش دماغ للمواضيع التافهة دي وكفاية أوي لغاية كده يا جدتي." ثم نظر لزوجته وقال بنبرة غليظة:
"تعالي ورايا يلا عشان هنرجع بيتنا." ثم استدار ورحل. فخرجت ابتسامتها تشق طريقها إلى شفتيها وكادت أن تصل إلى أذنها. ثم عادت بنظرها إلى الجدة وحفيدتها ورمقتهم بلؤم وتشفي وهي تبتسم وانحنت ناحية ميار هامسة بنبرة شماتة: "ألف سلامة يا حبيبتي تعيشي وتاخدي غيرها." ثم ولتهم ظهرها ولحقت بزوجها. بينما هدى ورفيف فتبادلوا النظرات بينهم وهم يحاولون كبت ابتسامتهم. وكانت الجدة وميار يشتعلان من الغيظ!! ***
دخلت ملاذ خلفه واغلقت الباب ثم وقفت أمامه وهتفت بسعادة غامرة: "شكرًا." لم يبتسم ولم يبدي أي نظرات لطيفة. حيث قال بحزم: "حصل إيه؟ فهمت أنه يريد الحقيقة التي لم يرها كاملة. فهتفت في بساطة:
"ولا حاجة. أنا كنت نازلة أشرب ولقيتها بتعمل قهوة وهي اللي فتحت الكلام. أنا فكراها بتعملها لنفسها. سألتني زين موجود في المكتب فقولت ليها أيوة. لقيتها بتقولي أصل أنا عاملة القهوة. ليه أنا الصراحة اتغاظت منكرش فشديت معاها وقولتلها تبعد عنك بالذوق أحسنلها. هو ده بس كل اللي قولته والله. وفجأة لقيتها بعدين بتمسك القهوة وبتكبها على نفسها وبدأت المسرحية اللي شوفتها تحت دي. وجدتك لما جات ميار ضحكتلها ففهمت وبقت تسايرها في اللي بتعمله."
أماء رأسه بتفهم. وقد هدأت نفسه الثائرة قليلًا وهدر: "طيب يلا لمي هدومك عشان نمشي." أحاطت وجهه بكفيها وقالت في عشق جارف متوسلة: "حاضر بس ممكن متضايقش نفسك خلاص حصل اللي حصل وأنا مش مضايقة. وكويس أوي إننا هنمشي لإني بقيت مش واخدة راحتي هنا أبدًا." تأفف بنفاذ صبر وهو مازال يحمل بعض الغضب في نفسه من أفعال جدته. ولكنه أماء لها بنظرات هادئة. وابعد كفيها عن وجهه ليتجه نحو الحمام تاركًا إياها تبتسم بانتصار وفرحة غامرة!! ***
بعد مرور يومين جاء الأب الغائب منذ قرابة شهر. واستقبله الجميع بسعادة وترحيب حار فيما عدا ابنته التي كانت تحاول الانخراط معهم في سعادتهم ولكن بلا فائدة!! تعتكف في غرفتها منذ يومين وحالتها النفسية تزداد سوءًا كلما يمر الوقت. تتجاهل اتصالاته المستمرة ومحاولاته للتحدث معها وترفض بشدة مكالمته أو رؤيته إلا حين يأتي بأوراق طلاقهم.
وجميع من في المنزل حاولوا فهم أي شيء وما الذي حدث بينهم ليصلهم لهذه المرحلة. ولكن أمها أبت الضغط عليها بعدما رأت وضعها النفسي السيء بسبب فقدانها لطفلها! فتح طاهر الباب ودخل ثم دخلت خلفه زوجته. ليقترب هو ويجلس بجوار ابنته هامسًا بحنو: "احكيلي يا يسر حصل إيه بينك وبين حسن." هتفت الأم بيأس: "أنا ليا يومين يا طاهر أنا وأخوها بنحاول نفهم منها إيه اللي حصل وهي مبتتكلمش." نظر لزوجته وهمس:
"طيب سيبنا لوحدنا وأنا هتكلم معاها." تنهدت بنفاذ صبر واستدارت وغادرت تاركة إياهم بمفردهم. ليمد طاهر يده ويملس على شعرها برفق هاتفًا بخفوت: "قوليلي يا حبيبتي.. قوليلي عملك إيه بس وأنا هربهولك. مد إيده عليكي؟! عصفت بذاكرتها لحظة صفعه لها على وجهها بعنف فقط لأنها رفضت إجهاض الطفل. لتنهمر دموعها على وجنتيها وترتمي داخل أحضان أبيها باكية بقوة. فيهتف هو بصرامة وقلق: "يسر قولي في إيه متخلنيش أروح أتصرف مع حسن بطريقتي."
ابتعدت عن أبيها وقررت اختراع كذبة جديدة. ولكنها ستكون الأخيرة منذ أن تزوجته. فهي تريد الانفصال عنه دون أي إزهاق لنفسها أكثر من ذلك. وتريد الانفصال عنه في سلام حتى تتمكن من النظر لحياتها براحة. غمغمت بصوت مبحوح:
"احنا مكناش متفاهمين يا بابا وحصلت كذا مشكلة بينا بس محبتش أقولكم وأقلقكم. وكنا ناوين نطلق بس لما عرفت إني حامل فكرت إن أراجع وأحاول أصلح علاقتنا عشان ابننا. بس لما البيبي نزل قولت خلاص ملوش لازمة نحاول في حاجة ميئوس منها. يعني إني غلطت من البداية لما اتسرعت ووافقت لأني اكتشفت بعدين إن أنا وحسن منفـعـش مع بعض." حدقها باستغراب وأكمل بخشونة: "مشاكل إيه اللي توصل بيكم للطلاق وتخليكي مصممة بالطريقة دي على الطلاق؟ جففت
دموعها وقالت متصنعة القوة: "مشاكل كتير يا بابا صدقني أنا مش قادرة أحكيها. أنا كل اللي عايزاه إني أرتاح دلوقتي. وعايزة أطلق منه." لم يقتنع وشعر بأن مهما كانت مشاكلهم فهي بالتأكيد لن تصل لحد الطلاق. فقال وقد عادت نبرته للطف والحنو:
"يابنتي إن أبغض الحلال عند الله الطلاق. متتسرعيش وفكري واهدي الأول وبعدين خدي قرارك النهائي. هو النهاردة كلمني وقالي ياعمي أنا بحاول أكلمها وأعتذرلها وهي رافضة تكلمني. وقالي إنه جه البيت هنا قبل ما آجي ومخلتهوش يدخل يشوفك. يعني أي كان اللي حصل بينكم شكله ندمان وعايز يصلح غلطه. وحسن أنا مربيه وعارفه كويس." قالت بإصرار وغضب بسيط:
"لا إنت متعرفهوش يا بابا. وأنا مش هتراجع. خليه يطلقني بالذوق يا إما هرفع عليه قضية بجد. خلاص مفيش مجال للعودة كل حاجة انتهت." هدأها وتمتم بعدم حيلة موافقًا على طلبها: "حاضر يا حبيبتي طالما إنتي عايزة كده ومش مبسوطة معاه. أنا أهم حاجة بنسـبـالـي راحتك وسعادتك. هكلمه بكرة واخليه ييجي يطلقك."
أشاحت بنظرها عن والدها وهي تحاول منع دموعها من السقوط مرة أخرى. فبعد كل ما فعلته لتحظى به ولكي تحظى ولو بجزء بسيط من قلبه وحبه فشلت. ونجح هو في تحطيمها لأشلاء وإطفاء نفسها المضيئة بنور العشق والأمل!! *** ترجلت شفق من السيارة أمام حفل الخطبة وانتظرته حتى ترجل هو أيضًا والتف ناحيتها. ثم سار بجوارها ليجدها تعقد ذراعها بذراعها لينظر لها متعجبًا. فتقول هي متحججة بالحذاء: "خايفة أقع عشان الكعب."
ابتسم مغلوبًا على أمره. ثم أبعد نظره عنها وسارا معًا حتى دخلا. فانحنى هو على أذنها وهتفت بصوت مرتفع قليلًا حتى تسمعه بسبب الموسيقى الصاخبة: "أنا هروح أقعد وإنتي روحي سلمي على صحبتك وتعالي جمبي متقعديش بعيد عني." فهمت سبب تضيقه عليها لهذه الدرجة ولم تختنق منه. بل قابلت اهتمامه بها بحب وأماءت له بالموافقة. ثم اندفعت بين الحشود لتهنئ صديقتها على خطبتها وتعانقها فقد اشتاقت لها كثيرًا.
بينما هو فذهب وجلس على أحد الطاولات الصغيرة وعيناه معلقة عليها لا يزيحهم عنها للحظة واحدة من فرط قلقه. وبعد لحظات وجدها تقترب ناحيته وجلست بجواره هاتفة في أذنه باسمة: "بتسلم عليك." قال بعدم فهم: "مين؟ عادت تهتف بعبث: "نهلة يا كرم صحبتي." "آه الله يسلمها."
صمتوا لبرهة وهم يتابعون الجميع بسكون. حتى وجدها تقترب بمقعدها منه بشدة وتقرب شفتيها من أذنه. وتبدأ تتحدث معه في مواضيع مختلفة حول المدعوين في الخطبة أو الخطبة بشكل عام. وأغلبها كانت كوميدية. يستمع لها ويكتفي بالابتسامة التي تتحول في بعض الأحيان لضحكة بسيطة. وتبادله هي إياها. حتى وجدها تهتف بجدية: "أنا هروح الحمام." غمغم باعتراض بسيط وضجر: "وبعدين يا شفق اثبتي جمبي أنا قايلك من قبل ما نيجي مش هتتحركي من جمبي."
تمتمت في نعومة: "متخافش مش هتأخر."
ثم هبت واقفة وابتعدت عنه حتى توارت عن أنظاره بين حشود المدعوين للحفل. ليتأفف بنفاذ صبر وينتظرها إلى ما يقارب الخمس دقائق وهو ينظر لساعة يده كل دقيقة. وبدأ خوفه يسري في أعضائه عندما تخطت السبع دقائق ولم يعد يتحمل. حين وصلت لعشر دقائق ولم تعد. فهب واقفًا واتجه نحو الحمام. ووجد فتاة صغيرة لم تتخطى العشر سنوات تخرج من الحمام. فأوقفها وسألها عنها ووصف لها ملابسها وهيئتها. وهل رأتها في الحمام قبل أن تخرج أم لا. فكانت إجابتها بالنفي. لتتسارع نبضات قلبه. وبدأ عقله في إفراز هرمون الأدرينالين. فتحول لقطعة من النيران الملتهبة. واندفع يبحث عنها في كل مكان من الممكن أن تكون به في إطار الحفل. ولكن لا أثر لها وكأنها تبخرت في الهواء!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!